كان الصمت الذي خيم على المحل في تلك اللحظة أثقل من أن يُحتمل. تحت طاولة القص الخشبية الضخمة، كانت كراميلا تتكور على نفسها كقطة حوصرت في زاوية ضيقة، أنفاسها متسارعة، وعيناها المتسعتان من خلف عدسات النظارة الشمسية الداكنة تلتقيان بعيني نزار اللتين كانتا تلمعان بمزيج غريب من التسلية والدهشة. كان المشهد برمته سريالياً، عبثياً، وكأنه مقطع مقتطع من فيلم كوميدي سيئ الإخراج.
وقف نزار هناك، بكامل أناقته المعتادة، يرتدي معطفه الصوفي الأسود الذي يحمل قطرات خفيفة من المطر المتبقي في الخارج، يحمل بيد واحدة نظاراتها الطبية الوردية التي فضحت وجودها، وباليد الأخرى يرفع حافة القماش الحريري المتدلي الذي كان يشكل درعها الأخير.
"حسناً..." كسر نزار الصمت أخيراً، وصوته الأجش يحمل نبرة هادئة ومستفزة في آن واحد. "يجب أن أعترف أنني توقعت رؤية الكثير من الأشياء تحت طاولة عملي، ربما فأر هارب، أو بكرة خيط ضائعة، لكن... 'كراميلا' متخفية بزي لصوص المنازل؟ هذا بالتأكيد يتصدر القائمة".
شعرت بحرارة رهيبة تصعد إلى وجنتيها، وتلون وجهها المليئ بالنمش بحمرة قانية. لم يكن هناك أي مجال للإنكار أو التظاهر. ابتلعت ريقها الجاف، وبحركة مليئة بالغضب المكبوت والإحراج، انتزعت النظارة الشمسية الكبيرة من على وجهها وألقتها أرضاً.
"ابتعد عن طريقي!" صرخت بصوت مخنوق وهي تدفعه من ساقه لتتمكن من الخروج.
تراجع نزار خطوة إلى الوراء، ورفع حاجبيه بابتسامة خفيفة وهو يراقبها تزحف من تحت الطاولة بصعوبة، وتنفض الغبار عن سترتها الرياضية السوداء الفضفاضة التي كانت تبدو غريبة تماماً على جسدها الرشيق. وقفت أمامه أخيراً، تلهث قليلاً، وشعرها الناري قد تمرد تماماً من تحت غطاء الرأس ليحيط بوجهها كالهالة المشتعلة.
مد نزار يده بهدوء ليناولها نظاراتها الطبية. "تفضلي يا الآنسة ماربل. يبدو أن تحقيقك السري قد انتهى بنهاية مأساوية لغطائك".
لم تأخذ كراميلا النظارات من يده. بل وقفت تتأمل وجهه. كانت تنظر إليه الآن بعدسة مختلفة تماماً. لم يعد هذا هو "الخياط المتعجرف" أو "الجار المزعج". كانت تبحث في ملامحه عن ذلك الشخص الآخر... "إمبراطور الحرير". كانت تحلل بدقته المفرطة، طريقة وقوفه، نوعية القماش الذي يرتديه، وتلك الثقة المطلقة التي لا يمكن أن يمتلكها شخص عادي.
"لماذا عدت مبكراً؟" سألته فجأة، وصوتها خرج حاداً، خالياً من أي مزاح. "أنت لا تعود أبداً قبل الساعة الثانية".
تلاشت الابتسامة عن شفتي نزار ببطئ. لاحظ التغيير في نبرتها. لم تكن هذه نبرة كراميلا المشاكسة التي تفتعل شجاراً لكسر الملل. كانت نبرة شخص يشعر بالخيانة.
وضع النظارات على حافة الطاولة، وتنهد. "الصحافة الفرنسية لم تتركني وشأني. هاتفي لم يتوقف عن الرنين، فلم أستطع الاستمتاع بقهوتي. عدت لأغلق المحل وأهرب من الضجيج. ولكن... يبدو أن الضجيج كان ينتظرني داخل محلي".
أشار بعينيه نحو الدرج المفتوح جزئياً في أسفل مكتبه، والذي كانت قد نسيته في غمرة ذعرها. "أفترض أنك لم تكوني تبحثين عن إبرة خياطة هناك، أليس كذلك؟"
اتجهت أنظارها نحو الدرج. تذكرت ما رأته في الداخل. الرسالة من أسبوع الموضة في باريس، دفتر الاسكتشات المذهل، الفستان الأحمر. عادت الحرارة إلى جسدها، لكنها هذه المرة لم تكن حرارة الإحراج، بل كانت نيران الغضب الصافي.
"لقد رأيت ما يكفي"، قالت وهي ترفع ذقنها بتحدٍ، رغم أن قلبها كان يرتجف. "رأيت الدفتر. رأيت الرسالة. ورأيت... التصاميم".
ضاق بؤبؤ عين نزار للحظة، ومرت سحابة من التوتر على وجهه قبل أن يستعيد قناعه البارد. "التطفل على ممتلكات الآخرين جريمة يعاقب عليها القانون يا كريمة".
"والتظاهر بأنك شخص آخر أليس خداعاً؟" صرخت، وتقدمت خطوة نحوه، غير مبالية بهالته المخيفة. "من أنت بحق الجحيم؟ هل أنت الخياط البسيط الذي يصلح سحابات التنانير لنساء الحي، أم أنك نزار مهران، المصمم العالمي الذي تتحدث عنه مجلات الموضة؟"
نظر إليها نزار طويلاً. كان يدرس وجهها، يرى الغضب، ويرى أيضاً ذلك الجرح الصغير الذي بدأ يتشكل في عينيها. أدرك أن اللعبة قد انتهت فعلاً. لا يمكنه المراوغة بعد الآن.
ببطئ شديد، أدخل يده في الجيب الداخلي لمعطفه، وأخرج محفظته الجلدية السوداء. فتحها، وسحب منها بطاقة بلاستيكية صغيرة، وقدمها لها دون أن ينطق بحرف.
ترددت كراميلا للحظة. كانت يدها ترتجف وهي تمتد لتأخذ البطاقة.
أنزلت عينيها لتقرأها. كانت بطاقة هوية وطنية.
في الجانب الأيسر، كانت هناك صورة شخصية لنزار. كان يبدو فيها أصغر قليلاً، بدون لحية، وشعره مرتب بطريقة أكثر عصرية، ونظراته تحمل تلك الحدة والغرور التي كانت تميزه في المجلة.
وفي الجانب الأيمن، كانت الحروف واضحة وضوح الشمس:
الاسم: نزار مهران.
المهنة: مصمم أزياء.
شعرت وكأن أحدهم سكب دلواً من الماء المثلج على رأسها.
كانت تعرف الحقيقة في قرارة نفسها منذ أن استمعت لمكالمة مدام ثريا، ومنذ أن فتحت ذلك الدرج. لكن رؤية الهوية، رؤية الإثبات المادي بين يديها، جعلت الأمر واقعاً لا يمكن الهروب منه.
هو نزار مهران. الإمبراطور. المليونير. العبقري.
وهي؟ هي مجرد مصففة شعر بسيطة في شارع الزمرد، صدقت أنها تستطيع أن تقف نداً له، وصدقت أن مشاحناتهما كانت حقيقية، وصدقت... صدقت كلماته تحت المطر ليلة البارحة.
سقطت البطاقة من يدها كأنها جمرة مشتعلة، لتستقر على الأرضية الخشبية بصوت خافت.
"كيف استطعت فعل ذلك؟" همست، وصوتها يختنق بمرارة لا توصف. رفعت عينيها إليه، وكانتا تلمعان بدموع الغضب المكبوت. "كيف استطعت أن تنظر في عيني كل يوم، وأنت تعرف أنك تلعب دوراً؟"
حاول نزار أن يتقدم نحوها، ومد يده كأنه يريد تهدئتها. "كريمة، اسمعيني..."
"لا تلمسني!" تراجعت إلى الوراء بعنف، واصطدم ظهرها بحافة الطاولة. "لا تقترب مني. أريد أن أفهم. هل كانت هذه مزحة بالنسبة لك؟ هل كنت تشعر بالملل في قصرك في باريس، فقررت أن تأتي إلى هنا لتلعب دور 'الخياط المسكين' وتتسلى بالبسطاء من أمثالنا؟"
"الأمر ليس كذلك على الإطلاق!" ارتفع صوت نزار لأول مرة منذ بداية المواجهة. فقد قناعه البارد أخيراً، وظهرت على ملامحه علامات التوتر والضيق الحقيقي. "أنا لم آتِ إلى هنا لأتسلى بأحد. جئت إلى هنا لأهرب!"
"تهرب؟" ضحكت ضحكة ساخرة، قاسية، وممتلئة بالألم. "ممن تهرب يا سيد مهران؟ من الشهرة؟ من المال؟ من النساء اللواتي يرمين بأنفسهن تحت قدميك؟ يا لك من مسكين! حياتك صعبة جداً لدرجة أنك اضطررت للكذب على فتاة ساذجة كانت تطلق عليك لقب 'مهران المزيف' بينما كنت تضحك عليها في سرك!"
"أنا لم أضحك عليكِ أبداً!" صرخ نزار، واندفع نحوها، ولم يسمح لها بالتراجع هذه المرة. وضع يديه على حافة الطاولة خلفها، محاصراً إياها بين ذراعيه، وانحنى بجذعه حتى أصبح وجهه على بعد إنشات قليلة من وجهها.
كان يتنفس بسرعة، وعيناه تشتعلان بانفعال لم تره فيه من قبل. "أنتِ لا تفهمين شيئاً عن ذلك العالم يا كريمة. أنتِ ترين فقط الأغلفة اللامعة والأضواء. لكنكِ لم تري النفاق، ولم تري الطعنات في الظهر، ولم تعيشي نوبات الهلع التي كانت تخنقني كل ليلة قبل أي عرض أزياء. لقد كنت آلة، مجرد آلة لطباعة الأموال وتوليد التصاميم. كنت أفقد نفسي، أفقد روحي، أفقد كل ما أحبه في هذا الفن."
ظلت كراميلا تنظر إليه، وكتفاها ترتفعان وتهبطان مع أنفاسها اللاهثة. لم تكن مستعدة لسماع هذا الضعف في صوته، لكن جرح كرامتها كان أعمق من أن يندمل بكلمات مبررة.
"لذلك هربت"، استمر نزار، وصوته ينخفض قليلاً ليصبح أقرب إلى الهمس اليائس. "غيرت شكلي، وأطلقت لحيتي، ووضعت هذه النظارات، واتيت الى هذا المحل الصغير في هذا الشارع المنسي. كنت أريد فقط أن أعود للبداية. أن ألمس القماش بيدي، أن أصنع شيئاً بسيطاً دون كاميرات، دون نقاد، دون ضغوط. أردت أن أكون نزار الخياط... فقط نزار".
"وماذا عني؟" قاطعته بصوت مهتز، ودمعة يتيمة أفلتت من عينيها لتنزل على خدها، تركت أثراً ساخناً أذاب كل دفاعاتها. "ماذا كان دوري في مسرحيتك هذه؟ الكوميديا الفاصلة؟ الفتاة الغبية التي كانت تأتي لتتشاجر معك حول فاتورة الكهرباء وصوت الموسيقى، بينما أنت تملك ما يكفي لشراء الشارع بأكمله؟"
رؤية دمعتها كانت كخنجر غُرس في صدر نزار. كان يعرف كراميلا المشاكسة، الغاضبة، المتمردة. لكنه لم يتوقع قط أن يرى هذا الانكسار في عينيها. رفع يده ببطئ ومسح الدمعة عن خدها بإبهامه، وكأنها أثمن شيء لمسه في حياته.
"أنتِ لم تكوني جزءاً من المسرحية يا كريمة"، قال بصوت مليئ بالصدق، وعيناه لا تفارقان عينيها. "أنتِ كنتِ الشيء الحقيقي الوحيد في هذا الشارع. نعم، في البداية كنتِ مجرد إزعاج. لكن شيئاً فشيئاً... أصبحتِ السبب الوحيد الذي يجعلني أفتح باب هذا المحل كل صباح. كنتِ الوحيدة التي تعاملني كإنسان، كرجل عادي يتشاجر، ويغضب، ويضحك. لم تكوني ترين المصمم الشهير، كنتِ ترينني أنا".
"لكنني كنت أرى كذبة!" صرخت، ودفعت يده بعيداً عن وجهها بقوة، مما جعله يتراجع خطوة للخلف متفاجئاً من ردة فعلها العنيفة. "أنا لم أكن أعرفك! كل ما عرفته كان مجرد قناع ارتديته لترتاح من عالمك المثالي. أنا كنت أشارك أسراري، ومخاوفي، ويومياتي التافهة مع شبح!"
انفجرت الدموع من عينيها الآن، ولم تعد قادرة على إيقافها. كانت تبكي حرقة، ليس فقط على كبريائها المجروح، بل على قلبها الذي بدأ يتورط معه.
"ليلة البارحة..." شهقت كراميلا، ورفعت يدها لتمسح دموعها بكم سترتها بعصبية. "ليلة البارحة، تحت المطر. عندما قلت لي إنك لم تعد تطيق البقاء بعيداً عني. عندما قلت إنك تحب فوضاي. هل كان ذلك حقيقياً؟ أم أنها كانت مجرد كلمات اقتبستها لتجعل الدراما تكتمل؟ هل كنت تنظر إلي وتفكر: 'يا لها من فتاة مسكينة، بكلمتين سأجعلها تذوب'؟"
"لا! أقسم لكِ لا!" اندفع نزار، وكاد أن يمسك بكتفيها لكنه تراجع عندما رأى نظرة النفور في عينيها. كان يقف هناك، إمبراطور الموضة الذي يرتجف أمامه كبار النقاد، يقف الآن عاجزاً، ضائعاً، لا يملك الكلمات المناسبة لإصلاح ما أفسده. "ما قلته البارحة كان أصدق شيئ نطقته في حياتي. أنا أحبكِ يا كريمة. أحبكِ أنتِ، بشعرك الفوضوي، ولسانك السليط، وعنادك الذي لا ينتهي. كذبت بشأن هويتي، نعم، لكنني لم أكذب أبداً بشأن مشاعري".
ضحكت كراميلا، وكانت ضحكة خالية من أي مرح، ضحكة مكسورة تناثرت شظاياها في أرجاء المحل.
"تحبني؟ أنت لا تعرف حتى معنى هذه الكلمة يا سيد مهران. الحب لا يبنى على الخداع. الحب لا يبنى على شخص يقف على قمة الجبل ويراقب الآخرين يتخبطون في الوحل وهو يبتسم. أنت لم تحبني، أنت أحببت فكرة أن هناك شخصاً يعاملك بقسوة لأنك مللت من التملق في عالمك المخملي. كنت بالنسبة لك 'تجربة اجتماعية' مسلية، لا أكثر".
"هذا غير صحيح! أنتِ تظلمينني وتظلمين نفسكِ بهذا الكلام!" صرخ نزار، وقد بدأ اليأس يتسرب إلى صوته. كان يشعر بأنها تفلت من بين يديه، وأن الجدار الذي بناه ليحمي نفسه قد انهار ليسحقهما معاً. "أعطني فرصة لأشرح، أعطني فرصة لأثبت لكِ أن..."
"تثبت لي ماذا؟" قاطعته ببرود مفاجئ، برود جليدي جفف دموعها وحول ملامحها إلى قناع من الحجر. "أنك تستطيع أن تشتري لي صالوناً جديداً؟ أنك تستطيع أن تأخذني إلى باريس لأكون دميتك الجديدة التي تتفاخر بها أمام أصدقائك المزيفين هناك؟ 'انظروا إلى هذه الفتاة الشعبية التي روضتها'؟"
"كريمة، أرجوكِ، توقفي!" أغمض نزار عينيه بقوة، ومرر أصابعه في شعره بإحباط شديد، مدمراً تسريحته الأنيقة بالكامل. "لا تتحدثي عن نفسكِ هكذا، ولا تتخيليني بهذا السوء".
"أنا لا أتخيل شيئاً. أنا أرى الحقيقة أخيراً".
التفتت كراميلا نحو الباب. التقطت نظاراتها الطبية من على الطاولة ووضعتها في جيبها. لم تكن تريد أن تنظر إليه أكثر من ذلك. كانت تشعر بأنها تختنق في هذا المكان المليئ بالحرير والأسرار والأكاذيب.
سارت نحو الباب بخطوات سريعة، ثقيلة. وعندما وضعت يدها على المقبض النحاسي، توقفت للحظة دون أن تلتفت إليه.
"تعرف ما هو الأسوأ في كل هذا يا نزار؟" قالت بصوت خافت، لكنه كان حاداً كشفرة سيف تقطع الصمت. "الأسوأ ليس أنك كذبت بشأن اسمك أو ثروتك. الأسوأ هو أنني... للمرة الأولى منذ سنوات طويلة... بدأت أثق برجل. بدأت أعتقد أنني وجدت شخصاً يفهمني حقاً".
أخذت نفساً عميقاً ومرتجفاً. "لكنك أثبت لي أن الرجال الذين يشبهونك، سواء كانوا خياطين بسطاء أو أباطرة حرير، بارعون فقط في شيء واحد... تدمير كل شيء يلمسونه".
فتحت الباب بقوة، وخرجت إلى الشارع، تاركة خلفها صوتاً مدوياً لارتطام الباب الخشبي.
في الداخل، وقف نزار مهران، الرجل الذي يملك العالم بأسره تحت قدميه، وحيداً وسط محله الصغير، محاطاً بأقمشته الفاخرة وتصاميمه العبقرية. نظر إلى بطاقة هويته الملقاة على الأرض كأنها قطعة قمامة، وإلى النظارة الشمسية الداكنة التي تركتها خلفها.
شعر بفراغ هائل يبتلع صدره، وبرد قارس لم يستطع معطفه الصوفي أن يمنعه. أدرك في تلك اللحظة القاسية، أنه عندما قرر الهروب من كذبة عالم الأضواء، انتهى به الأمر بخلق كذبة أبشع دمرت الشيئ الحقيقي الوحيد الذي كان يملكه.
انحنى ببطئ، والتقط النظارة الشمسية من على الأرض، وشد عليها بقبضته. كان يعلم أن كراميلا ليست من النوع الذي يغفر بسهولة. كبريائها هو درعها الوحيد، وهو قد حطم هذا الدرع بوحشية.
السؤال الآن لم يكن كيف يهرب من باريس والصحافة... السؤال كان: كيف يستعيد قلب الفتاة التي أعلنت عليه الحرب للتو؟
في الصالون المجاور، دخلت كراميلا كالإعصار. كانت ريم وسلوى تقفان بالقرب من آلة القهوة، تتحدثان بصوت خافت، وعندما رأتاها تدخل بوجهها الشاحب وعينيها المحمرتين، توقفتا عن الحديث فوراً.
