عَودة الأب.

عَودة الأب.

14 0

عُدنا أدراجنا بعد أن سلّمنا على والتر بصمتٍ ثقيل. كان الطريق إلى المنزل يبدو أطول مما كان عليه صباحًا، كأن كل خطوةٍ تعيدنا إلى ماضٍ لم نكن جزءًا منه، لكننا نحمل ثقله على أكتافنا.

سار ڤيكتور أمامي ببطء وهو يحمل أغراض أشتراهم و رفض أن أحملهم عنه، رأسه منحنٍ، وعصاه تضرب الأرض بإيقاعٍ بارد. لم ينبس بكلمة، وأنا لم أجرؤ على كسر الصمت.

حين وصلنا إلى المنزل، وضع العجوز الأغراض جانبًا بعنايةٍ مفرطة، ثم جلس على الأرض قرب المدفأة. كانت النار قد خمدت، فأشعلها بيدين مرتجفتين، ثم ظل يحدّق في ألسنة اللهب دون أن يقول شيئًا.

خلعتُ اليقطينة عن رأسي، شعرتُ ببرودة الهواء تلفح وجهي، لكن الصمت في الغرفة كان أثقل من أي برد. اقتربتُ منه بخطى مترددة، وسألته بصوتٍ خافت:

«هل أنت بخير... ڤيكتور؟»

لم يلتفت إليّ، ولم يجيب. كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتين في النار كأنهما تبحثان عن شيءٍ ضاع منذ زمن. جلستُ على الأرض أمامه، ورحتُ أراقب يديه اللتين تشدّان على بعضهما بقوةٍ حتى ابيضّت أصابعه.

مرت لحظاتٌ طويلة من الصمت، قبل أن يتحدث بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع، أشبه بالهمس:

«هناك ذكرياتٌ يا بُنيّ... لا تعود إلينا إلا عندما نظن أننا نسيناها. تختبئ في الزوايا، تترصدنا بصبرٍ مرير، تنتظر لحظة ضعفٍ واحدة لتغرس مخالبها في قلوبنا من جديد.»

ارتجفت كلماتي في حلقي قبل أن أنطق بها، وقلت متردّدًا:

«لكنّها ليست كلها سيئة... إنّها جزءٌ من حياتنا، مهما كانت مُرّةً وقاسية.»

ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ باهتة مشوبة بمرارةٍ عميقة، ثم لمعت عيناه بشيءٍ لم أعرفه: أهي دموعٌ محبوسة منذ سنين أم انعكاسُ نار المدفأة يخدعني؟ قال بصوتٍ متهدّج:

«لقد كان ابني جيمس... يشبهك تمامًا. طولك... صوتك... حتى طريقتك في النظر. أغضب كلما ذُكر اسمه، لا لأنني أكرهه، بل لأنّ ذاكرتي العجوز لم تعد قادرةً على استحضار ملامحه. لقد مرّت عشرون سنة على رحيله...»

انكسر صوته فجأة، وانحنت كلماته كأنّها تترنّح من ثقل الألم، ثم انهمرت دموعه بصمتٍ مُرّ. تحرّكت دون تفكير، لأعانق هذا العجوز المنهك، فشبك ذراعيه المرتجفتين حولي بقوة، يشتمّ في ملابسه التي أرتديها رائحةً تعيد إليه ذكرى ابنه الضائع، وتمتم بصوتٍ مبحوحٍ مكسور:

«لو أنّني أراه للمرّة الأخيرة... فقط لأستعيد وجهه... لأعتذر منه... على أنني نسيته!»

ربّتُ على ظهره أواسيه، لكن فكرةً خطرت في رأسي كوميضٍ خاطف، فتراجعت قليلًا وأنا أمسك كتفيه بحذرٍ مشوبٍ بحماسة:

«ماذا لو استطعتُ أن أراه من أجلك؟»

رفع رأسه فجأة، ينظر إليّ باستغرابٍ حادّ:

«ماذا تقصد؟»

ابتسمتُ بثقةٍ مرتعشة وقلت:

«أتعلم أنّني أرى الأرواح الآن! لقد رأيت ثلاثةً منهم اليوم في السوق. ماذا لو استطعت رؤية روح جيمس؟!»

اتسعت عيناه بصدمةٍ هزّت كيانه، وتلعثم وهو يقول بدهشةٍ لا تصدّق:

«أنت... على حق! هيا بنا الآن!»

نهض مسرعًا وصعد الدرج إلى الطابق العلوي. مرت عشر دقائق ثقيلة قبل أن يعود، مرتديًا ملابس مرتّبة ونظيفة، وقد بدا وكأنّه يصارع الزمن ليظهر بمظهرٍ يليق بلقاءٍ طال انتظاره عشرين عامًا. قال وهو يلهث من فرط التوتر:

«لنذهب إلى منزلي القديم... لا بدّ أنّ روحه هناك!»

نهضت بحماسةٍ لأجل هذا العجوز، الذي لم أره يومًا بهذا الشغف. قاد حصانه من الإسطبل، وربط العربة الخشبية القديمة به، ثم صعدت بجانبه. رفع سوطه، وانطلق الحصان كمن يعرف وجهته منذ زمن بعيد.

استمرّت رحلتنا لساعتين كاملتين، وعند الثالثة بعد الظهر وصلنا إلى المكان. شدّ ڤيكتور لجام الحصان فأبطأ خطواته حتى توقّف قرب بركة ماء صغيرة تحيط بها أعشابٌ جافة، فربطه إلى جذع شجرة، وتركه يأكل بهدوء. تبعته سيرًا على الأقدام وسط حقلٍ طويلٍ متشابك الأعشاب.

وما إن رأيت المنزل من بعيد حتى شعرتُ بقلبي ينقبض بقسوة؛ كان المنزل أسود اللون، محترق الجدران، متصدّع السقف، بالكاد يقف على قدميه. كان... يشبه منزلي.

تردّد ڤيكتور بجانبي، ارتجفت خطواته، وبدت عيناه وكأنهما توسّلتا للعودة. التفتُّ إليه بهدوء، وقلت:

«لقد انتظر عشرين عامًا... أتريد أن تجعل انتظاره أطول؟»

قطّب حاجبيه الكثيفين بشجاعة، كأنّه جمع شتات نفسه، وردّ بصوتٍ حازمٍ مرتعش:

«لا!... هيا بنا.»

دخلنا المنزل المتهالك بخطى بطيئة. كان الأثاث المحترق مغطّى بطبقات سميكة من الغبار، والهواء يعبق برائحة الرماد القديم. لا شيء في هذا المكان إلا بقايا ذكريات محروقة. صاح ڤيكتور بلهفةٍ تفيض بالشوق:

«جيمس... يا بني! هل أنت هنا؟»

لم يحتج الأمر إلى تكرار. فجأةً، خرجت روح شابٍّ من العتمة، ضاحكًا بسعادةٍ غامرة، كمن وجد كنزًا كان يظنه مفقودًا. لم يكن يعلم أنني الوحيد الذي يراه. طاف حول والده، وعانقه بحرارة، ودموعه المتناثرة تتلألأ في الهواء كسُقُوط نجوم صغيرة:

«كيف حالك يا أبي؟ اشتقتُ إليك كثيرًا!»

التفت ڤيكتور إليّ بوجهٍ تملؤه اللهفة، سأل بصوتٍ مرتجف:

«هل تراه؟ أهو هنا؟»

نظر إليّ جيمس بدهشة، وقال مبهوتًا:

«أ... أنت تراني؟!»

ابتسمت بين الأبّين اللذين افترقتهما قسوة القدر، واللذين لم يُتح لهما أحد أن يجتمعا إلا من خلالي:

«ڤيكتور... جيمس يعانقك الآن.»

انهار العجوز بالبكاء، شهقاته العميقة تتردّد في المكان، يعاتب نفسه بمرارةٍ تكاد تمزق القلب:

«إذًا لم ترقد بسلام، يا بُني! كيف ستجد الراحة وأنت احترقت حيًّا؟! هل انتظرتني عشرين عامًا؟ كيف سمحتُ لنفسي بتركك؟ يا صغيري... سامحني!»

كُسر قلبي و انا أراه.. هل يا ترى سيقول أبي هذه الكلمات عندما يعود من الجيش ولم يراني...أم إنه لن يفعل؟..هل عائلتي بخير من دوني أم لا؟

جلس جيمس أمامه، دموعه تتساقط وهو يحاول عبثًا تهدئته. كان لصوته وأنينه صدى صوت أبيه، وكأن الألم توارث بينهما. نظر إليّ برجاءٍ يائس:

«أرجوك... اجعله يتوقف! لا أحتمل رؤيته يبكي هكذا!»

اقتربتُ من ڤيكتور وربّتُّ على كتفه بحنان. فهم قصدي، فحاول السيطرة على دموعه. رفع رأسه وقال بلهفةٍ محمومة:

«صفه لي! أرجوك... صفه لي!»

التفتُ إلى روح جيمس، نظرتُ في ملامحه بتمعّن، ثم بدأت أصفه بصوتٍ هادئ:

«له شعرٌ بنيٌّ قصير، وغرّته تنسدل فوق حاجبيه. قصّة شعره غير منتظمة، كأنّ من قصّها امرأةٌ بيدٍ مرتعشة. عيناه واسعتان بلونٍ أسود داكن، والرموش التي تحت عينيه أثخن من تلك التي تعلوهما. أنفه متوسط الحجم تعلوه شامتان صغيرتان، وعلى ذقنه أثر جرحٍ قديم. فمه الآن مفتوحٌ بدهشةٍ كطفلٍ يرى حلمًا يتحقق...»

كان ڤيكتور يصغي إليّ بعينين دامعتين، يلتقط من كلماتي ملامح وجهٍ غاب عنه عقدين من الزمن:

«لقد تذكرت!...تلك الغره التي قصتها زوجتي له..و ذالك الجرح الذي أحدثه سقوطه من السلالم عِندما كان طفلا!»

وبينما وصفي يرسم صورة جيمس في ذهنه، كانت الدموع تلمع في عيني الأبّ والابن، وكأنّهما يلتقيان من جديد عبر كلماتي.

لم أستطع تمالك نفسي وأنا أنظر إلى ڤيكتور المنهار، والروح أمامي تمسح دموع أبيها بلا جدوى. كان في عيني جيمس خليط من حبٍّ عميق وحزنٍ يثقل كاهل الأرواح نفسها. قررت أن أكسر الصمت، فابتسمت ابتسامةً مترددة وقلت:

«ڤيكتور... جيمس يحاول مسح دموعك الآن... لكنه يكتشف أن دموعك لا تتوقف بسهولة.»

مسح ڤيكتور عينيه بسرعة، وقال وهو يحاول أن يبدو قويًا:

«هاه! دموعي قوية مثلي... حتى الأرواح لا تستطيع إيقافها!»

قهقه جيمس ضاحكًا، وقال لي:

«أخبِره أنني أراهن أنه سيبكي أكثر بعد قليل!»

ابتسمتُ:

«يقول إن دموعك ستفوز بالجولة القادمة!»

رمقني ڤيكتور بنظرةٍ حادّة، ثم انفجر ضاحكًا رغم دموعه:

«يا لك من ابنٍ وقح يا جيمس! حتى بعد موتك تسخر مني؟!»

ارتعشت شفتا جيمس بالضحك، ثم جلس على الأرضية المتفحمة قرب أبيه. رغم ضحكاته، كانت الحزنات العالقة في ملامحه تخبرني أن وراء هذه الروح قصة لم تُروَ بعد. اقتربت منه وسألت:

«جيمس... لماذا لم ترقد بسلام؟ لمَ أنت عالق هنا؟»

سكت لبرهةٍ طويلة. هزّ رأسه وكأنه يقاوم شيئًا في داخله فتح فمه ليخبرني حتى أندفع العجوز ڤكيتور بلهفه لا توصف:

«ماذا قال لك!أخبرني!»

تنهد و قلت بأنزعاج:

«أصبر!لم يبدأ الكلام!»

جلس يحاول ضبط نفسه،بينما ابتسم جيمس، ثم قال بصوتٍ متهدّج:

«جون... أبي لم يفهم... لم أفهم أنا أيضًا... لقد ماتت روحي وفي قلبي شيء لم ينطفئ.»

نقلت سؤالي لڤيكتور:

«يقول... إنه لم يفهم. وأن قلبه ما زال يحمل شيئًا ثقيلاً.»

اقترب ڤيكتور أكثر، نظر إليّ برجاءٍ يائس:

«اسأله! بالله عليك اسأله! أريد أن أعرف الحقيقة، مهما كانت.»

نظرت إلى جيمس مرة أخرى، وقلت:

« أخبرنا...ما هي الحقيقه التي جعلت روحك معلقه.»

تنهد جيمس طويلًا، وكأنه يحاول استدعاء ذكريات قديمة مدفونة في الرماد. صوته كان يحمل ارتعاشة شجن جعلتني أنصت بكل جوارحي:

«أخبره... أنني لم أعلق هنا بسبب موتي يا جون... بل بسبب حياته. يوم احترق هذا المنزل، لم أكن خائفًا من النار بقدر خوفي من فكرة أن أموت ونحن... متفرقون. والدي وإيثان... شجارهما الأخير كان كالسيف الذي قسم قلب العائلة نصفين. تركتُ الدنيا وأنا أتمنى أن أرى أبي وأخي في حضن واحد، مثلما كانا يوم كنت طفلاً. هذا ما يبقيني هنا... لا أريد الرحيل قبل أن تعود أسرتي كما كانت... مهما حصل.»

نقلت الكلمات إلى ڤيكتور بصوتٍ هادئ، كأنني أنقل رسالة مقدسة:

«يقول... لم يعلق هنا بسبب موته، بل بسبب حياتكم. يقول إن الشجار بينك وبين إيثان هو ما قتله من الداخل قبل أن تحرقه النار. يتمنى أن يراكما معًا... كعائلةٍ واحدة... هذا كل ما يريده قبل أن يرتاح.»

ساد صمت ثقيل، حتى شعرت أن أنفاسنا جميعًا، أنا وهو والروح، باتت متناغمة. ثم انفجر ڤيكتور بضحكة قصيرة ساخرة وسط دموعه:

«هاه! إيثان! حتى الموت لم يبعد لسانك الطويل يا جيمس!»

قهقه جيمس بدوره، وقال لي وهو يمسح دموعه:

«أخبره أنني لو استطعت رمي وسادة عليه الآن لفعلت!»

ابتسمت رغم الموقف، ونقلت الرسالة:

«يقول لو استطاع ضربك بوسادة لفعل.»

ضحك ڤيكتور ضحكة عالية هذه المرة، وقال بصوتٍ مبحوح:

«أعرف تلك الوسادة! كانت مليئة بالريش، تلطخ البيت كل مرة تضربني بها يا ولد!»

انحنى جيمس برأسه وهو يبتسم بحزن، ثم نظر إليّ بعينيه اللامعتين:

«جون... ساعدني. اجمعهما. أريد أن يرى أبي أخي. لعلنا جميعًا نرتاح.»

نظرتُ إلى ڤيكتور، ورأيت في وجهه صراعًا مريرًا بين الكبرياء والندم. قلت له بصوتٍ حازم:

«ڤيكتور... جيمس يريدك أن ترى إيثان. إنه... لن يرحل حتى تعود العائلة كما كانت. هذه آخر أمنيته.»

ظلّ العجوز صامتًا لحظةً طويلة، ثم انحنى برأسه، وشدّ قبضته على عصاه:

«... إيثان... لم أنطق اسمه منذ خمسة عشر سنة. هو آخر من بقي لي... وأنا من دفعه بعيدًا. لو كان هذا ما سيمنح ابني الراحة، سأذهب إليه. حتى لو رماني بالحجارة... سأذهب.»

ابتسم جيمس ابتسامةً مشرقة رغم دموعه، قال لي بصوتٍ متهدّج:

«قل له... إنني أحبّه. وإنني كنت دائمًا أحبّهما معًا، رغم كل شيء.»

نقلت الرسالة بصدقٍ جعل صوتي يرتعش:

«يقول إنه يحبك... دائمًا أحبّك وأحبّ إيثان... رغم كل شيء.»

انهار ڤيكتور من جديد، لكنّ دموعه هذه المرة لم تكن دموع ندمٍ فقط، بل دموع رجاء. وضع يده على صدره وقال:

«أقسم لك يا بني... سأجمعنا كلنا. سأعيد شملك... حتى لو كانت آخر ما أفعل في حياتي.»

تألقت روح جيمس بضياءٍ خافت، كأن وعد والده أضاء شيئًا في قلبه. أما أنا، فكنت أقف بينهما، أبتسم رغم الدموع، وأقول لنفسي؛ هذا ليس مجرد لقاء عابر مع روح... هذه بداية رحلةٍ جديدة لإحياء أسرةٍ ماتت منذ زمن طويل.

لم تستطع روحُ جيمس أن تُغادر المنزلَ المحترق، فظلّت حبيسة بين جدرانه السوداء المتفحّمة،بينما عدنا نحن أدراجنا من هناك، وكان الطريقُ أطول ممّا ظننته، لكنّه لم يكن صامتًا؛ إذ ملأه ڤيكيتور بأحاديثه المتواصلة عن جيمس، وعن طفولته، وعن تلك الحوادث الصغيرة التي تركت في قلبه ذكرياتٍ دافئة وسط هذا الركام.

حين وصلنا، أعددنا طعامًا متأخرًا لا يُعرف إن كان غداءً أم عشاءً، وجلسنا على الأرض بسبب عادات العجوز تناول الطعام بشراهةٍ، و أنا كنت أتناول لقماتي ببطء، متجاهلًا مقاومة جسدي المعتادة، بدا وكأنّه بدأ يتقبّل الطعام أخيرًا بعد أيامٍ من الرفض.

أمسك العجوز صحنه بيدين مرتجفتين، راح يتأمّله لحظةً قبل أن يقول بصوتٍ مفعم بالامتنان، كأنّه يحمل في كلماته ثقل حياةٍ طويلة:

«أشكرك يا جون... أنت لا تعلم كم يعني لي هذا.»

أجبته بابتسامة خفيفة شعرت بها ترتسم على وجهي رغم تعبي:

«اعتبر ما فعلتُه ردًّا لجميل إنقاذك حياتي... أنت لا تعلم كم هي ثمينة بالنسبة لي.»

ارتسمت راحةٌ صادقة على ملامحه، وقال بنبرةٍ ساخرةٍ ممزوجة بالامتنان:

«أنا ممتنّ لأنّني قرّرتُ قطف الفطر في ذلك اليوم المشؤوم.»

أثار كلامه فضولي، فتذكرت السلة الصغيرة والفطر المبعثر، فسألته وأنا أقطب حاجبيّ:

«ولِمَ كنتَ تقطف الفطر السامّ في منتصف النهار؟»

أجابني ببساطةٍ غريبة جعلت قلبي يقفز:

«لأن ويسبرد أكله... ومات!»

شهقتُ بدهشةٍ متفاجئة وصوتي يحمل فزعًا غير مبرر:

«مَن هو ويسبرد؟!»

أطرق برأسه قليلًا وتنهد بحزنٍ ثقيل:

«كان كلبي.»

ضربت جبيني بكفّي قائلًا بارتياحٍ ساخر:

«تبا له! ظننته إنسانًا!»

رمقني العجوز بنظرة استياءٍ صامتة، لكنه لم يُعلّق، بل نهض وجمع الصحون وغسلها ببطءٍ معتاد. تركتُه وانسحبتُ من المطبخ، وفوجئت بأنّ جميع المرايا التي كانت مُعلّقة على الجدران قد اختفت.

أدركتُ أنّه نزعها خصيصًا لأجلي، لأنه يعلم كم أكره أن أرى وجهي المشوّه يطاردني في زجاجها البارد. ابتسمتُ في سرّي بسعادةٍ خفيّة. كيف اجتمعتُ بهذا الرجل العجوز من بين ملايين الناس؟ يا لغرابة القدر... ويا لحُسن حظّي.

وفي صباح اليوم التالي، خرجت من غرفتي الصغيرة الواقعة أسفل السلالم، أتمطّى بتثاقلٍ ونعاس، فإذا بي أرى العجوز ينحني فوق حقيبةٍ قديمة، يُجهّز فيها أمتعة السفر بحماسٍ غريب.

لمّا رآني، رفع رأسه مبتسمًا وقال بصوتٍ يحمل شيئًا من الحماسة الطفولية:

«سنذهب إلى مدينة أبردين! لكن الرحلة ستستغرق أسبوعًا كاملًا... فأنا عجوز، والسفر شاقّ عليّ.»

فركتُ عينيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه،وتذكرت كلام والتر و بريد إيثان، ثم تمتمتُ بتثاقل:

«ولِمَ لا ترسل له رسالةً تشرح فيها كل شيء؟»

توقف عن الحركة وحدّق بي بدهشةٍ كأنني قلتُ شيئًا خارقًا:

«وكيف ذلك؟!»

رفعتُ كتفيّ بخفة:

«من خلال البريد، طبعًا.»

اتسعت عيناه دهشةً حقيقية، وارتسمت على وجهه ملامح انبهار صادق:

«أطفال هذه الأيام لديهم أفكار عجيبة!»

قهقهتُ ضاحكًا بخفةٍ ناعسة، ثم أوضحت:

«كل ما عليك فعله هو أن تكتب الرسالة، وأنا سأرسلها. ستصل إليه خلال يومين، وسيرسل هو ردَّه، فيصلنا في يومين آخرين. أي أننا سننتظر أربعة أيام فقط في المنزل براحه، بدل أسبوع كامل من السفر الشاق.»

انبسط العجوز بسرور، وابتسم كمن اكتشف كنزًا ثمينًا، وقال بحماسٍ صادق:

«حسنًا، سأكتب له رسالة حالًا!»

.

.

.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أثرٌ شَيطانيّ||The devil's mark

المؤلف clown lady
2025/10/20 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة