ليست كل الأشياء الغامضة مخيفة،
فأحيانًا لا يكون الغموض سوى باب يقودنا إلى رحلة جميلة."
كانت الشمس في كبد السماء، ترسل خيوطها الذهبية لتغمر الأفق، وكأنها ترسم طريقًا نحو عوالم مجهولة.
في ذلك الحين، كانت إيلورا تتنقّل بخفة بين أركان مختبر جدّها الراحل؛ ذلك المكان المزدحم بالذكريات، المليء بأغراض مبعثرة، وكتب مهترئة، وصناديق غريبة، كأنها شواهد على حياة عاشها جدّها بين الحلم والاختراع.
وبينما كانت تنقل بصرها بين الأرفف المزدحمة، وقعت عيناها على صندوق خشبي غريب الشكل. صندوق يثير الريبة أكثر مما يثير الفضول، كأنّ فيه سرًا لم يُكتب له أن يُعرف. تقدمت نحوه ببطء، يديها ترتجفان قليلًا، وعيناها تتأملانه بحذر. همست لنفسها:
- ما هذا الصندوق يا ترى؟ ولماذا كان جدي يحتفظ به وكأنه يحرس لغزًا دفينًا؟
مدّت يدها بارتباك ولمست سطحه البارد، فابتسمت ابتسامة صغيرة. كان الفضول أقوى من الخوف. أمسكت به وأخذت تقلّبه بين يديها: كان صندوقا متوسط الحجم، منقوش بنقوش غريبة، يتوسطه قفل ضخم يشبه الحارس الأمين لأسراره.
حاولت فتحه، لكن القفل رفض الاستسلام. تنهدت وهي تقول لنفسها: "لا بدّ من مفتاح." ثم نظرت حولها إلى الفوضى العارمة: كتب متناثرة، مخطوطات قديمة، أشياء عجيبة لا يعرفها سوى جدّها. تمتمت بسخرية خفيفة:
- البحث عن المفتاح أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.
جلست على كرسي خشبي، تضع يدها على خدها، تفكر: "لو كنتُ مخترعًا مسنًا، فأين سأخبئ مفتاحًا كهذا؟" وفجأة، ارتسمت صورة جدها في ذهنها: رجل طويل، بوجه شاحب، شعره الأبيض القصير يتساقط على جبينه، وعيناه يلمع فيهما المرض والعلم معًا. وتذكرت... المفتاح الذي كان يعلّقه دائمًا بسلسلة حول عنقه. عندها، ومضة أمل أشعلت قلبها، لكنها ما لبثت أن انطفأت وهي تهمس: "لكن أين ذهب المفتاح بعد دفنه؟"
وقفت فجأة وقالت:
- يجب أن أسأل أمي.
ركضت إلى أسفل الدرج، تبحث عنها في غرفة الجلوس فلم تجدها. استسلمت لأنفها الذي التقط رائحة شهية قادمة من المطبخ، فاتجهت بسرعة. وهناك، وجدت أمها لارا منشغلة بخفق المكونات، تغني بصوت خافت، ثم وضعت قالب الكيك بالفرن من دون أن تلاحظ دخول ابنتها.
وقفت إيلورا عند الباب، تغمر صدرها بأنفاس ممتلئة بالشوكولاتة، وقالت:
- أمي... ما هذه الرائحة التي تأسر القلب؟
ابتسمت لارا وهي تواصل العمل:
- أعددت لكِ قالب كيك بالشوكولاتة. أعرف كم تحبينه.
ثم التفتت إليها باستغراب:
- ألم تكوني في مختبر جدك؟ ما الذي جاء بكِ؟
اقتربت إيلورا بخطوات حذرة، وقالت بصوت منخفض:
- أريد أن أسألك عن شيء.
- تفضلي يا صغيرتي.
- المفتاح... المفتاح الذي كان جدي يضعه حول عنقه دائمًا، هل تعلمين أين هو؟
تأملتها لارا لحظة، ثم قالت:
- نعم، عندما دفن جدك أعطاني خالك إياه. لم أعرف سبب أهميته، فاحتفظت به في غرفتي.
تألقت عينا إيلورا بلهفة:
- أيمكنني أن آخذه؟
ابتسمت لارا، ثم سألتها:
- ولكن، لماذا؟ هل تعلمين لأي قفل هذا المفتاح؟
ارتبكت ايلورا، حكّت رأسها وقالت:
- لا... فقط كما تعرفين أنني أحب الاكتشافات الغامضة.
ضحكت الأم برقة، ثم قالت:
- ستجدينه في الدرج الثاني من غرفتي.
أسرعت إيلورا إلى الغرفة، وفتحت الدرج الثاني بتوتر. هناك، لمع أمامها مفتاح نحاسي براق، مزخرف بطريقة فريدة كأنه من زمن بعيد. أمسكت به بكلتا يديها وقالت:
- ها أنت أخيرًا... كأنك كنت تنتظرني.
عاد قلبها يخفق بعنف. انطلقت نحو المختبر، لتجد الصندوق كما تركته. وضعت المفتاح في القفل بيد مرتجفة، وأدارته ببطء. أصدر القفل صريرًا حادًا كأنّ الزمن نفسه يتحرك، ثم استسلم وانفتح.
أغمضت عينيها لحظة، تنفست بعمق، ثم فتحت الغطاء. داخل الصندوق، كانت هناك ساعة قديمة، منقوشة بنقوش مطابقة للصندوق، صغيرة الحجم، غريبة الملامح، عقاربها جامدة لا تتحرك. حملتها بحذر، وكأنها تحمل قلبًا نابضًا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت ورقة مطوية، صفراء اللون، برائحة زمن مضى. فتحتها ببطء، تعرّفت على الخط فورًا... خط جدها. بدأت تقرأ بصوت متهدج:
"إيلورا...
كنت أعلم أن الفضول سيقودك إلى هنا.
هذه الساعة ليست مجرد ساعة... إنها آلة للسفر عبر الزمن.
ستعودين بها إلى الماضي، أو تنطلقين بها نحو المستقبل.
وحين ترحلين، سيتوقف الزمن في عالمك حتى تعودي.
لديك ثلاث رحلات فقط... ولكن احذري اذا اضعت الساعة ستبقين عالقة في الماضي الى الابد.
أحبك يا صغيرتي... وداعًا."
تسمرت إيلورا مكانها، الدموع تسيل من عينيها بلا استئذان، مسحتها بابتسامة صغيرة ملؤها العزيمة. قالت بصوت ثابت:
- أخيرًا... سأحقق حلمي. سألتقي عظماء التاريخ، وأعيش بينهم.
وضعت الساعة بين يديها، حدّدت وجهة الزمان والمكان، وضغطت على الزر. نبض قلبها بشدة، ثم غمرها نور ساطع حتى تلاشى كل شيء من حولها.
إلى أين ستقودها هذه الرحلة الأولى؟ ومن ستقابل؟
ذلك ما سيحمله الفصل الثاني...
طبية المستقبل