"كراميلا؟ ماذا حدث؟" سألت ريم بخوف، وهي تتقدم نحوها. "هل أمسك بك؟ هل اتصل بالشرطة؟"
لم تجب كراميلا. خلعت سترتها الرياضية السوداء ورمتها بعنف على أحد الكراسي، ثم توجهت نحو الحمام وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح.
فتحت صنبور المياه الباردة، وبدأت تغسل وجهها مراراً وتكراراً، محاولة إطفاء النار التي تشتعل في رأسها. نظرت إلى انعكاسها في المرآة. عيناها كانتا حمراوين ومورمتين، ووجهها يبدو متعباً ومتهالكاً.
"غبية... غبية... غبية!" ظلت تكرر الكلمة وهي تضرب بقبضتها على حافة الحوض الرخامي.
كانت تتذكر كل لحظة قضاها معها. كل شجار حول الموسيقى، كل نظرة مسروقة من خلف الزجاج، كل ابتسامة جانبية، وكوب القهوة الذي سكبته عليه في اليوم الأول. كيف كانت تعتقد أنها تتحدى رجلاً يكافح من أجل لقمة عيشه، بينما كان هو ينظر إليها من برجه العاجي كحشرة ممتعة تثير اهتمامه!
سمعت طرقاً خفيفاً على باب الحمام. "كريمة... هل أنتِ بخير؟ أرجوكِ افتحي الباب." كان صوت سلوى يحمل قلقاً حقيقياً.
مسحت كراميلا وجهها بالمنشفة، وأخذت نفساً عميقاً لتستعيد رباطة جأشها. هي "كراميلا". هي لا تنكسر أمام أحد، وبالتأكيد لن تنكسر بسبب رجل كذب عليها. إذا كان نزار مهران يعتقد أنها ستجلس وتبكي على الأطلال، فهو لا يعرف شيئاً عن البنت التي بنت نفسها من الصفر.
فتحت الباب، وخرجت بوجه خالٍ من التعابير، رغم أن عينيها كانتا لا تزالان تفضحان حزنها.
"أنا بخير"، قالت بصوت حازم قاطع، لا يقبل النقاش. "لا تسألاني عما حدث، لأنني لن أتحدث عنه. كل ما أريدكما أن تعرفاه هو أن ذلك المحل المجاور لم يعد موجوداً بالنسبة لنا. الرجل الذي يعمل هناك مات بالنسبة لي. لا أريد سماع اسمه، ولا أريد رؤيته، وإذا حاول الدخول إلى هنا، اتصلا بالشرطة بتهمة التعدي على ممتلكات الغير. هل هذا واضح؟"
تبادلت ريم وسلوى نظرات مصدومة ومذعورة، لكنهما أومأتا برأسيهما بسرعة. "واضح يا كراميلا".
"جيد". التقطت مجفف الشعر وفرشاتها. "الآن، لدينا زبونات يجب الاهتمام بهن. فلنعد إلى العمل".
بدأت الآلات تعمل من جديد في "كراميلا بيوتي"، وارتفع صوت الموسيقى الصاخبة ليغطي على أي أفكار أو مشاعر. لكن في أعماق كراميلا، كان هناك صمت ثقيل ومؤلم. كانت تعلم أن الأيام القادمة ستكون الأصعب في حياتها. سيتعين عليها أن تقف كل يوم بجوار المحل الذي يضم الرجل الذي أحبته... والرجل الذي كسرها في نفس الوقت.
وبينما كانت تصفف شعر زبونتها التالية، وتنظر إلى انعكاسها في المرآة، لمحت من خلال النافذة الزجاجية خيالاً يقف في الشارع المقابل، وسط المطر الذي بدأ يهطل من جديد. كان نزار، يقف هناك بدون مظلة، يراقب صالونها بصمت، وعيناه تحملان اعتذاراً تعرف أنها ليست مستعدة لقبوله... وربما لن تكون مستعدة أبداً.
prince Egotist