كنتُ أظنّ أنّ الفرق بين البشر والشياطين لا يتعدّى طريقة الخلق… لكنّني اكتشفت أنّهم على حدّ سواء؛ متشابهون تمامًا، غير أنّ الشياطين تهمس والبشر يُنفّذون.
والخوفُ "كلّ الخوف" لا ينبع ممّن يجرح روحك، بل ممّن يقدر أن يؤذي جسدك.
في يومٍ عاصفٍ عن بقيّة أيّام شهر سبتمبر، كان رجلٌ يتقدّم بخطواتٍ متردّدة، يمسك بعصًا خشبيّة يتّكئ عليها ليقاوم هبوب الريح العاتية. كانت العاصفة تصرخ في وجهه كأنّها نذيرٌ مبعوث خصيصًا له، تدفعه للعودة من حيث أتى، لكنّه أصرّ على المضيّ قُدمًا، والعناد يسري في عروقه كما يسري الدم النجس في الجسد.
شقّ طريقه نحو الغابة، تلك الغابة التي أحاطتها اللافتات من كلّ صوب، تحمل عبارات تحذيرٍ صارخة، مكتوبة بخطوط متعرّجة كأنّها نُقشت في عَجَلة من رَعب:
"مكان الشيطان"
"لا تقترب أكثر!"
"عد من حيث أتيت!"
غير أنّه تجاوزها جميعًا، وكأنّ القراءة فنّ لم يتعلّمه يومًا، أو كأنّه يتجاهلها عن عمدٍ متعالٍ. واصل حتى بلغ المنزل المتهالك القابع في قلب الغابة، جدرانه متشققة وسقفه يتمايل مع صفير الريح كأنّه يحتضر. رفع يده وطرق الباب طرقاتٍ متتالية، عنيفة، كأنّه لا يطلب الدخول بل يفرضه فرضًا، يُلزم ساكنه بالخروج.
وفعلًا، انفتح الباب ببطءٍ مخيف، وانبثق منه شخص طويل القامة، محدب الظهر، لا يظهر من ملامح وجهه شيء حتى لو وُضِع المصباح أمامه. خطواته بطيئة متثاقلة، وأنفه طويل معقوف، وفوق شفتيه النحيلتين برزت شامة مشعرة تُعطيه منظرًا أكثر قبحًا ونفورًا.
زمجر بصوتٍ غريب، صوتٍ لم يُشبه الرجال ولا الشباب، بل كان أقرب إلى نبرة عجوزٍ خَرِفةٍ فقدت عقلها:
«أنتَ تعلم أنّ من يجرؤ على الاقتراب من هنا لا يعود حيًّا… أليس كذلك؟»
تجمّع الرجل في داخله، وحبس أنفاسه، محاولًا أن يُظهر ثباتًا لا يملكه، ثم قال بصوتٍ متماسكٍ قدر المستطاع:
«يعود ميتًا إذا كان هنا للزيارة… أمّا أنا فجئت من أجل صفقة معك.»
انحنى الكائن بظهره المحدوب أكثر، وقرّب رأسه من الرجل حتى كاد أن يلامسه، كأنّه يشمّ رائحته أو يفتّش في أنفاسه ليتأكد إن كان صادقًا أو كاذبًا، ثم تمتم بنبرةٍ متوعّدة:
«إن أعجبتني صفقتك… تركتُك، وإن كرهتها فستكون أعضاؤك ما يُزيّن سحري القادم.»
ابتسم الرجل ابتسامةً مرتجفة، ارتعشت شفتاه من ثقل القرار الذي لم يعد له فيه مجالٌ للتراجع:
«كلا… سيعجبك، أنا متأكّد!»
بعد أن قال الرجل جملته الأخيرة، ارتجفت أصابعه وهو يشدّ على عصاه كأنها الشيء الوحيد الذي يربطه بالعالم. كان وجهه شاحبًا، ولكن عينيه تحملان بريقًا غريبًا، بريق من يعرف أنه يقدّم حياته رهينة لأجل شيء أعظم.
ضحك الكائن ضحكة خشنة أشبه بصرير أبواب صدئة:
«وماذا تريد أنت يا ابن الآثم؟ أهو مال؟ سلطان؟ أم خلود؟»
أطرق الرجل برأسه قليلًا، كأن صوته سيخونه، ثم تمتم بثباتٍ مصطنع:
«لا… ما جئتُ لأجل ما يريده الطامعون. جئتُ أطلب… سحرًا يُغير المصائر.»
انحنى الكائن أكثر، اقترب حتى سمع الرجل أنفاسه العفنة تلامس جلده، وقال ببطءٍ:
«مصائر مَن…؟ أأنت؟ أم شخصٌ تخبّئه خلف قلبك المريض؟»
شدّ الرجل قبضته على عصاه، وابتسم ابتسامةً واهنة تخفي في أعماقها سرًّا ثقيلاً.
«دعني أدخل أولاً... لان أمامنا كلام طويل.»
فسح الكائنُ المحدوب الطريق، ولم يَرَ الرجلُ أمامه سوى سوادٍ دامس يبتلع الأنفاس.
كان المنزل الصدئ ينهض كجثةٍ نُسيت منذ زمن، جدرانه المتهالكة مثقوبة كغرابيل صدئة، غير أنّ الشمس لم تتجرء لتتسلّل من خلالها.
ابتلع الرجل ريقه المضطرب، ودخل بخطواتٍ متلعثمة، كأنّ الأرض نفسها ترفض حمله.
عندها ارتسمت على فم الكائن ابتسامةٌ غامضة، وأغلق الباب وراءه إغلاقًا أحدث صريرًا متآكلًا، صريرًا بدا وكأنّه وعدٌ بالانطواء الأبدي.
حين أغلق الكائن الباب على الرجل، تسلّل شرارٌ أسود في الهواء، وانتشر بعيدًا، ليصل إلى منطقه ديفّون جنوب بريطانيا في قرية آشبورتن بعيدة… هناك، على قارب بوسط البحر.
فتحتُ عينيّ على لهاثٍ متقطّع، مُرتجفًا من أثر حلمٍ لم أُحاول حتى تذكّره؛ إذ سرعان ما شتّتني صوت عمّي يناديني بحماسة:
«جون! أسرع! إنَّ سنّارتك تهتز!»
قفزت من مكاني كأنّ تيّارًا كهربائيًّا سرى في أوصالي، وهرعت إلى السنّارة أمسكها بكلّ ما أوتيت من قوّة، أشدّ الخيط إلى الوراء بينما تتراقص أطرافه على سطح الماء.
كانت السمكة تقاومني بضراوة، أُصارعها بشدٍّ وحركة، والخيط يشدّ ساعديّ حتى شعرت بحرارته تحرق جلدي. امتدَّت يد عمّي ليساعدني، أدخل الشبكة في الماء، وبحركةٍ ماهرة رفعها مع السمكة إلى داخل القارب.
ابتسم بفخرٍ وهو يلتقط أنفاسه:
«أحسنت! إنها سمكة كبيرة... يبدو أن القيلولة قد أتت مفعولها!»
ضحكتُ بانتصار، أشعر بنشوة الصيد الأوّل، وقلت بثقة:
«كنتُ أستحقها!»
أعاد السنّارة إلى مكانها وهو يضحك، وقال مازحًا:
«وأخيرًا أمسكتَ واحدة... وأنا ستّ!»
تقدّمت وجلست أمام سنّارتي، أرمقه بعبوسٍ مصطنع:
«غير عادل! أنتَ تعرف أين ترمي سنّارتك!»
جلس على طرف القارب، ضحك ضحكة قصيرة وقال:
«ربّما السمكة تعرف من الصيّاد الأمهر بيننا!»
أطلقتُ صوت سخرية: «هراء!»
مدّ يده يبعثر شعري، ثم أخذ علبة السجائر، جلس على كرسيّه المعتاد، يُشعل سيجارته ببطء. نظرتُ إليه من طرف عيني، وقلت برجاءٍ متردّد:
«أعطني واحدة!»
رمقني نظرة جانبية ونفث دخانًا خفيفًا، وقال بنبرةٍ تحمل عتابًا لطيفًا:
«أبوك سيلعنني... لا زلتَ في الثامنة عشرة، ما زلتَ طفلًا، يا جون.»
تنهدتُ بضيقٍ وأنا أشدُّ قبضتي على السنّارتي، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ساخرة من عبوسي.
حلَّ المساء وعدتُ إلى منزلي، أحمل دلوي وفيه سمكتي الوحيدة كأنّها غنيمة حرب. كنت أسير عبر غابة البندق، أقدامي تغوص في أوراقٍ جافة تتكسر تحتها في خشخشة رتيبة مره و مره في بركه طين يغوص حذائي داخلها، وصوت الماء الجاري على جانب الطريق يرافقني كأنّه لحنٌ قديم.
كلّ بضع خطوات، كانت السمكة تقفز في الدلو فترشّني بقطراتٍ باردة، فأشهق بفزعٍ خفيف، وأتمتم أغنيةً لا أذكر كلماتها، فقط لأُشغل ذهني عن طول الطريق ووحشته.
وصلتُ إلى باب منزلنا الخشبي، وكان مضاءً بأنوارٍ خافتة، والدخان يتسلّل من المدخنة. عند العتبة وقفتُ أراقب أمي كعادتها تتحدث مع جارتنا السيدة ناتاليا. كانتا منغمسَتين في حديثٍ عميق لم يتركا لي مجالًا لإلقاء التحية. مررت بهما بهدوء، ودخلت المنزل.
وضعتُ السمكة على الطاولة بخشوع المنتصر، ثم تناولت أكبر سكين، وشققت بطنها بحذرٍ بينما تتصاعد رائحة البحر من دمائها الطازجة. نظّفتها بعناية، ثم قطعتها إلى أربع قطع متساوية، وضعتها في صندوقٍ ثلجيّ، وحملتها إلى المخزن البارد تحت المنزل. عدتُ إلى المطبخ وابتسامة الرضا تملأ وجهي؛ كانت تلك أكبر سمكة أصطادها في حياتي.
حين التفتّ، رأيت والدتي تدخل المطبخ وهي تحمل كيس خضروات. ما إن وقعت عيناها على الطاولة حتى تنهدت بامتعاض، وقالت بحدّة:
«جون! ألم أخبرك أن تضع كيسًا فوق الطاولة قبل أن تقطع السمكه عليها؟! لقد اتّسخت، ورائحتها الآن زفرة!»
شعرتُ بالحرج؛ كنتُ متحمّسًا لدرجة أنني لم أفكر في كلامها. أمسكتُ الطاولة معتذرًا:
«سأهتم بالأمر. كلّ ما عليَّ فعله هو غسلها، صحيح؟»
رفعت حاجبها وقالت بصرامةٍ متعالية:
«لا، سأغسلها أنا، فأنت لا تجيد ذلك.»
قفزتُ فوق الطاولة بعنادٍ مفاجئ، أصرخ:
«قلتُ إنني من سيفعلها!»
شهقت أمي برعب، وحاولت منعي:
«جون! لا تقفز فوقهـ...»
لم تكمل عبارتها؛ إذ دوّى صوت تكسيرٍ مفاجئ، وانهارت الطاولة تحت قدميّ، لأجد نفسي ساقطًا معها. ألقت أمي بكيس الخضروات في الحوض وهرعت لمساعدتي على النهوض وهي تقول بغضبٍ مشوبٍ بقلق:
«قلتُ لك إنني سأغسلها! والآن بعد أن كسرتها، أنتَ من سيصلحها!»
نهضتُ ماسحًا قشور السمك اللزج عن سروالي، واضعًا يدي على خصري في حركةٍ مسرحية ساخرة:
«بالتأكيد يا أنسه،لما الغضب؟»
رمقتني من طرف عينها، وصمتت كمن يحاول ضبط أعصابه. حملتُ الطاولة المكسورة وهربت من المطبخ، سحبتها إلى ورشة والدي في الخارج، لكن فضولي جذبني حين سمعت أصوات ضحكات وضوضاء قادمة من وسط البلدة. تركتُ ما بيدي، وركضتُ باتجاههم.
ما إن وصلت، حتى وقعت عيناي على مشهدٍ بشع: حمار السيد جوناثان ممدّدٌ على الأرض، ورأسه مقطوع. غصّ حلقي من المنظر، ورائحة الدم تخترق أنفي. اقتربت من صديقي، وقفتُ إلى جانبه وهمستُ بقلق:
«مارك... ماذا حدث؟»
التفت نحوي بابتسامةٍ عفوية، كأنّ ما يحدث لا يعنيه:
«جون! كيف حالك؟... أوف، رائحة السمك تفوح منك!»
ابتسمتُ رغم الصدمة، وقلت بفخرٍ طفوليّ:
«لقد اصطدتُ واحدة اليوم... بهذا الحجم! مع عمّي روبرت صباحًا.»
هزّ رأسه بحسرة:
«محظوظ! لقد قضيت اليوم كله في العمل... وفجأة سمعنا نعيق الحمار، ثم وجدناه هكذا.»
نظرتُ إلى الجثة البائسة، ثم سألته باستغراب:
«ألم يرَ أحدٌ من فعل هذا؟»
رفع كتفيه في حيرة، وأجاب:
«لا أحد يعرف.»
تفرّق الجمع مع حلول المساء، وانصرف كلٌّ إلى بيته، وكأنّ شيئًا لم يكن؛ ظنّ الجميع أنها مجرّد نزوة مراهقين.
عدتُ إلى المنزل، فوجدت العشاء قد أُعدّ بعناية على طاولة غرفة المعيشة. جلس أخي الصغير جاك على كرسيه، ساقاه تتأرجحان في الهواء، وهو يثرثر بحماسةٍ عن مغامراته في المدرسة.
ما إن جلست على مقعدي، التفتت إليّ أمي بحدّةٍ خفيفة:
«إجازة والدك من الجيش ستكون غدًا. أريدك أن تصلح الطاولة قبل عودته.»
أومأت دون جدال: «سأفعل.»
سأل جاك بفضول طفولي:
«ألهذا السبب نتناول الطعام هنا لا في المطبخ؟... ولماذا كسرتَ الطاولة أصلًا؟»
ابتسمتُ محاولًا تبرير نفسي:
«كنتُ أصطاد سمكةً بهذا الحجم، وعندما وضعتها على الطاولة... انقسمت إلى نصفين!»
اتّسعت عيناه إعجابًا، لكنه لم يُعلّق، إذ دخلت أمي وهي تحمل آخر طبقين، واضعةً حدًّا للحديث. جلست، ومدّت يدها، فأمسكنا أيدي بعضنا في خشوع.
بدأنا نسمع صوتها العذب وهي تُرتّل ترنيمة شكرٍ للمسيح، صوتها دافئٌ يخترق صمت الغرفة ويغمرها سلامًا. وحين انتهت، بدأنا نتناول طعامنا في جوٍّ عائليّ حميم، تفوح فيه رائحة السمك المطهوّ والألفة.
في صباح اليوم التالي عاد والدي من الجيش؛ يومٌ واحد فقط ليستريح فيه، يومٌ لا يبعث على الراحة في الحقيقة، إذ لم يكن أحد في المنزل يطيق حضوره.
أبي... رجلٌ عصبيّ المزاج، نظراته وحدها كفيلةٌ أن تجعل جوّ البيت ثقيلاً. عند الفجر، خرجتُ من المنزل قبل أن أراه، حاملاً سنّارتي، متجهًا إلى النهر لأصطاد السمك مع عمّي، كما أفعل كلّ صباح.
لكن حظّي ذاك اليوم كان عاثرًا؛ عدتُ عند المساء خائبًا، لم أصطد شيئًا، ولولا سخرية عمي الذي أهداني من سمكاته لعدتُ خَالي الوثاق.
اقتربت من المنزل متسائلًا، إذ لاحظتُ أنّ أمي لم تكن كعادتها تُثرثر مع جارتنا السيدة ناتاليا. مضيتُ إلى المطبخ، وما إن خطوتُ داخله حتى صفعة جبهتي بخيبه. الطاولة! كيف نسيت إصلاحها!
ألقيتُ السمكة في الصندوق الثلجي على عجل، وهرعت إلى الورشة. هناك كان أبي يجلس مُنحنيًا، يصلح الطاولة بوجهٍ متجهّم. ما إن التقت عيناه بعيني حتى زفر بمرارةٍ وقال بحدّةٍ جارحة:
«أرى أنك كنتَ في الخارج تستمتع... هل أنت طفلٌ لا يُبالي؟ تكسر الأثاث وتخرج لتمرح؟ حتى جاك لم يفعل فعلتك!»
خلعتُ قفّازات الصيد من يدي بتوتر، وأجبت بصوتٍ مُتلبّك:
«أنا آسف... قلتُ لأمي إنني سأصلحها، وجئتُ الآن لأفي بوعدي.»
ضحك أبي بسخريةٍ خافتة، وأكمل إصلاحه دون أن ينظر إليّ:
«إصلاحٌ جيد... وأين كنت؟»
«مع عمّي... روبرت.»
تجمّد الهواء بيننا لحظة، وكأنّ ذكري اسمه كان كافيًا لإشعال شرارة الغضب في صدره. أبي لا يُحب أخاه روبرت، لطالما كان الناس يقارنونه به؛ فهو أكثر نجاحًا، وأكثر حظوةً بين الناس، ما جعله زفر بغيظٍ مسموعٍ أمامي. نهض عن كرسيّه، وقال ببرودٍ آمِر:
«تعال خلفي، وأحضر أدواتي.»
شَعر بالاستياء من تحوّل يوم راحته إلى عمل، لكنني لم أتجرّأ على الاعتراض؛ أعلم أنّ غضبه هذه الساعة لا يُحتمل، وأنّ أي سؤالٍ قد يُقابل بلكمةٍ قاسية.
وصلنا إلى شارع عشرين، وعلى بُعد شارعين من منزلنا، كان المنزل الخامس قد سكنه أحد أخيرًا. هذا البيت تحديدًا كنّا نلعب قربه ألعاب الرعب لصورته العتيقة. طرق أبي الباب، ففتحه لنا طفلٌ في عمر جاك تقريبًا.
قال أبي بصرامةٍ مختصرة:
«نحن هنا لإصلاح النافذة.»
أومأ الصغير دون كلمة، وابتعد عن الباب ليُفسح الطريق. ابتسمتُ له وقلتُ بلطف:
«مرحبًا أيها الصغير.»
رفع رأسه بخجل، نظر إليّ بعينيه الواسعتين، ثم ركض هاربًا دون جواب. ابتسمتُ في سري، كم هو لطيف هذا الطفل.
تبعنا خطواته حتى وصلنا إلى النافذة المكسورة، فانحنى أبي ليبدأ عمله بينما أناولُه الأدوات واحدةً تلو الأخرى. لم يكن بحاجةٍ إلى أن يطلب، فقد كنتُ أعلم أنه لا يرغب بالكلام معي، وأنّ أصغر خطأ قد يُثير غضبه.
لذلك كنتُ متيقّظًا، أحرص على منحه كل ما يحتاجه من الأدوات في الوقت المناسب، محاولًا إرضاءه بصمتي.
لكن لحظة السكون تلك لم تدم طويلًا...
فجأةً شعرتُ بيدٍ طويلةٍ وباردةٍ تُطبق على كتفي بضغطةٍ قاسية جعلتني أرتجف، صرختُ بدهشةٍ واندفعتُ إلى الأمام.
التفتُّ برعب، وصدري يعلو ويهبط بسرعة، فرأيت صاحب اليد: رجلٌ طويل القامة، محنيّ الظهر، أنفه معقوف حادّ، وفوق شفتيه النحيلتين برزت شامةٌ مشعرة تُزيد وجهه قبحًا ونفورًا.
لحظةَ وقع بصري عليه، شعرتُ كأنّ صدري يُعتصر؛ إحساسٌ غريب اجتاحني، كأنّني أعرفه، وكأنني كنتُ أهرب منه طوال حياتي.
ابتسم الرجل ابتسامةً مشوّهة، وأصدر ضحكةً رفيعةً تشبه ضحكة امرأة عجوز، حتى ظهرت سنُّه الوحيدة، ثم قال بصوتٍ أجشّ مُستهزئ:
«لِمَ الخوفُ يا فتى؟»
أجابه أبي قبل أن أنطق، ضاحكًا ببرودٍ غريب:
«أهلًا، سيد ويلسون. لقد أصلحتُ نافذتك كما طلبت.»
ارتجفتُ وأنا أسمع نبرة أبي؛ بدا وكأنّه يتحدث إلى شخصٍ آخر غير الذي أمامنا. وقفتُ خلفه، أراقب الرجل الذي لم يزل يُحدّق بي، ثم قال بصوتٍ مريب، وكأنّه يُلقي تحديًا:
«تعال، لا تقل لي إنّ شابًّا مثلك يخاف مني.»
تردّدتُ لحظة، ثم تقدّمتُ خطوة لأقف إلى جانب والدي، علّني أستمد منه بعض الطمأنينة. ابتسم أبي وواصل كلامه:
«نعم، نعم، نحن نعيش على بُعد شارعين. يمكنك زيارتي وقتما تشاء، وشكرًا لدعوتك.»
دعوة؟ متى دعاه؟! حدّقتُ في أبي، كأنّ حديثه موجّه إلى شخصٍ لا أراه. كانت عيناه تنظران إلى الفراغ و يكلمه. شعرتُ بقشعريرةٍ تزحف على ظهري. امتدت يدُ الرجل فجأةً ومسحت وجهي بحركةٍ بطيئة... انتفض جسدي، وغريزةُ الخوف سيطرت عليّ؛ صفعتُ يده بقوةٍ، دفعتها بعيدًا عنّي.
لم أفهم ما الذي يفعله. لكن أبي التفت إليّ غاضبًا، صوته كالجلد:
«كان يريد مصافحتك! لماذا ضربت يده؟!»
نبرة أبي كانت كمن استيقظ من حلمٍ غريب، التفت نحوي بنظرةٍ حادّة، وقال للرجل بصوتٍ فيه قلق:
«إنه متهوّر... تعلم كيف يكون الأولاد دون والدٍ يربّيهم كل يوم.»
كان الرجل ما يزال ينظر إليّ؛ لمحتُ شفتيه النحيلتين تنقبضان كأنّني صفعته على وجهه لا على يده. قال هامسًا، صوته كزمجرة باردة:
«راقب تصرّفاتك، يا فتى.»
أحرقتني كلماته؛ تركتُ الخوف خلفي وتقدم الغضب مكانه. صرختُ:
«وأنتَ من تلمسني دون إذنٍ أو مبرر! ما رأيكَ أن تراقب نفسك أنتَ؟!»
لكنّ ردّي لم يكتمل؛ إذ شعرتُ بصفعةٍ قويةٍ من أبي تهوي على وجهي، تملؤه حرارةً ووجعًا. صرخ بوجهي:
«احترم نفسك!»
جمعت أدواته بصمتٍ مرتجف، ودفعتُ كتف الرجل بغلظةٍ وأنا أغادر المكان. خرجتُ من المنزل بخطواتٍ متسارعة، والغضب يشتعل في دمي كالنار.
كانت وجنتاي ويديّ تغليان من شدّة الغيظ، لا من الصفعة وحدها، بل من عماه... أبي يتصرّف وكأنّه لا يرى حقيقة هذا الرجل!
من يكون بحق السماء؟!
clown lady