أنتَ تراهُم الأن!

أنتَ تراهُم الأن!

16 0

كانَ صمتُ الغرفة يضغط على رأسي كأنَّ الهواء تحوَّل إلى جدارٍ من حديد. نظرتُ في المرآة مجددًا، وعيني اليمنى… تلك العينُ التي لم تعُد عينًا. صارت أشبهَ بشقٍّ أسود يلمع وسط وجهي، تحيطه ندبة ملتوية كأنها توقيعُ لعنةٍ أبدية. لامستُ وجهي بأصابع مرتجفة، وشعرتُ بأنفاسي تتسارع، وكأن صدري يرفض الهواء.

"ماذا… ماذا فعل بي؟" همستُ، ولم يكن هناك من يجيبني سوى الصدى الخافت في ذهني.

لم أستطع التوقف عن النظر. كان انعكاسي يزداد تشوّهًا في عيني كلما حدقتُ فيه أكثر. لم يكن مجرّد جرح، بل شعورٌ بأنني لم أعُد أنا. أنني كائنٌ آخر نُحِتَ بيد الحزن واللعنة. شعرتُ أني سأتمزّق.

رفعتُ يدي وضربتُ المرآة. تحطّمت، وتناثرت شظاياها على الأرض. كلّ قطعة صغيرة كانت تعكس جزءًا مختلفًا من وجهي، أجزاء مشوهة، مكسورة.

تراجعتُ إلى الخلف حتى اصطدمتُ بالجدار، وجلستُ على الأرض، ضامًّا ركبتيّ إلى صدري. ارتجفتُ، حاولتُ إقناع نفسي أن هذا حلم، أنني سأستيقظ وأجد وجه أمي يبتسم لي مثلما كان… أمي…

دموعي نزلت بحرقة. حاولتُ تذكر رائحتها، صوتها وهي تناديني "جون"، دفء حضنها، لكن كلّ شيء كان يتبخر كالدخان. صرختُ فجأة من الألم المكبوت، من كل شيء سُرق مني.

لم أسمع خطواتٍ، لكنني شعرت بوجوده. ذاك الرجل. نفس الظلال التي تلاحقني منذ أيام. التفتُّ بخوف، ورأيته يقف في زاوية الغرفة، نصفه غارق في الظلام. وجهه لم يظهر بالكامل، لكن ابتسامته ظهرت. ابتسامة باردة، ساكنة، وكأنها رسمت خصيصًا لتزيد رعب قلبي.

"ابتعد!" صرختُ، لكن صوتي خرج ضعيفًا. لم يتحرّك، ولم يردّ. فقط ظلّ ينظر إليّ.

"أنت… مالذي فعلته بي؟!" سألته، لكن قلبي كان يعرف أني لن أحصل على جواب.

حين رمشتُ، اختفى. كأنه لم يكن موجودًا أصلًا. لكني سمعتُ همسةً خافتة في أذني:

"أنتَ تراهُم… الآن."

التفتُّ حولي ببطء، ورأيت ظلًّا آخر في الزاوية. ثم آخر عند الباب. ملامح باهتة لأناسٍ ليسوا بأحياء. بعضهم بلا وجوه، بعضهم يحدّق بي من وراء ثقوب سوداء حيث كانت عيونهم.

شهقتُ بشدّة، زحفتُ إلى الخلف حتى التصق ظهري بالجدار.

"لا… لا، ابتعدوا عني!"

بعضهم كان يقترب. أنفاسي كانت تتقطع. أردتُ أن أصرخ، أن أهرب، لكن رجليّ لم تتحركا. كنتُ مجرد فتى محاصر في غرفة صغيرة، محاط بكائنات لا أعرف إن كانت تريد قتلي أو مساعدتي.

بدأ رأسي يدور. أصواتٌ كثيرة تدوي داخله، أصوات بكاء، صرخات، استغاثات. وضعتُ يديّ على أذنيّ وحاولتُ أن أوقفها، لكن الصوت ازداد.

"جون…" جاء صوت أمي، واضحًا، دافئًا، لكنه محمّل بالحزن.

رفعتُ رأسي بسرعة، أبحث عنها، ولم أرَ سوى شبحها. وجهها الشاحب، ابتسامتها الباهتة، وعينيها اللتين كانتا تبكيان دموعًا سوداء.

"أمّي!" صرختُ، لكن حين مددتُ يدي، اختفت.

انهرتُ، وضعتُ رأسي بين ركبتيّ، وشعرتُ بأن روحي تتفتّت. في تلك اللحظة أدركتُ أن حياتي تغيّرت إلى الأبد.

حتى سمعتها تناديني من جديد، رفعتُ عينيّ بشوقٍ لأرى وجهها، لكنّي فوجئتُ بوجه العجوز يملأ بصري، يصفعني بحقيقةٍ أقسى من أيّ كابوس.

دفعته عنّي ونهضتُ متعثّرًا من على الأرض؛ كنتُ ممدّدًا هناك كالميّت، والمرآة ما زالت سليمة، وكأنّها تشمت بي.

تنهد العجوز وقال بنبرةٍ مرهقة:

«لم أتوقّع أن تُغشى عليك من رؤية نفسك...»

تنهدتُ بدوري، رفعت يدي لفرك وجهي المنهك، لكنّ الخوف من أن يتقشّر جلدي تحت أصابعي جعلني أتراجع.مددتُ يدي إليه ليمسكها ويعين نفسه بها وينهض، غير أنّه اكتفى بالنظر إليّ نظرةً باردة ونهض وحده. حككتُ مؤخرة رأسي وقلتُ بارتباك:

« أنا... فقط يجب أن أعتاد على هذا الوجه.»

رفع حاجبه بصمت، ثم استدار خارجًا، وأغلق الباب بهدوءٍ خلفه. عدتُ إلى تلك الغرفة الصغيرة، وتمددتُ على السرير من جديد... كان جسدي بخير، لكنّ روحي كانت أثقل من أن أحملها. أردتُ أن أنام وأختفي، أردتُ أن أعود لأمي،و أردتُ أن أنهار بكائاً لأشتياقي...لكن الدموع لا تخرج...كأنها خائفه من أن تلمس جلدي.

نسمةُ هواءٍ باردة صفعت وجهي، فتحتُ عينيّ بتثاقل، لأجد بقرةً تمدّ رأسها من نافذة الغرفة! شهقتُ بقوة، واندفعتُ عن السرير حتى سقطتُ أرضًا. من خلفها، دوّى ضحك العجوز:

«هاهاها! يبدو أنني أخفتك.»

تنفستُ بارتياح وضحكتُ بخفة:

«أأنتَ من جعلها تمدّ رأسها من النافذة!؟»

ابتسم وهو يسحب رأسها من الداخل:

«بالتأكيد أنا فعلتُ، لا أحد في منزلي ينام وقت الظهيرة.»

قفزتُ من النافذة، والتحقتُ به خارج المنزل. كان يمشي على العشب بخطواتٍ هادئة، ثم رمى سلّةً كبيرة من القصب ارتطمت بصدري. أمسكتُها بسرعة، بينما قال بنبرةٍ عملية:

«ابدأ بجمع المحاصيل... أنا سأتولى الجهة الأخرى.»

وضعتُ السلة أرضًا وقلتُ باستياء:

«ولِمَ عليّ أن أساعدك؟»

أجاب دون أن يلتفت:

«يمكنك المغادرة إن رغبت.»

المغادرة... إلى أين؟!..

تنهدتُ، وحملت السلة، وبدأتُ العمل قبل أن يطالبني بشيء آخر. جمعتُ الطماطم والخيار والبطاطا وعدتُ إلى المنزل، بينما قطيع من الدجاج يركض خلفي بجنون. يا لها من حياة غريبة... هادئة...وجميله. كانت حياتي تشبه هذا المكان تمامًا.

هل يهتمّ عمي بجاك الأن؟...مهلاً لمَ لم أره منذ أسبوع مرضي الطويل؟..

ناداني صوت العجوز فقطع أفكاري. ركضتُ إليه وقدمتُ له السلة. أومأ برأسه بابتسامةٍ قصيرة:

«أحسنت، قمتَ بعملٍ جيّد. سأعدّ لك العشاء.»

ابتسمتُ بالكاد وقلتُ:

«حسنًا...»

جلسنا على الأرض لتناول البطاطس التي أعدّها، إذ يبدو أنّه يفضّل الجلوس على الأرض بدلاً من الطاولة. لم أسأله السبب. كان يراقبني وأنا أحرّك الطعام في الطبق دون أن أتناوله. قال فجأة:

«صحيح... نسيتُ أن أسألك عن اسمك.»

رفعتُ رأسي و أجبتُ بصوتٍ خافت:

«جون أنولد.»

هزّ رأسه وأجاب:

«جون...اسمي ڤيكتور. في القرية ينادونني السيد ڤيك.»

أومأت بصمت، وعمّ السكون بيننا، لا يُسمع سوى صوت مضغه للطعام. نظرتُ حولي إلى الصور القديمة المعلّقة على الجدار. كانت باهتة، لأسرةٍ صغيرة: رجل بجانب امرأة، وإلى جانبهما طفلان. أردتُ كسر هذا الصمت فسألته:

«هل... هذا الرجل في الصورة... أنت؟»

لمح الصورة بطرف عينه، فتغيرت ملامحه فجأة، لكنّه ردّ بصوتٍ هادئ مشوب بالحزن:

«نعم... صورة قديمة لي... مع أطفالي وزوجتي.»

كان صوته يحمل شيئًا أكثر من الحزن... كأنّه يخفي ألمًا لا يريد البوح به. نظرتُ إلى الصورة من جديد، وشعرتُ بقشعريرة؛ تلك العائلة تشبه عائلتي كثيرًا. أين هم الآن؟ هل ماتوا؟ هل أصابهم ما أصابني؟

لاحظ شرودي، فتجاهله وسألني ببرودٍ مقصود:

«لمَ لا تأكل؟»

نظرتُ إلى الطبق أمامي، شعرتُ بحاجزٍ في حلقي يمنعني من البلع. قال بنبرةٍ أقرب للتوبيخ:

«لقد خسرتَ الكثير من الوزن في غيبوبتك... إن لم تعوّض ما فقدته، ستنهار.»

حاولتُ أن أضع لقمةً في فمي، لكن جسدي رفض الطعام. رميتُ الملعقة و دفعت الطبق بعيداً عني واستسلمت:

«لا أريد... لا أشعر بالجوع!»

اقترب العجوز ببطء، حمل طبقي وأعاده إليّ برفق، وقال بصوتٍ خافت لكنه حادّ:

«إن لم تجبر نفسك الآن، سيتحكّم ضعفك بك... وستصبح لقمة سائغة لأيّ أحد.»

نهض و تركني أتأمل طعامي، غسل طبقه بهدوء، ثم جفّف يديه وجلس أمامي، يحدّق بعينيّ المنهكتين نظرةً اخترقت صدري:

«اسمعني جيدًا، يا بني... العالم لن يرحمك، ولن ينقذك أحد. كلّهم سينظرون إليك وكأنك ضعيف... محتاج... لا أحد يريد أن يعيش بهذا الذل. لا أعرف ما جرى لك، لكن إن استسلمتَ له، فسيبتلعك. لن تنجو إن صرتَ هاربًا... صدّقني، أعرف ما أقول.»

ثم نهض ببطءٍ وصعد الدرج. وقفتُ فجأة وقلت بلهفةٍ وحذر:

«هل... فقدتَ أحدًا أنت أيضًا؟»

التفت إليّ بعينين يملؤهما كسرٌ لا يُخفى وقال بصوتٍ متهدّج:

«كلّ مَن في تلك الصورة...»

ثم أكمل طريقه. شعرتُ أنّ هذا الرجل انعكاسٌ مرعب لي في المستقبل؛ كأنّي أنظر إلى نفسي بعد أن أفقد كل شيء. كانت كلماته مزيجًا من نصيحةٍ صادقةٍ وتوبيخٍ مرير، كأنّه يخاطب ذاته الشابّة من خلالي.

نظرتُ إلى الطعام، ثم حملته بيديّ، وأجبرت نفسي على ابتلاعه. كان طعمه مرًّا، وكأنّي أبتلع رمادًا. حاول جسدي التقيؤ، لكنني عنّدتُه وأكلت. لقمة بعد أخرى... حتى شعرتُ أنّني أقاتل نفسي أكثر أطعامها.. كنتُ أعاند جسدي نفسه لا من الاكل!

كانت البطاطس باردة ومالحة، لكنها لذيذة بشكلٍ عجيب.

غسلتُ صحني وعدتُ إلى الغرفة أسفل السلالم. في طريقي إليها، وقفتُ أمام تلك الصورة؛ كم كان ڤيكتور يبتسم فيها... ممسكًا بيد زوجته وكأنه يمسك بالحياة ذاتها.

التفتُّ نحو المرآة بجانب الصورة، رأيتُ انعكاس وجهي المشوه فيها. حملتُها ورغبتُ بتحطيمها أو رميها من النافذه، لكنّي قلبتها على وجهها، وأكملتُ طريقي نحو الغرفة... علّ النوم يرحمني.

استيقظتُ على صوت العجوز يناديني، كان جسدي ثقيلاً كصخرةٍ غارقةٍ في أعماق البحر، وقلبٌ أثقلُ منه، كأنّ أحدهم قيّده بسلاسل من حديد.

رغبتُ بالبكاء أكثر… تلك الأحلام التي تطاردني كأشباح الليل، تذكّرني بجبني، وهروبي، وترك أمي خلفي. كان شعور الذنب ينهش صدري حتى كدت أختنق، لكنّ كلمات العجوز وهي تطرق أذني كنسمةٍ صباحية، كانت كفيلة بأن تُعينني على النهوض، وبدء يومٍ آخر.

لمحته من نافذتي، واقفًا تحت الشجرة العتيقة في وسط الحقل، بينما الشمس بالكاد بدأت تنسج خيوطها الذهبية فوق الأرض الندية. بدا العجوز وكأنه يجد راحته في تناول فطوره تحت تلك الشجرة كل صباح.

ارتديتُ قميصي على عجل، وخرجت من غرفتي. استقبلتني أصواتُ الدجاج وهي تركض خلفي، أعدادٌ كثيرة تتراكضُ حول قدميّ، وابتسامةٌ خفيفة ارتسمت على وجهي رغم ثقل قلبي. فجأةً ظهر باشّ القط، قافزًا من نافذة البيت، يركض بكل ما أوتي من سرعة، وبطنه يتدلّى يمينًا ويسارًا كقِربة ممتلئة. ضحكتُ في داخلي.. أيّ قافلةٍ هذه التي أقودها؟!

وصلت إلى ظلّ الشجرة، حيث بدأ الدجاج ينتشر في العشب، ينقر الأرض باهتمامٍ لا ينقطع. أما باشّ، فقد رمى نفسه منهكًا من الركض، نافثًا أنفاسه وكأنّ رحلته شاقّة للغاية. ضحكةٌ خافتة خرجت من فمي، لكنّني لم أرَ العجوز في أيّ مكان.

رفعت صوتي الصباحي المتعب:

«أيّها العجوز، أين أنت؟!»

جاءني صوتُ ضحكةٍ خافتة من خلف الشجرة. التفتُّ فورًا، وإذا برأسٍ يطلّ من خلف الجذع الضخم. كانت امرأة! وجهها مدوّر، وجنتاها ورديّتان، لا تبدو كبيرة في السنّ، ربما في أوائل الثلاثينات.قلت لها:

«يا سيده انتِ تجلسين بمزرعه أحد ما دون إذن.»

نظرت إليّ بدهشةٍ كبيرة وهي تقول:

«أأنت…! تستطيع أن تراني؟!»

تجمدتُ في مكاني، وارتفع حاجباي بدهشةٍ عميقة:

«نعم… ولمَ لا أستطيع ذلك؟! وأيضًا… ماذا تفعلين هنا؟! أليس الوقت مبكرًا جدًا؟»

كانت تحدّق بي بفمٍ مفتوح، وكأنّها سمعت شيئًا مستحيلًا. لم أفهم نظراتها، لكنّ الشمس تابعت صعودها، وأشعتها أخذت تكشف شيئًا أغرب من الخيال: بدأ جسدها يبهت، شيئًا فشيئًا، حتى صار شفافًا! رأيتُ العشب من خلفها… ورأيت "باشّ" القط ينام مسترخيًا في ظلّها، وكأنه يمرّ من خلالها.

اتسعت عيناي، وشهقتُ بذهول، وتراجعتُ خطواتٍ إلى الخلف. كل خلية في جسدي تصرخ بالهرب. شبح! إنها شبح!

ركضت بكل قوتي، أشقّ العشب تحت قدميّ كعدّاءٍ ماهر، حتى سمعت صوتها يناديني بلهجةٍ ملحّة، فيها رجاءٌ وأمرٌ في آنٍ واحد:

«توقّف!»

لكنني لم أتوقف… أو بالأحرى، حاولت، لكن قدماي لم تطاوعاني. فجأةً ظهرت أمامي، طافيةً في الهواء، تقطع عليّ الطريق، كأنها نسمةٌ سريعة. اصطدمتُ بها! ارتطمتُ بجسدها… نعم، بجسدها!

تجمدتُ مكان اصطدامي، أحدّق بعينين جاحظتين. همستُ لنفسي بذهول:

«لقد… لمستُها… كيف لمستها وهي شفافة؟!»

ارتجف صوتي وأنا أزحف للخلف، ممسكًا عصى وقعت على يدي وكأنها آخر درعٍ لي، مصوّبًا إياها نحوها:

«من أنتِ؟! ماذا تريدين مني؟!»

تنهدت، ونبرة صوتها امتلأت بلطفٍ عجيب، جعل خوف قلبي يتباطأ لحظةً:

«أقسم لك… لن أؤذيك. أريد مساعدتك، لا أكثر.»

صرختُ بصوتٍ مبحوح، محاولًا أن أخفي رعبي بغضبٍ مفتعل:

«لمَ أنتِ شفافة إذن؟! ما الذي أنتِ؟!»

جلست على العشب، ضمّت يديها ببعضهما بتْرّجي، وعيناها تلمعان بحزنٍ عميق:

«أنا… ميسا. متُّ منذ ستة أشهر.»

جمدتُ مكان جلوسي. كلماتها هزّت عقلي. ماتت؟! ميتة؟! ما هذا الجنون؟!

كانت تراقب وجهي المرتبك بعينين قلقتين، وحاولت أن تهدّئني:

«أسمعني… أنا واحدةٌ من الأرواح التي لم تستطع أن ترقد بسلام. أريد مساعدتك، وأحتاج أن تؤدي لي معروفًا، كي تهدأ روحي.»

ارتفع شعوري بالرعب فجأةً، كأنّ قلبي سقط في معدتي. لم أنتظر منها المزيد، التفتُّ وهربت بأقصى سرعة، صائحًا بأعلى صوتي:

«باااااشّ! تعال إليّ فورًا يا باااشّ»

ركض القطّ خلفي، والدجاج تبعني كقطيعٍ مجنون. قفزت إلى داخل المنزل وصفعت الباب بكل قوتي حتى ارتجّت الصور المعلقه،بدأت أحوم بالمنزل حتى ركضت نحو الصنبور، فتحته على آخره، وأدخلت رأسي تحت الماء البارد الذي انهمر كالسياط على جمجمتي، وبرّد جلدي حتى شعرتُ بالقشعريرة في كل مسامّ جسدي. كنت أتمتم لنفسي، محاولًا إقناعها:

«إنه حلم… بالتأكيد حلم! نعم… أنا أحلم! خرجت من الغرفة… وها أنا أغسل وجهي…!»

لكن صوتًا من ورائي جعلني أصرخ كطفلٍ صغير:

«ما بالك تصرخ؟!»

التفتّ بفزع، فرأيت العجوز واقفًا عند باب المطبخ، عينه نصف مغلقة من أثر النوم، والنعاس يثقل ملامحه. تنهد ثم اقترب، وهو يقول ببطء:

«صباح الخير… ما بك تصرخ يا ولد؟»

شعرتُ بالتلعثم، أشير بيدي نحو الشجرة، وكلماتي تتبعثر بين الخوف والصوت المبحوح. اقترب العجوز مني أكثر، وضع يديه الثقيلتين على كتفيّ المرتعشين، وأجلسني على الكرسي بقوة الأب الحازم. غسَل وجهه ليطرد النوم، ثم التفت إليّ بنظرات حادّة، وصوته أكثر يقظةً:

«تحدث! ما الذي أصابك؟!»

ارتجفت أصابعي وأنا أقبض على طرف الطاولة الخشبية المهترئة، لم أستطع التوقف عن النظر إلى الفراغ أمامي حيث عادت… تلك الروح.

لم تكن شبحًا كما تُحكى في القصص، لم تكن مظلمة ولا مخيفة؛ كانت كظلّ نورٍ هشٍّ يتنفس، عيناها ممتلئتان برجاءٍ صامت، يديها الشفافتان ترتجفان وكأنها تتوسل النجدة. شعرت بغصّة في حلقي وأنا أتمتم:

«إنها… هي…»

قطع صوت العجوز شرودي وهو يقول بانزعاج:

«جون، بحقك! مع مَن تَتحدث؟ لا يوجد شيء هنا!»

التفتُّ إليه بارتباك، قلبي يخفق كطبلٍ في صدرِي، شعرت بأن صوتي يخرج متقطّعًا:

«إنها… إنها هنا! أمامك تمامًا! إمرأة… لا… لا أعلم إن كانت إمرأة، لكنها ليست شريرة! طلبت… طلبت مني المساعدة…»

حدّق فيّ العجوز وكأنني فقدت عقلي، ثم اقترب مني ببطء وقال بصوتٍ غليظ:

«جون، أنت مرهق. ارتمِ قليلًا على الفراش، لا تجعل أوهامك تسيطر عليك.»

صرخت بعصبية وأنا أشير إلى حيث تقف الروح:

«أنا لا أتوهّم! إنها هناك! تنظر إليّ برجاء! ألا تراها؟!»

رفع العجوز حاجبه الثخين بتعجب، لكن وجهه بقي مشدودًا بالشك. استدرتُ نحو الروح بارتباك:

«أخبريه! افعلي شيئًا، أرجوكِ! هو لا يصدقني!»

وفجأة، تغيّر كل شيء…

الشمعة الوحيدة في الغرفة انطفأت دون ريح، ثم سمعنا خشخشة حادة تصدر من الخزانة الخشبية في الزاوية، تلاها صوت ارتطام عنيف جعل الكتب تتساقط أرضًا. اتسعت عينا العجوز وهو يلتفت حوله بارتباك:

«ما هذا بحق السماء؟!»

همستُ وأنا أحدّق في الظلال:

«إنها تحاول أن تثبت لك وجودها…!»

اتسعت عينا العجوز أكثر، ثم تمتم بصوتٍ مرتعش لم أعهده فيه من قبل:

«لا… لا أرى شيئًا… لكن… أشعر أن شيئًا غريبًا يحدث.»

صرخت الروح فجأة بصوتٍ خافتٍ و بدأت بالبكاء، لم يسمعها سواي:

«ساعدوني!.. أنا فقط أريد المساعده…»

ارتعش جسدي، وتراجعتُ خطوة إلى الخلف، بينما ارتسمت على وجه العجوز صدمةٌ حقيقية لأول مرة. نظر إليّ وهو يضع يده على عصاه بقوة، صوته يخرج حادًّا:

«جون… ماذا قالت لك؟!»

بلعت ريقي بصعوبة، وقلت بصوتٍ مبحوح:

«قالت… إنها تريد المساعده!»

وفي اللحظة التالية، ارتجت النوافذ فجأة، وكأن عاصفة مرّت بنا من مكانٍ لا وجود له، وانكسر زجاج إحداها لتدخل نسمة باردة كأنها زفَرة قبرٍ مفتوح.

صرخ العجوز وهو يرفع عصاه كأنها سلاح:

«جون! بحق السماء، مع من نتعامل هنا؟!»

نظرتُ إلى الروح، كانت تبكي بحرقه… دموعها لم تكن ماءً بل قطرات ضوءٍ تتلاشى في الهواء،وكل شهقه تهز المنزل أكثر. شعرت بشيء ينهش أعماقي؛ لم تعد مجرد روحٍ مجهولة، بل كيانٌ محطم يستنجد بي.

صرخت بصوتٍ يكاد ينكسر محاولاً إصاله إلى مسامعها عبر هذه الفوضى:

«لن أترككِ… سأساعدكِ، أقسم…»

.

.

.

.

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أثرٌ شَيطانيّ||The devil's mark

المؤلف clown lady
2025/10/20 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة