واصلتُ سيري حتى وصلتُ إلى مدينةٍ مهجورة، تتناثر بيوتها المهدّمة كأشلاء ذاكرةٍ منسيّة. دخلتُ أحد البيوت التي التهمها الخراب، وجلستُ فيه، أحاول الفرار من العالم... ومن الناس...
لو أنّ أمي لم تُجبرني على الرحيل... لو أنّها فقط أجبرتني على البقاء معها، لو إنها لم تقل إن فكرتُ بالموت ما كانت لتسامحني... كم هي قاسية... وأنتِ حتى لستِ هنا معي.
تعبت عيناي من البكاء، فجلستُ على كومةٍ من الخشب البارد، أعانق قدميّ، أحدّق في الفراغ بعينين باهتتين، يائستين...
حتى سمعتُ وقعَ خطواتٍ خفيفةٍ تقترب مني. ارتجف قلبي، ورفعتُ رأسي ببطءٍ، لأراه... روح فتى صغير. كان جسده شفافًا، لكنّها كانت المرة الأولى التي أرى فيها روحًا بأقدامٍ تسير على الأرض.
اقترب منّي، يرتدي سروالًا قصيرًا ممزّقًا، وقميصًا عليه صورةُ قرشٍ يعتمر قبعةً صغيرة، وفي يده لعبة على هيئة قرشٍ مماثل. جلس إلى جانبي، لم يعلم أنّني أراه، لكن جسده كان يميل ناحيتي كأنّه يستجدي دفئًا، أو يخشى أن يُترك وحيدًا مجددًا.
كم كان ضئيلاً وهشًّا ذاك الفتى... زفرتُ تنهيدةً ثقيلةً، فتحرّك مبتعدًا عنّي، ظنًّا أنّه أزعجني، فسقطت لعبته من يده تحت قدميّ. انحنيتُ ببطءٍ، التقطتها، وأعدتها له. ارتسمت الصدمة على وجهه الصغير.
أمسك لعبته بيدٍ ترتجف، ثم نهض فجأةً، جلس أمامي، وصاح بفرحٍ مدهش:
«أ... أنتَ تستطيع أن تراني!؟»
أومأتُ برأسي بصمت، لم يسعني الردّ بالكلمات، فقد كنتُ مرهقًا، وأردتُ أن أستسلم لغروري، غير أنّ الفتى كاد يطير من شدّة الفرح و قال:
«أسمي هو دانييل.. ما هو أسمك؟»
قلت بأرهاق:
«جون.»
قهقه ببراءة وقال:
«نحن صديقان الان!!»
ثم عاد إلى مكانه، جلس بجانبي، يضحك بصوتٍ مكتوم، كأنّه يخشى أن يُفسد سعادته بالضجيج. سألته بفضولٍ خافت:
«... لِمَ أنتَ هنا؟»
كان يقلب لعبته بين أصابعه، غير مبالٍ بثقل السؤال:
«أتيتُ مع والدي قبل أيامٍ كثيرة... جئنا لنلعب كرةً معًا.»
رفعتُ رأسي من بين قدميّ، وسألته بصوتٍ أعمق:
«وماذا حصل بعد ذلك؟»
رفع رأسه، نظر نحو الأفق، فتح فمه الصغير محاولًا التذكر، لكنّه عجز:
«لا... لا أعلم... أنا... لا أستطيع التذكّر... كلّ ما أتذكره أنّني رأيتُ جسدي هناك، في ذلك المنزل... وحاولتُ الخروج من المدينة... لكنّني لم أستطع.»
نهضتُ بتثاقل، تبعني الصبي دانييل بخطواتٍ خفيفة، يدندن ببراءةٍ تتنافى مع ثِقل ما ينتظرني. دخلتُ المنزل المهدّم، وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناي على جثته، شعرتُ وكأنّ الأرض تميد بي.
كان الجسد الصغير ممدّدًا أسفل ركام الخشب، كدميةٍ مهملة في زاوية مظلمة. أزحتُ الخشب بيدين ترتجفان، وكلُّ نفسٍ أتنفّسه كان أثقل من السابق.
لمّا انكشف لي المشهد، اختنقت أنفاسي...
كان عنقه يحمل آثار حبلٍ غليظٍ، محفورًا في جلده الضرب حتى ازرقّ موضعه، وعلى صدره خدوشٌ طويلةٌ متعرجة، كأنّها أظافر وحشٍ التهمه غضبًا. ذراعاه النحيلتان تحملان علامات سحبٍ عنيفة، وأطرافه متيبّسةٌ في وضعٍ يوحي بأنّه قاوم حتى الرمق الأخير.
وجهه... يا اللهي، وجهه كان كالقناع؛ عيناه جاحظتان منتفختان، لونهما غامقٌ كظلّ الموت، وفمه نصف مفتوح كأنّ الصرخة ما زالت عالقةً في حلقه.
أما جسده الصغير، فقد لطّخته بصمات العنف؛ سرواله القصير ممزّق، وساقاه الصغيرتان متباعدتان في قسوةٍ بشعة، ودماءٌ متيبّسةٌ داكنة تتسرّب من بينهما، تصرخ بوحشية ما تعرّض له...
ارتجف كياني كله، وأسرعتُ في تغطية عينيه قبل أن يرى هذا الجحيم، وقلتُ بصوتٍ متكسّر:
«... انتظرني بالخارج.»
أومأ برأسه الصغير، وغادر في صمتٍ مطيع، بلا اعتراض. شعرتُ بمرارةٍ في حلقي، وخلعتُ قميصي، لففتُ به جسده الصغير بعنايةٍ، وبدأتُ المسير. كان يتبعني، وأخيرًا استطاع أن يغادر المدينة الملعونة... راح يركض أمامي كأيّ طفلٍ حيّ، يصرخ فرحًا فوق الثلج، يتجاهل كلّ شيءٍ حوله، ولم يستوعب أنّه ميت.
جلستُ على ركبتيّ، اقترب منّي، فسألته بصوتٍ مبحوح:
«أخبرني أيّها الصغير... أين تريد أن أدفن جثمانك؟»
أمال رأسه الصغير يمينًا وشمالًا، ثم ابتسم وكأنّ فكرةً عظيمةً خطرت له:
«أريد أن تدفنني قرب جرفٍ كبير... أريد أن أرى القروش يومًا ما.»
«حسنًا... سأفعل ذلك.»
تابعتُ السير، أقطع الطرق حتى وصلتُ إلى بساتين واسعة، وكنتُ أعلم في داخلي أنّ البحر ليس بعيدًا. وحين رأيته، كان جرفًا صغيرًا يطلّ على زرقة البحر العميق. التفتُّ إلى الفتى بقلق:
«هل يرضيك المكان هنا؟»
لكنّ عينيه كانتا تحدّقان في البحر بدهشةٍ ساحرة، وشروق الشمس يرسم هالةً ذهبيةً على ملامحه، فابتسم وهو يعانق لعبته:
«نعم! أريد أن أبقى هنا إلى الأبد!»
وضعتُ جسده على الأرض، التقطتُ صخرةً كبيرة، وبدأتُ أحفر قبره. وما إن دفنته، جلستُ بجانبه، على حافة الجرف، أرتجف بردًا، فجاء الصغير وعانقني. احتضنته، وربّتُّ على ظهره الضئيل:
«شكرًا لك يا سيدي!»
تساءلتُ وأنا أراقبه بعينين دامعتين:
«لِمَ لا تخاف من وجهي؟»
تفاجأ الصبي من سؤالي، وابتسم ببساطةٍ بريئة، مدّ يده ولمس وجهي:
«لديك حاجبان كثيفان... وشعرٌ جميل... وعيناك زرقاوان كبيرتان... كيف يمكن لأحدٍ أن يكره وجهك؟»
علمت حينها إن الأرواح لا ترى اللعنه التي أصابت وجهي...هم يرونني على حقيقتي. بمجرد أن لفظ كلماته، بدأ جسده يضيء بنورٍ غامض، وبدأت أطرافه تتفتّت كالغبار،دلالة على إن روحه ترقد بسلام ببطء. ارتعب، وصرخ بفزع:
«ما... ما الذي يحدث لي!؟»
أمسكتُ بيديه الصغيرتين، وهمستُ بلطفٍ رغم رعشة صوتي:
«تماسك... كلّ شيءٍ سيكون بخير... فقط، أخبرني باسمك و أسم والدك.»
ترك يدي فجأة، وارتمى في حضني، يعانقني بشدّة، كأنّه يسكب امتنانه الأخير في قلبي. همس:
«أسمي ثيوس!و والدي هو روديان!...»ثم اختفى بين ذراعيّ، تاركًا إيّاي وحيدًا على ذلك الجرف.
اشتعل صدري بألمٍ خانق، لم أدرِ ما عليّ فعله. هل أعود للعجوز؟ لكن ماذا لو تسبّبتُ في موته؟ لا... لا أريد أن أُورّطه في لعنتي. نزلتُ من حافة الجرف، وسرتُ بمحاذاة البحر، أمواجه الباردة تلسع قدميّ، والريح تعصف ببشرتي.
كان البحر واسعًا، أزرقًا، كأنّه يدعوني لاحتضانه. تسلّلت فكرةٌ مظلمة إلى رأسي... لِمَ لا أدعه يأخذني معه؟ وحين ألتقي بأمي... سأُلقي باللوم على البحر، وكأنّي لم أترجّاه أن يغرقني.
جلستُ هناك طويلًا، أحدّق في الأفق حتى أشرقت الشمس فوق رأسي، وأخرجني نباح كلبٍ ولهاثه المتسارع من أفكاري السوداء. التفتُّ، فقفز عليّ، يلعق وجهي بحماس، وينبح كأنّه ينادي صاحبه. ضحكتُ بضعف، وأنا أحاول إبعاده. سمعتُ صوتًا مألوفًا، مرتجفًا:
«ويسبرد! لقد وجدته!»
ما إن سمعتُ الصوت، حتى عانقتُ الكلب، كأنّي أستجدي حمايته من صاحبه. هدأ الكلب، واستسلم لعناقي، كأنّه يفهم حزني.
اقترب العجوز ڤكيتور وهو يلهث، سعادته تغمر صوته:
«يا إلهي! لم أركض هكذا منذ سنوات!»
لم أردّ، بقيتُ أدسّ وجهي في فراء الكلب. جلس العجوز إلى جانبي، وضع معطفه الدافئ على كتفيّ المرتجفتين، وقال بصوتٍ حانٍ:
«انظر من وجدتُ وأنا أبحث عنك! إنه كلبي ويسبرد الذي حدثتك عنه! تبيّن أنه كان ضائعًا في الغابة!»
لم أحرّك ساكنًا. شعرتُ بيده تلامس كتفي برفق، وصوته ينخفض أكثر:
«لقد رأيتُ جمال وجهك.»
رفعتُ رأسي بذهولٍ، نظرتُ إليه، فضحك بخفّةٍ، ثم تابع بصوتٍ دافئ:
«حين خرجت روحي من جسدي، لم أصدق ما حدث. لم أشعر بالخوف، بل أحسستُ أنني حرّ. لم تؤلمني ركبتي، ولم يضق صدري بالتنفس، شعرتُ أنني عدتُ شابًا. رأيتك في الزاوية... بشعرك الجميل ووجهك الباكي كالأطفال. حينها شعرتُ بالضعف أمام منظرك، وأردتُ أن أعود... لأتألم بجسدي هذا... فقط من أجلك.»
حرّكتُ شفَتيّ برعشة تكاد تخنق صوتي:
«لكنني قتلـ…»
قاطعني قبل أن أكمل كلمتي، صوته حادّ كالسيف:
«أنت لم تفعل شيئًا! أتسمعني! أنت فتى عاديّ… فتى له حرق بسيط على وجهه، لا أكثر! لست قاتلًا… ولست شيطانًا! أتفهم؟!»
تركتُ الكلبَ يهبط من حضني، وانقضضتُ على العجوز في عناقٍ مرتجفٍ بينما همس بصوتٍ متقطع النبرة:
«لنَعُد إلى المنزل معًا.»
شهقتُ، وتوسّلتُ بلهجةٍ يملؤها الحسرة:
«لكن أهل المدينه…»
ردّ بصرخةٍ غاضبة، تحمل عنفوانًا لم أعهده في جسده الضعيف:
«لن يلمسك أحد ما دمتُ معك! أعدك!»
أومأتُ له مرارًا، كأنني أعلّق كل ثقتي به؛ بهذا الجسد النحيل الذي بدا فجأةً كفارسٍ شجاعٍ يذود عني. نهضنا، وبدأنا السير عائدَين إلى المنزل، والعجوز قابضٌ على يدي بقوةٍ حانية، فيما ويسبرد يركض أمامنا بسعادة، يقودنا نحو الأمان.
عند دخولنا، أسرعتُ إلى الحمام لأغتسل من آثار يومي، ثم جلستُ صامتًا بينما عالج العجوز جراحَ وجهي التي خطّتها أيدي أهل القرية، وركبتي المتورّمة من سقوطي على تلك الصخرة. أنهى تضميد الجراح، وربّت على يدي برفق، وقال بحنوٍّ دافئ:
«سأعدُّ لنا بعض الشاي… لقد اشتريتُ كوبًا خاصًّا لك ولي!»
أبهجتني محاولاته لإسعادي، وكان لابتسامته أثرٌ عجيبٌ في قلبي المنهك. شربتُ الشاي بجرعاتٍ صغيرةٍ متقطّعة، بالكاد أستطيع ابتلاعه، و في كل مرةٍ اقترابه من يدي أبعد عن يسراي المشوّهة، وكأنني أفعل ذلك بلا وعي… أو هذا ما أقنعتُ نفسي به.
لكنّه اقترب فجأةً، ووضع كوبه على الأرض، ثم مدّ يده ليقبض على يسراي، ساحبًا إياها من خلف ظهري رغم محاولتي إبعادها ووضعها على صدره:
«أرأيتَ! لا شيء يحدث.»
جمّدني ذلك الشعور الخانق… إحساس أنني أستطيع دفع روحه كما فعلتُ سابقًا، لكنني سيطرتُ على ذالك الشعور هذه المرّة، وأبعدتُ يدي ببطء. ضحك العجوز بخفةٍ وهو يعلّق:
«دهشتك هي ما أردتُ رؤيتَه!… إن كنتَ متعبًا، ما رأيك أن تنام قليلًا؟»
نظرتُ إلى كوب الشاي الذي لم يزل نصفه ممتلئًا، وتمتمتُ بضعف:
«أنت على حق… لم أنَم طَوال ليلة البارحة.»
ربّت على ظهري بحنانٍ أبويّ، وتركتُ كوب الشاي جانبًا وتوجهتُ إلى الغرفة الصغيرة أسفل السلالم. ألقيتُ بجسدي المرهق على السرير، ولم أفكّر طويلًا قبل أن يغلبني نومٌ عميق… نومٌ مُريحٌ على غير العادة.
رأيتُ أمي في الحلم، كانت تمسح على شعري بخفة وتغني لحنًا مألوفًا، شعرتُ براحةٍ لم أعهدها منذ زمن، حتى اقتربتْ من أذني وهمست بصوتها العذب:
«إيّاك أن تستسلم مرةً أخرى!»
هممتُ بالرد، لكنّ صراخًا مدوّيًا مزّق الحلم وأهتزّت له جدران المنزل. أفقتُ مذعورًا، قفزتُ من الفراش، وأسرعتُ نحو مصدر الصوت… كان أمام الباب الرئيسي.
فتحته بلهفة، فتجمّدتُ مكانِي… كانت الشمس على وشك الغروب، والناس مصطفّون أمام منزلنا بوجوهٍ عابسةٍ متشنجة، والعجوز ڤيكيتور يقف على العتبة، يحولُ بينهم وبين الدخول. وما إن وقعَت أعينهم عليّ حتى تراجعوا بضع خطواتٍ، وكأنهم رأوا شبحًا.
صرخ رجلٌ من بينهم، صوته مرتجف:
«سيد ڤيك! أرجوك ابتعد، نحن نحاول أن نحميك!»
انفجر العجوز غضبًا، صوته يحمل كلّ تحدٍّ:
«قلتُ لكم اغربوا عن وجهي وعن وجهه! أحدٌ ما ليأتِ ويحميَني منكم، لا منه!»
رأيتُ مناجلهم ومعاولهم مرفوعةً نحو السماء، تتوهّج الحطب التي يرفعونها بالنار نفس الصوره التي حلت بعائلتي من قبل، نفس النظرات ونفس وألسنة اللهب.
ترسم على وجوههم الغاضبة ملامحَ وحوشٍ عطشى للدماء. وقفتُ بجانبه، وصحتُ بصوتٍ عالٍ، تحدٍّ يختلط بالرعشة على أملٍ أن أغير من قرارهم شيءً:
«ما الفرق بين هذا الوجه وذاك القناع الذي ارتديتُه من اليقطين؟ أنا… ما زلتُ أنا!»
صاح طفلٌ بسخرية، صوته يقطع حبل أعصابي:
«اليقطينة كانت تبتسم بلطف!»
همست امرأةٌ بمرارة:
«وجهك هذا نذير شؤم على قريتنا! كفانا ما ذقناه من الحروب! اخرج… قبل أن تحلّ علينا كارثةٌ جديدة!»
تقدّم ڤيكيتور خطوةً أمامي، صوته يتكسّر غضبًا:
«النذير الوحيد للشؤم… هم وجوهكم أنتم، التي لا تطيق إلا سفكَ دماء فتى بريء!»
انبرى رجلٌ آخر، يحاول استمالته:
«سيد ڤيك… نعلم أن خسارة جيمس صعبة عليك… وندرك أنك ترى في هذا المسخ ابنك… لكنه ليس هو، إنهـ—»
قاطعَه العجوز بصوتٍ جازمٍ هزّ السكون:
«أعرف أن أميّز بينه وبين ابني جيمس… وأنا أعلم أن لدي ثلاثة أبناء جيمس… وإيثان… وجون!»
دمعت عيناي، خليطٌ من الغضب منهم والامتنان له يتفجّر في صدري. لكنّ أحدهم صرخ فجأة:
«لا فائدة! يبدو أن العجوز ممسوسٌ بأفكاره!»
اندفع رجلٌ نحوه رافعًا عصاه الثقيلة، لكنني سبقتُه بخطوةٍ وقفزتُ أمام العجوز لأحميه. هوت العصا على يدي، شعرتُ بألمٍ حارق، لكني رددتُ بلكمةٍ قاسيةٍ أصابت أنفه، فانفجر دمه وهو يتراجع صارخًا.
كانت تلك الضربة إشارة الهجوم. تدافع الناس نحوي كعاصفةٍ هوجاء، وأنا أتصدى لهم، أحمي ڤيكيتور بكل قوتي. لكن قبل أن تهوي معاولهم وصخورهم عليّ، دوّى صوتٌ غليظٌ من خلفهم، صوتٌ أشدّ وقعًا من الرعد، فأوقف الدماء في عروقهم قبل أن يوقف حركتهم.
التفت الجميع، والهمسات والارتجافات تخترق صفوفهم. تفرّقوا، ليفتحوا طريقًا لرجلٍ قادمٍ بخطواتٍ تهزّ الأرض تحت قدميه.
رأيتُه… فتوسّعت عيناي رعبًا، وجفّ حلقي. كان طويلًا بشكلٍ مهيب، ضخامةُ بنيته تجعل كتفيه كحصنٍ منيع، وعضلاته البارزة كدرعٍ فولاذيّ لا تخترقه ضربة. شعره الأسود القصير يزيد من حدّة ملامحه، وحقيبةٌ ضخمةٌ على ظهره بدت صغيرةً أمام جسده العريض. حذاؤه الثقيل يضرب الأرض كحوافر حصانٍ جامح، وفي حضرته شعرتُ كطفلٍ ضعيفٍ أمام عملاق.
اقترب، ثم استدار ليقف أمامنا كجبلٍ شاهقٍ يحمي العجوز… و يحميَني. ارتسمت الرهبة على وجوه القرويين، وارتجفت شفاههم من الخوف. رفع الرجل حاجبه، وقال بصوتٍ غليظٍ مشحونٍ بالاستنكار:
«ما بالُكم تحملون أدوات الزرع والنار أمام منزل والدي؟…»
ثم تغيّر صوته فجأة، صار أكثر رعبًا وهيبة:
«لا تقولوا إنكم هنا… لتهديده!!!»
هل هذا الرجل هو إيثان؟!.. تردّدت الأنفاس، وسُمعت همساتٌ مذعورة، حتى همس أحدهم كقطّ مذعور:
«كلا… بالطبع لا… نحن… نحن أتينا لمساعدة السيد ڤيكيتور في… حصاد مزرعته!»
ابتسم إيثان بخفةٍ، لكن ابتسامته لم تحمل ذرة رحمة، وقال بنبرةٍ زاحفةٍ بالرعب:
«إذن… هيا باشروا العمل… قبل أن تختفي الشمس تمامًا.»
تحرّك الناس على الفور، مسرعين كالنمل المذعور، وانهمكوا في الحصاد بلا تردد. دقائق معدودة كانت كافية ليجنوا محصول الأرض كلّه، ويجمعوا الخضروات التي كان العجوز يفكر طويلًا كيف سيجمعها. وقفوا يبتسمون بخوفٍ، كأنّهم يرجون النجاة.
لكنّ إيثان لم يترك لهم الوهم طويلًا، زمجر:
«أعلم أن نواياكم لم تكن المساعدة… لكن أقسم، إن تكرر هذا أمام منزل والدي… لأشعلنّ هذه القرية على رؤوسكم… وأكون أنا الكارثة القادمة!!!»
ارتعدوا، وانهالوا بالوعود المرتعشة، ثم ولّوا هاربين.
استدار إيثان نحونا، ضحك بخفة:
«الناس تحترم من يخيفهم.»
ساد صمتٌ ثقيل بينه وبين ڤيكيتور، بينما وقفتُ بينهما. رفعتُ يدي، تمتمتُ مترددًا:
«أنا… أنا جون… وأنت إيثان؟»
ابتسم ابتسامةً تشبه ابتسامة والده، ومدّ يده الضخمة ليصافحني:
«بالتأكيد أعرفك… أنت أخي الثالث!»
اتسعت ابتسامتي، والسعادة تغمرني من كلماته، وشعرتُ أن العجوز ابتسم في سره، لكنه تظاهر بالبرود وقال وهو يدخل المنزل:
«دعونا نكمل حديثنا في الداخل.»
.
.
.
إ
clown lady