الهدوء الذي يَسبق العاصفة!

الهدوء الذي يَسبق العاصفة!

14 0

لم يزل وجهُ الرجل الغريب يطاردني كظلٍّ ثقيل، لم يفارق ذاكرتي منذ لقائي به، وكأن ملامحه قد حُفرت في جدار عقلي. قضيتُ يومي كلّه غارقًا في التفكير فيه، أحاول أن أُبعد صورته، لكنّها تتراءى أمامي كلّما أغمضت عينيّ.

وحين أتى الصباح التالي، نهضتُ عند الخامسة فجرًا كما اعتدتُ دومًا، ومضيتُ برفقة عمّي إلى الصيد. لكنّ سوء الحظ لازمني من جديد؛ جلست لساعاتٍ طويلة، ولم أظفر ولو بسمكةٍ واحدة. سخر عمّي من حالي كعادته، ثمّ ناولني سمكةً من رزقه حتى لا أعود خالي الوفاض. شكرته على مضض وعدتُ أدفع خطواتي نحو المنزل، مُثقل الرأس.

غريب... كلماته اليوم كانت كأنّني سمعتها بالأمس حرفيًّا. حاولتُ تجاهل الأمر، وأسرعتُ الخطى. لكنّ غرابتي ازدادت حين رأيت طاولة المطبخ مرميةً في الورشة، ما تزال مكسورة؟

ألم يُصلحها أبي البارحة بيديه؟ وضعتُ السمكة في صندوق الثلج، وجلستُ أعمل على إصلاح الطاولة محاولًا طرد الهواجس التي بدأت تتسلّل لعقلي.

وما هي إلا دقائق حتى عاد أبي. لم أُخفِ دهشتي، فقد كان من المفترض أن يعود إلى الجيش اليوم. لكنّه نظر إليّ بانزعاج وقال بلهجةٍ حادّة:

«هل أنت طفلٌ لا يُبالي؟ تكسر الأثاث وتخرج لتمرح؟ حتى جاك لم يفعل فعلتك!»

تجمّدت مكاني. لقد قال هذه الكلمات أمس... فقلتُ بارتباك:

«لكن... ألم تذهب اليوم للجيش؟ أليست إجازتك قد انتهت؟»

رفع حاجبًا باستنكار:

«عن ماذا تهذي؟! لقد عدتُ البارحة، واليوم إجازتي!»

ابتسمتُ بتوتر، وضحكت ضحكةً خاوية:

«ما... ما هذا الكلام؟ البارحة كانت إجازتك! وقد ذهبنا معًا لإصلاح نافذة المنزل... المنزل الخامس في شارع عشرين!»

قطّب أبي حاجبيه بدهشةٍ أكبر وقال:

«صاحب ذاك المنزل جاءني قبل قليل، وها أنا ذاهبٌ الآن لإصلاح نافذته. كفَّ عن الثرثرة وأحضر أدواتي.»

حدّقتُ في ملامحه بارتباك. كنتُ أرجوه في سرّي أن ينفجر ضاحكًا ويعترف بأنّه يمزح، لكنّه صرخ بي بغضب، فامتثلتُ صامتًا، وحملتُ الأدوات ولحقتُ به.

خرجنا نسلك نفس الطريق... والناس ذاتهم، الوجوه ذاتها، العربات ذاتها، التحيات نفسها تتطاير في الهواء كما الأمس. شعرتُ بدوارٍ يضغط رأسي. هل أتوهم؟ هل تحطّمت النافذة مجددًا؟!

وقف أبي أمام المنزل، وطرَق الباب. أطلّ طفلٌ صغير برأسه، فخاطبه أبي بصرامة:

«جئنا لإصلاح النافذة.»

أومأ الطفل بهدوء، وابتعد ليفسح الطريق. تبعتُ أبي بخطواتٍ مترددة، لكنّ عينيّ لم تفارقا ذلك الصغير، عيناه الواسعتان تبتلعانني بنظراتٍ غامضة. حاولتُ أن أرسم ابتسامةً مصطنعة وقلتُ له بلطفٍ متردّد:

«مرحبًا... كيف حالك؟»

لم يجب، بل أومأ بخجل وهرب مسرعًا... كما فعل بالأمس تمامًا. شعرتُ أن الجنون يقترب من عقلي، فالأحداث تُعاد حرفيًا!

جلس أبي يصلح النافذة، وكنتُ أُناوله الأدوات في اللحظة التي يحتاجها قبل أن يطلبها، كأنّي أحفظ المشهد عن ظهر قلب. ثم فجأة أستدرت للخلف... لمحته. ذلك الرجل المحدودب الظهر، ذو الشامة المشعرة فوق شفته النحيلة، يمد يده نحو كتفي! ابتعدتُ بسرعة قبل أن يلمسني، ووقفتُ أُحدّق فيه بنظرةٍ متحفّزة.

اقترب أبي من الرجل وصافحه بابتسامةٍ ودودة:

«أهلًا، سيد ويلسون. أصلحتُ نافذتك كما طلبت.»

الكلمات ذاتها... كل شيء يتكرّر. بدأ قلبي يخفق بعنف. كان أبي يحدّق في الأفق وكأنّه يخاطب الهواء. لمحت ذالك الرجل بحذر، وعيناي تترقبان كل حركة. ابتسم ببطء، بالكاد ارتفعت زاويتَا شفتيه المتغضّنتين:

«يبدو أنّك لاحظتَ أن يومك...تكرّر.»

حبستُ أنفاسي. شعرتُ بقطرات العرق تزحف على وجهي. تابع بنبرةٍ مريبة:

«تقدّم... لا تقل لي أنّ شابًا مثلك يخاف منّي.»

ابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولتُ أن أتماسك:

«أخبرني... ماذا تريد؟ كفّ عن الألاعيب! أعلم أنّ وراءك شيء ما!»

ضحك أبي فجأة، ضحكةً جافة أرعبتني:

«نعم، نعم، نحن نعيش على بُعد شارعين. يمكنك زيارتي وقتما تشاء، وشكرًا لدعوتك.»

كانت كلماته تزيد اضطرابي. بدأ المنزل يضيق من حولي، جدرانه تتمايل كأمواجٍ تريد ابتلاعي. قبضتُ على الأدوات في يدي اليسرى بكل قوتي، وقلبي يصرخ للهرب.

اقترب الرجل خطوةً أخرى، وقال بابتسامةٍ خبيثة:

«أراك ذكيًّا... أريد مساعدتك.»

قلتُ محاولًا التماسك:

«وماذا تريد؟»

سار بهدوء، خطواته لا تُسمع وكأنّه يطير فوق الأرض. من وراء الباب المفتوح، كان الطفل يرمقني بعينيه الواسعتين، عينان تلمعان وكأنّهما تبتلعان كلّ حركةٍ أقوم بها. توقّف الرجل في وسط المنزل، وقال بصوتٍ متمهّل:

«ما رأيك بالقوّة؟ وما رأيك بمن يمتلكونها؟»

سؤال غريب! لكنّني أجبته بحذر:

«هم أشخاص أذكياء ناجحون، يعرفون كيف يديرون حياتهم. لكنّ القويّ الذي يستضعف الضعفاء ليس إلا ضعيفًا يحاول إقناع نفسه بعكس ذلك.»

تركت أحد يديه العصى التي كان يُمسكها فبقيت متعلقه بالهواء تنتظر أن يعاود مسكها، و اخرج يده الاخرى من تحت عبائته المهترئة، صفّق ببطء، وظهرت ابتسامة إعجابٍ باردة على وجهه:

«أحسنت... أحسنت. وما رأيك بالشخص الذي يسلب القوّة؟»

أمسك عصاه الطويلة المُلقه، اقترب منّي دون صوت، فقلتُ بثباتٍ مزيف:

«ذلك شرٌّ محض. شخصٌ لا يبحث عن رضا نفسه، بل يسعى لإشباع جوعٍ لا ينتهي... إنّه أسوأ البشر.»

تجمّد وجهه، سقطت يداه، تنهد بأسى، وكأنّ كلماتِي مزّقت قلبه. لوّح بيده في الهواء وقال بصوتٍ أجوف:

«أعلم... لكنّني كنتُ آمل أن أسمع شيئًا جديدًا عن نفسي. لقد فشلتَ في الاختبار... وستكون أنت المحض.»

رفعت حاجبي، أردتُ الحركة، لكنّ آخر عضلة استطعتُ تحريكها كانت حاجبي المرفوع دهشةً. فجأةً توقّف كل شيء: أبي الذي كان يثرثر في الزاوية جمد في مكانه، الهواء نفسه توقّف، عقارب الساعة تكرّر الثانية نفسها مرارًا.

اقترب العجوز حتى فصلتنا مسافة أنفاس. رفع يده، وضعها على وجهي، ولم أستطع دفعها. عينيّ تحدّقان فيه، صدري عاجز عن التنفّس. شعرتُ بأصابعه الطويلة السوداء تنغرس في بشرتي، تسير ببطءٍ فوق جبهتي حتى انحدرت إلى خدي. لم أشعر بالألم... بل بالهلع المطلق.

رأيت دمائي تتسلّل ببطءٍ على أصابعه. ثم تقدّم الطفل وهو يحمل إطار صورةٍ قديمة لرجلين، أحدهما ذو شاربٍ مائل والآخر شابٌّ بجرحٍ طفيف على حاجبه و أقسمهُ لنصفين. ما أن اقترب منه حتى مسح العجوز دمائي بالإطار كأنّه منديلٌ عابر.

التفت إليّ مبتسمًا وقال بسخرية:

«ما زلتَ هنا؟»

اقترب مني من جديد،رفع يدها و فرد أصابعه الداميه حتى غرسهم في عينيّ، شعرتُ بها تخترق بؤبؤي، صرختُ بكلّ قوتي، صرخةً شقّت سكون العالم المتجمّد، حتى فتحتُ عينيّ فجأة.

كنتُ في غرفتي. قلبي يخفق كالطبول، أنفاسي متقطّعة، والعرق يغمرني. الساعة تشير إلى الثانية فجرًا. شعرتُ بجفاف حلقي، ورغبتُ بالماء. كان جاك يقف عند رأسي يمسك ببطانيته بيده و بيد يفرك عينه قال بنعاس و كسل:

«جون ارجوك تعال معي، اريد ان أقضي حاجتي.»

نهضت من فراشي وانا أتمعن العالم الذي حولي، لمحت جاك الذي بدأ يتلوى و نهضت على الفور و ذهبت معه للحمام، ارتويت ببعض الماء ثم عدنا إلى غرفتنا.

عدتُ أتمدد على الفراش. لم تمضِ ثوانٍ حتى شعرتُ أن السرير يبتلعني كغيومٍ سوداء، وغرقتُ في النوم من جديد... كأنّ شيئًا لم يحدث.

استيقظتُ في صباح اليوم التالي، عند الخامسة فجرًا ككل يوم. جلستُ على حافة السرير للحظاتٍ أستعيد وعيي، تلبّكت قليلًا قبل أن أنهض ببطء. التفتُّ إلى جاك، وكان لا يزال يغطّ في نومٍ عميقٍ، تنفّسه هادئ، ووجهه مائلٌ نحو الوسادة. تنهدتُ بخفّة، ثم غسلتُ وجهي بماءٍ باردٍ أعاد الحياة إلى ملامحي، وأخذتُ أدوات الصيد كعادتي. بالكاد عبرتُ عتبة الباب حتى اندفعتُ راكضًا نحو مكان قارب عمي روبرت. كان ينتظرني هناك، يعبث بسنّارته ويبتسم لي.

ابتسم عمي وهو يقول بمرح:

«اليوم لن تعود إلى المنزل حتى تصطاد سمكة!»

أطلقتُ زفرة ارتياح طويلة؛ هذه الجملة لم يقلها البارحة! ابتسمتُ له وقفزتُ إلى القارب. بدأنا الإبحار، والدنيا لا تزال ساكنة، والبحر يبتلع ضوء الصبح الأول. كان عمي يثرثر بأحاديث جديدة لم يقلها بالأمس، وضحكتُ من أعماقي عندما اصطدتُ سمكتين دفعةً واحدة. شعرتُ وكأن الحلم المرعب الذي رأيته لم يكن سوى وهم سخيف.

عدتُ إلى المنزل وأنا أقفز وأغني، فرِحًا بنصيبي من البحر. لمحتُ الورشة فوجدتُ الطاولة غير موجودة فيها، فأسرعتُ إلى المطبخ، وكانت الطاولة قد نُقلت إليه. لم يكن حذاء والدي الجلدي موجودًا، أي أنّه قد رحل.

وضعتُ كيس السمك على الطاولة، ثم نظّفتُ الأسماك بعناية ووضعتها في صندوق الثلج، ونقلتُه إلى المخزن. أمسكتُ الأكياس الملقاة فوق الطاولة ومسحتُ سطحها، كان كل شيءٍ في مكانه، كل شيءٍ مثاليّ.

دخلت أمي، ابتسمت لي وربّتت شعري قائلةً بلطفٍ وحنان:

«أحسنت، الآن أنت تستمع!»

ضحكتُ بخفة، فأكملت كلامها:

«جاك سيعود من المدرسة بعد قليل. هناك طالبٌ يضايقه كلما خرج منها. هل يمكنك أن تصطحبه اليوم؟»

ابتسمتُ دون كسلٍ وقلت:

«بالتأكيد.»

بدّلتُ ملابسي من ثياب الصيد إلى ثيابي العادية، ثم خرجتُ متجهًا إلى مدرسة جاك. انتظرته أمام البوابة حتى خرج، لكن ما إن لمحته حتى رأيتُ فتىً آخر يحمل صخرة كبيرة، يتجه بها نحو جاك بخطواتٍ هادئة. لم أشعر إلا وأنا أندفع نحوه بسرعة.

رمى الصخرة في اللحظة نفسها، فدفعتُ جاك بعيدًا لتصطدم الصخرة بكتفي، شعرتُ بألمٍ حارقٍ في العظم، لكن غضبي كان أكبر. تقدمتُ نحو الفتى، ركلته بقوة فسقط أرضًا يتلوّى ويبكي. أمسكتُه من ياقة قميصه ورفعتُه عاليًا، صرختُ به حتى سالت دموعه:

«ماذا لو استقرت تلك الصخرة في رأسه؟! هل تعلم أنك كدت تقتله، أيها اللعين الأحمق؟!»

رميتُه على الأرض بكل قوتي، فنهض وهو يصرخ باكيًا. أشرتُ إليه بغضبٍ أكبر:

«اقترب من جاك مرة أخرى... وستلقى مصيرًا أسوأ.»

كان الأطفال جميعهم يراقبون المشهد برعب، فرفعتُ صوتي أكثر:

«وأيّ أحمقٍ منكم يؤذي جاك سيلقى نفس مصيره!»

هرب الأطفال من حولي، ضحكتُ بخفة. اقترب جاك وهو يقفز بحماسٍ، أمسك يدي بعينين متألقتين:

«كنتَ رائعًا!»

ضحكتُ بغرورٍ وتظاهرتُ بالصلابة، متجاهلًا ألم كتفي:

«أنا دائمًا رائع... أيها الصعلوك!»

في طريق عودتنا، رأيتُ مارك، صديقي القديم، يتحدث مع السيد جوناثان. انتابني الفضول، لعلّهما عرفا من قتل الحمار الذي شغل الحيّ منذ فترة. لكن ما إن اقتربتُ حتى تجاهلني السيد جوناثان كأنني عِلّة يجب الابتعاد عنها، بينما قلب مارك عينيه بانزعاج. توقفتُ في حيرة، حتى أن جاك نفسه شاركني دهشتي. تجاهلتُ الأمر وسألت:

«كيف حالك يا مارك؟ هل عرفتم من قتل الحمار يا سيد جوناثان؟»

قال مارك ببرودٍ وهو يبتعد:

«مجرد مراهقين... وكأنك لا تعرف.»

تركنا ورحل، فتبادل جاك وأنا نظرات الحيرة. سألني:

«ما باله مارك؟ أليس صديقك المقرّب؟»

رفعتُ كتفي المصاب بتعجب وأكملنا طريقنا نحو المنزل، لكنني لم أستطع تجاهل الحكة التي بدأت تزداد في خدي وشعري.

حين وصلنا، أسرعتُ إلى الحمام وأخذتُ حمامًا سريعًا، غسلتُ فيه شعري ووجهي جيدًا، ثم خرجتُ لأجد العشاء جاهزًا. جلسنا كعادتنا حول المائدة، رتّلت أمي شكرها للرب قبل أن نبدأ الأكل. كان جاك يثرثر عن يومه بفخر، يروي بطولتي وكأنها قصة من أساطير القرون الوسطى، بينما أنا أبتسم بصعوبة. فجأة، عادت الحكة، لكن هذه المرة كانت خلف أذني. حككتها بلا وعي بينما أستمع لجاك.

عندما سحبتُ يدي، رأيتُ في كفي خصلة شعرٍ متساقطة، شعرٌ مبعثر وكثيف. تجمّد الدم في عروقي. حاولتُ أن أخفي فزعي، لكن يدي ارتجفت قليلاً. لاحظت أمي الأمر فسألت بقلق:

«جون... ما بك؟»

خبّأت يدي تحت الطاولة، وأطلقتُ ضحكة ساخرة:

«لا شيء، فقط أقيس الجوع في معدتي... هل آكل أكثر أم شبعت؟»

تنهدت أمي بارتياح، ثم ضحكت:

«وجهك شاحبٌ كالثلج، لقد أفزعتني!»

ابتسمتُ بتصنّع، وأطلقت ضحكة خافتة:

«أنا آسف.»

بعد العشاء، انسحبتُ إلى غرفتي بهدوء. وقفتُ أمام المرآة ورفعتُ شعري، شددتُ أذني برفق لأكشف مكان الحكة. هناك، خلف أذني مباشرةً، ظهرت بقعة من الجلد المتقشر، متشققة، يتساقط الشعر منها. شعرتُ بغثيانٍ وأنا أتأمل شكلها. لم أعد أرغب حتى بلمسها.

عدتُ إلى السرير محاولًا النوم. لكن الحكة ازدادت بشكلٍ جنوني. ربطتُ عصابة على رأسي، ثم ارتديتُ زوجين من الجوارب على يديّ كي أمنع نفسي من الحك أثناء النوم. وبعد صراعٍ طويل، غلبني النوم.

استيقظتُ مع الخامسة فجرًا كالعادة. رفعتُ رأسي ببطء، فرأيتُ أن جوربًا من يديّ قد اختفى. نظرتُ إلى أصابعي فوجدتُ أظافري مكسورة، والدماء والشعر عالقان بينها. التفتُّ إلى وسادتي، فإذا بها ملوّثة بكمية هائلة من الدم والشعر. تجمّدتُ في مكاني، لا أريد أن ألمسها، لا أريد حتى أن أقدّر حجم البقعة. نزعتُ غطاء الوسادة، وضعته في كيسٍ أسود ورميته مع القمامة.

دخلتُ المطبخ لأغسل وجهي، لكنني سمعت طرقات خفيفة على نافذة المطبخ. قلتُ بحدة:

«من هناك؟»

لم يجبني أحد. شعرتُ بقشعريرة في ظهري. أخذت عصاي الخشبية، وخرجت لأتفقد الخارج. كان الظلام لا يزال كثيفًا، الهواء باردٌ، لكن لم يكن هناك أحد. بحثت وناديت... لا جدوى.

ارتديتُ قبعة صوفية تخفي شعري، وأخذتُ سنّارتي متوجهًا إلى قارب عمي. كنتُ أحاول الانشغال بالصيد، أن أُبقي تفكيري بعيدًا عن تلك البقعة اللعينة التي تأكل رأسي.

وصلتُ إلى القارب، تبادلنا التحية، وبدأنا الصيد كعادتنا. فجأة، مدّ عمي يده ولمس القبعة من على رأسي دون أن أشعر، وقال بفضول:

«جون... هناك بقعة دم على هذه القبعة!»

وقبل أن أعي، صفعتُ يده بعنف، وابتعدتُ بخطوات سريعة، نظراتي مذعورة. تجمد عمي في مكانه، ثم نهض ببطء، صوته صار جادًا على غير عادته:

«اخلع القبعة.»

تلعثمت وأنا أشد القبعة على رأسي:

«عمي، صدقني، لا شيء... فقط صفعتك لأني كنت خائفًا...»

كرر بصوتٍ أعلى وحزمٍ لا يقبل الجدل:

«قلت لك... اخلع القبعة.»

ارتجفتُ وأنا أنزع القبعة ببطء. كلما ظهر جزءٌ من رأسي تغيّرت ملامح عمي، حتى ثبتت على صدمةٍ ثقيلة أسقطت فكه للأسفل. تقدم نحوي، قبض على ذراعي بقوة:

«ظننتُ أنك ترتديها لأنك تشعر بالبرد... ما هذا؟ منذ متى بدأ الأمر؟»

همستُ:

«البارحة... بدأ بحكة بسيطة.»

زفر بغضب، سحب سنّاراتنا من الماء، وأدار القارب نحو اليابسة بسرعة، يحرّك المجاديف بجدية لم أعهدها فيه. لم ينبس بكلمة حتى وصلنا، ثم جرّني إلى أقرب طبيب.

جلستُ أمام الطبيب صامتًا، ممنوعًا من الكلام. بدأ الطبيب يفحصني ببرودٍ غريب، كأنه رأى هذه الحالة عشرات المرات. هزّ رأسه بتفهم وقال:

«إنه تَقشُّر جلديّ حاد، يبدو أن لديك حساسية. هل حككتَ المنطقة كثيرًا؟»

قلت بارتباك:

«نعم... فعلت.»

تابع الطبيب وهو يسير نحو مكتبه:

«هناك تشققات طولية في فروة رأسك، وهذا يدل على حكٍ شديد. تساقط الشعر أدى إلى الصلع في تلك الجهة.»

جلس الطبيب يخلط أعشابًا مجففة وسوائل مختلفة. قضى نصف ساعة كاملة يدمجها بدقة وكأنّه ساحرٌ يحضّر تعويذة. حين انتهى، جاءني بزجاجة سائل أخضر ذي رائحة كريهة تشبه رائحة الأسنان المتسوسة. دهن بها رأسي ببطء، ثم ناولني إياها قائلًا بصرامة:

«ادهن رأسك كلما شعرت بالحكة. وحين تنفد الزجاجة، تعال إليّ مجددًا.»

شكره عمي، ثم سحبني للخارج. طوال الطريق إلى المنزل كان يوبّخني، صوته يمزج الغضب بالقلق:

«كيف تخفي هذا عنا؟ كيف تخفيه عن أمك؟! لو تأخرنا أكثر لكان الأمر أسوأ بكثير.»

أجبرني عمي على العوده للمنزل لأرتاح، عدتُ له صامتًا ولم أعارض أمره، بينما الريح تعصف بقبعتي الصوفية، والبرد يتسلل إلى جلدي المتشقق. لكن الخوف لم يتركني... كنت أعلم أن شيئًا مظلمًا بدأ يلتهمني!

.

.

.

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أثرٌ شَيطانيّ||The devil's mark

المؤلف clown lady
2025/10/20 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة