بعدما خرج العجوز من غرفته، سلّمني ورقة صغيرة كُتبت عليها كلمات معدودة، قال بلهفة لم أعهده بها:
«لقد كتبت له، الآن أرسلها!»
أخذت الورقة منه وضحكت بارتباك، أحاول إخفاء قلقي:
«بالتأكيد... آه، الظرف والعنوان في غرفتي، سأحضرها لك حالًا!»
ابتسم بسعادة طفلٍ أنجز مهمّة كبيرة:
«افعل ما تشاء!»
أسرعت إلى الغرفة أسفل السلالم، أغلقت الباب خلفي بإحكام، ثم فتحت الورقة بيدين متردّدتين. قرأت:
"إيثان،
خمسة عشر عامًا ضاعت. سامحني.
والدك."
تجمّدت مكاني. هل يسخر مني؟! أهذه رسالته بعد خمسة عشر عامًا من القطيعة؟ جملة باردة قصيرة لن تثير سوى غضب إيثان... بالتأكيد لن يردّ عليه، بل قد يمزّق الرسالة دون أن يقرأها كاملة.
صعدت الدرج بهدوء، أطللت من النافذة، فرأيت العجوز وقد مضى إلى الحقل، فتسلّلت سريعًا إلى غرفته.
كانت الغرفة متوسّطة الحجم، السرير منخفض، والرفوف تئنّ من ثقل الكتب والأوراق. وضعت الرسالة القديمة في جيبي، وجلست إلى مكتبه، وأمسكت بالقلم، محاولًا محاكاة خطّه المهتزّ:
"عزيزي إيثان،
مرّت خمسة عشر سنة، ولم أكتب لك خلالها حرفًا واحدًا، كأنني كنتُ أظنّك ستأتي إليّ دون دعوة. لكنني اليوم أكتب... ولا أعلم من أين أبدأ، أو كيف أطلب منك أن تسامح رجلًا مثلي. لعلّي لا أستحقّ حتى أن أسألك هذا، لكنّ قلبي العجوز يتوق لرؤيتك، أو على الأقل ليهدأ بقراءة رسالة مسامحة من يديك.
لقد كبرتُ كثيرًا يا بني، وأثقلني العمر، ولم يعد في قلبي غير الندم.
سامحني، فهذا كلّ ما أطلبه.
والدك."
نظرتُ إلى الورقة بعد أن انتهيت، شعرت بالرضا. هذه الرسالة ستصل إلى قلبه... سيغفر له إيثان، وستهنأ روح جيمس أخيرًا. وضعتها في ظرف جديد، طبعت عنوان إيثان بخطّ واضح، ثم أسرعت إلى صندوق البريد الكبير في الشارع وأودعتها فيه. عُدت أدراجي إلى المنزل بخطوات سريعة، حريصًا ألا يلمحني أحد... خصوصًا وأنا لا أزال أرتدي يقطينتي على رأسي.
بعد يومين من إرسال الرسالة...
جلسنا على طاولة الإفطار. تقدّم العجوز نحوي ومدّ يده ببعض النقود وهو يقول:
«أعطِ هذا المال لبائع الزجاج، فقد أخذتُ منه دفعة ثانية ولم أدفع ثمنها. واشترِ لي مجرفة جديدة في طريقك.»
تناولت النقود، رفعت حاجبيّ بدهشة:
«لِمَ الآن؟ لقد مرّ يومان بالفعل!»
أجاب وهو يبتسم بتعب:
«كنت أجمع المال، والآن خذه له.»
«ولِمَ أنا بالذات؟!»
ضحك بخفة وهو يرتدي معطفه السميك:
«سأذهب اليوم لبيع المحاصيل، يومي مزدحم جدًا. وعندما أعود أريد المجرفة بيدي!»
تنهدتُ بضيق، لكنني لم أُعارضه، فقد اعتدت أن أذعن لأوامره. ارتديت الثياب التي أعدّها لي، وضعت اليقطينة على رأسي، وخرجت إلى الطريق.
التفتُّ إلى الخلف، فرأيت العجوز يبتعد بعربته في الاتجاه المعاكس، فأكملت سيري نحو المدينة بقلقٍ مكتوم.
الوجوه التي مررت بها لم تخطئني؛ نظرات سخرية وابتسامات ساخرة من اليقطينة الغريبة التي تغطي وجهي. لكنني كنت ممتنًّا لذلك، فالسخرية أهون من الازدراء.
وصلت إلى متجر الزجاج، دفعت ما عليّ، ثم مضيت نحو متجر الأدوات. دخلت والقلق يملأني، وما إن تقدّمت إلى البائع حتى رأيته يحدّق فيّ باستغراب. سارعت بالكلام قبل أن يسأل:
«أريد مجرفة بثلاثين قطعة نحاسية، من فضلك.»
ظلّت ملامحه متحيرة:
«... بالتأكيد.»
غاب قليلًا في المخزن ليبحث عن طلبي، بينما سمعتُ ضحكات الأطفال خلفي. كانوا يتهامسون عن اليقطينة على رأسي. تقدم أحدهم، كان أضخمهم، وصاح بازدراء:
«ليست رائعة كما تظنون! مجرد يقطينة مثقوبة!»
ردّ آخر بصوت خافت:
«لكن... لماذا يرتديها إذن؟!»
لم أُعرهم اهتمامًا، أصواتهم بالكاد تصل إلى أذني من خلف القشرة السميكة. ثم جاء صوت آخر أكثر جرأة:
«لأنه مهرّج!»
قبل أن أستوعب شعرتُ بضربة قوية على مؤخرة رأسي، صوت تشقق قشور اليقطينة تردّد في أذني.
عاد البائع ومعه المجرفة، بينما كنتُ ممسكًا باليقطينة بكلتا يديّ كي لا تسقط. دفعت المال بخفة، وتوجهت للخروج، متمنّياً أن أصل إلى الطريق قبل أن...
لكن الضربة الثانية جاءت أعنف، أصابت يدي مباشرة، فأفلتتُ اليقطينة من الألم، وسقطت أرضًا، وتحطمت لشتات متناثر.
رفعت بصري، فرأيتهم جميعًا... الناس من حولي، عيونهم اتسعت، وجوههم انقلبت إلى ذهول مرعوب. كأنهم رأوا كابوسًا تجسّد أمامهم.
صرخة امرأة اخترقت المكان، تبعتها فوضى عارمة؛ الناس يتدافعون، الأمهات يسحبن أبناءهنّ، رجال يختبئون وراء أبواب المتاجر. التفتُّ، فرأيت الطفل الذي رماني بالحجارة، ينظر إليّ بابتسامة انتصار، محاطًا بأصدقائه.
شيء ما اشتعل في داخلي. الغضب يغلي في دمي. تقدّمت نحوه بخطوات سريعة، أمسكته من ياقة قميصه وصرخت بصوتٍ هزّ المكان:
«ماذا فعلتَ أيها اللعين!!»
ارتجف، عيناه اتسعتا، يحاول دفع يدي:
«اتركني! أيها... المسخ!»
هرب الأطفال، أحدهم صرخ:
«لا تأكل مارسيو!!»
اندفعت امرأة،دفعتني بقوى و انتزعت الفتى من يدي، حملته وهربت وهي تصرخ.
رجل آخر تقدّم من بعيد، صاح بوجه مغضب:
«أخرج من هنا! أيها الشيطان!»
كلماته ضربتني في صدري كطعنة. شعرت بشيء داخلي ينقطع.
قبضت على المجرفة، نهضت من مكاني، وصرخت من أعماقي، حتى بان العرقّ في عنقي:
«من الذي قال هذا!!! من اللعين الذي نعتني بالشيطان! إن كان رجلًا ليتقدّم! أقسم إنني سأقتله!»
كنت ألهث بشدة، جسدي يرتجف من الغضب، أنتظر صوتًا يجيبني. أردتُ أن أغرس المجرفة في رأسه. لكن لم يتقدّم أحد.
الدائرة من حولي اتسعت، وجوههم متصلّبة، أنفاسهم مضطربة. كأنهم يشاهدون حيوانًا جريحًا مسعورًا، يتأهب للانقضاض.
ساد صمت ثقيل لحظةً، كأن الزمن تجمّد في ساحة القرية، ولم يعد يسمع سوى أنفاسي المتقطّعة وصوت الريح وهي تعبث بالتراب المتناثر تحت قدمي.
عيونهم تراقبني بترقّب وحذر، رجالٌ يضعون أيديهم على مقابض أدواتهم الزراعية كأنها أسلحة، نساءٌ يضممن أطفالهنّ إلى صدورهنّ، والأطفال ينظرون إليّ بخوفٍ لم أره في حياتي.
تقدّم رجل ضخم، كان يحمل منجلاً على كتفه، عروق ذراعيه مشدودة، وصوته يرتجف رغم شدّته:
«ابتعد عن القرية يا ولد... قبل أن نرغمك نحن على ذلك.»
تصلّبت أصابعي حول مقبض المجرفة، لم أردّ، نظرتُ في عينيه فرأيت ارتعاشًا خفيًا:
«أريد أن أكلم اللعين الذي نعتني بالشيطان!»
اقترب رجلٌ آخر من خلفي، رافعًا عصاه وهو يصيح بصوتٍ غاضبٍ يجلجل في الساحة:
«لا مكانَ للشياطين بيننا! انظروا إلى عينيه! إنَّه ملعون!»
التفت إليه كالصاعقة، اندفعتُ بخطى خاطفة نحوه قبل أن يُنزِل عصاه، قبضتُ عليها بيدي بقوة وانتزعتُها من قبضته، ثم هويتُ عليه بصفعةٍ عاتية بالمجرفه، كأنّني أُلقِّنه درسًا ليتوقّف عن نعتِي بالشيطان. دوَّى صوتُ الضربة، فتراجع الرجل مترنّحًا وسط صرخات الناس، وعينيّ تقدحان شررًا،أشد قبضتي على المجرفه، كأنّ النار تسري في عروقي استعدادًا لجولةٍ أخرى من القتال.
بدأ الهمس يتعالى بين الناس:
«إنه نذير شؤم...!»
«لماذا لم يقتلناه يوم وجدناه؟!»
«لا تدعوه يقترب من أولادنا!»
كانت الكلمات تنهال عليّ كالحجارة، كل جملة تصيبني في أعماقي. شعرت كأن الأرض تدور بي. أردت أن أصرخ، أن أشرح لهم أنني لست ما يظنون، لكن الكلمات خانتني.
فجأة، اندفع شاب من بين الحشود، كان يرتجف لكنه أمسك بعصا طويلة وصرخ:
«اخرج من هنا! وإلا لأهشم رأسك!»
تقدمت خطوى للأمام،نحوه،وصرخت:
«تعال و هشم رأسي إن استطعت!»
ثم سمعت صافرة حادة من بعيد، رجل عجوز كان يقف على عتبة متجره صرخ:
«ألقوه خارج القرية! لا تتركوه هنا!»
ارتفعت الأصوات في لحظة، هرع الرجال نحوي.
شعرت بالذعر ينهشني، تراجعت إلى الخلف، أمسكت المجرفة أمامي كأنها درع، لكنهم لم يترددوا؛ اندفع أحدهم وضربني بعصاه على كتفي، فتألمت، سقطت على الأرض.
ارتفعت الغبرة من تحت أقدامهم، وسمعت أصوات الأطفال تبكي، والنساء يصرخن:
«لا تقتلوه هنا! أبعدوه!»
تمسكت بالمجرفة ونهضت، حاولت أن أفتح الطريق بينهم بضربة تحذيرية في الهواء، لكن ذلك جعلهم أكثر جنونًا.
صرخ أحدهم:
«إنه وحش! أمسكوه!»
أحسست بأيدٍ كثيرة تحاول سحبي، دُفعت أرضًا، وضُربت ركبتي بالحجارة، وارتطم وجهي بالتراب، شعرت بحرقة الدماء على شفتي.
صرخت من الألم، وجريت بكل ما بقي فيّ من قوة، شققت طريقي عبر الأزقة الضيقة، بين صيحات التهديد ورمي الحجارة خلفي.
كل حجر كان يسقط قريبًا مني يجعل قلبي يقفز من مكانه.
ركضت بلا وجهة، فقط أريد الهرب.
صوت صراخ أحدهم دوّى في أذني:
«عودوا إلى متاجركم! لقد هرب!»
ركضت حتى خرجت من القرية، والغابة الكثيفة أمامي كحضنٍ بارد، دخلت بين أشجارها اللاهثة، حتى لم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي.
توقّفت، أسندت ظهري إلى جذع شجرة، وانزلقت إلى الأرض.
كل جسدي يرتجف، صدري يعلو ويهبط، وعيناي امتلأتا بالدموع.
رفعت يدي المرتجفة ولمست مكان الضربة على وجهي، كان الدم دافئًا.
شيطان.
مسخ.
نذير شؤم.
الكلمات تتردّد في رأسي كصدى لا ينتهي. وضعت وجهي بين يديّ، وبكيت بصمت، حتى اختلطت دموعي بتراب الغابة... أنا أريد أن أرى أمي.. أريد أن أعود إليها!
بقيت هناك طويلًا، أستجمع قوتي. وعندما غربت الشمس، نهضت بصعوبة، وحملت المجرفة، وعدت إلى المنزل بخطوات ثقيلة.
اقتربت من المزرعة، رأيت عربته مركونة، يبدو أنه قد عاد. لم أشأ أن يلمحني في هذه الحالة، فتسللت إلى المخزن الملحق بالبيت، دخلت وجلست في الظلام، أحتضن ركبتيّ وأحاول حبس شهقاتي.
لأول مرة في حياتي شعرتُ بثقل اسمي ووجهي، شعرت أنني دخيل حتى على نفسي.
كل ما أردته هو أن أكون إنسانًا بينهم... لكنهم رأوا فيّ وحشًا.
كان الليل قد أرخى سدوله، والهدوء يخيّم على أرجاء المزرعة إلا من صوت صرصور الليل البعيد. جلست في ركن المخزن المظلم، ظهري إلى الجدار البارد، عيناي نصف مغمضتين من التعب. شعرت بصدري يضيق أكثر مع كل نفس، وكأن الدموع التي جفّت على وجهي قد تركت وراءها ندوبًا لا تزول.
سمعت وقع خطوات ثقيلة على الأرض الترابية خارج المخزن، تلتها خشخشة باب قديم يُفتح ببطء. دخل العجوز وهو يحمل مصباحًا زيتيًا صغيرًا، فابتسمت النار المرتعشة على وجهه المتجعد.
«جون؟» قال بصوت خافت فيه مزيج من القلق والغضب المكبوت.
لم أحرّك ساكنًا، نظرتُ إليه بعينين محمرّتين، والدم ما زال يلطّخ وجهي وثيابي. تجمد مكانه، ثم وضع المصباح على صندوق قريب وانحنى نحوي.
«يا إلهي...»
همس بصوت مبحوح وهو يلمس وجهي بحذر، كأنني طفل صغير أصيب في شجار.
«ماذا فعلوا بك يا بني؟!»
لم أستطع الإجابة. شعرت بشيء ينكسر في داخلي حين سمعت كلمة يا بني. كانت المرة الأولى التي يناديني فيها هكذا.
جلس إلى جانبي على الأرض، أخرج من جيبه منديلاً قديمًا، وبدأ يمسح الدماء عن وجهي بيدين مرتجفتين.
«أخبرني من فعل هذا بك... وسألقنه درسًا لن ينساه.»
قالها بغضب لم أره فيه من قبل،كانت نبرته أبوّيه أرتق لها قَلبي، ثم صمت لحظة وأضاف بصوت أكثر رقة:
«لكن... أعلم أنهم لن يفهموا، مهما فعلت.»
ارتجفت شفتاي، حاولت أن أتكلم:
«لقد... لقد نادوني بالشيطان... والوحش... كلهم كانوا... يحدّقون بي...كانني مسخ..لقد ضربوني يا أبي!»
ثم انقطع صوتي، وخنقتني الدموع.. دموع مما حصل و ما مر على ذاكرتي من أفعالهم، ودموع أخرى على كلمه أبي التي أُفلتت من لساني.
ضمّني العجوز إلى صدره فجأة، بلا كلمة. كانت يده خشنة وظهره محنيًّا، لكنه حملني بين ذراعيه بقوة لم أتوقعها. شعرت بحرارته، برائحة الأرض والعرق والقمح الجاف التي تفوح منه، لكنها كانت أدفأ حضن شعرت به منذ زمن بعيد.
«أنت لست شيطانًا، ولا وحشًا،»
قال بصوت خافت، لكنه كان مليئًا بالثقة.
«أنت مجرد فتى... وأنت ابني الآن، فهمت؟»
ارتجف قلبي لهذه الكلمات. لم أستطع الردّ. وضعت وجهي على كتفه وأجهشت بالبكاء، بينما ظل هو يربّت على ظهري كأنني طفل في ليلة عاصفة.
«دعهم يقولون ما يريدون،»
تمتم وهو يرفع المصباح لينظر في وجهي.
«أنت هنا في بيتك. وأعدك، لن يلمسك أحد بسوء بعد الآن.»
ابتسمت رغم دموعي، لكن شيئًا في قلبي ظلّ يشعر بالخذلان. كنت أريد أن يرحّب بي العالم... لكن يبدو أن هذا العالم ضاق بي.
رفعت يدي اليسرى المشوّهة، أردت أن أشكره... أن أبوح له بكل ما ينهش صدري من ألم، أن أستمد منه القليل من دفء الأبوة الذي حرمت منه طويلًا.
وضعتها على صدره المرتجف بخفّة، لكن فجأةً شعرت بشيء غريب، بارد كثلجٍ يزحف على جلدي. لم أفهم ما يحدث، حتى رأيت كفي تغوص في جسده كما لو أن صدره لم يكن سوى ضباب!
شهق العجوز شهقة قصيرة متقطعة، ارتجف جسده، ثم انقطع صوته فجأة. ارتدّت يدي ببطء وقد جمد الرعب في أوصالي، نظرت إليها في ذهول، أصابعي ترتعش... لقد اخترقت جسده!
تمتمت بصوت مرتجف، والبرد يتسرب إلى عروقي:
«أيها العجوز؟... ما بك؟!»
هززته بعنف، لكن جسده تراخى بين يديّ، عيناه نصف مفتوحتين تنظران إلى الفراغ، باردة، خامدة. وضعت أذني على صدره، أبحث عن أي نبضة حياة... لكن السكون كان يملأ كل شيء. لا دقات، لا نفس، لا حياة.
تراجع أنفاسي صار متسارعًا، جسدي كله بدأ يرتجف، أذناي امتلأتا بأصداء صرخات أهل القرية:
«شيطان!»
«وحش!»
«اقتلوه!»
صرخت من أعماقي، صرخة شقّت سكينة المكان، جعلت النوافذ ترتجف والجدران تردد صداها. تراجعت للخلف، سقطت على الأرض، يداي تغطيان وجهي، أصرخ بلا توقف:
«لقد قتلته! أنا... قتلت العجوز!»
انكمشت على نفسي، كطفل مذعور يختبئ من عاصفة، لكن هذه العاصفة كانت في داخلي. هم لم يكذبوا... أنا الشيطان.
بدأ جلدي يحترق من الداخل، حرارة غريبة اجتاحت وجهي، شعرت بتشققات صغيرة تتفتّح فوق حاجبيّ، وعلى وجنتيّ، والدماء الدافئة تتسلل من تحت عينيّ.
صرخت بأعلى صوتي، صرخة تشبه العواء، تمزّق الحلق منها:
«انا الشيطان نفسه!لقد قتلته!!!»
فجأة، أحسست بيدين بارّدتين، تمسكان معصميّ بعنف وتبعدان يديّ عن وجهي. رفعت رأسي بعينين غارقتين في الدموع، ورأيت... العجوز. لكنه لم يكن كما كان؛ كان شفافًا، جسده يلوّح كالدخان، أطرافه تتلاشى في الهواء. صرخ بي بصوت أجشّ، لكنّه مليء بالرجاء:
«تمالك نفسك! أنا بخير! أنت لم تفعل شيئًا!»
تجمّدت الدموع في عيني، قلبي يتخبط في صدري كطائر مذعور. هززت رأسي نافيًا، وبكيت بحرقة:
«ك-كيف لم أقتلك؟! لقد غطّت يدي داخل صدرك! دفعت... دفعت روحك عن جسدك!»
ثم انهرت بالبكاء، أصرخ باسمه متوسلًا، لكنه اقترب أكثر محاولًا تهدئتي، بلا جدوى. تقدمت نحو جثته المسجاة، نظرت إلى يدي اليسرى وكأنها لعنة ملتصقة بي، وضعت كفي المرتجفة فوق صدره البارد، صرخت بغضبٍ و إختناق في آن:
«أعيديه! أتسمعينني؟! مثلما دفعتِ روحه... أعيديه!!!»
غاصت يدي مجددًا في جسده، شهقت بأعجوبه و شعور بالبرد كان هذه المرة أعمق، أقسى، وكأنني أمسكت بحافة هاوية مظلمة لا نهاية لها. تشبثت بذلك الشيء، شعرت بروحه بين أصابعي كوميض ضائع، سحبت بكل قوتي حتى خرجت يدي من صدره، ومعها ذلك النور الباهت.
شهق العجوز بقوة، صوت حاد اخترق الغرفة، ثم فتحت عيناه في ذهول، يتنفس بصعوبة. أخذ يسعل بشدة وهو ينظر إليّ مرعوبًا.
أنا... أنا أعدته!
ابتسمت من فرط الدهشة والدموع تغرق وجهي، أردت أن أرتمي في حضنه، أن أستند عليه كما فعلت قبل دقائق، لكن فكرة لمعت في ذهني كبرقٍ أسود: ماذا لو لمستُه من جديد؟ ماذا لو... قتلته مرة أخرى؟
تراجعت، قلبي يشتعل رعبًا، نظرت إليه، ثم إلى يديّ، أقترب مني العجوز غير مبالٍ لما حدث، صرخت بصوت مبحوح:
«لا... لا تقترب مني!»
استدرت فجأة، هرعت نحو الباب كأن الشيطان يطاردني. ركضت خارجاً في الحقول المظلمة، والهواء يلسع وجهي، حتى لم يعد المنزل خلفي سوى نقطة بعيدة.
كل شيء في صدري ينهار. أنا لعنة... أنا قاتل.
لن أعود. لن أقترب من أحد.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، الريح تصفر كأنها تسخر من حزني، القمر محتجب، والظلام يزداد ثقلًا. لم أعد أرى الطريق جيدًا، لكنني واصلت الركض، أهرب من نفسي، من يدي، من كل شيء.
في داخلي، كان صدى صرخة العجوز يتردد:
"تمالك نفسك! أنت لم تفعل شيئًا!"
لكنني لم أصدق... لأنني رأيت الموت في عينيه.
.
.
.
.
clown lady