الفصل الثالث: جولة في لندن

الفصل الثالث: جولة في لندن

13 0

سارت إيلورا مع وليام، غير أنّها لم تكن تمشي في طرقات حجرية، بل في بستان أسرار، حيث صارت لندن في عينيها عقدًا من نورٍ منثور على جيد الليل؛ كل لؤلؤة ذكر، وكل ذكر نفَس يفتح أبواب القلب. لم ترَ حجارة ولا أبراجًا، بل رأَت وجهًا من وجوه الحقّ يتجلّى في هيئة مدينةٍ تحتضن الزمان والمكان. كانت حلمًا قديمًا تأنّق بثوب الحضور، تتنفس أنفاس ماضيها عبر شرفاتٍ تشبه منابر الذكر، وتُرسل أنهارها كخيوط فضة تنسج قَدَرًا لا ينقطع. أضواؤها قبساتٌ من أنوار، لا تهدي الأقدام وحدها، بل توقظ القلوب التائهة في متاهة الحياة.

وقفت إيلورا مأخوذةً، وقالت:

- سبحان من جعل في المدن سرًّا يُسكر الأرواح!

ابتسم وليام وقال:

- ليست هذه مدينةً من حجر، بل قصيدة تسكنها الأرواح.

تابعا السير حتى وصلا إلى الأسواق القديمة. فإذا بالسوق نسيج حيّ من الأصوات والألوان، أشبه بحلقة ذكر يختلط فيها النغم مع الرائحة مع النور. الأقمشة الملوّنة بدت أجنحةً لطيرٍ يطير بين السموات، والفوانيس النحاسية تيجانٌ تُضيء كالنجوم. روائح البهارات تسلّلت إلى الروح كما يتسلّل الدعاء في الأسحار، وأصوات الباعة ترددت كأنها أناشيد قديمة تشهد أن الوجود كله سوق، وأنّ الساعي فيه تاجرٌ مع الله.

ثم قادتهم الخطى إلى حدائق لندن، فإذا بها رياض جنة على الأرض. الممرات تلوّت كخيوط حرير أخضر، والأزهار انحنت بخجلٍ كعابدٍ في حضرة الجلال، والورود المتفتحة بثّت عطرها كذكرٍ خفيّ، نشوة صامتة لا تُدركها الحواس بل تشربها الأرواح. أشجار السنديان العتيقة وقفت كأولياء حُكماء، أوراقها تسرد وصايا الماضي، والشمس أرسلت أنوارها كأصابع رحمة تمسح وجه الأرض. وعلى المقاعد، نامت قصص العاشقين، وضحكات الأصحاب، وصمت المتأملين، كأن المكان محرابٌ مفتوح.

قال وليام:

- هذه الجنّة الصغيرة هي ملاذي كل يوم.

فأجابت إيلورا:

- فيها سرّ يأسر الروح!

جلسا معًا، وكان حديثهما انسياب ماء صافٍ:

- سيد وليام، ما الذي يجعلك تكتب؟

- أكتب لأنني لا اريد أكون ظلًا عابرًا. أكتب لأن الحرف عندي حياة أخرى، أثرٌ يبقى حين يطوي الزمن صفحاته. تعلّمت أن النجاح لا يُمنح، بل يُنال بالصبر، مثل السالك الذي لا يصل إلى الحضرة إلا بعد سهرٍ وبكاء.

أطرقت إيلورا خجلاً، فقال وليام:

- أسئلتك حياة للكلمات. بالمناسبة، عندي مسرحية الليلة، هل ترافقينني؟

قالت ايلورا بسعاده:

_نعم، يسرني مشاهدة احد مسرحياتك حيه على المسرح

وفي المسرح، ارتفع الستار كأنه حجابٌ انكشف، فانفتح عالم آخر: الأضواء تجلّت كأقمار صغيرة تهبط إلى القلوب، والممثلون أرواحٌ خرجت من الورق لتجسّد أحوال البشر. لكن السحر الحقيقي كان في النص... كلمات وليام كانت كالذكر الجاري، تتسلّل إلى الصدور وتوقظ النائم فيها. كل جملة جناح نور، كل حوار شعلة تهدي في العتمة. ولما أُسدل الستار، ساد صمتٌ كخشوع المصلين، قبل أن ينفجر التصفيق كالمطر على أرض عطشى.

همست إيلورا والدمع يلمع في عينيها:

- لم أرَ عرضًا يُحيي القلب هكذا.

فقال وليام:

- يكفيني أنكِ وجدتي فيه حياة.

ومع حلول الليل، عادت مع وليام إلى البيت. هناك استقبلتهم سوزانا بمحبةٍ كأنها دفء الأم. تحدّثوا، حتى غلبهم النعاس فناموا .

وفي الصباح، نهضت إيلورا وقد عقدت عزمها على الرحيل إلى زمنها. وبعد ان ودعت وليام وسوزانا، مدت يدها إلى جيبها تبحث عن الساعة التي تحمل سرّ العودة... فلم تجدها. ارتجفت أنفاسها، كأنما فقدت بوابة الرجوع. قالت مرتجفة:

- أين الساعة؟انا لا اجدها! هل سأظل عالقة هنا إلى الأبد؟

فانطفأت الكلمات في الهواء، كصرخةٍ معلّقة بين الأرض والسماء.

ذاك ما سيُكشف في الفصل الرابع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

همسات التاريخ

المؤلف طبية المستقبل
2025/10/29 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة