الفصل الثامن: لقاء الغد

الفصل الثامن: لقاء الغد

12 0

فتحت إيلورا عينيها ببطء، فإذا بها تقف في مكان غريب لم تره من قبل... مكتبة ضخمة تمتد رفوفها حتى السقف، تفوح منها رائحة الورق والحبر، وكأنها معبد للمعرفة. كانت أشعة الشمس تنفذ من نوافذ عالية لتضيء الغبار المتطاير، فيرسم لوحة سحرية أمام ناظريها.

اقتربت بخطوات مترددة من مكتب عريض تتناثر فوقه كتب عديدة، لكن كتابًا واحدًا لفت انتباهها... كان مفتوحًا على الصفحة الأولى، عنوانه "همسات التاريخ". ابتسمت ابتسامة صغيرة للعنوان، ثم تجمّدت ملامحها فجأة حين رأت اسم الكاتبة منقوشًا بخط واضح: إيلورا.

قبل أن تستوعب ما يحدث، انفتح الباب، ودخلت فتاة شابة يعلو وجهها نور الشباب وعينيها حزمٌ وطمأنينة. تقدّمت بخطى واثقة وقالت بصوتٍ يحمل شيئًا من الدفء:

"أهلًا بك يا إيلورا في المستقبل... لا تندهشي كيف أعرفك، فأنا... أنتِ، بعد بضع سنوات. كنتُ في انتظارك، لأنني أعلم تمامًا أنك ستأتين."

وضعت إيلورا الصغيرة يدها على فمها بذهول، وصاحت:

"يا إلهي! أأصبحتُ كاتبة؟!"

ابتسمت إيلورا الشابة وهزّت رأسها:

"نعم... بل وأكثر من مجرد كاتبة."

اقتربت الصغيرة بخطوات حائرة، تسأل بشغف:

"كيف حدث ذلك؟ متى كتبتِ هذا الكتاب؟"

فقالت الشابة وهي تشير للغلاف:

"بعد أن عدتُ من رحلتي لمقابلة نفسي... بدأتُ أكتب قصتي، رحلتي، كل ما مررتُ به. لم يصدق أحد أنها حقيقة، وظنّ الجميع أنها مجرد خيال... لكن الرواية شقّت طريقها للعالم، وجعلتني مشهورة. ومن بعدها كتبت روايات وكتبًا أكثر فأكثر، حتى صار اسمي يملأ الأفق."

أخذت إيلورا الصغيرة نفسًا عميقًا، والدهشة لا تفارق عينيها:

"إذن... سأصبح كاتبة...؟!"

ابتسمت الشابة بحنان وقالت:

"نعم، ستصبحين كاتبة عظيمة. سيكون لديك العديد من الكتب، وستقرئين كلماتك كل يوم وتبتسمين بفخر، لأنك صنعتِ نفسك بنفسك."

ترددت الصغيرة لحظة قبل أن تسأل:

"وهل يعرفك الجميع؟"

ردّت الشابة بثقة:

"بل ويحتفون بك... لقد أصبحتِ مشهورة عالميًا."

سكتت إيلورا الصغيرة قليلًا، ثم بادرت بالسؤال:

"وماذا عن الدراسة؟ هل تركتِها من أجل الكتابة؟"

ضحكت الشابة بخفة وقالت:

"أبدًا... أكملتُ دراستي كما كنتِ تحلمين. دخلتُ كلية الطب، والآن أنا في سنتي الثالثة. لقد جمعتُ بين العلم الذي أردناه منذ الطفولة، والكتابة التي كانت دومًا سرّ قلبي."

أضاءت عينا الصغيرة بفرح طفولي:

"يا إلهي! كلية طب وكاتبة أيضًا... هذا يعني أنك حققتِ كل أحلامي، بل وأكثر."

نظرت إليها الشابة بعينين تلمعان بالأمل، ثم اقتربت منها وهمست:

"حققتُ أحلامك... واكتشفتُ أن الحلم نفسه يمكن أن يكبر، ويمنحك ما لم يخطر لك على بال. لكن... أخبريني، هل اكتشفتِ السر بعد؟"

تراجعت الصغيرة خطوة للخلف، وعيناها تتسعان بدهشة:

"سر؟ أي سر؟ أهو سر الساعة؟ أرجوكِ أخبريني!"

هزّت الشابة رأسها بهدوء:

"لا، لا يحق لي أن أبوح به... عليكِ أن تكتشفيه بنفسك، فالقيمة ليست في المعرفة، بل في الرحلة التي توصلك إليها."

تنهدت الصغيرة بإحباط، ثم قالت:

"حسنًا... سأكتشفه وحدي. لكن، هل تأخذينني في جولة هنا؟ أريد أن أرى المستقبل بعيني."

أمسكت الشابة بيدها برفق وقالت:

"تعالي إذن، سأريك مدينتنا كما لم تتخيليها."

خرجتا معًا تتجولان في شوارع المستقبل... الأبنية شاهقة تلامس السماء، السيارات تحلّق في الهواء، الشوارع نظيفة يملؤها البشر من كل الجنسيات، والاختراعات تحيط بهم من كل مكان. ضحكتا كثيرًا، تبادلا المزاح، وامتلأ قلب إيلورا الصغيرة بسعادة لم تشعر بها من قبل.

وحين حلّ المساء، جلستا على مقعد في حديقة واسعة تلمع أضواؤها بألوان زاهية، فقالت الصغيرة بحزم:

"يجب أن أعود الآن... عليّ أن أبدأ بكتابة روايتي الأولى. لقد فهمت ما عليّ فعله."

ابتسمت الشابة وربتت على كتفها:

"عودي، وابدئي... الطريق أمامك طويل، لكنه يستحق كل خطوة."

"ترى... ما سر الساعة؟ وهل ستكتشفه قريبًا؟ أم أن شيئًا آخر ينتظرها قبل العودة؟"

كل ذلك سنعرفه بالفصل التاسع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

همسات التاريخ

المؤلف طبية المستقبل
2025/10/29 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة