الفصل التاسع «آذاهم دون رأفه»

الفصل التاسع «آذاهم دون رأفه»

25 0

↯مـمـلـكـة الـخَـيْـلان♡

𝐾𝑖𝑛𝑔𝑑𝑜𝑚 𝐾𝒉𝑎𝑖𝑙𝑎𝑛..

الفصل التاسع «آذاهم دون رأفه»

_________________________________

كالسَفينَةُ في عَرضِ البَحْرِ أنا

أمْواجٌ تَقْذِفُني هُنا وَ هُناكَ

وَسْطَ العَواصِفِ الرَعْديةُ المُخيفَة

أشعرُ بِالهلَعَ فَلا أتْحَرَكُ قيْدَ أُنْمُلَة

أُشاهِدُ في صَمْتٍ مُهيبٌ يُقَطِّعُني كَما السُيُوف

هَكَذا هي الحَياةُ بِالنِسْبَةِ إليّ، بَحْرٌ يُميتُكَ مِن هَولِ ما تَراهُ.

⤾ الـڪـاتـبـة: 💐 𝑴𝒂𝒓𝒊𝒂𝒎..♡

_________________________________

صُعقت من الصدمة وقالت بإستعلاء تأمره في نهاية حديثها:

_ لقد أصبح الحاكم!! أحضره لي حيًّا في أسرع وقتٍ ممكن.

_ أوامركِ ڤيكسورا.

لم تكن تحب أن يناديها أحد باِسمها غير المقربين منها وكذلك كان مساعدها، الحرب بدأت بظهور البشريّ في مملكة الخَيْلان ولن تنتهي على خيرٍ أبدًا، وأيُّ خيرٍ يأتي من الملكة "ڤيكسورا"؟؟ ها هي الحربُ قد أُعلِنَت.

تركته وأستقامت وذهبت إلى الحديقة أمام قصرها، تحركت عدة خطواتٍ أخرى بهيبتها المعتادة وخيلاءها حتى وصلت إلى حيث ينام تنينها الأسود بإطمئنان، مسحت بيديها على ظهره فأستيقظ سريعًا و وقف على قدميه وألتف حولها عدة مرات فضحكت رغمًا عنها من حركته تلك وتحوَّلت ملامحها للخبث والشر وهتفت بمقت:

_ يبدو أننا على مشارف حربٍ جديدة مع بشريٍّ وهؤلاء الخَيْلان يا ظل.

مسح التنين رأسه بجسدها وجلس أمامها فصعدت على ظهره وفرد جناحيه وطار في السماء بسرعة البرق وسط الظلام والغيوم المحيطة بهم، وقد كانت هي تراقب أحوال مملكتها أو بالأحرى تبحث عن ذلك البشريّ الذي تهابه بداخلها وتهاب لقائهما كثيرًا.

وفي مكانٍ آخر بمملكة الغرانيق الذين لم يراهم "ليل" بالطبع حتى ظن أنه لا يوجد خَيْلان ولا غرانيق وإنما هم بشرٌ ساحرون فقط ويتحدثون بلهجةٍ مختلفة، كانت البومة على كتفه والتي هي ذاتها "حوراء" ترشده إلى مكان الحكيم "زينو" حتى وصلا إلى مكانٍ لا يوجد به غير بيتٍ واحد فقط والمكان مظلمٌ لا يوجد به مصابيح أو ما شابه.. فقط ضوء القمر البسيط ذلك يضيء الطريق لهم.

أقتربوا من البيت وصعد "ليل" دَرَجهُ والبومة على إحدى كتفيه تراقب المكان بحذر، طرق الباب عدة طرقات قليلة ورمق الباب بعدم راحة تتخلله، فُتِح الباب ببطئ وأطل من خلفه رجلٌ مُسن، شعره خفيف وقصير وأبيض اللون، ملأت التجاعيد وجهه وكذلك ظهرت عظامه البارزة من كثرة ما عاش من السنوات الطويلة.

قد رمق الرجل البومة على كتفِ "ليل" أولًا بشك وهتف بتهكم بعدما سمح لهما بالدخول:

_ بالطبع لن أُخدع بهيئتكِ تلك، عودي إلى هيئتكِ الحقيقية يا حوراء.

أندهش البشريّ بعلمه لهويتها بينما عادت هي إلى هيئتها الطبيعية بحرج وهتفت بعدما أرتسمت أبتسامة خفيفة على مُحياها:

_ هذا الـ..

