البارت الثالث 🦋

البارت الثالث 🦋

23 0

استيقظ "ساجد" على وقع لهثه المتسارع، جسده يرتعش تحت طبقة من العرق البارد.

التفت بعينين واسعتين نحو "رسلان" الجالس بجانبه، الذي كان يراقبه بقلق واضح. لم يكد يستوعب انتقاله من عالم الكوابيس إلى الواقع حتى سرت رعشة أخرى في أوصاله، مصحوبة بأنين مكتوم يعلو وينخفض مع كل نفضة. فزعًا من تلك الحالة، قفز "ساجد" من فراشه بسبب الكابوس.

ليجلس "رسلان" بجانبه على الفور ويضع يده على كتفه برفق، يسأله بصوت هادئ:- "أنت كويس يا ساجد؟"

تكونت الدموع في عينه وهو يهز رأسه بنفي ويقول: "ل..ا لا أنا خايف ي..ا رسلان أوي."

"رسلان" وهو يعانقه بقوة: "متخافش أنا معاك. أنت خايف من إيه؟"

تجمعت الدموع في عيني "ساجد" المهزوزتين وهو يهز رأسه بالنفي، هامسًا بصوت مرتعش: "أ.. أنا خايف منه.. منه هو ب.. بيكرهني أ.. الكل بيكرهني."

ارتسمت الصدمة على وجه "رسلان" وهو يقول بذهول: "لا طبعًا أنت بتقول إيه؟ مفيش حد بيكرهك."

خفض "ساجد" نظره إلى الأرض، وكأن عينيه تبحثان عن إجابة مؤلمة: "أنت كمان هتكرهني زيهم صح؟ أنا معملتش حاجة والله."

رفع "رسلان" كفه بحنان ووضعها على وجه "ساجد"، نافيًا بقوة: "مستحيل أنا مستحيل أكرهك. أنت أخويا الوحيد متعرفش أنا بحبك قد إيه."

تغرغرت عينا "ساجد" بالدموع مرة أخرى وهو يسأل بعتاب : "طيب سبتني ليه؟ أنا كنت خايف من غيرك."

انحدرت دمعة حارة على خد "رسلان" وهو يقول بأسف عميق: "آسف والله غصب عني. هما انفصلوا بابا أخدك وماما جابتني هنا غصب عني. أنا كنت عايز أفضل معاك أنت وبابا مكنتش عايز أفضل هنا بس ماما رفضت."

تعلقت نظرات "ساجد" بعينيه المليئتين بالدموع وهو يتمتم: "هو كان ب.. بي..."

تنهد "رسلان" بثقل، ودموعه تنهمر بغزارة أكبر: "هو كان بيحبك صح؟ أنا كنت عايز أكون مع بابا هو أكيد كان بيعمل كل حاجة حلوة ليك."

تبدلت عينا "رسلان" بنظرات حادة وهو يقول بحدة: "أ.. أنا مش عارف مين عمل كدا. أنا عارف إنك زعلان وعشان كدا خايف بس أنا هدفع اللي عمل كدا التمن غالي."

نظر "ساجد" إلى "رسلان" برعب متزايد وهمس بصوت خافت: "هـ... هو..."

مسح "رسلان" دموع "ساجد" بحنان مصحوب بغضب مكبوت: "اللي عمل فى بابا كدا هتكون حياته جحيم. هيكون الموت محاوطه بس مش هيلاقيه من عذبي ليه."

ابتعد "ساجد" عن "رسلان" بفزع واضح، فتبعه "رسلان" بنظرة متعجبة ثم اقترب منه بحذر وقال بصوت حنون:- "متخافش أنا جنبك مش هيحصل لك حاجة طول ما أنا معاك. أنت الحاجة الوحيدة اللي فضلت ليا منه مش هبعد عنك أبدًا متخافش..!"

ابتسم "ساجد" بوهن وعينيه دامعتين، وأومأ برأسه بصمت.

احتضن "رسلان" رأسه بحب عميق وحنان بالغ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بالاسفل *

جلست "رقية" قبالة "حسن" في صالة المنزل، تحدق فيه بتركيز وهي تسأله بنبرة مضطربة: "كده يا حسن، ساجد هيعيش معايا مش كده؟"

هز "حسن" رأسه بهدوء مؤكدًا: "أيوه، ومش هيبعد عنك تاني."

ابتسمت "رقية" للحظة، لكن سرعان ما عاد القلق ليخيم على ملامحها وهي تسأل: "طيب والشرطة والقضية؟"

احتضن "حسن" كف أخته برفقٍ وقال بصوت حنون: "رقية حبيبتي متخافيش، أنا موجود. ساجد مستحيل يحصله حاجة، هو هنا في أمان. القضية لسه مفتوحة لغاية ما نعرف مين القاتل. وبعدين، ساجد طفل وملهوش دعوة في حاجة، متخافيش."

تجمعت الدموع في عيني "رقية" وقالت بصوت مهزوز: "ربنا يخليك لي، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."

رد "حسن" بابتسامة حنونة: "ويخليكي لي."

تنهدت "رقية" بعمق وقالت بأسف: "كل اللي حصل ده بسببي، بسبب غبائي وحبي له. كنت زمان دلوقتي مفيش حاجة حصلت من ده كله. أنتو عرفتوني إني بغلط بس ما سمعتش كلامكم وهربت معاه، بس طلع أسوأ إنسان في الدنيا. أنا بكرهه، بابا ما سامحنيش للوقت ده بسببه، كنت غبية أوي أوي."

نهض "حسن" وجلس على ركبتيه أمامها، ممسكًا بيديها وقال بصوت هادئ: "رقية حبيبتي، كفاية اللي حصل خلاص حصل، وبكرة بابا هيسامحك. المهم إنك عرفتي حقيقته ورجعتي لينا تاني."

هزت "رقية" رأسها وشكرت الله قائلة: "الحمد لله، بس أنا خايفة على ساجد، حاسة إنه مش كويس، ومش عارفة رافت كان بيعمل فيه إيه."

نفي "حسن" قائلًا بثقة: "متخافيش، بكرة كل حاجة هتبقى كويسة، ساجد هيكون كويس."

رفعت "رقية" عينيها إلى السماء تدعو: "يارب ورسلان يعقل."

قال "حسن" بقلق واضح "رسلان طفل مش سهل يا رقية، أوقات بحس إنه أكبر من كده."

توسعت عينا "رقية" بالخوف وقالت: "أنا خفت من كلامه، هو عايز ينتقم يا حسن."

قال "حسن" بضيق: "متخافيش يا رقية، بقى احنا منعرفش مين اللي عمل كده يعني رسلان ميقدرش يعمل أي حاجة، اهدي."

أكدت "رقية" كلامه: "معاك حق، ربنا يستر."

ابتسم "حسن" قائلًا برجاء: "يارب."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور أيام ثقيلة، كان "ساجد" لا يزال حبيس غرفته، وعيناه زائغتان تتجولان في الفراغ بشرود عميق. سنوات طويلة من الألم تركت ندوبًا عميقة في روحه، لكن بصيصًا خافتًا بدأ يتسلل إلى حياته مؤخرًا، شعور دافئ بالحب يحيط به للمرة الأولى. تمنى بقلبه الصغير أن يدوم هذا الأمان الذي طال انتظاره، لكن ظلال الماضي كانت لا تزال تخيم بثقل على ذهنه. استعاد في ذاكرته الأيام الحالكة التي قضاها بين يدين والده، ذكريات مريرة كانت بمثابة جحيم يعيشه طفل صغير، سؤال واحد يتردد في أعماقه بمرارة: "ما الذي اقترفته لأستحق كل هذا العذاب؟

خطت "رقية" إلى الداخل، وقلبها يخفق بحزن ثقيل. نظرت إلى "ساجد" الجالس بجمود، هالته من الحزن والقلق المكتوم. اقتربت منه بحذر وجلست بجانبه، لكنه ظل أسيرًا في صمته، لا يبدي أي انتباه لوجودها. لم تستطع مقاومة رغبة الأمومة الملحة، فلامست خصلات شعره الداكن برفق.

فجأة، انتفض "ساجد" كمن لدغته أفعى، وتراجع بفزع شديد، عينيه ترمقانها برعب لم تفهمه.

تجمدت ملامح "رقية" للحظة، ثم همست بصوت حنون: "ساجد حبيبي، مالك؟ أنا ماما."

حدق "ساجد" بها بعينين مذعورتين، وشفتيه ترتجفان بصعوبة: "م.. مفيش."

مالت "رقية" نحوه بقلق متزايد، صوتها يقطر حنانًا: "ساجد، أنت كويس؟ مالك يا قلبي؟ اتكلم...".

أجابها "ساجد" بصوت خافت مرتعش، وعيناه مثبتتان عليها بريبة "م.. مفيش يا ماما، أنا بخير".

حدقت "رقية" فيه بشك عميق، ومدت يدها تتحسس وجنته الباردة: "ساجد، أنت خايف مني؟".

هز "ساجد" رأسه نافيًا ببطء، ودموعه بدأت تترقرق في عينيه: "ل.. لا".

رفعت "رقية" ذقنه برفق، تجبره على النظر إليها مباشرة: "ساجد، امال خايف ليه كدا؟".

تلاقت عيناهما للحظة، ثم أدار "ساجد" بصره نافيًا : "أنا مش خايف. فين رسلان؟".

تنهدت "رقية" بحزن خفي: "هو بياخد دش، تحب تأخد أنت كمان؟".

انتفض "ساجد" بحماس مصطنع واتجه بخطوات سريعة نحو خزانة الملابس: "أيوه، أخد".

ابتسمت "رقية" ابتسامة باهتة، وبدأت تتفحص ملابسه: "إيه رأيك في ده؟" أخرجت قميصًا رماديًا ناعمًا وبنطالًا قطنيًا أسود.

هزّ "ساجد" رأسه بالموافقة الصامتة: "ماشي".

حاولت "رقية" إخفاء قلقها وراء ابتسامة واسعة: "طيب تعال أساعدك في تغيير هدومك".

تراجع "ساجد" بخطوات متثاقلة، وهو يضمّ الملابس إلى صدره بخوف واضح: "ل.. لا، أنا بعرف أساعد نفسي."

نبرة حزينه خافتة تسللت إلى صوت رقية: " متخفش يا قلبي، أنا مش هعمل حاجه، هساعدك بس".

تشبّث "ساجد" بالملابس التي بين يديها، وكأنها طوق النجاة: "لا، أنا بعرف أعمل لنفسي".

نظرت إليه "رقية" بعينين متسائلتين: "ساجد، ليه مش عايزنى أساعدك؟".

نظر إليها "ساجد" بدموع يائسة وهمس: "أ.. أنا م.. مش عايز".

تسرب القلق البارد إلى قلب "رقية"، وهي ترى هذا الرعب المستحكم في عيني ابنها: "خلاص يا حبيبي، براحتك. ادخل لوحدك، وأنا هستناك هنا، ماشي؟".

"ساجد" رأسه بصمت مطيع، ثم انسحب إلى الحمام، تاركًا وراءه فراغًا مقلق وتساؤلات مريرة في قلب أمه

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*انزلق ساجد إلى الحمام، وببطء تخلص من ثيابه المثقلة بالذكريات الأليمة. ارتجف بصره وهو يحدق في انعكاسه المشوه في المرآة، آثار التعذيب والحروق تصرخ بصمت على جسده. رعب بارد تسلل إلى أوصاله، ودموع حارة أبت إلا أن تنهمر. مد يده المرتعشة ببطء وتلمس الندوب برفق، كل لمسة تستدعي وجعًا خفيًا وتزيد عينيه امتلاءً بالدمع والحزن العميق.

.

خلف الباب المغلق، كانت "رقية" تجلس كتمثال للحزن، عيناها مثبتتان على الصمت المطْبِق. قلبها يعتصر ألمًا على حال صغيرها الغائب الحاضر، الفجوة التي اتسعت بينهما بمرور الأيام والليالي القاسية.

دمعة حارة شقت طريقها على خدها الشاحب، فمسحتها بسرعة مع خروج "ساجد" من الحمام، وقد ارتدى ملابسه بترتيب يوحي بالهدوء الظاهري.

ابتسمت "رقية" بوهن، ونظرت إليه بعينين تفيضان بالحب المكبوت وقالت بصوت خفيض:: - طيب ممكن اسرح شعرك مرة واحدة.

تردد "ساجد" للحظة، نظراته شاردة، ثم هز رأسه ببطء، وكأنه يستسلم لرغبة دفينة: "ماشي."

شعرت "رقية" بنبضة فرح خافتة وهي تقترب، تلامس أناملها شعر ابنها المبلل، ودموعها تنساب بصمت وهي تستنشق رائحته المألوفة التي حرمت منها طويلاً. وما هي إلا لحظات حتى استسلم "ساجد" لنوم عميق، وأمه جالسه بجواره، تحدق فيه بشوق ممزوج بالحزن والراحة المؤقتة..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أربع سنوات، كانت حياة "ساجد" تدور في فلك محبة عائلته وحنانها الغامر. متفوق في دراسته كعادته، متصدرًا صفوف المتفوقين، محافظًا على هدوئه وطيبته الظاهرة. لكن محاولاته المضنية لنسيان الماضي كانت تتكسر على صخرة الكوابيس الليلية، التي كانت تعيده بلا رحمة إلى جحيم الذكريات.

كان "رسلان"، رفيقه الدائم، ملازمًا له كظله، يفيض عليه بمحبة تفوق الوصف، مستعدًا للتضحية بأي شيء من أجله. وفي المقابل، كان قلبه يخفي نارًا مشتعلة بحثًا عن أي دليل يقوده إلى قاتل والده.

أما "ساجد"، فكان مجرد ذكر هذا الاسم يثير في روحه فزعًا عميقًا، يتضاعف خوفًا من اكتشاف "رسلان" للحقيقة وما قد يترتب على ذلك من كراهية.

> خلال تلك السنوات، سعت الأم جاهدة للاقتراب من "ساجد"، محاولة اختراق حجاب الصمت الذي يلف كوابيسه الليلية وخوفه المتزايد...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان "ساجد" منكبًا على كتبه حين دلف "رسلان" إلى الغرفة، ملامح وجهه تشع سعادة. جلس بجواره وضمه بحرارة، هامسًا: "ساجد، وحشتني. بتعمل إيه؟"

ابتسم "ساجد" بهدوء: "بذاكر."

تذمر "رسلان" بمودة:: " بتذاكر إيه؟"

رفع "ساجد" حاجبه قليلًا: "ياباني."

اتسعت عينا "رسلان" دهشة: "يا.ياباني ود بيتذاكر إزاي بقى؟"

ضحك "ساجد" بخفة "أنت فاشل يا رسلان."

تمدد "رسلان" على الفراش بتكاسل: "يا عم أنا طلعت من الإعدادية بالعافية."

قهقه ساجد: "يبقى متسألش أحسن."

أكد "رسلان" بجدية مصطنعة: "أنا قولت كده برضو، دي حاجات محرمة علي... بس قول لي أنت طلع لمين كده؟"

نظر إليه "ساجد" باستغراب: "كده إزاي؟"

حدق "رسلان" فيه بتفكير: "كده ذكي يعني.المخ الألماظ ده منين "

ضحك ساجد: "اكيد مش منك."

تفاخر "رسلان" بثقة: "نو يابيبي أنا مفيش زيي طبعاً"

قال "ساجد" بابتسامة باهتة: "أكيد لماما."

انفجر "رسلان" ضاحكًا: "ماما مين يا أخي؟ أنت ماما بتفك السطر بالعافية، قال ماما قال."

ضحك ساجد: "والله معندكش دم."

ضحك "رسلان" مؤكدًا: "عارف، قول بقى."

نفى "ساجد" ببراءة مصطنعة: "مش عارف والله."

حدق "رسلان" فيه باستغراب: "غريبة، بحس إنك أكبر من سنك، ذكي بطريقة غريبة..."

نظر إليه "ساجد" بذهول: "مش فاهم..."

عض "رسلان" على شفته السفلى بانزعاج طفيف وقال:: "مش مهم... صح، أنا مبسوط أوي."

أمسك "ساجد" بكأس الماء، وعيناه تراقب "رسلان" بشك خفي:: "ليه مبسوط؟"

"رسلان" وهو ينظر إلى "ساجد" بفرحة: "أنا قربت أوصل للي عمل كده في بابا."

ارتجفت يد "ساجد" فجأة، وانزلق كأس الماء من بين أصابعه ليتحطم على الأرض ارتسم الرعب على وجهه وهو يحدق في "رسلان".

اقترب "رسلان" منه بقلبٍ يخفق قلقًا وهمس: "ساجد، أنت كويس؟ رد عليا، حصل حاجة؟"

تلعثم "ساجد" بصوت مرتعش: "أ... أنا كويس، أ... أنت عرفت مين؟"

أزاح "رسلان" قطع الزجاج المتناثرة بقلق وقال: "تقريبًا، أصلي عندي واحد صاحبي والده شغال في الشرطة وقال إنه هيساعدني."

اتسعت عينا "ساجد" ذعرًا وهو يسأل بصوت يكاد لا يُسمع: "ه... يساعدك إزاي؟"

نفى "رسلان" بحزم: "معرفش، بس كل اللي أعرفه إني هلاقي اللي عمل كده وهنتقم منه."

نظر "ساجد" إلى أخيه بتردد وقلق واضح في عينيه: "رسلان، هو لو و... واحد قريب منك عمل ك... ده ه... تعمل إيه؟"

لمعت عينا "رسلان" ببريق قاسٍ وهو يجيب بحدة: "مش هرحمه يا ساجد، مهما كان مين هو، خد أبويا مني."

عاد "ساجد" بنظره الشريد إلى كتابه هامسًا بفتور: "طيب."

رفع "رسلان" حاجبه متعجبًا: "أنت هتذاكر تاني ولا إيه؟"

هز "ساجد" رأسه بصمتٍ مبهم.

استغرب "رسلان" من ردة فعله وسأله بقلق: "إيه اللي حصلك انت تعبان؟"

نفى "ساجد" بسرعة "مفيش، عندي واجب لازم أعمله ضروري."

ودعه "رسلان" وهو يتجه نحو الباب:: "ماشي، وأنا عندي شغل سلام."

بعد أن أغلق "رسلان" الباب خلفه، انكمش "ساجد" على فراشه، ضامًا ساقيه إلى صدره، بينما استبدل به خوف عميق من المجهول القادم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

داخل ظلمة غرفة "ساجد"، كان يتقلب في نومه المضطرب، جسده ينتفض يمينًا ويسارًا، وقطرات العرق البارد تتصبب من جبينه. كان يتمتم بكلمات غير مفهومة، وصدره يعلو ويهبط بصعوبة، كأن هناك من يقطع أنفاسه.

فتحت "رقية" الباب بخوف بعد أن سمعت أنينه المكتوم، وهرعت إليه تهز كتفه برفق وقلق وهي تناديه بصوتٍ مرتعش:: "ساجد حبيبي، فوق... ساجد قوم."

كان "ساجد" يئن في نومه بكلمات غريبة: "ابعد عني، ابعد لاااا مش عايز أبعـــد."

نظرت إليه "رقية" برعب متزايد وهو يهذي: "مش عايزك، عايز ماما، ابعد بكرهك."

تجمعت الدموع في عيني "رقية" المذعورتين بينما كانت تهز كتف "ساجد" برفق محاولة إيقاظه، وهمست بصوت خافت مرتجف: "لا لا ر... رسلان، لا ابعد."

انتفضت "رقية" فجأة وتسعت عينيها بذهول، لتنطلق منها صرخة مكتومة وهي تسمع تمتمات ساجد: "بـــااابــاا، اصحه قوم، أ.اناااا آسف، آسف، قوم يااابابا."

كان جسد "ساجد" ينتفض بتقلبات مؤلمة، وكأن كابوسًا جاثمًا على صدره، حتى انكشفت آثار كدمات وبقع داكنة تزين جسده النحيل.

تجمدت أنفاس "رقية" وهي تحدق في تلك العلامات المروعة، رفعت يدًا مرتعشة مثقلة بالدموع، وتناولت طرف قميصه ببطء ورعب، لتنكشف بشاعة المنظر كاملاً.

فزع "ساجد" من نومه العميق، ليطلق صرخة مكتومة ممزوجة بالرعب والألم: "بابا!"

نظرت إليه "رقية" بفزع بينما كان "ساجد" ينظر حوله بعينين زائغتين، يحاول بتوتر ترتيب ملابسه المبعثرة، وسأل بصوت مهزوز: "ماما ب... بتعمل إيه هنا؟"

تدافعت الكلمات المتقطعة من بين شفاه "رقية" المرتجفة "ه... هو كان بيعمل إيه فيك؟"

تلعثم "ساجد"، وعيناه تائهتان:- "ه... هو مين؟"

انفجرت دموع "رقية" على خديها وهي تجيبه بصوت مخنوق: "أبوك."

هز "ساجد" رأسه بنفي سريع، وهمس بصوت واهن: "و... ولا حا...جة."

هزت "رقية" كتفه بعنف وهي تصرخ بهستيريا: "أنت كذاب! إيه اللي على جسمك ده؟ هو اللي عمل فيك كده، ص... صح؟ رد!"

هز "ساجد" رأسه نافيًا مرة أخرى، لتصرخ "رقية" بمرارة ودموع غزيرة: "أنت اللي قتلته!"

انتفض جسد "ساجد" فجأة، وتراجع إلى الخلف بذعر، وعيناه تتسعان برعب: "ماااما هـــوو..."

ارتفع نحيب "رقية" إلى شهقات مؤلمة: "رد! أنت اللي عملت كده، أنت قتلته!"

انهار "ساجد" وجلس على ركبتيه أمامها، وعيناه دامعتان: "أ... أيوه أنا... أنا اللي عملت كده يا ماما، أنا اللي قتلته، أنا قتلته أبويا أنااااا!"

صرخت "رقية" بصوت مفجع: "لا لا، أنت بتقول إيه ليه يا ساجد؟ ليييييه؟"

توسل "ساجد" وهو جاثٍ أمامها: "أيوه أنا، أنا عملت كده يا ماما، أنا قتلته، بس عملت كده علشان..."

قبل أن يتمكن من إكمال جملته، انقضت يد شبه قوية على ذراعه، رفعته بعنف، وهوت على وجهه بصفعة مدوية أسقطته أرضًا.

نظرت "رقية" بدموع غزيرة إلى ابنها الملقى على الأرض، ثم إلى ابنها الآخر الذي يقف وعيناه تقدحان غضبًا وصدمة.

سحب "رسلان" "ساجد" بوحشية وهو يهبط به الدرج، تتصاعد صرخات "رقية" المتوسلة أن يترك ذراع أخيه ويبتعد عنه، لكن غضب "رسلان" ورغبة الانتقام كانت أقوى من توسلات أمه.

كان "ساجد" يصرخ بذعر وألم: "رسلان... اسمعني... والله غصبًا عني... هو كان بيضربني."

انفجر "رسلان" بصراخ مدو تهتز نبرته غضبًا: "أخرس أنت كذاب كذبت طول السنين دي وأكيد بتكذب دلوقتي بابا مش وحش علشان يعمل كدا."

ارتعش صوت "ساجد" وهو ينفي بلهفة:: "لا والله طيب اسمعني الأول يارسلان أنا عملت كدا علشانك..."

وبحركة وحشية، دفعه "رسلان" ليسقط أرضًا، وعيناه تقدحان حقدًا:- "انت واحد حيوان اسكت والله لخليك تكمل عمرك في السجن."

هرعت "رقية" نحو "ساجد" الملقى على الأرض، يمزق صراخها المكان: "ساجد حبيبي لا يا رسلان ده اخوك."

أمسك "رسلان" بالهاتف، وعيناه تتوهجان ببرود قاتل: "أنا معنديش أخوات."

كانت "رقية" تلهث بكلمات مكسورة بجانب "ساجد"، تحاول تهدئته، حتى اقتحم "حسن" المكان مسرعًا، وارتسم القلق على وجهه: "في إيه .. إيه اللي حصل..؟"

اندفعت "رقية" نحو "حسن"، تتشبث بذراعه برجاء يائس: "ساعدني يا حسن."

ارتسم الرعب على وجه "حسن" وهو ينظر إلى أخته الشاحبة: "حصل إيه ..في إيه.. ؟"

وبصوت مرتعش ومتقطع، قصت رقية على حسن تفاصيل الكارثة التي حلت بهم.

حدّق "حسن" بساجد بذهول وعدم تصديق، وهمس بصوت خافت: "ساجد معقول بس ليه...؟"

خطا "حسن" نحوه ببطء، ونبرة صوته تحمل مزيجًا من الذهول :- "عملت كدا ليه يا ساجد رد؟"

رفع "ساجد" عينين دامعتين نحو "حسن"، ثم حول نظره المذعور إلى "رسلان"، قبل أن يخفض رأسه مرة أخرى في يأس..؛

نظر إليه "حسن" باستغراب وقلق متزايد: "اتكلم يا ساجد..!"

قاطع "رسلان" بحدة، ونبرته لا تزال مشتعلة بالغضب: "خلاص يا خالي دلوقتي الشرطه تيجي وتاخده."

زمجر "حسن" بضيق وهو ينظر إلى "رسلان" بحدة: "أنت بتقول إيه يا رسلان اسكت ده أخوك."

تقدم والد رقية بخطوات ثابتة، ونبرة صوته حازمة لا تقبل النقاش: "كفاية يا حسن أنا معنديش قاتل يعيشه في البيت ده."

اتسعت عينا "رقية" بصدمة وهي تنظر إلى والدها، وتوسلت إليه بصوت مخنوق: "بابا لا بالله عليكى ده لسه طفل حرام عليك ساجد ابني."

رد والد "رقية" بصلابة، ونظراته قاسية: "اللي بتقولي عليه ابنك ده قتل أبوه .. وشر أبوه في دمه ومستحيل اسمح له انه يعيش هنا مفهوم."

انهمرت دموع "رقية" بغزارة وهي تتوسل: "ماشي أنا موافقة اخد ابني وامشي بس ما يدخلش السجن علشان خاطري."

قاطع "رسلان" بحدة، وعيناه تشتعلان: "لا هيروح السجن غصب عن الكل."

هتفت "رقية" بصدمة ممزوجة بالرجاء: "رسـلااان ده أخوك."

صرخ "رسلان" بمرارة وغضب مكتوم: "ده مش أخويا ده قاتل أبويا."

اقتحمت الشرطة القصر، وأخبرهم "رسلان" ببرود أن هذا الطفل الصغير هو قاتل والدهم.

كان "ساجد" يقف في المنتصف، جسده النحيل يرتجف، وعيناه تفيضان بالدموع، يشاهد كل شيء بصمت. أمسكت الشرطة بذراعه الضعيفة واقتادته خارج المنزل، ونظراته الأخيرة معلقة بأخيه وأمه المنهارة....؛

ظل صراخ "رقية" يتردد في أرجاء المكان، اسم ابنها الصغير يخرج من بين شفتيها المرتعشتين بأسى ورجاء يائس: "لا لا ابني ابني لا ملوش ذنب ابوس ايدك يا بابا ياساجد ســـااااجد لااااااا يا رسلان ده اخوك حرام عليكم ســـاااجد ابنـــــي يــــاارب لااااااا هو ملوش ذنب هو كان بيعذبه."

وبقلب قاسٍ، استدار "رسلان" وصعد الدرج، هامسًا ببرود: "كفاية كذب بقا."

اقترب "حسن" من "رقية" المنهارة، وعيناه تفيضان بالدموع، وضمها برفق: "رقية حبيبتي كفاية."

تشبثت "رقية" بملابس "حسن" برجاء يائس، وكلماتها تتقطعها الشهقات: "س.ساعدني يا حسن ابني ابوس ايدك ساجد لااااااا ااااااه ابني يارب."

ضم "حسن" رأس أخته إلى صدره بحنان، وقلبه يعتصره الحزن والأسى على هذا المشهد المروع....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة