كانت أشعة شمس الصباح الباردة تتسلل عبر الواجهة الزجاجية لصالون "كراميلا بيوتي"، تعكس بريقاً ذهبياً على زجاجات طلاء الأظافر المصفوفة بعناية، وتضفي جواً من النشاط على المكان الذي بدأ يغص بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى. بعد ليلة المطر الغزير والاعتراف العاطفي المربك تحت المظلة، كانت كراميلا تشعر وكأنها تعيش في فقاعة من الأفكار المتضاربة. لم تنم جيداً، بل قضت الليل تتقلب في سريرها، تستعيد نبرة صوته الأجش، وتفكر في عمق عينيه الداكنتين.
ومع ذلك، وبمجرد أن فتحت باب الصالون، ارتدت قناع "كراميلا" القوية والمرحة. كانت تعلم أن العمل لا ينتظر، وأن زبوناتها يعتمدن عليها.
جلست على أحد الكراسي الجلدية الدوارة سيدة في أواخر الأربعينيات من عمرها، تدعى "مدام ثريا". كانت ثريا من نوع الزبونات اللواتي يفرضن هيبتهن بمجرد دخولهن، ترتدي معطفاً من فرو المنك، وتحمل حقيبة "هيرميس" أصلية، وتزين معصمها بساعة مرصعة بالألماس تعكس الضوء في كل اتجاه. لم تكن من زبونات الشارع المعتادات، بل كانت تنتمي إلى طبقة مخملية لا تزور عادة شارع الزمرد.
كانت كراميلا تقف خلف مدام ثريا، تمسك بمجفف الشعر في يد، وفرشاة دائرية في اليد الأخرى، وتعمل بتركيز شديد على تصفيف خصلات شعرها الأشقر الرمادي، بينما كانت ريم تطلي أظافر السيدة بلون أحمر كلاسيكي.
"يجب أن يكون الحجم مثالياً يا عزيزتي كراميلا"، قالت مدام ثريا وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة، وصوتها يحمل تلك النبرة الآمرة المعتادة. "لدي حفل عشاء خيري الليلة، ولا أقبل بأقل من الكمال".
"لا تقلقي يا مدام ثريا، ستخرجين من هنا وكأنك نجمة سينمائية تسير على السجادة الحمراء،" أجابت كراميلا بابتسامة مهنية، وهي ترفع درجة حرارة مجفف الشعر.
في تلك اللحظة، رن هاتف مدام ثريا بنغمة كلاسيكية هادئة. رفعت السيدة يدها الحرة، وأشارت لكراميلا بأن تخفض صوت المجفف قليلاً. التقطت الهاتف من حقيبتها، وأجابت بفرنسية متعالية:
"آلو؟ أهلاً عزيزتي شيرين... نعم، نعم أنا أستعد للحفل".
توقفت ثريا عن الحديث لتستمع إلى محدثتها، بينما استمرت كراميلا في عملها بهدوء، تحاول عدم التلصص على المكالمة، لكن صوت ثريا كان عالياً وواضحاً في الصالون الهادئ نسبياً.
"أوه، لا تقلقي بشأن الفستان! لقد أرسلني إلى صالون تجميل هنا في شارع الزمرد للاهتمام بشعري ومكياجي. تخيلي! قال لي إن صاحبته تمتلك لمسة سحرية لا توجد حتى في صالونات باريس". ضحكت مدام ثريا ضحكة رنانة، ثم أضافت بثقة تامة: "طبعاً أثق بذوقه! إذا كان نزار مهران شخصياً هو من نصحني بهذا المكان، فكيف أجرؤ على الرفض؟ لقد أخبرني أنه يثق بكراميلا ثقة عمياء، وأنها الوحيدة التي تناسب إبداعاته".
تصلبت كراميلا في مكانها.
توقف مجفف الشعر عن الحركة، لكنه ظل يعمل بصوت عالٍ، موجهاً هوائه الساخن مباشرة نحو أذن مدام ثريا التي صرخت بانزعاج: "آي! انتبهي يا فتاة، ستحرقين أذني!"
أطفأت كراميلا المجفف بسرعة البرق، ويديها ترتجفان بشكل لا إرادي. "أنا... أنا آسفة جداً يا مدام ثريا! لقد شرد ذهني للحظة".
