مرّ اليوم بأكلمه دون أي أثر، أكلنا العشاء و تحدثنا معاً كالعاده، و حان موعد النوم، ذهبت لفراشي و، مريت نفسي عليه وانا افكر بذالك الرجل و أتساءل مالذي فعله؟ لا يوجد شيء متغير بي..
حتى غفوت و غطيت بالنوم ما هي إلى ساعه حتى فتحت عيني كانت جدران المنزل تعلو حولي كأنّها سجفٌ خانقة، وأنا أغرق شيئًا فشيئًا في أعماقها. شعرتُ بحرارةٍ غريبة تغلي في وجهي ويدي اليسرى نفس المكان الذي لامست جلده للحظةٍ عابرة…
لم تذق جفوني طعم الراحة بعدها، كنتُ أتقلّب في فراشي كأنني محبوس في جسدي، وجهي و يدي يحترقان، تنقلب جلودهما وتتمزّق، حككتهما بشدّة حتى سالت الدموع من عيني، لكن دون جدوى. كان الظلام دامسًا، والكسل منعني من النهوض وغسلها، فبقيت أحاول النوم…
عبثًا.
نهض جاك من فراشه و تقدم لفراشي وهو يسحب بطانيته بنعاس كعادته، قال بأرهاق وهو يفرك عينه:
«جون.. تعال معي أريد أن أقضي حاجتي!»
لم أنتبه لنفسي، حتى وجدتني ألهث ألما و أتقلب بفراشي، أنحنى جاك بفضول، أمدّ ضوء القمر من النافذه وما أن لمحني حتى أرتجفت شفتيه و خرج من الغرفه يركض دون صوت، و عدت مع محاولتي اليائسة للنوم.
ثم اخترق السكون صراخٌ مفزع، قويّ، هزّ جدران المنزل كلها! كأن أحدهم شاهد جثّة تنهض في بيته. فتحت عيناي بتثاقل، شعرت وكأن هناك أصابع تحاول أن تغلقهما.
رأيتها: أمي، تبكي وتصرخ، تغطي وجهها بيديها المرتجفتين، تتشهّق وكأن روحها تكاد تزهق. رفعت يدي نحوها أريد أن أحتضنها وأسألها، لكن قبل أن تنطق بأيّ شيء…
نظرتُ إلى يدي اليسرى التي أمدها نحوها. يدي أنا! فإذا بها تحمل الضرر؛ جلدٌ مسلوخ متقلب، يَتقلّب أمامي وكأنّه لا يزال يحترق حيًّا!
نهظت بصعوبه..جسدي يَترنج، اريد الماء، اريد ان اغسل وجهي اشعر إن على وجهي ماء مغلي،اشعر بالحر، حتى رأيت أنعكاسي في زجاج النافذه.. كان باهتاً لكنني رأيت نفسي بوضوح!
وجهٌ محروق، جلدٌ متفحّم، أذنيّن غائرة يغشيها ظلام الندوب،شعر يتساقط مع كل نفس، وخدّ مسلوخ كأن النار افترسته ثم تركته شاهدًا خالدًا على قسوتها.
لم يكن في ملامحي المشوّهة ضعف… بل رهبة مرعبة، كأن تشوّهه لم يَسلبني الهيبة بل منح حضوري قشعريرة تتفوّق على القبح، وتبثّ في الروح خوفًا لا يُفسَّر.
أطبقتُ فمي من شدّة الفزع. لأوّل مرة كنتُ أكذّب عينيّ، أرفض أن أصدّق ما أراه. ثم… وقعت أقدامي بي و نهرت أمام أمي... أمسكتُ وجهي المحترق بيدي السليمه المرتجفة، وكنت أتكلم دون أن أشعر، بصوتٍ مبحوح يختلط برجفه غريبه:
«مالذي يحصل؟ما هذا اللذي على وجهي؟هناك شيء عليه!!»
رفعت أمي عينيها الغارقتين بالمدوع إليّ، نظرتها واهنة تكاد تنهار، وقالت بصوتٍ مبحوحٍ واهن:
«هل يؤلمك يا بُني؟!»
قلت ولا زالت الصدمه على وجهي:
«لا… فقط… إنّه… يحكّني!»
عانقتني بقوّة، وصرخت بقوى لجاك الذي ما واقفاً بزاويه الغرفه ووجه صفّر كمن فقد رجاءه:
«أحضر ماءً… وضمادات أيضًا! قد تكون عدوى، أو تهيّجًا جلديًا… سيكون بخير! سيكون كل شيء بخير!»
هزّ رأسه بسرعه، كمن يرى في وجهي بصيص أملٍ يتيمًا، ثم هرع خارج الغرفة. واحظر ما سألت به أمي،كانت يديها ترتجف بقوى،ثم قبضت عليهما وخرجت من الغرفه دون أن تنبس بكلمه بقيتُ بجانب جاك الباكي احاول ان تهدئته وانا لا احرك سوا يدي اليمنى، أضمّه، أسمع تنفّسه المضطرب.
لم يكن ألم الحروق ما يخنقني… بل الصدمة المروّعة من ملامحي التي غدرت بي في لحظة. والرائحة… يا إلهي! رائحة جلده المتقشّرة كزيتٍ محترق مختلطٍ ببيضٍ متعفّن.
مرّت الدقائق ثقيلة كأنّها ساعات، حتى عادت أمي… ومعها الطبيب، وممرضة، والقسّ.
توقفوا جميعًا عند العتبة، والذهول يجمّد خطواتهم. القسّ رفع صليبه عاليًا وبدأ يتمتم بصلواتٍ متقطّعة، بينما ارتدى الطبيب قفازاته على عجل واقترب ليفحص وجهي.
وما إن لمس جلدي… حتى بدأ جسدي يبتلعه ببطء، كأن البشرة تحوّلت إلى هاويةٍ رخوة تمتصّ كل ما يقترب منها! سحب الطبيب يده مذعورًا، ونظر إلى يدي التي تحمل الندوب نفسها، فتراجع خطوةً إلى الوراء وقد تلوّنت ملامحه بالقلق.
قال بصوتٍ مرتجفٍ متلبّك:
«القسّ… الممرضة… والسيدة…و الطفل... دعونا نتحدث بالخارج. أنت… ابقى هنا!»
كان كلامه متكسّرًا، قلقه يفضحه، وخطواته المرتبكة تعكس خوفًا أكبر ممّا أراد إخفاءه. لقد فحصني بسرعةٍ بالغة… كأنّه عرف على الفور ما الذي أصابني!
لكن، هل كان ذلك… خيرًا؟ أم شؤمًا أكبر ينتظرني؟
خرجوا من الغرفة، وتركوني بمفردي. نظرتُ إلى الباب الموصد، لكن فضولي وقلقي كانا أكبر؛ زحفت بتثاقل أدفع جسدي بأقدامي و يدي اليمنى و كأنني ادفع شخصاً يجلس على أكتافي، و تراخيت إلى جانب الباب، أُرهف السمع لالتقاط كل كلمة.
سمعت صوت الطبيب، غليظًا متوترًا:
«إنّه الطاعون… لا شك في ذلك! العلامات واضحة؛ الجلد المتآكل، الرائحة الكريهة، والحكّة التي تسبق الانهيار التام. هذا ليس مرضًا عاديًا ولا تهيّجًا جلديًا. إنّه معدٍ… قاتل! وإن لم نتدارك الأمر… سيتكاثر! أفضل حلّ هو أن نُنهي حياتهما قبل أن ينتشر.»
ارتجفت أطرافي، ويدي ضغطت على فمي كي لا يفضحني صراخي.
"قتل؟ أبادة؟!"
كان صوت قلبي يطرق أذنيّ كطبول حرب.
سمعت صوت أمي، مضطربًا لكنه حادّ كالسيف:
«هل جننتَ أيها الطبيب؟! هذا وَلدي! ما أصابه قد عرفته بنفسك و أعطيته علاجاً له بنفسك… أرفض أن تتفوّه بهذه الكلمة أمامي مرّة أخرى!»
ردّ الطبيب بعد ان سكت لثوانٍ بصوت شبه متلعثم:
«كنتُ أعلم إنه الطاعون لكنه كان صغيراً لذا ضننت إنه تقشر جلدي!»
تنحنح القسّ، وسمعت صوته المرتعش وهو يتمتم قاطعاً المحادقه بينهما:
«لكن يا سيدتي… إن كان ما يقوله الطبيب صحيحًا، فخطر الطاعون لا يهدّد بيتكم فقط… بل المدينه بأسرها.»
صرخت أمي، كأنها تدفعهم عن حافة جنون:
«كفى! لن أسمح لكم بوصم ولدي بلعنة الموت. إنه بخير… فقط بحاجة لعلاج وراحة. سأهتمّ به بيديّ، وإن كان في كلامكم ذرّة صدق… فدعوا الأمر على رقبتي!»
ساد صمتٌ ثقيل، لم أسمع فيه سوى دقات قلبي اللاهثة وأنفاسي المتقطّعة. ثم تكلّم الطبيب من جديد، لكن بصوتٍ أخفض، كمن يخفي الخوف خلف الحذر:
«إن لم تستمعي لنصحي… فلا تلومنّ إلا نفسك حين ترى القرية تشتعل بالوباء. أنا طبيب، أعرف ما أقول… هذا الطاعون… ولا علاج له.»
قالت أمي بصرامةٍ كأنها تواجه الموت بيديها:
«ولأنك طبيب… عليك أن تعالج، لا أن تقتل. إن لم تُرد مساعدتنا… فارحل! لن أسمح بذبح طفلي وهو حيّ.»
خُيّل إليّ أنّهم تبادلوا نظراتٍ حادة من خلف الباب، ثم سمعت وقع أقدامٍ مترددة، وصوت الممرضة تخاطب الطبيب بخوفٍ خافت:
«سيدي… لعلّها على حق… لم أرَ شيئًا كهذا من قبل، قد يكون مرضًا جديدًا… أو تحسّسًا غريبًا…»
قهقه الطبيب بسخريةٍ متوتّرة:
«تحسّس؟! ما رأيته يلتهم الجلد ليس تحسّسًا يا حمقاء! إنّه الطاعون، وسينتشر عاجلًا أو آجلًا…»
توقفت أنفاسي حين سمعت حذاءه يقترب من الباب، كدتُ أرتدّ إلى الخلف، لكنه ما لبث أن ابتعد، وصوته يبتلع التوتر:
«حسنًا… إن أبيتم، فلتتحمّلوا العواقب. سأبقى أراقب… لكن تذكّروا قولي هذا.»
ظلّ القسّ يتمتم بصوتٍ خافتٍ لم أميّز كلماته، وأمّي تبكي بحرقة وهي تردّد:
«ولدي ليس لعنة… لن أتركه.»
صدري يضيق أكثر وأكثر، كأنني مُحاصر بين الجدران وكلمات الموت التي تسلّلت من خلف الباب.
مرّ ثلاثه أيّامٍ كأنها ثلاثه أعوام. أمّي لم تنم إلا دقائق معدودة، كانت تلازمني كظلٍّ لا يكلّ ولا يهدأ.
كانت تعالج جلدي بالضمادات المبلّلة بالماء البارد، وتضع فوق الحروق زيت الأعشاب المخلوطة بيدَيها المرتعشتين، كأنها تستنجد بأيّ دواءٍ أرضيّ لتُبعد عنا شبح السماء.
لم يكن صوت أنيني يتوقّف، ولا رعشات يدي التي ما زالت تتقشّر وتتمزّق، لكن حنانها كان يغطّيني مثل لحافٍ رقيقٍ يحاول أن يحمي جسداً يحترق من الداخل.
في الخارج… لم يكن العالم صامتًا. القرية بأكملها بدأت تتهامس. في اليوم الثالث لم يعد الهمس سرًّا، بل صار كلامًا جهريًا في السوق والكنيسة، يتناقلونه بحذرٍ وخوفٍ مكتوم:
"إنه الطاعون في بيت عائلة أنولد!"
"لقد رأيتُ وجه جون، لم يعد وجهًا بشريًا… إنّه مسخ، لعنة من المسيح!"
"ربّما الشيطان بنفسه مرّ من ذلك المنزل!"
كان الأطفال يُمنعون من الاقتراب من جاك أو من طريقنا، والنساء يعبرن مسرعات وهنّ يشكلن إشارة الصليب بأيديهن، كأن بيتنا صار منزلاً للشيطان نفسه.
كلما اشتدّت الشائعات، ازداد خوف الناس، وصارت القرية ترتجف من مجرّد ذكر اسمي. لم يكن خوفًا عاديًا… بل خوفًا مجذورًا في قلوبهم، مثل وباءٍ آخر يفتك بالعقول قبل الأجساد.
أما القسّ… فقد صار صمته أخطر من صراخه. في البداية كان يزورنا ليقرأ صلواتٍ على مسامعي، لكنني كنت ألمح في عينيه شيئًا أبعد من الرحمة: عزيمة قاسية، كأنها سيف مرفوع ينتظر لحظة الهبوط.
وفي مساء اليوم الرابع، سمعته يهمس للطبيب خارجًا من منزلنا، وصوته خفيض لكنه كالسهم في أذني:
«لا دواء له… والشيطان يسكن وجهه. القرار لا بدّ منه، لكن علينا انتظار عودة الأب من الحرب. لن يكون قتل ولده إلا بيده، أو على الأقل بموافقته. يومان فقط، وعندها… ينتهي الأمر.»
شعرتُ بقلبي يهبط إلى قدمي. يومان؟! كأنهم حدّدوا موعد موتي، ينتظرونه صبورين كما ينتظرون قدوم عيدٍ مشؤوم.. كنت أحاول النهوض لكن الدوار يأكل برأسي و ألم شديد يجعل أطرافي ترتجف.. بحق السماء، هل هذا بسبب الرجل!؟
أمّي، رغم بكائها المستمر، لم تسمح لهم بلمسي، ولم تستسلم لشيطان الخوف. كانت تردّد أمام الجميع ولكل رجل و إمرأة يسألونها عن طفلها:
«هذا ليس طاعونًا!»
«ولدي ليس شيطان!»
«من يقول إن وجه جون لعنة فهو الكاذب!»
« اللعنة في قلوبكم، لا في وجوه أبني!»
مع إن كلماتها لم تمنع الشائعات من التفاقم إلا إنها لا زالت تقولهم. صاروا يتحدّثون عنّي في الكنيسة التي منعوا أمي من الدخول إليها،يتكلمون كمن يروي أسطورةً مرعبة:
"جون لم يعد بشرًا، بل مسخًا أرسله المسيح عقوبةً لنا."
"هو يحمل المرض في يديه، كل ما يلمسه يتحوّل وجهه مثله!"
"إذا لم يُقتل الان… ستحترق القرية عن آخرها."
"إنه الشيطان! أنا أعلم، لقد رأيت المسيح يحذرني منهم في منامي!!"
لياليّ كانت جحيمًا. وكل يوم يمرّ، يقترب موعد عودة أبي… ويقترب معه موعد نهايتي.
حتى حلّ ظلامُ آخرِ ليلة، وكانت السماءُ عاتمةً كأنّها غاضبةٌ على الأرض، أثقلَ سوادُها كلّ قلبٍ حيّ، وأطبقَ الصمتُ على أركان القرية إلا من نباحٍ متقطّعٍ من بعيدٍ يبعثُ في النفس رعشةَ خوفٍ دفين.
كنتُ لا أزال مُمدّداً على فراشي، أتنفّس بصعوبة، لا أحرّك سوى عينَي ويدي اليمنى، فيما جلدي يتقشّر ويتقلّب كأنّه جلدُ ثعبانٍ يُسلَخ حيًّا.
جاك، ذلك الفتى الصغير الذي صار سندي الوحيد، لم يفارق يدي اليسرى المشوّهة، كان يقبض عليها بقوّة وكأنّه يحاول أن يزرع فيّ شيئاً من شجاعته الطفولية، يحدّق في وجهي بعينين تشعّان أملاً، ثمّ يبدأ حديثه المعتاد عن المدرسة، وعن أولئك الذين يتجنّبونه من شدّة خوفهم، وهو يروي خوفهم بابتسامةٍ واثقةٍ وكأنّه استمدّ قوّةً من هيبتهم منه.
لا أعلمُ إن كان يكذب ليرفع معنوياتي أو إنّه حقًّا يرى في وحدته عزّةً، لكنّني شعرتُ في تلك اللحظة بامتنانٍ عميق أنّ لي أخًا مثله.
طَرقاتٌ ثلاث... قطعت صفو هدوئنا كالسيف. رنّ صوتُها في البيت كلّه، فشهقت أمّي بفزعٍ وهي تضع يدها على صدرها، ثمّ التفتت إلينا بعينين زائغتين.
همستُ لها بصوتٍ متحشرجٍ بالكاد خرج من حلقي:
«إنّ الطارق... ليس والدي... هو لا يطرقُ الباب... ولا يزالُ الوقتُ باكراً على قدومه.»
شهقت أمّي ثانيةً، وضعت راحتها على قلبها وغمغمت بقلق:
«أنتَ على حقّ...»
مشت بخطواتٍ حذرةٍ نحو الباب، وأناملها ترتجف وهي تمسك المقبض. فتحت الشقّ الصغير بحذرٍ لتتبيّن مَن الطارق، وكأنّها تخشى أن يبتلعها الظلام خلفه، ثمّ دار بينها وبين الزائر حوارٌ قصيرٌ متوتر، لم أسمع منه سوى همهمات متقطّعة. وبعد تردّدٍ طويل، سمحت له بالدخول.هل هي السيّدة ناتاليا؟
ما إن وقع بصري عليها حتى تذكّرت ملامحها فوراً، رغم أنّي لم أرها إلا مرّةً واحدة. وجهها كان محفوراً في ذاكرتي، نظرتها الثابتة وصوتها المنخفض جعلاها لا تُنسى. تقدّمت بخطواتٍ سريعةٍ وجلست إلى جواري، لم تمهلني لحظةَ صمت، بل همست بكلماتٍ مرتجفة بالكاد التقطتها:
«الطبيب... اتّفق مع الرجل المحدوب... على قتلك اليوم.»
اتّسعت عيناي بذهول، فيما اقتربت أمّي بفضولٍ مشوبٍ بالقلق، وقالت:
«عذرًا، لم أسمعكِ، ماذا قلتِ؟»
رفعت الممرضة رأسها بثقةٍ غريبة، وكأنّها قرّرت أن تقول الحقيقة كاملةً مهما كلّفها الأمر، ثمّ قالت بصوتٍ واضحٍ كالسيف:
«الناس سيأتون الليلة... يريدون صَلبَ جون أمام الجميع... لينتهوا من الرعب الذي تعيشه القرية.»
شهقت أمّي ووضعت يدها على فمها لتكتم صيحةَ رعبٍ كادت تفلت منها، بينما اندفع جاك نحو النافذة، عيناه تتجوّلان بلهفةٍ وذعرٍ، كمن ينتظرُ جيشًا يقترب من أسوار قلعةٍ محاصَرة.
تابعت الممرضة كلامها بصوتٍ مرتجفٍ، يفضح خوفها وهي تلهث:
«لقد سمعتُهم بأذني... يجب أن تهرب قبل أن يحدث لك مكروه! سيّدتي، صدّقيني، لقد رأيتهم يستعدّون لذلك!»
قالت أمّي بارتباكٍ وهي تحدّق في وجهي الشاحب:
«لكن... كيف سيهرب وهو لا... يرفع رأسه من وسادته!»
رفعتُ رأسي بصعوبةٍ وكأنّ ثقل العالم فوقه، وقلتُ بإصرار:
«كلا... أستطيع النهوض... يجب أن أكلمهم أو أفعل شيء لبعض الوقت.»
قالت الممرضه بقلق مهلوع:
«كلا! لن يفيد الكلام! يجب أن تُغادر!»
صرخت أمّي بحدّةٍ تفضح رعبها وكأنّ مرضي كان ذريعةً لبقائي في أمانها:
«كلا! لن يغادر أحد!»
كنتُ أعلم أنّ الرجل يريد قتلي، وأنّ ثقتي به كانت خطأً فادحًا. خوفي الأكبر لم يكن على نفسي، بل على أمّي وجاك... ماذا لو نقض وعده وقتلهم بسببي؟ ظننت أنّي نجوتُ منه، لكنّ يده الطويلة ما زالت تطاردني.
قالت الممرضة بصوتٍ مرتعشٍ يكاد ينكسر:
«سيّدتي... أرجوكِ! لا نريدُ أن نرى دمه يُراق! سمعتُ كلّ شيء!»
تمتمت أمّي بتلعثم، تبحث عن قشّة أمل:
«ماذا لو عاد زوجي... ربما... يستطيع...»
قاطعتُها بسرعة، وكلماتي تخرج كطعنةٍ من صدري:
«إن عاد أبي هنا... سنفقد الأمل. سيقتلني بيديه.»
وفجأة، صرخ جاك من عند النافذة بصوتٍ مذعور:
«لقد أتى الناس!»
ارتجف البيت كله من صوته، فصرخت الممرضة بدورها:
«بسرعة! اهرب من هنا!»
قلتُ بصوتٍ متقطع:
«لكن... ماذا لو دخلوا ولم يجدوني؟!»
صرخت أمّي بصوتٍ قاسٍ، وقد تلألأت في عينيها دموعٌ حارّة:
«سنُشعل النار في هذه الغرفة! ونقول لهم أنّ النار التهمتك، وأنّنا نجونا أنا وجاك!»
ركضت أمّي إلى غرفتها تعدّ ما يلزم، بينما اندفع جاك ليحضِر علبةَ البنزين وعلبة كبريتٍ بين يديه الصغيرتين.
اقتربت الممرضة منّي، وجلست إلى جانبي، وهمست بصوتٍ خفيضٍ كأنّها تعترف بخطيئةٍ عظيمة:
«الطبيب... كان مُهدّدًا من البداية. رأيته يتحدث مع الرجل في الخفاء... مرضك هذا ليس طاعونًا! لقد جئتُ سرًّا، واليوم يوم عطلتي، تركتُ أسرتي لأحذّرك. لذا أرجوك... صدّقني!»
نظرتُ في عينيها، رأيتُ فيهما رعبًا حقيقيًّا وإصرارًا لا يخالطه كذب. في الخارج، كانت أصواتُ الناس تقتربُ أكثر، صيحاتٌ غاضبة، وضربُ عصيٍّ على الأرض، ولهيبُ مشاعلٍ يُلقي بظلالٍ راقصةٍ على الجدران. جاؤوا بمناجلهم وسكاكينهم، وجاؤوا لينتهوا من
"الوحش"...
منّي أنا.
.
.
.
clown lady