تجمّد الهواء من حولنا، حتى بدا وكأن الزمن نفسه قد توقف؛ لم يكن يُسمَع سوى أنفاسنا المتقطّعة التي تتسلّل من بين شفاهنا بصعوبة، مرتجفة كأصوات طيور مذعورة.
اندفعتُ أراقب أمّي وهي تركض بخطواتٍ متسارعة، عيناها تلمعان بعزمٍ ممزوجٍ بيأسٍ مرّ. رأيتها تفرغُ علبة البنزين على الأرض، الرائحة الخانقة تسلّلت إلى أنفي بسرعة، فشعرتُ بدوارٍ يكاد يُسقطني أرضًا. جاك كان يراقبها بعيونٍ واسعة، لا يرمش، أصابعه الصغيرة تشدّ على علبة الكبريت كما لو كانت سلاحًا.
هل سنُحرق حقًا البيت؟
سؤالٌ دوّى في رأسي، لكنه لم يخرج من شفتيّ، كنتُ عاجزًا عن الكلام، مشلولًا من الدهشة.
قالت أمّي بصوتٍ مرتعشٍ، لكنها تحاول أن تبدو حازمة:
«جون... عندما أُشعل النار، لا تلتفت للخلف. ستخرجون من الباب الخلفي، وتذهبون بعيدًا عن هنا... لا تنظروا وراؤكم.»
حاولتُ أن أهزّ رأسي، لكنّ كلّ ما استطعتُ فعله هو فتح فمي لأهمس:
«أمّاه...»
قاطعتني بعينين حازمتين:
«لا تقل شيئًا... فقط اهرب.»
كانت الممرضة تقترب مني، تمسك بذراعي الضعيفة وتساعدني على الوقوف. شعرتُ بأنّ الأرض تدور، أن ساقَيّ ليستا لي. تمسكتُ بكتفها بكلّ قوتي، فيما جاك يقف خلفنا، يشعل عود كبريتٍ بيدٍ مرتجفة.
«جاك... الآن!» صاحت أمّي.
رمى جاك الكبريت على الأرض، فاندلع لهيبٌ أصفرُ حادّ كأنه وحشٌ ينهض من سباته. ارتدّ اللهبُ سريعًا على خطوط البنزين، وامتلأت الغرفة فجأة بضوءٍ أحمرَ متراقص. الحرارةُ لامست وجهي، فأغمضتُ عينيّ بقوة، ودويّ اشتعال الستائر الخشنة جعلني أشهق بحدة.
صرخت أمّي بصوتٍ لم أسمعه منها من قبل، كان صوتها أشبه بصرخة محاربٍ يدافع عن آخر حصونه:
«إلى الباب الخلفي! الآن!»
اندفعتُ أترنّح، و الممرضة التي حملت وزني شبه كلّه على كتفها، وجاك يمسك بذراعي الأخرى، يجرّني بعنفٍ لا يتناسب مع عمره. كلّ خطوةٍ كانت صراعًا مع الدوار وضيق التنفس، والحرارة خلفنا تتصاعد بسرعة.
كان الحريق ينتشر بجنون، الجدران تشتعل، النوافذ تعكس ألسنة النار كأنّها عيونُ شياطين. صراخ الناس في الخارج صار أوضح، طرقاتٌ عنيفة على الباب الأمامي، وصيحات غاضبة:
«أحرقوه! أخرجوا الوحش!»
شعرتُ بالدم يتجمّد في عروقي.
«أسرعوا!» صاحت الممرضة وهي تفتح الباب الخلفي بعنفٍ. اندفع هواء الليل البارد في وجهي، مختلطًا برائحة الدخان، وكأنه صفعةٌ أعادت لي وعيي.
خرجنا مسرعين إلى حديقة صغيرة مهجورة خلف البيت، أصوات النار تلتهم المكان من الداخل. انحنت أمّي وأمسكت بيدي قائلةً بصوتٍ حادّ:
«اركض! لا تتوقف! أنا سأعود لأبعدهم عنك!»
«كلا!» شهقتُ، لكنّها دفعتني دفعًا جعلني أترنّح وأسقط على ركبتيّ. نظرتُ إليها، كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها ابتسمت لي ابتسامةً صغيرة:
«اذهب... أرجوك، جون.»
أمسكت الممرضة بي من كتفيّ و رفعتني و عنت نفسي بالوقوف على أقدامي، فانطلقتُ معها وسط الظلام. الهواء البارد كان قاسيًا على رئتيّ الضعيفتين، قلبي يخفق كطبول الحرب، لكنّ قدميّ تتحركان بلا وعي. كان علينا أن نبتعد عن ضوء اللهيب، أن نختفي وسط الأشجار المظلمة خلف القرية.
بينما نركض، لم أستطع منع نفسي من الالتفات... كان البيت يحترق بجنون، النار تتصاعد من النوافذ، والناس تتجمهر أمامه، وجوههم مضاءة بالنيران، يصرخون ويشيرون. بعضهم كان يحاول اقتحام الباب، وآخرون يلوّحون بعصيّهم ومناجلهم.
هكذا إذن... سيظنّون أنّني احترقتُ!
شعرتُ بوخزٍ في قلبي. أردتُ أن أصرخ لأمّي، أن أركض إليها، لكنّ ساقيّ خذلتاني. ركضنا أكثر، حتى ابتلعنا الظلام بين الأشجار.
توقّفنا أخيرًا في مكانٍ بعيدٍ عن القرية، أختبئ خلف جذع شجرةٍ ضخمة، ألهث بصوتٍ مرتفع. الممرضة وضعت إصبعها على شفتيها:
«شششش... أرجوك إهدء.»
اختبأتُ خلفها وأنا أراقب من بين الأغصان... المشهد البعيد بدا كلوحةٍ من الجحيم. النار ما زالت مشتعلة، ألسنتها تعانق السماء السوداء، والدخان يتصاعد كسحابٍ أسود كثيف. أصواتُ الناس ضاعت وسط الصراخ، لكنّني كنت أسمع نباح الكلاب، وصليل الحديد، ومَن يبحثون عنّي...
ضغطتُ على صدري من شدّة الخوف، وابتلعت ريقي بصعوبة. كنتُ حيًّا... نعم، لكنّني شعرتُ بأنّني صرتُ شبحًا، أراقب أملاً من بعيد.
التفَّ الناسُ حولَ المنزلِ المحترق، تلمعُ وجوهُهم بألسنةِ النار المتراقصة، وأصواتُهم تختلطُ بصرير الخشب وهو يتهاوى. وسطَ هذا الجحيم، رأيتُ أمّي وهي تضمُّ جاكَ إلى صدرها، تحتضنه بكلِّ قوّتها كأنّها تحميه من العالم بأسره، دموعها تسيلُ كالسيل، وصوتها يعلو مفجوعًا:
«النار... لقد التهمت ابني!أنقذوه!!»
صرختها اخترقت صدري كرمحٍ مسموم، حتى إنّني أنا الحيُّ، أنا الذي أختبئُ بين الأشجار، صدّقتُ أنّني ميت. شعرتُ بأنّني أنظر إلى جنازتي، إلى موتي الذي أصبح حقيقةً في عيون الجميع.
تبادل القومُ النظراتِ الصامتة لحظةً، ثمَّ قطعها صوتُ رجلٍ من بينهم، رفعَ منجله عاليًا وسطَ اللهب وصاحَ بانتصارٍ مجنون:
«لقد مات الشيطان!»
تعالت الهتافاتُ فجأةً، وبدأ الناسُ يقفزون ويصفّقون، بعضهم يضحك فرحًا، وبعضهم يهلّل وكأنّهم انتصروا في حربٍ عظيمة. تجاهلوا صراخَ أمّي وبكاءها الذي حطّم قلبي. كانت ترتجفُ كغصنٍ يضربه الريح، لكنّهم لم يلتفتوا إليها، ولم يرَ أحدٌ أنّها في تلك اللحظة فقدت روحها كلّها.
تراجع الجمعُ بعد أن أشبعهم مشهدُ النيران، وابتعدوا للاحتفال بنصرٍ زائف، فيما اقترب الطبيب من أمّي، ساعدها على النهوض وأمسك بيد جاك الصغير، يقودُهما مبتعدَين عن الحريق وكأنّه يحاول أن يُكفّر عن خطيئته، عن دوره في مؤامرةٍ كان سيُزهق بها روحي.
أما أنا... فقد كنتُ أختبئُ في الظلام مع الممرّضة. كانت وجهها مغطّى بالعرق والرماد، أنفاسها متسارعة، لكنّ عينيها ثابتتان.
سلّمتني حقيبةً صغيرةً قد أعدتها أمي لي، ثم مدّت إليّ بندقيةً طويلة. ما إن رأيتها، اتّسعت عيناي وقلتُ متردّدًا:
«هذه... هذه البندقيةُ خبّأها أبي من أجل الجيش... إن عاد، سيصرخُ بوجه أمّي!»
نظرت إليّ الممرّضة بصرامةٍ لم أرها في وجه امرأةٍ من قبل، وقالت بنبرةٍ قاطعة:
«سنخبره أنّها احترقت. الآن... ما عليكَ سوى الهرب! إن أردتَ لتلك النار أن لا تكون عبثًا، فلا تعد! لا تجعل تضحيةَ أمّك، بكلّ ما تملك، تذهب هباءً!»
تجمّدتُ في مكاني، شعرتُ بأنّ الأرضَ تسحبني إلى أسفل، كيف يمكنني أن أرحل؟ أن أترك البيت الذي ولدتُ فيه، وأتركَ أمّي وسط هؤلاء الوحوش؟ لكنّ كلماتها اخترقتني كالسكاكين، كانت الحقيقة قاسيةً كالموت نفسه. هززتُ رأسي ببطءٍ، أقاوم دموعي، وأهمس بصوتٍ مبحوح:
«سأفعل...»
نظرتُ إليها بعينين مرتجفتين، كانت هي الوحيدة التي أثق بها في تلك الليلة السوداء، ثم تمتمتُ برجاءٍ متوسّل:
«هل... هل يمكنكِ الاعتناء بأمّي وجاك؟ هل ستُبعِدين الرجل عنهما... من أجلي؟»
ابتسمت الممرّضة ابتسامةً صغيرة، لكنّها كانت مشبعةً بالقوة، وقالت بنبرةٍ ثابتة:
«أنا سأهدّد الطبيب بنفسي، ولن أسمح لأحدٍ أن يمسّهما.»
كلماتُها كانت وعدًا، وعدًا وحيدًا أستطيع التمسّك به.
التفتت لتعود من حيث أتت، تخفي نفسها بين الأشجار الكثيفة. كانت خطواتها سريعةً، لكنّها حملت ثِقَلَ مسؤوليةٍ عظيمة. وقبل أن تختفي، صرختُ هامسًا بصوتٍ مشروخٍ:
«شكراً لكِ...»
التفتت إليّ، وابتسمت تلك الابتسامة نفسها، ابتسامةٌ جعلت قلبي يخفق بشيءٍ من الأمان وسط هذا الجحيم، ثم لوّحت لي بيدها بخفة، وأكملت طريقها نحو القرية المشتعلة.
بقيتُ واقفًا بين الأشجار، خلفي الظلام كبحرٍ عميق، وأمامي النيرانُ تلتهمُ المنزل الذي كان يومًا دافئًا وآمنًا. أطبقتُ أصابعي على البندقية، شعرتُ بثِقلها، ليس فقط ثِقل الحديد، بل ثِقلُ قرارٍ لا عودةَ عنه.
أنا ميتٌ بالنسبة لهم... واليوم ولدتُ من جديد.
كان عليّ أن أهرب... لكنّ قلبي ظلَّ معلقًا هناك، مع صراخ أمّي، مع دموع جاك، ومع النار التي أكلت طفولتي كلها في لحظة.
أحكمت قبضتي على حقيبتي التفت و كنت أضن إنها أخر مره أرى بها تلك القريه مشيت خطوات متثاقله أحمل عبء لا يوصف..
لكن شيئًا ما دفعني لأن ألتفت لأخر مره، كأنّ روحًا خفيّة أمسكت بكتفي وأجبرتني على النظر إلى الخلف.
وهناك... وسط النار المصعوره التي كانت تلتهم غرفتي.... من نافذة ، رأيتُه.
ذلك الرجل مقعّر الظهر يقف بوسطها، ثباته كان أشبه بجذع شجرة قديمة تخاف النار أن تأكلها، لكن نظراته... آه، تلك النظرات! لم تكن نظرات قاتلٍ متعطّش للدماء، بل نظرات من يعرف أنّ اللعبة لم تبدأ بعد.
عيناه ضيّقتان كحدّ السكين، وفي أسفل شامته المشعرة على شفتيه النحيلتين ارتسمت ابتسامة غريبة، ابتسامة من يعرف كلّ خطوة سنخطوها قبل أن نفعلها.
تجمّدتُ لوهلة. شعرتُ كأنّ العالم كلّه يبطؤ من حولي؛ صوت ارتطام قطرات المطر على أوراق الشجر،صوت انفاسي التي خرجت بتوترٍ قاتل... كلّ شيء تلاشى، ولم يبقَ إلا هو، ينظر إليً. لم يركض خلفي، لم يأمر احداً من القريه بالمطاردة... وكأنّه تركني أهرب عن قصد.
شعرتُ ببرودة تتسلّل إلى عظامي. شيء ما في تلك الابتسامة همس في أعماقي:
"أنت تسير على طريقي... على الخطة التي رسمتها لك... ولا حتى أنت تعلم ذلك."
ارتجف قلبي. أردت أن أصرخ لأتوقف، أن أمسك السلاح و أواجهه الآن، لكنّ قدمي لم تتحركا. ذالك الارتجاف الذي ادخل الرعب على قلبي قد أبعد الدوار و الثقل عن جسدي بأعجوبه!
لم أملك سوى أن أدير وجهي للأمام وأتابع الركض، محاوِلةً أن أنسى تلك العينين اللتين تبعتني في الظلام، كأنهما عينان لذئب يتلذذ برؤية فريسته تهرب.
لكنّي كنت أعلم في أعماقي... أنّي لم أهرب حقًّا. كنّت فقط أسير داخل شبكة هو من نسج خيوطها، وكلّ خطوة أخذها تقرّبني أكثر من المصيدة التي لم أراها بعد.
كنت أمشي بلا وجهة، رأسي يعيد ويعيد ما حدث في المنزل. صورٌ متقطعة، كلمات لم أقلها، مواقف ندمتُ أنني لم أجرؤ على فعلها.
أحيانًا أرغب في العودة، أحيانًا ألعن نفسي، لكنني أُغيّر قراري في اللحظة الأخيرة وأواصل السير. كنت في صراعٍ مريرٍ لا ينتهي.
لم أعرف كم مضى من الوقت، فقد كنت أمشي كما تمشي جثةٌ بلا روح. خرجتُ من الغابة إلى حقل قمحٍ طويل، ارتديت العباءة على رأسي، وكلّ من مرّ بجانبي كان يصرخ ويهرب بعيدًا... لا أعلم كيف كنت أبدو، لكنني أعلم أنّني لم أكن سوى ظلٍّ لوحش.
واصلتُ المسير حتى دخلتُ مدينةً مهجورة، ومنها إلى أطراف غابة أخرى. كان النهار يذوب ببطء من جديد، والليل الثقيل يزحف فوق الأغصان.. كم يوم قد مرّ وانا على هذا الحال؟...
معدتي كانت تصرخ، لكنني لم أعد أسمعها. جسدي كان يسير من تلقاء نفسه حتى ارتعشت إحدى قدمي وسقطتُ أرضًا بعنف. حينها فقط شعرتُ بتعبٍ عميق يسري في عروقي، كأنّني كنت أقاوم الموت طوال الطريق.
رفعتُ رأسي إلى الأفق، أبحث عن أي شيء يسدّ جوعي. هناك، وسط العشب، لمحتُ سلّةً من القصب بداخلها فطر أبيض مقوّس. زحفتُ نحوها بلهفة، تناولت الفطر وأكلته دون تفكير. لكن سرعان ما ضربني الدوار، واشتعل رأسي بصداعٍ خانق، وغرق عالمي في سوادٍ كثيف...
آخر ما تذكّرته قبل أن يبتلعني الظلام هو أن جلدي بدأ يحترق من جديد. حاولت النهوض لكن جسدي استسلم للنوم، وأحلامٌ مُرعبة داهمتني:
النار التي أكلت منزلي، صراخ جاك، تجاهل الناس لأمي الباكيه... ثم ذلك الرجل، ذو الظهر المحدودب، والشامة المشعرة... كان يقترب مني، أصابعه القذرة تنغرس في عينيّ حتى شعرتُ بأظافره تمزّق بؤبؤي. صرخت بكلّ ما أملك... ثم صحوت.
لمحتُ من حولي بسرعة ولهفةٍ يملؤها الخوف، كنت في غرفةٍ صغيرة لم أعهدها من قبل. بجانبي بعض الأواني التي امتلأت بمواد ملوّنة، والمكان هادئ إلا من أصوات دجاجٍ وأبقار تأتي من الخارج. ألقيت نظرة على جسدي، فإذا بي عاري الصدر، لا أرتدي سوى سروالٍ غريب لم يكن لي. يداي ملفوفتان بالضماد، وعلى وجهي مادة لزجة خضراء اللون. مددت يدي ومسحتها بتقزّز، ثم نثرتها عن أصابعي بضجر.
نهضت بصعوبة، مترنحًا، وغادرت الغرفة. كنت أبحث بريبة في الأرجاء، قلبي مضطرب، خطواتي مثقلة. رأيت طاولة عليها كوب قديم واحد، وبعض الأواني، مما دلّني أن شخصًا واحدًا فقط يعيش في هذا المنزل.
في زاوية أخرى كانت أدوات للحياكة، ومسامير للنحت على الخشب… ترددت في ذهني فكرة: لعلّهم رجلٌ وامرأة؟ ثم لمحت عصًا بجانب الباب، مخصّصة على ما يبدو ليعتمد عليها عجوز. إذن، هناك رجل مسن أيضًا. أمسكت العصا وأسندت ثقل جسدي عليها، ثم خرجت إلى الخارج.
استقبلتني الشمس لأول مرة منذ أيامٍ من المطر والعواصف، شعرت بحرارتها تلسع وجهي، أبصرت الزرع حولي… نباتات صيفية في عزّ الشتاء! عقدت حاجبيّ دهشةً وقلت في نفسي: يبدو أنّ أحمقًا يعيش هنا…
لمحت الأفق، وإذا برجلٍ عجوز يتقدّم نحوي بخطواتٍ متسارعة. توقفت في مكاني جامدًا، أنتظره حتى اقترب مني. تفحّصني من رأسي حتى أخمص قدمي، ثم حرّك رأسه إيماءةً غريبة كأنها رضا عن شيء ما، ثم أكمل طريقه نحو المنزل دون أن ينبس بكلمة.
رفعت يدي باحتجاجٍ صاخب وتبعته قائلًا بانزعاج:
«لماذا لم تعرّفني بنفسك؟!»
قال ببرودٍ متكبّر:
«وعندما رأيتني قادمًا نحوك، لِمَ لم تسأل أنت عني؟!»
أجبته بحدة:
«العادة أن مَن يختطف أحدًا يوضّح نواياه على الأقل!»
ابتسم بسخرية وقال:
«والعادة أن مَن يُختَطف لا ينام شهرين كاملين!»
شهقت مذهولًا وصرخت:
«شهرين!؟»
أومأ بهدوء، ثم جلس على كرسيّ خشبي بعد أن أعدّ شايًا أخضر في طاستين قديمتين. مدّ إحداهما نحوي وقال بلهجة آمرة:
«اجلس.»
جلستُ مكرها، فإذا به ينهض فجأة ويصفع رأسي بقوة. التفتُ إليه غاضبًا وصحت:
«لماذا فعلت ذلك؟!»
صرخ في وجهي بحدّة:
«عندما ترى فطرًا في سلّة لا تلتهمه هكذا! أيها الأحمق! بطولك هذا ولا تفرّق بين السامّ والطيب؟!»
أطرقت كتفيّ بخجل وأجبت:
«كنت جائعًا…»
قهقه ساخرًا وقال:
«جائع فتأكل السم؟! وإن أردت الموت، ماذا كنت ستأكل إذن؟ باشّ؟»
ارتبكت وسألته بجدية:
«مَن باشّ؟!»
ابتسم بخفة وأجاب:
«قطّي.»
وما إن أنهى جملته حتى دخل قط برتقالي اللون، ضخم الجسد، وتمدّد على الأريكة متباهياً بكرشه الكبير كأنه ملك المكان،مد أقدامه المنفرده في الهواء ومنع لقائهما كرشه الذي يملؤه الفرو الناعم. لم أتمالك نفسي فضحكت بخفوت وقلت:
«إنه لطيف.»
ضحك العجوز بدوره وقال بزهو:
«أعرف ذلك.»
تأملت القط السمين لحظة، ثم حولت بصري إلى ذلك العجوز. كان الشيب يلتهم رأسه، ممتزجًا ببقايا شعرٍ أشقر باهت، ويداه ملطختان بالخدوش، كأنهما تحملان آثار كل حرفة مارسها في حياته.
رفعت طاستي ورشفت الشاي بصمت، لكن عقلي ظلّ مثقلًا بتفكيرٍ واحد: شهران؟! كنت غائبًا عن الوعي شهرين كاملين!
قطع الرجل العجوز شرودي بقوله وهو يحدق في وجهي:
«وجهك… هل أصابك حرق؟»
وضعت يدي على وجهي متنهّدًا وأجبت:
«لا أعلم.»
رفع حاجبيه بدهشة وقال بلهجة مستنكرة:
«كيف لا تعلم؟! إنه وجهك أنت!»
قبضت على الطاسة بيدي بقوة، شعرت بغضبٍ وحرجٍ يعتصرني، لكنني لذت بالصمت. تنهد العجوز بدوره وقال:
«أرى… إنك لا تريد الحديث عن ذلك الحرق.»
رفعت رأسي فجأة وسألته بحدّة:
«ولِمَ تظنه حرقًا؟ ألا يبدو لك كأثر طاعونٍ مدمّر مثلًا؟»
وما إن أنهيت كلمتي حتى بصق العجوز الشاي ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، كاد أن يختنق، وضرب فخذه مراتٍ من شدّة الضحك. ثم أطلق تنهيدة طويلة وقال:
«حسنًا… لا ألومك. حين رأيت وجهك لأول مرة خُيّل إليّ أنك جثّة تمشي على قدميها. كنت واقفًا بلا وعي، وأرعبتني حتى كدتُ أصاب بسكتة قلبيّة. لكن بعدما عالجتك وهدأت بشرتك، أدركت أنّها ليست إلا آثار حرق… حرقٍ بالزيت الساخن.»
شهقت متوترًا وسألت على الفور:
«هل تغيّر شكلي كثيرًا… عمّا كان؟»
أومأ برأسه. عندها نهضتُ على عجل واتجهت نحو أقرب مرآة. وما إن انعكس وجهي أمامي حتى شعرت بانهيارٍ داخلي، وسقطت كتفاَي بخيبةٍ مريرة.
كان وجهي محترقًا تمامًا. شعري قد تساقط، وجِلدي تجمّد وتكدّس كجلد جرذٍ محروق، عينيّ بلا حاجبين ولا رموش. نظرت لنفسي، وإذا بي أرى مسخًا غريبًا لا أعرفه…
.
.
.
.
.
clown lady