نظرت إليها ثريا بامتعاض عبر المرآة، لكنها سرعان ما عادت لمكالمتها. "آسفة يا شيرين، المصففة احترقت أذني تقريباً. على أي حال، سأرتدي الفستان الأحمر الليلة... نعم، نعم، ذلك الفستان الذي صممه نزار العام الماضي. سأكون حديث الحفل. حسناً، أراكِ الليلة".
أنهت ثريا المكالمة، ووضعت الهاتف في حقيبتها. لكن بالنسبة لكراميلا، كان العالم بأسره قد توقف عن الدوران. الكلمات كانت تتردد في جمجمتها كأجراس إنذار مدوية: "نزار مهران شخصياً... الفستان الأحمر الذي صممه نزار..."
تراجعت خطوة إلى الوراء، وعيناها متسعتان بصدمة حقيقية.
هل سمعت للتو اسم "نزار مهران" من هذه السيدة الأرستقراطية؟ هل قالت السيدة إن نزار هو من أرسلها؟.
بدأت قطع الأحجية تتجمع في عقلها بسرعة جنونية، وكأن إعصاراً يعصف بذاكرتها.
تذكرت الزبونات الراقيات اللواتي بدأن يتوافدن على الصالون مؤخراً دون سابق إنذار، وكلهن يذكرن أن "خياطاً" نصحهن بالصالون.
تذكرت المجلة الفرنسية القديمة، والصورة التي تحمل ملامحه مطابقة تماماً لجارها ذي النظارات، باستثناء اللحية.
وتذكرت... الفستان الأحمر! ذلك الفستان المذهل الذي أحضرته إحدى الزبونات منذ أسابيع لكي تصلحه، وكيف أخذه نزار، وفي غضون ساعات، حوله من قطعة قماش عادية إلى تحفة فنية لا يمكن أن تصنعها سوى أيدي ساحر عبقري.
تذكرت كيف ضحك نزار بسخرية مبطنة عندما أطلقت عليه لقب "مهران المزيف". لم يكن يضحك خجلاً أو ارتباكاً... كان يضحك لأنها كانت تقف أمام الإمبراطور شخصياً، وتتهمه بتقليد نفسه!
"يا إلهي..." همست كراميلا بصوت بالكاد يُسمع، وشعرت بأن دمائها قد انسحبت من وجهها.
"هل أنتِ بخير يا كراميلا؟ تبدين وكأنك رأيت شبحاً!" سألت ريم بقلق وهي تقترب منها، تاركة طلاء الأظافر.
"أنا... أنا بحاجة إلى دقيقة". أسندت مجفف الشعر إلى الطاولة بعنف، واندفعت نحو الغرفة الخلفية المخصصة للاستراحة، مغلقة الباب خلفها.
أسندت ظهرها إلى الباب الخشبي، وبدأت تتنفس بصعوبة.
لقد خدعها. لقد تلاعب بها طوال هذا الوقت. جدار الغطرسة، النظارات الطبية، اللحية، المتجر الصغير في شارع الزمرد... كل هذا كان مسرحية متقنة! الرجل الذي تشاجرت معه على صوت الموسيقى، الرجل الذي سخرت من مقصه، الرجل الذي كادت أن تعترف له بمشاعرها ليلة البارحة تحت المطر... هو مصمم الأزياء العالمي نزار مهران! المليونير، إمبراطور الحرير، النجم الذي تتسابق عليه عواصم الموضة في أوروبا!
تحولت الصدمة ببطئ إلى مزيج من الإحراج الشديد والغضب العارم.
كيف استطاع أن يسخر من سذاجتها بهذه الطريقة؟ كيف وقف أمامها، بكل هدوء، واستمع إليها وهي تنعته بـ "المزيف" بينما كان يضحك في قرارة نفسه على غبائها؟
"لا، لا يمكن أن أكون غبية إلى هذا الحد!" حدثت كراميلا نفسها وهي تدور في الغرفة الضيقة كأنها نمرة حبيسة. "يجب أن أتأكد. لا يمكنني مواجهته بناءً على مكالمة هاتفية فقط. قد تكون هذه السيدة تتحدث عن خياط آخر، أو ربما هو مجرد توافق أسماء غريب... لا، من أخدع؟ الشبه، التصاميم، الزبائن... كل شيئ يصرخ بالحقيقة!"
توقفت أمام المرآة الصغيرة في الغرفة، ونظرت إلى نفسها. تقلصت عيناها بتصميم خطير، وارتسمت على شفتيها ابتسامة شريرة لا تبشر بالخير.
"حسناً يا سيد مهران. لقد لعبت لعبتك ببراعة، لكن دوري قد حان. أريد أدلة قاطعة. أريد أوراقاً، وثائق... أريد أن أرمي الحقيقة في وجهك المتعجرف وأرى كيف ستتصرف!"
نظرت إلى ساعة الحائط. كانت تشير إلى الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة ظهراً.
كانت تعرف جدول نزار اليومي أفضل من جدولها. كل يوم، في تمام الساعة الواحدة ظهراً، يغلق نزار محله، ويتوجه إلى المقهى المجاور في ناصية الشارع لتناول قهوة "إسبريسو" مزدوجة وقرائة صحيفة لمدة ساعة كاملة. لا يخل بهذا الروتين أبداً.
فتحت باب الغرفة الخلفية وخرجت إلى الصالون. كانت مدام ثريا قد انتهت، وتدفع الحساب لريم. انتظرت كراميلا حتى غادرت السيدة، ثم التفتت إلى مساعدتيها.
"ريم، سلمى. استمعا إلي جيداً." قالت بصوت هامس وجاد، وكأنها تبلغهم بخطة عسكرية. "سأضطر للغياب لمدة نصف ساعة. إذا سأل عني أي شخص، أخبروه أنني ذهبت لشراء مستحضرات طارئة. وإذا حدث حريق في الصالون... لا تتصلا بي".
"إلى أين أنتِ ذاهبة؟" سألت سلوى بدهشة، وهي ترفع حاجبها. "وما خطب وجهك؟ تبدين مستعدة لارتكاب جريمة!"
"ليس جريمة يا سلوى... بل عملية استخباراتية عالية المستوى". غمزت كراميلا، وتوجهت نحو الخزانة الصغيرة. سحبت سترة رياضية سوداء بغطاء للرأس، كانت تحتفظ بها لأيام الشتاء الباردة، وارتدتها فوق ملابسها. ثم، وبحركة درامية، أخرجت نظارات شمسية داكنة وكبيرة، ووضعتها على عينيها.
انفجرت ريم في الضحك. "ما هذا المظهر يا كراميلا؟ تبدين كلص منازل مبتدئ من أفلام الكرتون!"
"هذا تمويه!" همست كراميلا بحدة وهي ترفع غطاء الرأس ليغطي شعرها الناري الذي يصعب إخفاؤه. "لا تناقشاني. فقط راقبا الصالون".
تسللت كراميلا من الباب الخلفي للصالون الذي يطل على زقاق ضيق مشترك بين مبناها ومبنى نزار. كان قلبها يخفق بسرعة جنونية، مزيج من الأدرينالين والخوف من الانكشاف. وقفت خلف حاوية قمامة معدنية كبيرة، تراقب الباب الخلفي لمحله.
في تمام الساعة الواحدة ودقيقتين، سمعت صوت قفل الباب الأمامي لمحله يدور. انتظرت دقيقة أخرى، ثم تسللت بحذر نحو الواجهة الأمامية للشارع، ونظرت خلسة. رأت نزار، بمعطفه الأنيق وخطواته الواثقة، يبتعد في الشارع متجهاً نحو المقهى.
ابتسمت بانتصار. "الهدف ابتعد. حان وقت التنفيذ".
عادت راكضة نحو الزقاق الخلفي. كانت تعرف أن نزار يمتلك نظام تهوية قديم في الجزء الخلفي من محله، وهناك نافذة صغيرة زجاجية علوية تُترك أحياناً مواربة للسماح بدخول الهواء إلى مخزن الأقمشة لتجنب الرطوبة.
نظرت إلى النافذة التي ترتفع عن الأرض حوالي مترين. "اللعنة على طولي"، تذمرت وهي تبحث حولها. وجدت صندوقاً خشبياً قديماً مهجوراً في الزاوية. سحبته بصعوبة، ووضعته تحت النافذة.
تسلقت الصندوق، وحاولت دفع النافذة. كانت ثقيلة بعض الشيئ، وتصدر صريراً مزعجاً، لكنها فتحت بما يكفي لتمرير جسدها الرشيق.
بصعوبة بالغة، وبحركات بهلوانية كادت أن تسقطها على رأسها، تمكنت من إدخال رأسها وكتفيها، ثم تلوت كأفعى حتى انزلقت أخيراً إلى داخل المحل، لتسقط بصوت مكتوم فوق كومة من الأقمشة الحريرية الناعمة.
"آخ! ظهري!" همست وهي تفرك كتفها. نهضت ونفضت الغبار عن سترتها.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تتواجد فيها داخل محل نزار بمفردها، وبعيداً عن واجهة الاستقبال. كان المكان من الداخل أشبه بمتحف صغير. الإضاءة خافتة ودافئة، رائحة خشب الأرز واللافندر تعبق في الهواء لحماية الأقمشة. لفافات من الحرير، الصوف، والكشمير مرتبة بعناية هوسية على رفوف خشبية من الأرض إلى السقف. وفي المنتصف، كانت هناك طاولة قص خشبية ضخمة، عليها أدوات قياس ومقصات فضية لامعة تبدو وكأنها قطع أثرية.
لكن كراميلا لم تكن هنا للسياحة. كانت هنا للبحث عن الدليل.
توجهت فوراً نحو المكتب الخشبي الصغير القابع في الزاوية، والذي كان نزار يجلس خلفه دائماً ليرسم أو يكتب. بدأت بتفتيش سطح المكتب. لم تجد سوى أقلام رصاص مبراة بدقة متناهية، وممحاة، ومسطرة هندسية.
فتحت الدرج الأول. كان يحتوي على فواتير، وإيصالات إيجار، ودفتر حسابات عادي جداً.
فتحت الدرج الثاني. كان ممتلئاً بعينات أقمشة صغيرة ودبابيس.
"أين تخفي أسرارك يا مهران؟" تمتمت وهي تعض شفتها السفلية بتوتر.
انحنت لأسفل، ولاحظت درجا ثالثاً كبيراً في أسفل المكتب، لكنه كان مغلقاً بقفل معدني صغير.
لمعت عيناها. الدرج المغلق هو الملاذ الكلاسيكي للأسرار!
أخرجت دبوس شعر معدنياً من جيبها (بصفتها مصففة شعر، كانت تمتلك ترسانة من هذه الدبابيس في كل مكان). تذكرت فيلماً بوليسياً شاهدته الأسبوع الماضي، وبدأت تحاول إدخال الدبوس في القفل وتحريكه.
مرت خمس دقائق، والعرق بدأ يتصبب من جبهتها. لم يكن القفل سهلاً كما في الأفلام، لكن مع محاولة أخيرة غاضبة ودعكة قوية، سمعت صوت "طقطقة" خفيفة، وانزلق الدرج إلى الخارج.
توسعت عيناها عندما رأت محتويات الدرج.
لم تكن هناك فواتير أو إيصالات. كان الدرج ممتلئاً بوثائق رسمية مجلدة بملفات جلدية فاخرة.
سحبت الملف الأول بيديها المرتجفتين وفتحته.
كانت هناك رسالة مطبوعة على ورق فاخر يحمل شعاراً ذهبياً مألوفاً... شعار أسبوع الموضة في باريس!
قرأت السطور الأولى بالفرنسية: "عزيزي السيد نزار مهران، نأسف بشدة لقرارك بالابتعاد عن الأضواء هذا الموسم، ونأمل أن يكون غيابك مؤقتاً، فغياب 'إمبراطور الحرير' ترك فراغاً لا يملأ..."
شهقت كراميلا، ووضعت يدها على فمها لتكتم صوتها.
إذاً، كل شيئ حقيقي. هو لم ينتحل الشخصية، هو الشخصية ذاتها!
وضعت الملف جانباً، وسحبت دفتراً كبيراً ذا غلاف أسود مخملي من قاع الدرج. عندما فتحته، وجدت نفسها أمام كنز فني حقيقي. كانت الصفحات ممتلئة باسكتشات ورسومات لتصاميم فساتين تسلب الأنفاس، مرسومة بحبر أسود دقيق ومظللة بألوان مائية مذهلة. وفي الزاوية السفلية من كل صفحة، كان هناك توقيع أنيق بخط متشابك: "N. Mehran".
كانت تتصفح الدفتر بذهول تام، وكأنها تلمس قطعة من السحر. وصلت إلى إحدى الصفحات، وتوقف قلبها عن النبض للحظة.
كان هناك رسم دقيق لفستان أحمر. نفس الفستان الذي أصلحه نزار في الصالون! ومكتوب بجانبه بخط يده: "تعديل طفيف لضبط الخصر، لا يجب المساس بطيات الحرير الأصلية".
"أيها الوغد الكاذب المتعجرف الوسيم!" همست، والدموع تجمعت في عينيها من شدة الانفعال. لم تكن تدري هل تبكي من الغضب لأنه كذب عليها، أم من الإعجاب العظيم بهذا العبقري الذي يقف أمامها كل يوم، أم من الرعب لأنها وصفت إمبراطور الموضة بأنه "خياط مبتدئ يمتلك مقصاً صدئاً".
فجأة، وبدون أي سابق إنذار، انطلق صوت رنين جرس الباب الأمامي للمحل، معلناً دخول أحدهم.
تصلبت في مكانها كتمثال من الجليد.
نظرت إلى ساعتها بذعر. الواحدة وعشرون دقيقة! من المفترض أن يغيب لساعة كاملة! لماذا عاد مبكراً؟!
سمعت صوت خطوات نزار الواثقة والبطيئة تتقدم على الأرضية الخشبية للمحل. كان يغلق مظلته ويتحدث بصوت مسموع على هاتفه.
"نعم، قلت لكِ يا أمي، لا أريد التحدث للصحافة. أنا في إجازة مفتوحة، دعي المحامين يتعاملون مع الأمر."
كان يقترب من المكتب!
اجتاحها الذعر. لم يكن هناك وقت لإغلاق الدرج، ولم يكن هناك وقت للهروب من النافذة الخلفية. كانت محاصرة تماماً.
في حركة يائسة وغريزية، رمت الدفتر والملفات داخل الدرج، ودفعته بقوة ليغلق، ثم ألقت بنفسها على الأرض، وانزلقت بسرعة فائقة تحت طاولة القص الخشبية الضخمة التي تتوسط المحل، وسحبت أطراف قماش طويل كان يتدلى من الحواف لتختبئ خلفه تماماً.
انتهى نزار من مكالمته، وألقى هاتفه على المكتب.
كراميلا تحت الطاولة، تكتم أنفاسها بيديها، وعيناها مغلقتان بقوة، تدعو الله ألا يسمع دقات قلبها التي كانت مدوية كطبول إفريقية.
كانت تستطيع رؤية حذائه الجلدي الأسود اللامع من تحت حافة القماش المتدلي. توقف الحذاء أمام المكتب مباشرة.
مرت ثوانٍ بدت وكأنها قرون.
ثم سمعت صوته الأجش، الهادئ والبارد، يكسر صمت المكان.
"أتعرفين يا كراميلا..." قال نزار ببطئ، وكأنه يتحدث إلى نفسه. "أهم قاعدة في عمليات التجسس الناجحة، هي ألا تتركي دليلاً على وجودك".
توسعت عيناها تحت الطاولة، وشعرت بأن روحها تنسحب من جسدها.
كيف عرف؟!
انحنى نزار، وبحركة واحدة سريعة، رفع القماش المتدلي من على الطاولة، لتتقابل عيناه الداكنتان، اللتان تلمعان بمكر وخبث شديدين، مع عينيها المتسعتين بالرعب وهي جالسة كالقرفصاء تحت الطاولة، ترتدي سترتها الرياضية السوداء والنظارات الشمسية، وتمسك بدبوس الشعر في يدها.
ابتسم نزار تلك الابتسامة الجانبية المستفزة، وأمسك بيدها الأخرى التي كانت خالية، ليُريها شيئاً. كان يحمل نظاراتها الطبية الوردية الصغيرة، التي أسقطتها على المكتب دون أن تنتبه.
"وأعتقد"، أضاف نزار بصوت يحمل نبرة ضحك مكتومة، "أن الجواسيس المحترفين لا يرتدون نظارات شمسية في مكان مغلق، ولا ينسون نظاراتهم الطبية فوق مسرح الجريمة".
ابتلعت كراميلا ريقها. لم يكن هناك أي مهرب الآن. اللعبة انتهت، وإمبراطور الحرير قد أمسك بـها متلبسة.
prince Egotist