_ البشريُّ المُنتظَر وحاكم مملكة الخَيْلان الحالي.

نطق الرجل الذي يُدعى الحكيم "زينو" يقاطع حديثها بثقة فأتسعت أبتسامتها كثيرًا بإعجاب وأكملت حديثها بتفسير لمجيئهم إليهم:

_ نعم هو كذلك، جئنا إليك لإنه حصُل على قواه بعد أن خضع لطقوس إختيار القوى بعد أن أصبح الحاكم، لديه قوة سيادة الواقع وأنتَ تعلم أيها الحكيم أنها تنتمي أكثر إلى مملكة الغرانيق وأنها قوة مُظلمة أكثر من كونها نوريّة فلذلك نريد منك أن تعلمه استخدام قواه.

صمت الآخر عدة دقائق قليلة مُفكرًا والاثنان ينتظران رده على أحرٍ من الجمر، هز رأسه عدة مرات وقال بنبرة ثابتة:

_ وجودكما هنا خطر أنتما الاثنان، ولن استطيع أن اعلمك استخدام قواكَ اليوم، ربما غدًا.. أريد النوم الآن.

شَعَر الاثنان بالإهانة وظنا أنه يطردهما من بيته فأردفت "حوراء" وهي تنظر إلى الأرض من شدة الحرج:

_ نحن لا نثق بأحدٍ في هذه المملكة غيرك وغير ذلك لن يقبل أحد بمبيتنا اليوم في بيته.

_ وكذلك أنا لن أقبل بالطبع.. أتعلمين ما قد تفعله قوة ذلك الـ "ليل" الذي معكِ بساحرٍ عجوزٍ مثلي؟!

هتف حديثه سريعًا بعدما أنتهت هي من التحدث وكان يسألها بتهكمٍ في نهاية كلماته فنطقت تُبرئه من ظن "زينو" بإنه لا يعلم استخدام قواه:

_ لا لا إنه لا يعلم كيف يستخدم قواه بتاتًا.

رمقه الآخر بتهكم وهتف بسخرية:

_ وهذا هو السبب ذاته الذي يجعلني أطردكما، والآن اخرجا وعودا إليَّ في الصباح.

كرهه "ليل" بسبب حديثه وإهانته لهما وغضب منه وسريعًا تحولت عيناه للون الأحمر القاتم وأبتعد الحكيم عنه بخوف ما إن لاحظ تحوّل لون عينيه حتى أصطدم بحائط بيته فتوسعت عيناه برعب وقد تحوَّلت "حوراء" إلى بومةٍ وخرجت من البيت بخوفٍ على نفسها من قواه، بينما أتت عاصفةٌ قوية وإعصار شديد إلى داخل البيت فحطمته وتحوَّل الحكيم إلى فأرٍ صغير وهرب إلى خارج البيت وكذلك "ليل" أختفى من مكانه في لحظة وظهر خارج البيت بجانبهما وانهار البيت بجانبهم وأصبح حُطام.

عاد "زينو" إلى هيئته الطبيعية وصرخ في وجه "ليل" بغضب عارم:

_ لقد دمرت بيتي!! اِرحل ولا أريد أن اعلمك شيئًا.. يقولون البشريّ المُنتظَر الذي سيحميهم.

أنهى جملته وهو يضحك بسخرية بينما وقفت البومة البيضاء على كتف "ليل" وأشارت برأسها دون حديث ليرحلا فتحرك مبتعدًا عن حُطام البيت الذي دمره بقوته وتركوا خلفهم الرجل يصرخ فيهم بغضب على ما فعلاه، وحين أختفيا عن ناظريه أبتسم بخبثٍ وملامحه لا تحمل إلا الشر، ألتفت إلى حُطام بيته وأشار بيديه ليعود البيت كما كان في لحظةٍ بسحره!

بالطبع كان يستطيع إعادة البيت كما كان ولكن حين رأى قوته كيف له أن يساعده في تعلم استخدام قواه ضد مملكة هو يحظى فيها بمكانةٍ كبيرة؟ أصدر صوت صفيرًا فدخل له غرابٌ من شرفة بيته فتحدث معه بنبرةٍ خبيثة يأمره بإرسال كلماته إلى ملكته وكأنه بشرٌ لا مجرد غراب:

_ قل للملكة ڤيكسورا أن البشريّ المُنتظَر قد وصل إلى مملكة الغرانيق وكذلك عدوتها اللدودة.

طار الغراب مبتعدًا عنه وذهب لإرسال ما قاله إلى "ڤيكسورا" وقد جلس الآخر وتغيرت ملامحه لملامح حاقدة وناقمة على ذا القوة النادرة.

بينما كان "ليل" والبومة على كتفه يتحركان وسط البيوت داكنة اللون، تعب من كثرة تحركه فجلس بجانب شجرة خالية من الأوراق وجافة تكاد تكون شجرةً ميتة، هتف بسخرية على حديث والدها:

_ هو ده الحكيم فينو اللي مضمون، هو ده اللي واثقين فيه في كل الغرانيق اللي مشوفتش منهم غرنوق واحد لحد دلوقتي.. إذا كان هو أساسًا مش قد الثقة يبقى هنثق في الباقيين ازاي تقدري تقوليلي؟؟ ومتقوليش أننا هنعدي الغابة تاني ونشوف العفاريت اللي فيها دول.

رمشت عدة مرات بملل وهتفت بحنق وهي تطير تارةً أمامه وتارةً تجلس بجانبه:

_ إذا ماذا سنفعل يا ذا الرأس البيضاوي؟ ننتظر هنا حتى يأكلنا أحدهم صحيح؟ ونعم هم يظهرون بهيئتهم البشرية في البداية لكن إن أراد أحدهم أن يأكلك لن يتردد لحظةً في أن يكشف الجانب المظلم منه.

أطلق تنهيدةً أعربت عن ضيقه وهتف وهو يريح جسده على الشجرة:

_ والله بقيت حاسس أني بحلم أو كلكوا عفاريت..

كاد أن يكمل حديثه لكنه أبتعد من محله برعب حين أبصر الصخرة الكبيرة بجانبه يتحوَْل لونها إلى لونٍ أبيض وتتحرك وتتضخم كثيرًا حتى تبيّن لهما أنه حصانٌ مجنح ناصع البياض وليست صخرة!!

ألتف لكي يقابلهم وأنحنى لـ "ليل" بهدوء وقد صرخت "حوراء" بفرحة لا تصدق ما تراه:

_ حـصـانٌ مُـجـنـح!

تردد "ليل" في البداية لكنه صعد على ظهر الحصان وامسك به جيدًا وجلست البومةُ على كتف "ليل" كعادتها وما إن ثبتوا أنفسهم على وضعية جيدة حتى وقف الحصان ورفع جزءه الأمامي فجأة وصهلل بفرحة وفرد جناحيه الجذابين وطار بهما في السماء وهما لا يفهمان إلى أين سيأخذهما ومنذ متى وأصبح في مملكة الغرانيق أحصنة مجنحة؟!

_________________________________

أينسى الشخص عائلته؟

كان ذلك هو السؤال الذي يدور بذهنه وهو يعانق أخوه الأصغر بفؤادٍ مُنفطر، كان يود حقًا لو يعرف السبب وراء كل أفعال والدته وغضبها منهم وحقدها عليهم وبحثها عن طريقةٍ تهدم بها حياتهم أو تقلبها رأسًا على عقب وقد فعلت حقًا.

أولًا تركت والده لإنها لا تريد طفلًا آخر لكي لا تصبح قبيحة الشكل، وثانيًا أصبحت تريد الأموال منه بحجة تركهم وشأنهم وأنها لن تقترب منهم ثانيةً وتزعجهم، وثالثهم أنها سرقت من أموال طليقها، ورابعهم أنها أختطفت شقيقه الصغير الذي هو فلذة كبدها وعذبته!! وطلبت أموال لإعادته إلى أبيه، وآخرهم أنها أصابت والده في مقتلٍ فما الذي تبقى لتفعله تلك القاسية!

أخرجه من تفكيره الطبيب حين خرج من غرفة الأشعة التي يوجد بها والده، ترك شقيقه وأقترب من الطبيب وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة هتف الطبيب بيأس:

_ حصله ارتجاج بسيط في المخ وأدى لدخوله في الغيبوبة دي، أدعي تكون غيبوبة خفيفة ومتطولش و والدك يفوق بخير.

_ طيب ممكن ادخل اشوفه؟

نطق حديثه بتساؤل والحزن يملأ مُحياه فهز الطبيب رأسه بموافقة وقال برسمية:

_ هيتنقل لأوضة عادية وساعتها تقدر تدخل تشوفه بس ياريت بلاش تقعد كتير علشان ممنوع.

أنهى كلامه ورحل من أمامه في حين أن الآخر قد عاد إلى صغيره الذي لازال يبكي وهتف يهوّن عليه بنبرةٍ حزينة:

_ متخافش يا إياد بابا هيفوق بإذن الله بس أدعيله، أنتَ ملكش ذنب ده قدر ربنا محدش يقدر يغيره.

دمعت أعين الصغير مجددًا وعانق "زياد" وأنفجر بالبكاء وهتف بشهقات وبنبرة أختلطت بين الغضب من والدته وكرهه لها وحزنه على ما حدث لوالده والذي مازال يظن أنه بسببه بعقله الصغير الذي لا يزال لا يفقه شيء في تلك الحياة إلا قليلا:

_ هي السبب.. أنا بكرهها.. عمري ما حبيتها لحظة، لو كانت أكتفت بخطفي كان هيبقى أهون والله بس ليه تأذي بابا، عمري ما حسيت بحبها علطول بتثبتلي أنها بتحب الفلوس مش بتحبني أنا ومحدش بيحبني.

أنهى حديثه بقهر على كره والدته له، إن كانت والدته التي حملته في رحمها تسعة أشهر تكرهه بتلك الطريقة فمن سيحبه؟! أزدادت شهقاته فربت أخوه على كتفه بحزن لإجله، أليست الأطفال حياتهم جميلة وهم صغارًا؟ فلماذا هو حياته بائسة منذ أن وُلِد؟؟ هتف شقيقه بنبرة حاول جعلها هادئة لطمئنة الصغير:

_ أنا بحبك وبابا كمان بيحبك وكلنا بنحبك، متخافش بقى أدعيله يكون كويس وهيفوق وهنفرح كلنا والله، وأنساها خالص اعتبرها مش موجودة ربنا يسامحها.

شدد الصغير على عناقه وتمتم بالدعاء لأبيه وقد وصل لهما "خالد" وهو يهرول ونطق بأنفاس متسارعة من شدة ركضه:

_ إيه اللي حصل يا زياد؟

أبتعد الاثنان عن "إياد" وسرد عليه "زياد" ما حدث بإختصار فهتف "خالد" بحزن لإجل الرجل الذي اعتبره والده:

_ طب زمانه اتنقل لأوضة عادية يلا ادخله وأنا هفضل مع إياد شوية.

وبالفعل كان قد تم نقله إلى غرفةٍ عادية وسأل أحد الممرضين عن الغرفة ودخلها وجلس بجانب والده يتأمله وهو فاقدٌ لوعيه بحزن ورغمًا عنه تساقطت الدموع على وجنتيه فأمسك بيد والده وطبع قبلة عليها ودعا له ثُمَّ أستقام ليخرج لكنه سمع صوت صفير جهاز نبضات القلب فألتفت بهلع ليرى في الجهاز أن نبضات القلب توقفت!

ركض خارج الغرفة بسرعة يخبر الأطباء وفي ثوانٍ قليلة دخلوا للمريض وأحضروا معهم جهاز إنعاش القلب وحاولوا إنعاش قلبه عدة مرات وقد هرول "إياد" بفزع إلى شقيقه وهو يسأله بعينيه ماذا حدث ليدخل هذا الكم من الأطباء لغرفة والده ولكنه لم يلتفت له حتى فسأل "خالد" بخوف ولم يجاوب هو الآخر، وأخيرًا بعد عدة محاولات عاد قلب "مُـحي" لطبيعته بعد أن كان على مشارف الموت فحمدوا ربهم بداخلهم وعادوا للجلوس في مكانهم أمام الغرفة.

_________________________________

ربما لقد اخطأت، لكن أبنها كذلك اخطأ حين سرق حُليها لينفقها على الخمور والنساء وما شابه ذلك، هي تشعر بالراحة حقًا لإنها أنتهت منه ومن صفاته البشعة.. دائمًا كانت تتغاضى عن أفعاله، لكن حقًا قد طفح الكيل بتصرفاته تلك، تارةً يحضر إحداهن إلى بيتهم وتارةً يعود إليها وهو يترنح من أثر الخمور والكثير والكثير، ربما كانت تصلح الخطأ بخطأ أكبر منه لكن هو يستحق الموت، أما هي فلا تستحقه هي فقط أراحت العالم من شر أبنها.

هذا ما كان يدور بخلد "هـبة" قاتلة أبنها، وهذه أسبابها التي وبالطبع لن تقولها فهي تعلم أن هذا ليس مبررًا لقتله، لكن وبرغم كل هذا لقد اشتاقت له، كم كان لطيفًا منذ عدة سنوات.. وبسبب أصدقائه الذين لا يستحقون حتى أن يقال عنهم أصدقاء سحبوه إلى طريقهم المظلم.

قاطع تفكيرها صوت الضابط الذي يجلس أمامها وهو يسألها بغضب جام بسبب برودها الغير طبيعي وكأنها لم تفعل شيئًا:

_ قـتـلـتـيـه لـيـه؟؟

كان يصرخ في وجهها بنفاذ صبر فدمعت أعينها هي الأخرى وهتفت بمشاعر مختلطة كالشوق لأبنها والتشفي لقتلها له بعد أفعاله التي أتعبتها الكثير والكثير من الوقت:

_ قتلته علشان كان بيعمل كل حاجة قذرة تيجي في دماغك، كان بيرجعلي وش الفجر وهو سكران، أو يرجع ومعاه بنت ولا حتى اتنين، أو يشرب مخدرات أو يقتل.. أيوه قتل واحد صاحبه علشان كان بيحاول يقنعه يبعد عن الطريق اللي ماشي فيه ده ومحدش يعرف غيري، قتلته قبل ما يقتلني.. قبل ما اقتله كان بيهددني أنه هيقتلني.. هيقتل أمه! قتلته ومش ندمانة ولا لحظة على اللي عملته ده ولو رجع بيَّ الزمن ألف مرة هقتله برضو.

لم يتحدث الضابط وفقط أشار برأسه بجمود للضابط الآخر بجانبه ليكتب ما قالته تلك القاتلة، أما هي فسالت دموعها على وجنتيها وأضافت بقهر:

_ بس هو مكانش كدا، كان كويس والله كان أحسن مما تتخيل لحد ما صحابه جروه للسكة الشمال، قتلته بس..

صمتت عدة ثوانٍ فأنصت لها الضابط بتركيز بعدما ضيق عينيه قليلًا فأكملت حديثها تخاطب أبنها المتوفي أو وكأنها تخاطب روحه.. أو قد جُنّت:

_ ليه كدا، ليه عملت فيَّ كل ده، ليه كنت بتضربني وأنتَ كنت أحسن حاجة في حياتي، ليه بتحرقني لما مبسمعش كلامك ليه اللي حصل ده كله لـيـه خـلـتـنـي اقـتـلـك؟!

هتفت آخر جملة بنحيب ولم تكتفي بهذا فقط بل أضافت جُملًا أخرى مبعثرة وهي تنظر للحائط الذي أمامها وهذا ما أكد للضابط شكوكه:

_ وحشتني أوي، أنا مكنتش أقصد اقتلك والله بس أنتَ اللي اضطريتني لكدا، أنا آسفة.. أنا مش عايزة أموت لأ هي اللي لازم تموت هي اللي..

صمتت وجحظت أعينها فجأة وأمسكت في المقعد وصرخت بهلع قائلة:

_ لأ لأ أنا مقتلتش حد، أنا آسفة والله سامحني، مش عايزة أموت مـش عـايـزة أمـــوت.

بكت ثانيةً بقوةٍ أكبر فهمس الضابط الذي أمامها للضابط الآخر بجانبه:

_ تتعرض على دكتور نفسي في أسرع وقت.

هز الآخر رأسه بموافقةٍ على أوامرة وأستقام وسحبها للخارج وهي تهذي بكلام غير مفهوم ليأمر أحد الضباط المسؤولين عن نقل المجرمين بعرضها على أحد الأطباء النفسيين وفي نهاية الأمر أخذوها إلى مشفى الأمراض النفسية والعقلية.

كانت تتحرك في إحدى ممرات المشفى حتى سمعت صراخ امرأة بكلامٍ غير مفهوم أو ربما مُبعثر، تحركت نحوها هي والضباط الذين يمسكونها وأنتظرت حتى وضعوها في غرفةٍ وقيّدوا يديها وسألت أحدهم فنطق بإيجاز:

_ قتلت أبنها وزي ما باين كدا اتجننت، ياريت تخلي بالك يا آنسة..

_ دكتورة روح.

قالتها معدلةً على حديثه فأومأ بملامح متهكمة وتركها وعاد إلى عمله مع بقية الضباط، وقد دلُفت هي إلى غرفة "هـبة" لتحاول علاجها أو تفهم حتى مرضها لتحاول علاجه لإنه كما يبدو أن تلك المريضة ستتعبها كثيرًا.

____________

«روح حسام البَكري»

فتاةٌ في العام الخامس والعشرون من عمرها، بشرتها قمحية فاتحة، ملامحها حادة بعض الشيء، ترتدي حجاب رأس يخفي شعرها الأسود الطويل الجذاب، عيونها بُنية وأهدابها كثيفة، تعمل كطبيبةٍ نفسية.

_____________________

____________

كانت تشاهد التلفاز بهدوء لكنها تذكرت تاريخ اليوم فجأة فأدركت الكارثة الذين هم على شفا حفرةٍ من الوقوع فيها، حسنًا أقتربت نهايةُ الشهر وأبنها ليس موجودًا وكان من المفترض أن يعطي أموالًا لأبيه يوم أمس، ماذا تفعل هي.. هي تتصبب عرقًا خوفًا من أن يأتي طليقها ويؤذيها أو يؤذِ أبنتها، تذكرت حين كان يضربها لإجل الأموال ويضرب أطفاله وهم صغارًا دون شفقةٍ أو رحمة، هو فقط يجلس في البيت وزوجته تعمل وتحضر له الأموال لا غير ذلك.

«قبل خمسة عشر عامًا»

عادت من عملها وهي مُتعبة وخائفة.. لا بل هي ترتجف من شدة الهلع، لم تستطع الحصول على أموالٍ اليوم وينتظرها جحيمها المعتاد في البيت، طرقت باب البيت ليُفتح بعد ثوانٍ قليلة وهو يُمعن النظر في وجهها بإشمئزاز، هتف زوجها اللعين بنفاذ صبر حين طال صمتها:

_ فين الفلوس؟؟

نكست رأسها أرضًا بخوف فصرخ مجددًا في وجهها بنفس الجملة فدمعت أعينها رغمًا عنها ونطقت بنبرة مبحوحة من أثر البكاء:

_ معرفتش اجيب فلوس انهارده والله.. هجيبلك بكرا صدقـ..

سحبها إلى داخل البيت وأغلق الباب وصفعها عدة مرات وهي لا حول لها ولا قوةً تبكي في صمت، أما الطفلان فكانا يبكيان على بكاء أمهم ولم ينتهي والدهم من ضربها بقسوةٍ وصفعها إلا حين نزفت من أنفها وفمها وأكمل قسوته في أطفاله حين أمسكهم وصفعهم وضربهم بقسوة وقلبٍ متحجر.

صدح صوت جرس الباب يعلن عن وجود أحد ما خلف الباب فأفاقت من ذكرياتها المؤلمة وأنتفضت بينما تعجبت أبنتها كثيرًا من خوفها وما إن اطمئنت لعودتها إلى طبيعتها فتحت الباب فوجدت أبوها في وجهها يبتسم بشر وهتف بحب أبوي مصطنع:

_ لينا حبيبتي وحشتيني.. بقالي كتير مشوفتكيش بس الصراحة مكنتش عايز اشوفك.

تراجعت "لينا" إلى الوراء بخوف فهدر في وجهها بصوتٍ مرتفع أخافها هي و والدتها:

_ الـفـلـوس مـوصـلـتـنـيـش لــيـه زي كـل شـهـر؟؟ شكلك وحشتك أيام زمان يا ليلى.

أنهي حديثه بخبث بعدما لمح طيف طليقته خلف أبنتها تدمع أعينها بخوفٍ منه، هي تتمنى في داخلها أن يمر اليوم على خيرٍ لا أكثر حقًا.. لكن كيف الخير يأتي والشر بأكمله في بيتهم؟!

أرتفع صوت "لينا" وهي تتحدث بدلًا عن والدتها بنبرةٍ قوية، هي تكرهه وتكره وجوده أمامها وتخاف منه وتريد التخلص منه بأي طريقةٍ وبأقل الخسائر:

_ ليل مش موجود.. هيرجع بكرا وهيبعتلك فلوسك.

أقترب منها بثبات قتلها في محلها وسحبها من ذراعها بعيدًا عن والدتها وتحدث بنبرة متعجرفة:

_ طلعلك صوت يا لينا، ده أنتِ مكنتيش بتعملي حاجة غير أنك تعيطي لما تشوفيني.. بس وماله.. أنـا مـش هـمـشـي مـن هـنـا غـيـر بالـفـلـوس فـاهــمـين؟

صرخ فيهم ثانيةً فأستجمعت "ليلى" شجاعتها وهتفت بثبات:

_ مفيش فلوس هنا الفلوس مع ليل، مفهمتش كلامنا صح؟ غور يا عبد الرحيم قبل ما أصوّت وألم عليك الناس وفلوسك هتاخدها بكرا ياكش نخلص منك بقى.

ترك أبنته وأقترب منها وهمس بجانب أذنها بنبرة أرعبتها:

_ وأنتِ عارفة المعاد اللي باجي فيه، طول ما أنتِ بتديني الفلوس في وقتها هتخلصي مني، لكن كدا هفضل طول عمري وراكوا لحد ما اقتلكوا بإيدي كمان علشان أخد كل اللي معاكوا.

أنهى حديثه وقهقه بشر وأمسك طليقته من رقبتها وضغط عليها ليحاول خنقها فصرخت أبنتها تحاول لفت إنتباه المارة في الشارع لينقذوهم دون جدوى.

لكنها توقفت عن الصراخ بخوفٍ على والدتها وأمسكت بذراع والدها تحاول إبعاده عنها بشتى الطرق فملّ منها ودفعها بقوة فتعثرت وسقطت وأرتطم رأسها بالحائط بقوة فسالت الدماء على وجهها وفقدت الوعي سريعًا وسمع الآخر صوت الناس يطرقون الباب بعنف فترك "ليلى" لتسقط أرضًا فاقدةً وعيها هي الأخرى من قلة الهواء برئتيها وقفز هو من الشرفةٍ التي لم تكن مرتفعة عن الأرض كثيرًا وفَل منهم.

بينما قام أحد الرجال بكسر باب البيت عليهم وحين رأوهم بتلك الحالةَ أخذوهم إلى أقرب مشفى، أبٌ قاسِ وظالم وأمٌ لا حول لها ولا قوة وأبنةٌ تحاول الصمود لإجل والدتها، لم يحصل على ما يريد فقرر أن يؤذيهم بطريقةٍ أخرى، وها هما الاثنتان وقعتا في براثن شره.. آذاهم دون رأفة.

⤾ الـڪـاتـبـة: 💐 𝑴𝒂𝒓𝒊𝒂𝒎..♡

↯مـمـلـكـة الـخَـيْـلان♡

𝐾𝑖𝑛𝑔𝑑𝑜𝑚 𝐾𝒉𝑎𝑖𝑙𝑎𝑛..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مـمـلـكـة الـخَـيْـلان

المؤلف Mariam Essam
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (18)
الفصل 0: _المقدمة_
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الأول «يكادُ يُجنّ»
2025/10/19
الفصل 2: الفصل الثاني «البشريُّ المُنتَظر؟»
2025/10/19
الفصل 3: الفصل الثالث «اِنهيار المملكة !!»
2025/10/20
الفصل 4: الفصل الرابع «غـريبة في منزله !»
2025/10/20
الفصل 5: الفصل الخامس «مَكيدة جديدة»
2025/10/20
الفصل 6: الفصل السادس «ألم ينخر عظامه بقوة !»
2025/10/20
الفصل 7: الفصل السابع «أصبح بين الحياة والموت»
2025/10/20
الفصل 8: الفصل الثامن «قد أُعلِنَت الحرب»
2025/10/20
الفصل 9: الفصل التاسع «آذاهم دون رأفه»
2025/10/20
الفصل 10: الفصل العاشر «كالــروحُ الـتائـهة»
2025/11/06
الفصل 11: الفصل الحادي عشر «مسخٌ مُخيف»
2026/01/20
الفصل 12: الفصل الثاني عشر «النور أم الظلام»
2026/01/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر «الشُكر على طريقتها ؟!»
2026/02/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر «نال جزاؤه»
2026/03/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر «قد نَدِم»
2026/03/24
الفصل 16: الفصل السادس عشر «أعقدُ قرانٍ هذا ؟!»
2026/03/24
الفصل 17: الفصل السابع عشر «لم تعُد تشعُرُ بشيءٍ.. أبدًا»
2026/06/17

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة