رأسُ اليَقطيّن!

رأسُ اليَقطيّن!

12 0

أنزلت يديها المرتجفتين عن وجهها، فظهرت عيناها اللامعتان بالدموع، ونظرت إليّ بنظرةٍ منكسرة، وقالت بصوتٍ متحشرجٍ كأنّه يخرج من بين أنقاض صدرٍ مثقلٍ بالحزن:

«هل حقًّا… ستساعدني؟»

أجبتها بلطفٍ وحذر، أحاول تهدئتها كما لو أنّني أحاول تهدئة بحرٍ هائج قبل أن يبتلع المنزل:

«نعم… أعدك.»

وما إن نطقت بوعدي حتى عمّ السكون المكان، وهدأت النوافذ التي كانت ترتجّ بعنف، وعادت النار لتشتعل في الشموع من جديد، كأنّ الغرفة تنفّست الهواء. حدّق العجوز مندهشًا وهو يلتفت حوله بعيونٍ حائرة وقال بارتباك:

«ما الذي حدث؟! هل… هل رحلت الروح؟»

نظرت إليه وحاولت أن أبدو واثقًا، وكأنّني تداركت الموقف:

«كلا، لكنها هدأت… لأنني وعدتها أن نساعدها.»

رفع حاجبيه باستنكار وهو يكرر ببطء:

«نساعدها… أم تساعدها أنت؟»

أشحت بنظري عنه وتظاهرت بالغضب المفاجئ:

«ألن تتركني وحدي مع روح؟!»

وفجأةً، ارتجّ المنزل مجددًا بخفةٍ تنذر بانفجارٍ قادم، وانحنى وجه المرأة أكثر وهي تقول بصوتٍ مبحوحٍ باكٍ:

«أنتم… خائفان مني!!»

قفز العجوز واقفًا، وهو يحدّق في الفراغ متوهمًا أنه يواجهها، وصاح بارتباك:

«لا تغضبي! سنساعدك! سنساعدك!»

وبمجرد كلماته، عمّ الهدوء المكان كأنّ أحدهم ألقى غطاءً ثقيلاً على العاصفة. تنفّس العجوز براحة، وأخذنا نعيد الكتب المتساقطة إلى أماكنها ونغطي النافذة المحطمة بالجرائد.

جلستُ بعدها مقابلاً الروح، وهي تنظر إليّ بعينين غارقتين في الألم والانكسار، وقالت بنبرةٍ شاحبةٍ خافتة:

«لكي ترقد روحي بسلام… أحتاج مساعدتك في تسليم ميراث عائلتي الوحيد إلى ابني… لقد دفنته تحت تلك الشجرة.»

أومأت بتفهّمٍ هادئ، ثم التفتُّ نحو العجوز وهززت كتفه بلهفة:

«ماذا!! ماذا قالت لك؟!»

تنهدت بعمق وأجبته:

«تقول إنها تريد تسليم ميراثها، المدفون تحت شجرة، إلى ابنها… حتى تهدأ روحها أخيرًا.»

فرك العجوز ذقنه الخشنة ثم قال بنشاطٍ نادرٍ فيه:

«حسنًا، لنذهب إذن!»

قفزت الروح من مكانها بفرحٍ صادق، ذلك النوع من الفرح الذي تشعر أنه يلمع في الأجواء رغم أنك وحدك من يراه. اتجه العجوز إلى مخزنه وأخرج مجرفةً صدئة، بينما تبعناه نحن؛ أنا، والمرأة التي كانت روحًا، وقائدنا الهادئ، القط السمين باشّ.

وصلنا إلى شجرةٍ ضخمة تلتف جذورها المتشابكة حول الأرض كأذرعٍ عجوزة، فأشارت الروح إلى بقعةٍ محددة وقالت بنبرةٍ فيها ارتعاش حنين:

«هنا… هنا دفنته منذ خمس سنوات.»

أخذتُ المجرفة من العجوز، وانحنيتُ على الأرض الرطبة وبدأت الحفر. كانت رائحة التربة العتيقة تملأ أنفي، والعرق يتصبّب من جبيني، بينما تتبعني الروح بنظراتٍ متحمسةٍ كطفلةٍ تترقب لعبةً مخبأة.

حفرتُ حتى أشرقت الشمس تمامًا، حتى شعرت بنصل المجرفة يرتطم بخشبٍ صلب، فارتجف قلبي، وسحبتُ الصندوق الخشبي الصغير من الأرض. انطلقت صيحات فرحٍ من المرأة الميتة، وارتسمت ابتسامة على وجهها كأنها استعادت نبض الحياة للحظاتٍ معدودة.

جلستُ على ركبتيّ، وفتحتُ الصندوق بفضولٍ حذر، فوجدت بداخله خاتمًا أسود القالب، تتوسطه شذرةٌ حمراء تلمع بنقوشٍ ذهبية دقيقة. لمّا ثبتّ بصري عليه، شعرت وكأنّ شيئًا ما في أعماقي ينجذب إليه بقوة، وكأنّه يمدّ يده ليقتلع روحي من صدري. ارتجفت يدي، لكنّ صوت العجوز جاء حادًا ليعيدني إلى الواقع:

«يبدو قبيحًا… ورخيصًا.»

قهقهت الروح ضاحكةً بخفة، بينما همست بفخرٍ صادق:

«إنه ميراث عائلتي…»

خرجتُ من الحفرة، أنفض عن ملابسي التراب العالق، وأشرت إلى الروح وأنا أخاطب العجوز:

«تقول إنه ميراث عائلتها.»

غمر الدهشة ملامح العجوز وهو يضع يده على فمه ويتمتم:

«هي… ما زالت هنا إذن!»

ابتسمت الروح بهدوء، بينما نظرت إليه وقلت:

«يجب أن نسلّم الصندوق لابنها… حتى ترقد بسلام.»

أومأ العجوز بجدية:

«اذهب إليه إذن… أما أنا فسأعدّ الإفطار، لديّ الكثير من العمل اليوم.»

ترددت بقلق واضح:

«لا أستطيع… ماذا لو رآني الناس؟!»

رمقني العجوز بنفاد صبر:

«لا شيء بوجهك. اذهب.»

قلت ممتعضًا وأنا أشيح بنظري:

«كانوا يصرخون ويهربون كلّما رأوني…»

تنهد العجوز ببطء، وكأنّه يحاول أن يخفف عني لكنه عاجز عن الكلمات. أخذ المجرفة من يدي، ثم توجه نحو حديقة منزله، والتقط يقطينةً جافةً كبيرة، شقّها بسكينه، نظفها من الداخل، وحفر فيها ثقبين كعينين فارغتين. ثم عاد إليّ ووضعها على رأسي قائلًا ببرود:

«ارتدِها… على الأقل لن يعرف أحدٌ وجهك.»

صرخت باستياء وأنا أحاول انتزاعها:

«ما هذا! لن أرتديها!»

كتم العجوز ضحكته، هزّ كتفيه وهو يغادر حاملًا مجرفته:

«أنت تملك الخيار الان… بها أو بدونها. المهم أن تُنهي ما وعدت به.»

زفرت بغضب، لكنني لم أجادله. تبعتُ الروح التي كانت تسبقني بخطواتٍ هادئة، فسرنا في ممرٍ ضيقٍ بجانب تلةٍ خضراء كبيرة. رأيت من خلال ثقوب اليقطينة مشاهد لم أرَ مثلها منذ زمنٍ طويل: مزارع واسعةٌ مرتبة، منازل متباعدة يغمرها ضوء الصباح، أبقارٌ ودجاجٌ يسرح بين الحقول، وروائح الأرض الرطبة تعبق في الأجواء.

كنت مأخوذًا بالجمال من خلف قناع اليقطين، حتى ظهرت في الطريق امرأةٌ تمسك بيد ابنها الصغير. تذكرت أنهم لا يرون المرأة التي ترافقني؛ هم يرونني وحدي، فتى يضع يقطينةً على رأسه… مشهدٌ يثير السخرية أكثر مما يثير الخوف.

ركض الطفل نحوي فجأةً، تاركًا يد أمه، وهو يهتف بسعادةٍ غامرة:

«أمي! انظري! إنه رأس اليقطين!»

اقتربت منه الأم، سحبت يده بابتسامة، وقالت لي بلطف:

«أعتذر يا سيدي… إنه يحب اليقطين كثيرًا.»

قهقه الطفل بحماسة:

«لقد رأيت الرجل الذي يصنع اليقطين! شكرًا لك يا سيدي… اليقطين أفضل فاكهةٍ في العالم! هذا أسعد يومٍ في حياتي!»

ركض مبتعدًا، تتبعه أمه التي تضحك بخفة، بينما وقفتُ أنا مشدوهًا. تلك الأم وابنها… كم يذكرانني بأمي وجاك. كيف حالهما الآن؟ هل يذكرانني…؟

قطعت شرودي ضحكة المرأة الروح، وهي تقول برقة:

«يبدو أنهم أحبّوك.»

أجبتها بصوتٍ منخفضٍ حاولت أن أخفي فيه اختناق صدري:

«نعم… يبدو ذلك.»

واصلنا السير حتى وصلنا إلى منزلٍ صغير وسط مزرعة، فتحدثت الروح بقلق:

«ابني سيخرج بعد قليل… هذا موعده اليومي. كيف ستسلّمه الصندوق؟»

لم أجبها، بل وضعت الصندوق أمام عتبة المنزل بهدوء، ثم عدت أدراجي. ابتسمت الروح قائلةً برضا:

«فكرة ذكية.»

تبعَتني، وحين ابتعدنا عن المنزل، التفتُّ إليها بتساؤلٍ صامت، لكنها سبقتني بالإجابة:

«لا داعي لأن أراه يأخذ الصندوق… أنا واثقةٌ أنه سيفعل. أريد أن تكون آخر لحظاتي على الأرض… أن أشكرك.»

شبكت يديها بامتنان، وبدأ جسدها يتلألأ بخيوط نورٍ تتساقط منها كما تتساقط أوراق الخريف. همست بصوتٍ مرتعشٍ هادئ:

«يبدو إن إبني قد أخذ الصندوق... أنا حقًّا شاكرة لك… شكرًا لك، أيها البطل.»

ثم تفتّتت، واختفت بين نسيم الصباح، تاركةً خلفها بريقًا من الذكريات العالقة. نظرت إليها من وراء ثقوب اليقطينة، أراها تذوب كنجومٍ تتلاشى في ضوء النهار. شعرت بطمأنينةٍ عميقة، وكأنّ العالم لا يزال يحمل أملًا لكلّ من ضلّ طريقه. طالما احتفظ الإنسان بالأمل في قلبه… سيجد خلاصه يومًا ما.

حتى لو اضطر للانتظار ستة أشهر… في نفس المكان ويأتي شخص يرتدي قناع اليَقطين لينقذه.

عدتُ أدراجي وصدري يفيض بسعادةٍ غريبةٍ لم أعهدها من قبل، شعورٌ يشبه الامتنان لشيءٍ لا أدري ما هو، كأنما نسمةٌ من دفءٍ لامست قلبي المتعب. دخلتُ المنزل، ورفعتُ عن رأسي تلك اليقطينة التي صارت وجهي أمام الناس، وضعتُها فوق طاولةٍ صغيرةٍ في الزاوية، ثم مضيتُ إلى حيث يقف العجوز.

كان جاثيًا على الأرض يحضّر الطعام بصبرٍ وهدوء، وجلستُ أمامه، فألقى عليّ نظرةً جانبيةً، ورسمت ملامحه ابتسامةً لطيفةً كأنها تعكس رضاه عني، وقال بنبرةٍ هادئةٍ تحمل حنوّ أبٍ خفيّ:

«يبدو أنك جائع!»

لم أستطع كبح ابتسامةٍ طفيفة ارتسمت على وجهي رغم إرادتي، وضعتُ يدي على وجهي في محاولةٍ لإخفائها.

سكب العجوز لنا الحليب الساخن في أكواب زجاجيةٍ بسيطة، ووضع أمامي خبزًا وعسلًا، ثم بدأ يأكل بهدوءٍ بينما بقيتُ أنا أحارب جسدي الذي يتحرك بترددٍ كأنه ما زال يتعلم الأكل بين البشر. ألزمت نفسي أن أتناول لقمةً تلو الأخرى، بلا أن أُسقط فتاتًا، كأنني أروض نفسي كما يُروَّض وحشٌ بريّ.

ضحك العجوز بخفةٍ وهو ينظر إليّ بعينين تلمعان بالفخر، وقال بنبرةٍ لطيفةٍ يختلط فيها الجدّ بالمرح:

«اليوم سنذهب معًا إلى المدينة. أريد شراء بعض الأغراض، وأحتاجك لتحملها.»

كادت اللقمة تعلق في حلقي من وقع الصدمة، رفعتُ عيني إليه وصوتي يرتجف:

«إلى المدينة؟! لا أستطيع... سيرى الناس وجهي!»

ابتسم العجوز بمكرٍ مشيرًا إلى اليقطينة الموضوعة على الطاولة، فتنهّدتُ بانزعاجٍ بينما أكمل حديثه:

«ستذهب! أنا بحاجةٍ لمساعدتك، ثم إن أحدًا لم يسخر منك وأنت ترتديها، أليس كذلك؟»

أومأتُ برأسي موافقًا بغير رضّا، فابتسم بفخرٍ كمن أثبت صحة فكرته:

«أرأيت؟ لقد قلتُ لك ذلك!»

أنهينا الطعام وغسلتُ الصحون، بينما كان العجوز يقف عند الباب ينتظرني بيديه المعقودتين خلف ظهره وصبره الذي يُشعرك بأنه يعرف أني لا أملك خيارًا. زفرتُ بضيق، لكني انصعتُ لرغبته.

ارتديتُ رِداءً بنياً قديمة كان معلّقً في الزاوية، و معه سترة خَضراء. لم تكن لي، لكنها ناسبتني بشكلٍ غريب، مع حذاءٍ جلديّ ثقيل. بدا مظهري عاديًّا... لولا رأس اليقطينة المثقوبة بثقبين دائريين، التي جعلتني أشبه بمهرّجٍ شريد.

أمسك العجوز جزره أرجوانية اللون،قسمها نصفين و رسم على اليقطين فمّ مبتسم،أومأ بابتسامه و اكمل طريقه. سرنا في شوارع المدينة، والناس ما إن تقع أبصارهم عليّ حتى تتباين ملامحهم بين الدهشة والابتسام الساخر والضحك الخافت.

كان هذا أهون بكثير من أن يهلعوا ويهربوا أو يصرخوا بأنني شيطان يستحق الحرق.

كنتُ أسير بجانب العجوز، أنظر من خلال ثقوب اليقطينة لأتبين وجهتي. وقفنا عند بائعٍ للزجاج، فاشترى العجوز لوحين متوسطيّ الحجم، بدا أنهما لإصلاح النوافذ التي حطمتها الروح صباح اليوم. لفّهما بقطعة جلد، وحملتُهما بحرصٍ شديد.

وفي منتصف الطريق، اخترق صخب السوق صوتٌ قويّ ينادي:

«سيد ڤيك!»

التفت العجوز ڤيكتور يبحث بين الوجوه، حتى ظهر رجلٌ مسنٌّ من بين الزحام، يمشي بخطى سريعةٍ رغم انحناءة ظهره. كان يحمل ملامحَ ودّ قديم.

ابتسم ڤيكتور بحرارةٍ وفتح ذراعيه:

«مرحبًا! كيف حالك، والتر؟»

عانقه الرجل بحرارةٍ مماثلة، وعلمتُ من نظراتهما أنهما صديقان قديمان. تكلم الاثنان للحظات ،كان والتر صديق العجوز و له مزرعه أبقار، بدأ يتكلم عن ملاك قد زار منزله و أشترى منه ثلاث بقرات و ثور، تعجبت من قصته، حتى الاطفال لن يصدقوها!

ثم التفت والتر إليّ، عيناه تتأملان طولي وهيئتي من خلف القناع اليقطيني. أشار إليّ وسأل مستغربًا:

«ومن هذا الفتى الطويل؟»

أجاب العجوز ببرودٍ متعمد:

«إنه زائر عندي.»

ابتسم والتر بلطف:

«أرى أنه يحب اليقطين.»

لكنه ما لبث أن قطّب حاجبيه وهو يتفحصني أكثر، وكأن شيئًا في هيئتي بعث في قلبه ذكرى قديمة، ثم قال بصوتٍ خافتٍ يشوبه الحذر:

«ألا ترى يا ڤيكتور أنه... يشبه جيمس؟»

تبدلت ملامح ڤيكتور فور سماع ذلك الاسم، اشتد فكه وغامت عيناه بغضبٍ مكبوت، زمجر بحدةٍ وهو يشيح بوجهه:

«لا... لا أحد يشبه جيمس!»

ارتبك والتر ورفع صوته كمن يحاول الوصول إلى قلبٍ أغلق أبوابه منذ زمن:

«أرجوك يا ڤيكتور! ألا تريد أن تعرف ما حلّ بالكبير؟ لقد مرّت خمس عشرة سنة! إيثان قد يحتاجك الآن!»

ردّ ڤيكتور بصوتٍ جهوريٍّ يخفي فيه ارتعاشًا:

«لا أعرف هذا الأحمق!هو ختار ان يترك والده إذاً ليتحمل مَرارة قراره!»

ثم استدار ومضى بخطواتٍ غاضبة، تضرب الأرض بقوة، كأن كل حجرٍ يذكره بماضٍ يتمنى لو يمحوه. تبعته وأنا أحمل الزجاج الملفوف بالجلد بصمت، لا أجرؤ على قول شيء. فجأة توقف دون إنذار، واصطدمتُ به، فكاد الزجاج يسقط من يدي، وانزلقت قطعة الجلد التي تغطيه.

تنهد واكمل طريقه بخطوات اسرع و كانه تذكر شيئاً، سرت خلفه بخطى سريعة، منشغلًا بلفّ الزجاج جيدًا. لم أنتبه للحجر الكبير الذي اعترض طريقي إلا حين ارتطمتُ به، فاختل توازني. ولأحمي الزجاج، أدرته بسرعة، فسقط بثقله على قدمي، وانشق جلد فخذي وارتسمت في زجاجه شرخٌ صغير.

شهق الناس من حولي، وارتبكت أصواتهم. عاد ڤيكتور مهرولًا، وجهه شاحبٌ كأن رصاصة اخترقت صدره. انحنى نحوي بجنون، انتزع الزجاج من يدي ورماه جانباً، ثم أمسك بفخذي محاولاً إغلاق النزيف وعيناه تتفحصانني بلهفة، يتصبب عرقًا رغم برودة الجو، وصوته يرتجف:

«أنا... حقًا آسف! لم أنتبه... الدم...!»

رفعت صوتي محاولًا تهدئته:

«ڤيكتور! أنا بخير... مجرد جرحٍ بسيط! تماسك!»

زفر بقوةٍ وجلس قرب قدمي، بينما تجمّع الناس حولنا. ساعدني رجلٌ على تضميد جرحي، وحمل آخر الزجاج إلى منزل العجوز كخدمةٍ له.

رفعت بصري ورأيت ڤيكتور يقف بعيدًا، ظهره منحنيٌ كأنما يحمل على كتفيه ثقل عالمٍ كامل.

اقترب والتر بوجهٍ تعلوه أمارات قلقٍ قديم:

«هل أنت بخير يا بني؟»

أومأتُ برأسي:

«نعم... أنا بخير.»

تنهد والتر بعمقٍ وملامحه حزينة:

«أعلم أنه سيغضب إن ذكرتُ أبناءه أمامه... لكن لا أعلم لمَ يكره إيثان.»

نظرتُ إليه بدهشةٍ وسألته هامسًا:

«ولماذا يكره ميتًا؟»

اقترب مني أكثر، وخفض صوته:

«جيمس... هو الذي مات. أما إيثان، فقد ترك المنزل بعد شجارٍ عنيف مع أبيه.»

شعرتُ بثقل كلماته يسقط على صدري، ونهضت رغم الألم في قدمي، أعرج متوجهًا نحو ڤيكتور. التفت نحوي حين أحسّ بي، وفي وجهه اعتذارٌ مريرٌ لم يستطع لسانه التفوه به. جلستُ أمامه وقلتُ بهدوء:

«هلّا اعتذرت للسيد والتر بدلاً من الأعتذار مني؟... إنه صديقك، وصدقني... لم يقصد أن يؤلمك. أنا... أعلم ما أقول.»

ظلّ صامتًا لحظةً، ثم هزّ رأسه موافقًا. مضى نحو والتر بخطواتٍ بطيئةٍ، بينما جلستُ على صخرةٍ باردةٍ أراقب المارة. كان الجو مشحونًا، والريح الباردة تلسع وجهي من خلال ثقوب اليقطينة. شعرتُ بثقل الحزن بينهما، كأنه جدارٌ عالٍ بناه الزمن بين قلبين كانا يومًا شقيقين.

هز الاثنان رأسهما بتفاهم و ربتّ ڤكيتور على كتف والتر و أكمل طريقه إلى متجر أخر، بينما أقترب العجوز والتر مني وجلس بجانبي، وراح ينظر إلى الشارع المزدحم، لكنني شعرت أنه لا يرى شيئًا أمامه؛ عيناه كانتا غارقتين في زمنٍ بعيد.

تنهد ببطء، ثم قال بصوتٍ كأنّه يحكي لنفسه:

«تعرف يا بُني... كان ڤيكتور في شبابه مثل الجبل، صلبًا، لا يخشى شيئًا. حتى في أحلك الأوقات، كان يضحك ويُضحكنا... لكن منذ تلك الليلة، صار الجبل كهفًا مظلمًا.»

نظرت إليه بترقبٍ أنتظر منه أن يُكمل، فابتسم بحزنٍ وواصل:

«إيثان... كان أكبر أولاده. شابٌّ يشبه والده كثيرًا، حتى في عناده. أما جيمس، فكان قلبه رقيقًا أكثر مما يحتمل هذا العالم. لكن في تلك ليلة... لم يبقَ منهم شيء كما كانوا. أحدهم مات، والآخر... مات قلبه وهو حيّ.»

ارتجفت أنفاسي داخل قناع اليقطينة. سألته بصوتٍ خافتٍ، كمن يسير على أرضٍ خطرة:

«وهل تظن أن إيثان ما زال حيًّا حقًّا؟»

هز والتر رأسه ببطء، وقال بنبرةٍ مترددة:

«أراه أحيانًا في جرائد الأخبار، و سمعت إنه يعمل في أبردين فيريهيل إنه أكبر قاعده عسكريه في إسكتلندا،وله مكانه فيها... مع إنه لو عاد إلى هذا البيت، لربما سيغضب ڤيكتور تمامًا منه.»

أحسست بثقلٍ غامضٍ يدور بعقلي، وكأن اسم إيثان يحمل أثقالا خفية. نظرتُ إلى العجوز ڤيكتور من بعيد، كان يتحدث مع أحد المتاجر.

كتب والتر عنواناً معيناً في ورقه و سلمني أياها وقال:

«هذا هو عنوان إيثان.. إذا أردت أن.. ترسل له رساله..!»

لكلماته نبرة رجاء...كأنه يطلب مني أن أفعلها، بدأت أتأمل عنوانه بصمت ثم قال والتر فجأة وهو ينهض ببطء:

«أتعلم... لا يوجد شيء أشدُّ قسوةً من أن تفقد ابنًا وهو حيّ.»

تسمرتُ في مكاني، كلماته اخترقتني كخنجرٍ بارد.كأنها كانت موجهه نحوي، نظرتُ إليه، وانا أذكر والدتي و الألم الذي تشعر به الان، فابتسم تلك الابتسامة الحزينة نفسها وربت على كتفي، ثم مضى.

بقيتُ جالسًا على الصخرة، أتأمل العجوزين اللذين جمعتهما سنواتٌ طويلة وفرّقتهما جراحٌ لا تلتئم، والريح تمرّ بثقوب اليقطينة كأنها تهمس لي بأسرارهم.

.

.

.

.

.

أبردين فيريهيل، منطقه عسكريه تقع في إسكتلندا، تحديداً في جزيره بريطانيا شمالاً، شتائها مزدحّمٌ بالثلوج و العواصف. وصيفها مُثقلٌ بالامطار.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أثرٌ شَيطانيّ||The devil's mark

المؤلف clown lady
2025/10/20 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة