الفصل التاسع عشر.

الفصل التاسع عشر.

13 0

كانت شمس الصباح الباكر تلقي بأشعتها الذهبية المائلة على أرصفة شارع "الزمرد"، لتوقظ واجهات المحلات الفاخرة من سباتها الشتوي الخفيف. الهواء كان يحمل تلك النسمة الباردة المنعشة التي تميز بدايات فصل الشتاء، حيث تتراقص أوراق الشجر الجافة على الأسفلت مصدرة حفيفاً هادئاً، كأنه يمهد لمسرحية يومية جديدة في هذا الشارع العريق.

أمام واجهة صالون "كراميلا بيوتي" ذات اللون الوردي الجريئ، وقفت كراميلا. كانت ترتدي معطفاً صوفياً بلون الكراميل الدافئ، وتلف حول عنقها وشاحاً أحمر اللون يتناغم مع خصلات شعرها النارية المتمردة التي ترفض دائماً الانصياع لقوانين التصفيف. أخذت نفساً عميقاً، ملأت به رئتيها بهواء الصباح البارد، وأخرجت مفاتيحها بحركة تحمل الكثير من الثقة والنشاط.

منذ ذلك اليوم المشهود، يوم "الشجار الألطف" ومواجهة المقص الفضي مع جارها المتعجرف نزار، وتفاصيل حياتها تأخذ منحنى مختلفاً تماماً.

ذلك العناق المفاجئ، وتلك الكلمات الصادقة التي همس بها، كسرت حاجزاً جليدياً ضخماً بينهما. لم تعد تشعر بتلك الرهبة أو الغضب تجاهه، بل استبدلتها بشعور دافئ، غامض، ومربك، يرفرف في معدتها كلما لمحت طيفه من خلف الواجهة الزجاجية. الأهم من ذلك كله، أن أزمة الإيجار قد حُلت مؤقتاً في عقلها، والعبئ النفسي الذي كان يجثم على صدرها قد انزاح، مما منحها طاقة إيجابية جبارة انعكست على عملها بشكل مباشر.

خلال الأسبوعين الماضيين، شهد صالون "كراميلا بيوتي" إقبالاً منقطع النظير. زبائن جدد، وتوصيات من زبائن قدامى، وحجوزات متتالية لعرائس ومرافقاتهن. الدفتر الوردي الصغير الذي تسجل فيه المواعيد امتلأ عن آخره بخطها الفوضوي المتعجل. لم يعد بإمكانها تلبية كل هذه الطلبات بمفردها. لقد كانت تقضي أكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة في العمل، تقص، وتصبغ، وتصفف، وتضع مساحيق التجميل، حتى كادت ذراعاها أن تسقطا من الإرهاق بنهاية كل يوم.

دفعت الباب الزجاجي، وخطت داخل مملكتها الوردية. أشعلت الأضواء، وتنفست رائحة الفراولة الممزوجة بمثبتات الشعر المعطرة، وهي رائحة تعني لها "النجاح". اتجهت نحو طاولة الاستقبال، ألقت بحقيبتها، وفتحت دفتر المواعيد. نظرت إلى قائمة اليوم: عشر زبونات، بينهن ثلاث جلسات صبغة معقدة، وعروس تحتاج إلى بروفة مكياج وتسريحة كاملة.

عضت كراميلا على شفتها السفلية مفكرة. "لا يمكنني الاستمرار هكذا"، همست لنفسها. "العمل وحدي سيفقدني جودة الخدمة، وسيفقدني عقلي أيضاً".

نظرت إلى الكرسيين الفارغين في الزاوية، وإلى حوض غسيل الشعر الذي يقف وحيداً. تذكرت الأيام الخوالي، عندما كان الصالون يضج بالحياة، وبالضحكات، وبأصوات فتياتها اللواتي كن بمثابة عائلة ثانية لها. تذكرت "سلوى"، خبيرة العناية بالأظافر ذات الضحكة الرنانة والنميمة البريئة التي لا تنتهي. وتذكرت "ريم"، مساعدة التصفيف وغسيل الشعر، الفتاة الهادئة التي كانت تمتلك يدين سحريتين في تدليك فروة الرأس لدرجة تجعل الزبونات يغططن في نوم عميق.

بسبب الأزمة المالية الخانقة التي كادت أن تعصف بالصالون قبل أشهر، اضطرت كراميلا، بقلب يعتصر ألماً، إلى منحهن إجازة مفتوحة غير مدفوعة الأجر، مع وعد بأن تستدعيهن فور تحسن الأوضاع. وقد تحسنت الأوضاع بالفعل. بل إنها ازدهرت.

التقطت هاتفها المحمول بسرعة، ولم تتردد لحظة واحدة. اتصلت بالرقم الأول.

"سلوى؟" قالت كراميلا بصوت يرتجف من الحماس عندما أتاها الرد الناعس من الطرف الآخر.

"كراميلا؟ يا إلهي! صباح الخير! هل حدث شيئ؟" جاء صوت رانيا قلقاً بعض الشيئ.

"نعم حدث شيئ!" صرخت كراميلا بفرح لم تحاول إخفائه. "صالون كراميلا يغرق في الزبائن يا فتاة! الدفتر ممتلئ، وهناك طوابير من الأظافر التي تنتظر لمستك السحرية. هل أنتِ مستعدة للعودة إلى الفوضى؟".

ساد صمت قصير على الطرف الآخر، قبل أن ينفجر صوت رانيا بصرخة فرح مدوية جعلتها تبعد الهاتف عن أذنها وهي تضحك. "هل تتحدثين بجدية؟! يا إلهي، لقد كنت أكاد أموت من الملل في المنزل! سأكون عندكِ في غضون نصف ساعة، لا بل عشرين دقيقة! سأرتدي ملابسي الآن!".

أغلقت كراميلا الخط وهي تضحك من قلبها، ثم اتصلت فوراً بريم، التي لم تكن استجابتها أقل حماساً ودموعاً من رانيا. لقد عادت العائلة لتلتئم من جديد.

لم تمضِ ساعة واحدة حتى كان باب الصالون يُفتح بقوة لتندفع منه سلوى و ريم. كان المشهد درامياً بامتياز، أحضان، ودموع فرح، وضحكات هستيرية، وقفز في منتصف الصالون.

"لقد اشتقت لهذا المكان ولرائحة هذه الجدران!" قالت سلوى وهي تمسح دموعها وتدور حول نفسها تتأمل الصالون وكأنها تراه لأول مرة.

"واشتقت إليكِ يا كراميلا، لقد فقدت الكثير من الوزن، هل تأكلين جيداً؟" سألت ريم بحنانها المعتاد وهي تمسد على كتفها.

"أنا بخير، وبأفضل حال الآن بوجودكما معي،" أجابت كراميلا وعيناها تلمعان بدموع التأثر.

"لكن لا وقت للبكاء الآن! لدينا جيش من الزبونات سيجتاح المكان بعد قليل. أريد أن تعود الحياة إلى هذا الصالون كما كانت، بل وأكثر صخباً! هل أنتن مستعدات؟".

"مستعدات دائماً!" هتفت الفتاتان بصوت واحد.

"إذن..." اتجهت كراميلا نحو جهاز الصوت الكبير في زاوية الصالون، ورفعت مستوى الصوت إلى أقصى حد مسموح به. "لتبدأ الحفلة!"

صدحت في أرجاء المكان أغنية إسبانية حيوية، بإيقاعات طبول سريعة وموسيقى صاخبة تضخ الأدرينالين في العروق. بدأت الفتيات في تجهيز المعدات، وتشغيل مجففات الشعر، وترتيب طاولات العمل، وكل ذلك وهن يتمايلن مع الموسيقى، ويتبادلن النكات، ويضحكن بأعلى أصواتهن.

بمجرد أن بدأت الزبونات في التوافد، تحول الصالون إلى خلية نحل حقيقية. أصوات مجففات الشعر اندمجت مع إيقاع الموسيقى اللاتينية العالية. سلوى تتحدث بصوت مرتفع لتسمع زبونتها فوق ضجيج الموسيقى وهي تبرد أظافرها، وريم تغني مع المقطع الصوتي وهي تغسل شعر إحدى السيدات، و كراميلا... كراميلا كانت كالفراشة التي تنتقل من زهرة إلى أخرى؛ تقص هنا، وتعدل خصلة هناك، تضحك مع هذه، وتواسي تلك. كانت في قمة سعادتها، في عنصرها الطبيعي، وفي قلب الفوضى التي تعشقها وتستمد منها هويتها.

على الجانب الآخر من الجدار، وتحديداً في "دار نزار للأزياء"، كان الوضع مختلفاً تماماً، كما هو متوقع دائماً في عالم التناقضات هذا.

كان نزار يقف أمام طاولة التصميم الضخمة، يرتدي كعادته قميصاً أبيض شديد الأناقة، مكفف الأكمام حتى المرفقين، وبنطالاً أسود كلاسيكياً. كان يضع نظارته الطبية ذات الإطار الفضي الرقيق، ويمسك بقلم رصاص دقيق، يحاول وضع اللمسات النهائية على تصميم فستان سهرة مخملي أسود لزبونة من الشخصيات الدبلوماسية الهامة.

كان الجو في محله يبعث على الاسترخاء المطلق. الإضائة خافتة ومدروسة لتبرز ألوان الأقمشة، ورائحة خشب الصندل والقهوة الداكنة تعبق في المكان، وموسيقى "شوبان" الكلاسيكية تنساب بنعومة من مكبرات الصوت المخفية في السقف، لتخلق هالة من السكون الفني الراقي.

بالنسبة لنزار، كان الصمت والتنظيم هما الأكسجين الذي يتنفسه ليبدع. لا يستطيع التفكير إذا كان هناك قلم موضوع في غير مكانه، ولا يستطيع الرسم إذا كان هناك صوت يكسر إيقاع أفكاره.

وضع سن القلم على الورقة ليرسم انحنائة دقيقة عند خصر الفستان. ركز عينيه، وحبس أنفاسه لثانية ليضمن ثبات يده...

بوم... بوم... بوم... بوم!

اهتزت الأرضية تحت قدميه فجأة، وارتجف فنجان القهوة على الطاولة مصدراً رنيناً خفيفاً. انحرف قلم الرصاص عن مساره تاركاً خطاً أسود عشوائياً شوه التصميم الذي استغرق في رسمه ساعتين.

توقف نزار عن التنفس، ورفع رأسه ببطئ.

بوم... بوم... بوم!

صوت الموسيقى اللاتينية كان يخترق الجدار الفاصل وكأنه لا يوجد جدار من الأساس. كان إيقاع الطبول عالياً جداً، والترددات (البيس) تجعل الزجاج الأمامي لمحله يهتز بخفة. لم يكن هذا مجرد صوت؛ كان هجوماً صوتياً شاملاً.

عقد نزار حاجبيه بقوة، ورمى القلم على الطاولة بانزعاج.

"ما هذا بحق السماء؟" تمتم بصوت منخفض، وهو يفرك ما بين حاجبيه. لقد اعتاد على أصوات الموسيقى المرتفعة نسبياً من صالون كراميلا، واعتاد على صخبها المعتاد. لكن هذا كان مستوى جديداً تماماً من الضوضاء. لقد كان الأمر أشبه بوجود ملهى ليلي يقام في وضح النهار في المحل المجاور.

حاول نزار تجاهل الأمر. رفع مستوى الموسيقى الكلاسيكية في محله ليغطي على الضجيج، وأمسك بممحاة دقيقة محاولاً إصلاح الخطأ في رسمته. لكن بمجرد أن لمس الورقة، اخترق الجدار صوت ضحكة نسائية جماعية، عالية جداً، تلتها صرخة حماسية غير مفهومة.

"هذا يكفي!"

قالها نزار بحزم، وهو يخلع نظارته الطبية ويلقيها على المكتب. لقد نفد صبره. هو يحب كراميلا، نعم، وقد اعترف لنفسه بذلك، لكن هذا لا يعني أن يسمح لها بتحويل الشارع الراقي إلى ساحة مهرجان شعبي وتدمير قدرته على التركيز في عمله.

سحب سترته الكلاسيكية من على المشجب، وارتداها بحركات سريعة وعصبية. عدل ياقته، ورسم على وجهه قناع "نزار الغاضب، الصارم، المتعجرف"، وتوجه بخطوات واسعة وحازمة نحو باب محله.

"سأجعلها تبتلع مكبر الصوت هذا،" همس نزار لنفسه وهو يفتح الباب ويخرج إلى الشارع.

"الذوق العام له حدود، وهناك قوانين تحكم الضوضاء في المناطق التجارية. سأخبرها بذلك بكل هدوء وصرامة."

مشى الخطوات القليلة التي تفصل بين محله وصالونها. وقف أمام الباب الزجاجي الوردي. كان الضجيج هنا يصم الآذان. أمسك بمقبض الباب، وكان على وشك أن يدفع الباب بقوة ليقتحم المكان ويوقف هذه المهزلة، لكن شيئاً ما جعله يتوقف.

توقف لينظر من خلال الواجهة الزجاجية الكبيرة.

ما رآه في الداخل لم يكن فوضى مزعجة. بل كان... لوحة فنية تنبض بالحياة.

كان الصالون مزدحماً بالنساء من مختلف الأعمار، لكن لم يكن هناك أي أثر للتوتر أو الملل الذي يصاحب عادة صالونات التجميل المزدحمة. كانت كل الوجوه تبتسم.

في منتصف الصالون، كانت سلوى تمسك بفرشاة شعر دائرية كأنها ميكروفون، وتغني بانسجام تام مع الأغنية، بينما تصفق لها زبونة تجلس على كرسي الانتظار. وسلوى تتمايل بكتفيها وهي تضع طلاء الأظافر لإحدى السيدات التي كانت تضحك حتى دمعت عيناها.

لكن عيني نزار لم تستقرا سوى على شخص واحد.

كراميلا.

كانت تقف في المنتصف، ترتدي مريلة العمل السوداء التي التصقت بها بقع صغيرة من صبغات الشعر المختلفة لتجعلها تبدو كلوحة تجريدية. كانت تمسك بمجفف الشعر في يد، ومشطاً في اليد الأخرى. شعرها الناري كان مربوطاً بعشوائية، وبعض الخصلات متمردة تتطاير حول وجهها مع حركتها السريعة.

وفجأة، غيرت الأغنية إيقاعها إلى مقطع سريع جداً ومبهج.

رمت كراميلا المجفف والمشط على أقرب طاولة، وأمسكت بيدي فدوى ورانيا، وبدأن في القفز والرقص في دائرة صغيرة في منتصف الصالون. كن يضحكن من أعماق قلوبهن.

نزار تسمر في مكانه خلف الزجاج. نسي يده الممدودة نحو مقبض الباب. نسي خطابه الصارم عن الذوق العام وقوانين الضوضاء. نسي تصميم الفستان المخملي، ونسي "شوبان"، ونسي كل قواعد الصرامة التي بنى عليها حياته.

كان ينظر إلى كراميلا وكأنه يراها للمرة الأولى.

رأى كيف تضيئ ابتسامتها المكان بأكمله. رأى السعادة الخالصة، الطفولية، وغير المتصنعة تشع من كل خلية في جسدها. رأى كيف تدور، وكيف تتحرك بحرية مطلقة، دون أي اهتمام بنظرة الآخرين أو بقواعد "الأناقة الزائفة" التي طالما قيد هو نفسه بها.

كانت تضحك برأسها المرفوع إلى الخلف، وعيناها مغلقتان، وكأنها تعانق الحياة بكل ما فيها من صخب وفوضى.

في تلك اللحظة، شعر نزار بشيئ غريب يحدث داخل صدره. شيئ يشبه ذوبان جبل من الجليد تحت أشعة شمس استوائية. الغضب والانزعاج الذي كان يملأه قبل دقيقة واحدة، تبخر تماماً، وحل محله شعور بالدفئ الغامر، والإعجاب، والحب الذي لا يقاوم.

أدرك نزار حقيقة صادمة. الصمت الذي كان يقدسه، الهدوء الكلاسيكي الذي كان يحيط نفسه به، لم يكن سوى جدار بناه ليحمي نفسه من الحياة الحقيقية. حياته كانت مرتبة، نعم، كانت أنيقة ومثالية كواجهة عرض زجاجية، لكنها كانت باردة. كانت خالية من هذه النبضات العشوائية المجنونة.

منذ أن جاء ليجاور هاته الفتاة الصحابة ذات الشعر الناري، تغيرت الألوان في عالمه.

شجاراتهما، عنادها، قهوتها التي تسكبها على قميصه، وموسيقاها المزعجة... كل ذلك كان بمثابة مطرقة تحطم واجهته الزجاجية الباردة لتدخل أشعة الشمس إلى روحه.

ابتسم نزار. لم تكن ابتسامته المتكلفة المعتادة، بل كانت ابتسامة حقيقية، واسعة، وصلت إلى عينيه اللتين لمعتا ببريق مفاجئ.

تراجع خطوة إلى الوراء، تاركاً مقبض الباب.

وقف هناك لدقائق إضافية، متجاهلاً نظرات المارة القلائل في الشارع الذين استغربوا وقوف مصمم الأزياء الراقي أمام صالون تجميل صاخب وهو يبتسم كالأبله. كان يريد فقط أن يتشرب هذا المشهد. أراد أن يحفظ تفاصيل ضحكتها، وحركة جسدها، والطاقة التي تنبعث منها، في ذاكرته للأبد.

"هذه هي موسيقاي المفضلة الآن"، همس نزار لنفسه، وصوته يحمل بحة من التأثر الصادق. "فوضاها... هي الإيقاع الذي يحتاجه قلبي ليظل ينبض."

أدار نزار ظهره للواجهة الوردية، وعاد أدراجه نحو محله الكلاسيكي الهادئ.

عندما دخل، بدا له المكان فجأة صامتاً أكثر من اللازم، بارداً أكثر من اللازم. اتجه نحو جهاز الصوت الذي كان يعزف مقطوعة "شوبان"، وبحركة لم يكن ليتخيل نفسه يفعلها يوماً، قام بإطفاء الجهاز تماماً.

الصمت الآن في محله سمح لضجيج الموسيقى اللاتينية والضحكات القادمة من خلف الجدار بالتسلل بوضوح أكبر. لم يعد الاهتزاز الذي تحدثه الطبول في الأرضية يزعجه؛ بل أصبح يشبه نبضات قلب موازية لقلبه.

جلس نزار على كرسيه خلف طاولة التصميم. التقط ممحاته، ومحا الخط الأسود العشوائي الذي شوه الفستان المخملي. ثم توقف.

نظر إلى التصميم الكلاسيكي الصارم، وهز رأسه.

"لا،" تمتم. "ليس المخمل الأسود. وليس هذه القصة الكئيبة."

أزاح ورقة التصميم القديمة جانباً، وسحب ورقة بيضاء جديدة ونظيفة. أمسك بقلمه الرصاص، وهذه المرة، لم يكن يتحرك بحذر وبطئ. كانت يده تتحرك بانسيابية، وسرعة، وجرأة لم يعهدها في نفسه.

كانت الموسيقى اللاتينية القادمة من الجدار المجاور توجه قلمه. إيقاع ضحكات كراميلا يرسم انحنائات التصميم.

بدأ يرسم فستاناً مختلفاً تماماً عن كل ما صممه في حياته. فستاناً لا يلتزم بالقواعد الكلاسيكية الصارمة. فستاناً يجمع بين الأناقة والحرية. رسم تنورة واسعة من الحرير المنسدل، مليئة بالطبقات التي صُممت خصيصاً لتتطاير وتدور مع كل حركة من حركات من ترتديه. رسم قصة صدر جريئة وحيوية، لا تقيد التنفس بل تمنح الجسد حرية التعبير.

وبينما كان يرسم، كان يرى الفستان بلون واحد فقط. لم يكن الأسود الملكي، ولا الزمردي الكلاسيكي، ولا الأبيض العاجي.

كان يراه بلون الكراميل الدافئ، ممزوجاً بلمسات من الأحمر الناري.

كان يرسم "كراميلا". كان يترجم طاقتها، وفوضاها، وروحها الحرة إلى خطوط وأقمشة.

مرت الساعات، ونزار غارق في عمله، لم يرفع رأسه عن الورقة، ولم يطلب فنجان قهوة آخر. الضجيج المجاور لم يتوقف، ولم يخفت، بل كان يزداد قوة مع مرور اليوم وحماس العاملات والزبائن. ومع كل صرخة ضحك كانت تخترق الجدار، كانت يده تزداد إبداعاً وحرية.

عندما حل المساء، وتراجعت أشعة الشمس تاركة المجال لأضواء الشارع البرتقالية، بدأ صخب الصالون المجاور يهدأ تدريجياً. انطفأت الموسيقى العالية، وحل محلها صوت توديع الزبونات، وأصوات التنظيف وترتيب المكان.

في تلك اللحظة، وضع نزار قلمه على الطاولة أخيراً.

استند بظهره إلى الكرسي، ونظر إلى الورقة أمامه. أخذ نفساً عميقاً، وشعر بقطرة عرق تتسلل على جبهته رغم برودة الجو.

كان التصميم الذي أمامه تحفة فنية بكل المقاييس. كان حياً، يتنفس، ويكاد ينطق. لم يكن مجرد فستان؛ كان إعلان حب صريح لامرأة قلبت حياته رأساً على عقب، وجعلته يدرك أن الكمال لا يكمن في التنظيم الصارم والصمت المطبق، بل في العثور على الشخص الذي يجعل فوضى العالم تبدو وكأنها أجمل سيمفونية.

وقف نزار من كرسيه، وشعر بإرهاق لذيذ في عضلاته. اقترب من الجدار الفاصل بينه وبين صالون "كراميلا بيوتي". وضع كفه على الجدار البارد، وأغمض عينيه للحظة.

كان يسمع صوت كراميلا الخافت الآن، تتحدث مع سلوى و ريم بحنان، وتشكرهن على مجهودهن في هذا اليوم الشاق. كان صوتها يحمل بحة تعب محببة.

"شكراً لكِ أنتِ، يا كراميلا"، همس نزار للجدار، وابتسامة رقيقة وصادقة ترتسم على شفتيه. "شكراً لأنكِ أعدتِ الحياة إلى هذا الشارع... وإلى قلبي."

التفت نزار وعاد إلى مكتبه. طوى ورقة التصميم بعناية فائقة، ووضعها داخل الدرج المخصص لأهم أوراقه وأسراره. كان يعلم أن هذا الفستان سيتحول إلى حقيقة قريباً، وأنه لن يكون لأي زبونة مهما دفعن من أموال. هذا الفستان صُنع لترتديه امرأة واحدة فقط، في يوم ما، عندما يقرر أن يعترف لها بكل ما يعتمل في صدره من مشاعر.

أطفأ أضواء محله، وارتدى معطفه، وخرج إلى الشارع البارد. نظر إلى واجهة صالون كراميلا الذي كانت أضواؤه لا تزال مشتعلة، ورأى ظلها يتحرك بخفة في الداخل.

ابتسم نزار مرة أخيرة، ومضى في طريقه، وهو يعلم علم اليقين أن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من الضجيج، والكثير من الفوضى، والكثير من الشجارات... وأنه، ولأول مرة في حياته، لا يطيق الانتظار ليعيش كل لحظة منه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة