ليس كل كاتب يكتب من أجل الشهرة، فالكثيرون يختبئون خلف الكلمات هربًا من واقعٍ قاسٍ لا يعرف الرحمة، يلملمون حروفهم كالأسلحة أمام صمت العالم.
كان الهواء في لندن تلك الليلة يقص أعصاب المدينة الباردة، يلف الأزقة الضيقة برائحة الخشب المشتعل والدخان المتصاعد من المدافئ، تغيب طيور الصباح لتحل محلها همسات الأرصفة الباردة، خطوات تردد صدى الحكايات القديمة على حجارة مرصوفة منذ قرون، وكأن الزمن كله يهمس لمن يجرؤ على الاستماع. في قلب هذه المدينة التي تنبض بأسرارها، وقفت إيلورا أمام مبنى خشبي قديم، نوافذه تتلألأ بأضواء الشموع الخافتة كنجوم صغيرة تصنع فضاءً سحريًا، والمسرح يبدو كأنه يتنفس انتظارها، يحبس أنفاسه كأنه يعرف أن شيئًا عظيمًا سيبدأ مع لحظة دخولها.
اقتربت بخطوات يعتصرها الفضول، ينبض قلبها كما لو كان يكتب نبضة كل ثانية، وعيناها تتلمسان المكان بذهول متحسس كل زاوية، خشبة المسرح ترتفع قليلاً كما لو أنها تنحني تحت وزن التاريخ، أضواء الشموع الخافتة تتراقص على الجدران لتصنع لوحات حية من الظل والنور، خلفية المسرح مزخرفة بنقوش حية كأنها تتنفس ذكريات كل من وقف على هذه الخشبة قبل قرون، والكراسي الخشبية المتراصة تصدح بصدى ضحكات الجمهور وهمهماتهم، ورائحة الخشب والدخان والشموع تعانق الحواس، تجعل الحاضر يتوقف ليصبح جزءًا من حكاية قديمة تتردد بين جدران المسرح.
هناك، على خشبة المسرح، عُرضت مسرحية لوليام شكسبير، حلمها الذي انتظرته أعوامًا طويلة، أن ترى كلمات هذا الشاعر تتجسد أمامها في جسد الحياة. بعد انتهاء العرض، لمحته يقف خلف الستار، رجلاً طويل القامة، كأن قامته تمتد لتلامس أفق الأحلام، وجبهته العالية كصفحة تنتظر كتابة أفكار الخلود، عيناه الغائرتان تحملان مزيجًا من دهاء الحياة وسحر الكلمات، شعره القصير بين خيوط فضية يروي سنوات من تأمل وكتابة، وشاربه ولحيته القصيرة كوشاح هادئ يضيف وقارًا لشاعر عاش بين المسرح والحلم، وسترته الداكنة وياقته البيضاء المطرزة بالدانتيل تمنحه مزيجًا من حضارة العصور ورقة الروح الأدبية. اندفعت نحوه بحماس، لكن الوقت كان قد فات... لقد خرج من المسرح كما يهرب الضوء قبل الغروب.
ركضت خلفه حتى وصلت إلى منزله، منزل خشبي قديم يهمس بجدرانه الداكنة بأسرار الزمن، الطلاء المتقشر يحكي عن عمر طويل حافل بالكلمات والتأمل، والنوافذ الملونة تتلألأ عند انعكاس الشموع كعيون صامتة تراقب كل خطوة للزائر، المدخل الضيق يفتح على صالة مليئة بالكتب والمخطوطات المبعثرة، كل زاوية منها كحكاية مختبئة، الأثاث الخشبي بسيط لكنه يحمل روح التأمل والفكر، ورائحة الورق والشموع تعانق الداخلين لتجعلهم يعيشون دفء الزمان الماضي.
فتحت لها سوزانا الباب، فتاة رقيقة، شعرها البني الفاتح ينساب كخيوط الذهب عند الغروب، عيناها العسلية تتوهجان بالفضول والبراءة، ابتسامتها الناعمة ووجهها المشع بالدفء كزهرة تتفتح في بيت شاعر، ولباسها خفيف وهادئ الألوان يعكس روحها الحية والمتألقة، كل خطوة من خطواتها كأنها نغمة موسيقية صغيرة تعزفها الحياة برقة وهدوء.
- من أنت؟
- هل السيد وليام هنا؟
- أبي؟ نعم، هو في الداخل، ولكن ما الذي تريدينه منه؟
- أريد أن أتحدث معه في أمر مهم جدًا.
- ما هو هذا الأمر؟
- لا أستطيع أن أخبر أحدًا سوى السيد وليام.
- حسنًا... أبي، هناك فتاة تريد التحدث معك.
- حسنًا، سوزانا، اهلا وسهلا بها، ادخليها إلى الداخل وانا آتٍ بعد لحظات.
دخلت إيلورا وجلست تنتظر، تنظر حولها لكل كتاب وكل مخطوطة كأنها ترى التاريخ حيًا، حتى دخل وليام، رفعت رأسها باحترام وقالت:
- أهلاً بك، سيد وليام.
- ما الأمر الذي تريدين الحديث معي بشأنه؟
- سأخبرك، لكن هل ستصدقني؟
- إذا كان الأمر معقولًا، فسأصدقك.
- حسنًا، سأخبرك الحقيقة.
- تفضلي.
- أنا من زمن آخر.
- ماذا؟!
- أنا آتية من عام 2024.
- كيف ذلك؟
- قصة طويلة جدًا.
- احكيها، أنا أستمع.
روت له إيلورا قصتها منذ أيام مختبر جدها وحتى وصولها إلى منزله.
- هذا شيء عجيب، آلة للسفر عبر الزمن!
- نعم، والآن أطلب منك أن أُقيم معك ثلاثة أيام فقط، ثم أعود إلى الحاضر.
- أهلاً بك إذًا، ولكن... لماذا أنا؟ ولماذا اخترت هذا المكان وهذا الزمان؟
- أردت أن ألقاك.
- أنتِ تلتقين بي؟
- نعم، فأنت لا تعرف كم أنت مشهور في زمننا، لقد أصبحت كاتبًا عظيمًا.
- هل تمزحين؟
- لا، لا أمزح، أنت حقًا كاتب مشهور جدًا.
ابتسم وليام بفخر ورضا.
- سوزانا، تعالي واصطحبي ضيفتنا إلى غرفتك، ستنام معنا الليلة.
- حاضر يا أبي، تفضلي معي.
- شكرًا لك على حسن الضيافة، يا سيد وليام.
- لا شكر على واجب.
- سيد وليام، هل يمكنني أن أسألك بعض الأسئلة عن كتبك غدًا؟
- نعم، يمكنك، لكن الآن قد تأخر الوقت، اذهبي للنوم.
- حاضر.
ذهبت إيلورا مع سوزانا إلى الغرفة، غرفة متوسطة الحجم، سرير كبير يحتضن الأحلام، مكتب صغير للدراسة يحمل كتابًا يبدو أن سوزانا كانت تغوص فيه، ألوان الغرفة مبهجة ودافئة، كل زاوية تحكي حكاية صغيرة، وكأن الغرفة نفسها تهمس بالقصص. قالت سوزانا:
- تفضلي، ستنامين معي هذه الليلة.
- شكرًا لكِ يا سوزانا.
- ما اسمك؟
- اسمي إيلورا.
- إيلورا؟ اسم غريب لكنه جميل، كأنه هارب من زمن آخر.
- هو كذلك.
- كيف؟ لم أفهم.
- أنا من زمن آخر.
- أتمازحينني؟
- لا، أنا أقول الحقيقة.
- لكن... كيف يمكن أن يكون ذلك حقيقيًا؟
- سأخبرك قصتي، وأعتقد أنك ستصدقينها بعد أن أحكيها.
سهرت الفتاتان حتى منتصف الليل، إيلورا تحكي وسوزانا تستمع بدهشة، المدينة القديمة حولهما تغفو تحت سماء لندن الغامضة، تاركة أسرار الزمن للحكاية التي بدأت للتو، حيث الكلمات تصبح جسورًا بين الماضي والمستقبل
طبية المستقبل