داخل أحد مكاتب شركة سيارات عالمية صاعدة، انغمس "ساجد" بتركيز في دراسة أوراق مشروع بالغ الأهمية. كان هذا المشروع، الذي ظفرت به الشركة مؤخرًا من كيان دولي مرموق، يمثل تحديًا كبيرًا، خاصة مع قلق مديره "داغر" خشية فقدان هذا التوكيل الثمين الذي ناله بشق الأنفس
فجأة، داهمه دوار خفيف، ليترك الملف جانبًا بتعب.
رفع يده إلى رأسه المجهد، ثم نهض ببطء واتجه نحو النافذة. تأمل حركة المرور المتدفقة في الأسفل، وبدا له الناس كنمل يسعى بلا كلل.
زفر بضيق ووضع يده على الزجاج البارد. استدار إثر لمسة خفيفة على كتفه، فابتسم لـ "يوسف" الواقف أمامه بملامح قلقة.:" أنت كويس؟"
سأل "يوسف" بنبرة هادئة
تساءل "ساجد" وهو يميل رأسه قليلًا، محاولًا تذكر وصول صديقه: - كويس، أنت دخلت إمتى؟
رمقه "يوسف" بنظرات قلقة أجابته: - من بدري بس أنت مخدتش بالك.
شعر "ساجد" بوخز من التأنيب وهو يرفع يده ليمررها في شعره الكثيف: - بجد آسف... المهم كل حاجة تخص المشروع خلصت ؟
توسعت عينا "يوسف" بفرحة عارمة": بجد؟ وأخيرًا... داغر من شدة القلق حاسس إنه هيولع فكل إلى حواليه
ضحك "ساجد" بخفّة وهو يمدّ الملف تجاه يوسف: - طب ياسيدي خد.وطفي نيران القلق
استلم "يوسف" الملف بابتسامة واثقة تخفي توتره: - والله أنا مكنتش قلقان من حاجة.
رفع "ساجد" حاجبيه ساخرًا وهو يسند ذقنه على كفه: - والثقة المفرطة دي من إيه؟
نظر "يوسف" إلى "ساجد" مباشرة، ثم وضع يده على سطح المكتب ببطء، وكأن ثقل الأيام يضغط عليه :" أبدًا، أصل أنا تعبت أوي في المشروع ده"
اتسعت حدقتا "ساجد" بذهول مصحوب بابتسامة خفيفة: - أنت معملتش حاجة يا يوسف غير إنك بتشكر في شكلك وقد اى انت جذاب
تعلت نبرة الغرور في صوت يوسف: - طيب بذمتك شوفت في حلاوتي؟ ده أنا من كتر جمالي البنات هتموت عليا.
ضحك "ساجد" بصدق: - مش لدرجة،دي ياعم الشبح وبعدين فين البنات الي هتموت عليك دي انا مش شايف حاجة؟
تغيرت ملامح يوسف إلى الضيق: - أصلهم أول ما يشوفوا داغر كأنهم شافوا النسخة الأصلية من توم كروز.
انطلق "ساجد" في موجة ضحك مكتومة: - تستاهل ههههه.
تنهد "يوسف" بملل: - كفاية ضحك.
ضغط "ساجد" على شفتيه محاولًا كتم ضحكته: "- حاضر... ههه."
احتد صوت يوسف: "- ساجد!"
رفع "ساجد" عينيه إليه بتساؤل صامت: - خلاص، فين داغر صح؟
توهجت عينا "يوسف" ببريق حالم:" مع لمار"
ظهرت على وجه "ساجد" نظرة ذات مغزى: "- فهمت أنه مع لمار، بس إيه اللمعة دي؟
تلعثم "يوسف" وعبث بأطراف شعره بتوتر واضح: " لمعة إيه؟
حدق "ساجد" في "يوسف" بنظرة نافذة :"أنت بتخبي عني أيه يا يوسف؟
أرخى "يوسف" كتفيه بخجل: - أنت عارف إني مش بعرف أخفي عنك حاجة، وبالذات أنت، يمكن داغر آه لكن أنت لأ، بحس نفسي مكشوف قدامك.
ربت "ساجد" على كتف "يوسف" بحنان: - غبي ألف مرة، قولتلك أنا وأنت شخص واحد، لو مكنتش تقولي كل اللي جواك هتقول لمين؟
ابتسم "يوسف" ابتسامة صادقة تنم عن عمق مشاعره : - بحبها يا ساجد، بحبها من أول مرة شفتها بعينيها الخضرا اللي سحرت قلبي.. قلبي أول مرة يدق كان ليها هي، أنا بحبها ونفسي يا ساجد تكون ملكي بجد.
تلطفت ملامح "ساجد" وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة: - يمكن أنا معرفش يعني إيه حب، بس كلامك حلو أوي، أنا مبسوط علشانك أوي، ربنا يجعلها من نصيبك يا صاحبي.
ارتجف صوت "يوسف" قليلًا وهو يعبر عن خشيته: - خايف تكون مش بتحبني يا ساجد.
هز "ساجد" رأسه بنفي قاطع: - لا طبعًا متقولش كده، هي هتلاقي فين في طيبة قلبك ولا جمالك؟ أنت يلا مش البنات بتموت عليك؟
مرر "يوسف" يده في شعره بشرود: - مش اوي يعني.
انفجرت ضحكة "ساجد" مدوية وهو يربت على رأس "يوسف" بمودة: - انت غبي اوى يايوسف
قالها بابتسامة عريضة قبل أن يضيف بجدية:" بس أنا بتكلم جد، أكيد هتكون من نصيبك خليك واثق في ربنا.
"يوسف" بقلق: - بس داغر...
رفع "ساجد" حاجبه مستفسرًا: - ماله داغر؟
ارتعش صوت "يوسف" قليلًا وهو يعترف بخوفه الدفين: - خايف ما يوافقش، خايف لو عرف يكرهني ونخسر بعض.
اتسعت عينا "ساجد" دهشة: - أنت بتقول إيه؟ لا طبعًا داغر مش كده، أنا متأكد إنه لو عرف هيوافق، ده مش بس كده، ده مش هيلاقي زيك.
اندفع "يوسف" يعانق "ساجد" بقوة، هامسًا بصدق: - ساجد أنت أغلي حاجة في حياتي بجد، ربنا لا يحرمني منك.
شدد "ساجد" من احتضانه وهو يرد بصدق مماثل: "ولا منك يا يوسف."
فجأة، ضرب "يوسف" جبهته بيده بخفة وهو يصيح: - يا نهار أسود!
قفز قلب "ساجد" خوفًا.: - في إيه؟
ارتسمت على شفتي "يوسف" ابتسامة ماكرة وهو يغمز لساجد: "تحرش!".
تطاير الغضب من عيني "ساجد" وهو ينطلق يركض خلف "يوسف"، يصيح بحدة: - تصدق أنت واحد زبالة!
بينما كان "يوسف" يركض أمامه ضاحكًا بسعادة: - ههههه عارف ههههه.
…………………………………………
كانت "لمار" شاردة الذهن، تقف في مكانها بشرود، حتى اقتربت منها صديقتها "غادة" وتساءلت: - وقفة كده ليه؟
رفعت "لمار" بصرها إليها بفتور وقالت: - أبدًا، بودع داغر.
رمقتها "غادة" بنظرة تحمل خبثًا مبطنًا وقالت بنبرة لعوب: - إيه ده؟ هو الجميل ما وصلكيش النهارده؟
تورد وجنتا "لمار" وظهر شبح ابتسامة خجولة على ثغرها وهي تسأل:: - أنتِ قصدك إيه يا غادة؟
تغنجت "غادة" بدلال مصطنع: - ههه عليا أنا برضه يا ليلو؟
ازداد خجل "لمار" وقالت بصوت خفيض: - قصدك يوسف؟
عبست "غادة" فجأة وقالت بضيق: - لا طبعًا، أنتِ مجنونة!
صدمت "لمار" من ردة فعلها وقالت باستغراب: - في إيه يا غادة؟
نظرت إليها الأخرى بمكر خفي وقالت بنبرة مؤثرة: - لمار يا حبيبتي، أنتِ مش بتحبي ساجد؟ يوسف ده إيه اللي تبصيله؟
تجهم وجه "لمار" وقالت بضيق:" - بس أنا معجبة بـ يوسف."
حاولت "غادة" إخفاء غضبها المتصاعد وقالت بإلحاح: - يا لمار أنتِ مش بتحبي يوسف، أنتِ مش قولتي إنك معجبة بـ ساجد أوي؟
عبست "لمار" وهي تفكر مليًا وقالت بتردد: - أيوه أنا قولت كده، بس ده مجرد إعجاب، أما يوسف أنا لما بشوفه بحس إحساس غريب وحلو أوي.
رمقتها "غادة" بنظرات حاقدة لكنها أخفتها ببراعة وقالت بنبرة واثقة: - يا حبيبتي ده مش حب، أنتِ أكيد بتحبي ساجد، أنتِ مش بتشوفي نفسك أول ما بيكون قدامك بتبقى عاملة إزاي؟ ده أنا حتى بسمع دقات قلبك وأنا جنبك.
نظرت إليها "لمار" بتشتت واضح وقالت بصوت مهزوز: - رأيك كده يا غادة؟
ابتسمت "غادة" بخبث وقالت بنبرة مؤكدة: - وأكتر من كده يا روح غادة.
نظرت "لمار" في الاتجاه الآخر وهي غارقة في التفكير في كلمات "غادة". هل ما ظنته إعجابًا تجاه "ساجد" هو الحب الحقيقي؟ وهل المشاعر المختلفة التي تنتابها تجاه "يوسف" هي مجرد إعجاب عابر؟ لم تكن تعلم ماذا تفعل، كل ما كانت متأكدة منه أن "غادة" نجحت في إقناعها تمامًا...
أما "غادة"، فكانت تراقبها بابتسامة زائفة تخفي خلفها حقدًا دفينًا وكرهًا متأججًا. كانت تعشق "يوسف" منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها، ولم تكن مستعدة أبدًا لمشاركته مع أي شخص آخر، مهما كانت مكانته في قلبها...
………………………………………………
في صباح اليوم التالي، وبينما كان "ساجد" منهمكًا في العمل على بعض الأوراق الهامة مع "داغر"، قاطع دخولهما المفاجئ صوت "يوسف" المرح: " مية فل ومسا على الناس الكويسة.!"
تبادل "ساجد" ابتسامة سريعة مع "يوسف"، بينما حدّق به "داغر" بحدة وسأله بحدة: " كنت فين يا حيوان؟"
تنهد "يوسف" بضيق: "بجد مش فاهم إيه الإحساس اللي جواك لما بتغلط فيا كده؟"
رفع "داغر" حاجبيه باستفهام: - قصدك إيه؟ مش فاهم.
رد "يوسف" بحدة: "ماهو كل ما عينك تقع على وشي القمر ده، لازم تشتم يوسف واللي خلف يوسف!".
ابتسم "داغر" بخبث: "مش عارف ليه بصراحة."
لكن "يوسف" رد بذكاء: "أنا بقى عارف كويس أوي."
ازداد اهتمام "داغر" وتوقد فضوله: "وعارف إيه بالظبط؟"
أجاب "يوسف" بغرور مصطنع كطاووس نافش لريشه: - الغيرة وما تفعل! غيران من جمالي وشخصيتي
انفجر "ساجد" ضاحكًا بصوت عالٍ: "لا يا داغر، الحق معاه في ده"
اشتعلت نيران الغضب في عيني داغر: "أنا أغير من الكائن ده؟"
لوّح "يوسف" بيده في الهواء تجاه داغر قائلًا بانتصار: "شوفتوا؟ أول ما قولت الحقيقة، بدأ وشه يحمر أهو وشوية وهنشوي حد مننا عليه ."
هز "ساجد" رأسه مؤيدًا بابتسامة متعة خفيفة. نهض "داغر" ببطء وتوجه نحو "يوسف" بخطوات ثقيلة: "طيب تعالى بقى يا شاطر وريني كده"
قفز "يوسف" بتوتر مصطنع: "لا لا بهزر يا عم، هو أنا أقدر أغلط فيك أصلاً؟"
انطلقت ضحكة "ساجد" عالية كالرنين: "جبان أوي يا يوسف، كلام بس.".
نظر "يوسف" إلى "داغر" بعينين واسعتين تملؤهما نظرة خوف مصطنع: - بقيت قفوش أوي يا داغر.ياحبيبي
رمقه "داغر" بنظرة حارقة: "يوسف، قسماً بالله لو ما سكتت..."
تراجع "يوسف" خطوة للوراء: "لا وعلي إيه؟ خلينا في حالنا أحسن."
ثم حول نظره إلى "ساجد" بابتسامة مصطنعة: "أخبار سعادتك إيه يا سجودة؟"
زم "ساجد" شفتيه بضيق: " إيه سجودة دي؟ احترم نفسك ياقليل الأدب "
لوى "يوسف" شفتيه بملل: - ده مش داغر لوحده، أووف.
وجه "داغر" نظره الحاد إليهما: "يوسف، أتاكدت من معاد العميل اللي جاي النهارده؟"
أومأ "يوسف" برأسه بتأكيد: - أيوه كلمت السكرتيرة وحددت المعاد النهارده.
تنهد "داغر" بضيق واضح: "والأستاذ ميعرفش إني مبحبش المواعيد اللي بتتأخر دي؟"
نفى "يوسف" بهز رأسه.
علق "ساجد" بنبرة واثقة: "مسألة وقت وهتلاقيه وصل."
نفخ "داغر" بضيق مكتوم، ثم سمعوا طرقًا على الباب ودخلت السكرتيرة قائلة بصوت رسمي: " داغر بيه ، العميل وصل.".
زمجر "داغر" بغضب مكتوم: "يستنى بره شوية وبعدين يدخل." أومأت السكرتيرة وغادرت الغرفة بهدوء.
تبادل "ساجد" و "داغر" نظرة ذات مغزى، وابتسم "ساجد" بابتسامة خبيثة: " شرير أوي على فكرة."
رد "داغر" بضيق: "علشان يعرف قيمة الوقت المرة الجاية بسلامته."
قهقه "يوسف" بخفوت: "ههههه صحيح، هو اسمه إيه العميل ده؟"
هز "داغر" رأسه نافيًا: "معرفش اسمه، ده عميل بيتعامل مع والدي، وقال إنه مهتم بالشغل مع شركتنا."
هز "ساجد" رأسه ببطء، بينما قال "يوسف" بملل واضح: "طيب ما ندخله بقى ونخلص؟"
قال "داغر" بنبرة تدل على قلة الحيلة: "طيب"
رفع "داغر" سماعة الهاتف وطلب من السكرتيرة إدخال العميل. فتح الباب ودخل العميل، ونظر إلى "داغر" الذي نهض لاستقباله بترحيب مصطنع: "أهلًا وسهلًا بحضرتك، نورتنا."
مد العميل يده مصافحًا: "أهلًا بيك يا أستاذ داغر"
أشار "داغر" بيده إلى "ساجد" الذي نهض والتفت للخلف فجأة بصدمة واضحة وهو يتمتم بتفاجؤ: "أقدم لك صديقي ساجد."
ارتسمت على وجه العميل علامات التعجب والذهول الشديد وهو يسأل بتلعثم ودهشة: "أ..أنت بتعمل إيه هنا؟"
تجمدت الكلمات على شفتي "ساجد"، وعيناه تتسعان في ذهول: "ر...رسلان؟"
نظرات مشدوهة تبادلت بين الثلاثة، مزيج من الصدمة العميقة، الشوق الدفين، الكراهية المتأججة، وعلامات استفهام حائرة تطفو على السطح.
انفجر "رسلان" بغضب عارم :" أنت بتعمل إيه هنا وإزاي طلعت؟ رد!"
ارتعش صوت "ساجد" وهو يحاول الكلام، الخوف يجمّد لسانه: "أ..أنا... أ..أنا ط..."
زمجر "داغر" بضيق من لهجة "رسلان" المتغطرسة: - هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
ارتسم الخوف على وجه "يوسف" وهو يرى الرعب يتملك ملامح "ساجد" الشاحبة: "ساجد مالك؟ مين ده؟
اقترب "رسلان" بخطوات غاضبة متسارعة من "ساجد"، وصاح بنبرة آمرة :" رد عليا "
اندفع "يوسف" ليقف حائلًا بينهما، يدفع "رسلان" بعيدًا عن "ساجد" بقوة: - ابعد عنه، أنت مين علشان تتكلم معه بالشكل ده؟ ابعد وإياك تقرب منه، أنت فاهم؟
حدق "داغر" بـ "رسلان" بنظرات غاضبة متوهجة: "أستاذ رسلان أنت إزاي تكلم أخويا بالطريقة دي؟
ارتسمت الصدمة على وجه رسلان: "أخوك؟ أخوك إزاي؟ ده أخويا أنا وواحد قاتل!
كاد "يوسف" أن ينقض على "رسلان" بغضب محموم لولا نظرات "ساجد" المرتجفة التي ثبتته في مكانه: - متقولش عليه كده ومتجبش سيرته على لسانك!
تمتم "ساجد" بحزن عميق يخترق الصمت: "رسلان اسمعني.
صاح "رسلان" بغضب أعمى: - عايز تقول إيه؟ إزاي قتلت أبونا؟ ولا عايز تفهمني إنه غصب عنك؟ أنت واحد حيوان!
قاطع "داغر" بنبرة حازمة: - إحنا مش عايزين نسمع حاجة منك ولا من غيرك.
نظر "رسلان" إليهما بذهول وعدم تصديق: - أنتم مش فاهمين حاجة، أنت مشغل قاتل عندك هنا، هو قاتل أبويا يعني أبوه!
رد "داغر" بجمود يخفي غضبًا مكبوتًا: - أنا عارف، كل حاجة يعنى كلامك ملوش لازمه ياريت تفهم ده وهو مش بس صاحبنا، هو أخونا كمان، وأنا مطلبتش منك تقول هو عمل إيه.
انفجر "رسلان" بغضب هستيري: - أنت غبي؟ ده قاتل! ده ممكن زي ما قتل أبوه يقتل أي حد! ده واحد حيوان!
حول "رسلان" نظراته المليئة بالكراهية والحقد إلى "ساجد" وقال بنبرة تهديد مبطنة:" أنا مش هسيبك تتهنى يا ساجد وهرجعك السجن تاني، ووعد هخليك تندم على كل ساعة من عمرك.
هم "يوسف" بالهجوم عليه لولا يد "ساجد" التي أمسكت بذراعه بقوة حتى يمنعه، صوته الذي خرج مبحوحًا ولكنه يحمل تهديدًا واضحًا: - أنت مش هتقدر تعمل حاجة، أقسم بالله لو حولت تقرب منه أنا هخليك تتمنى الموت، ساجد أحسن منك ألف مرة، أنت اللي حيوان! غور اطلع بره
كان "ساجد" يستمع إلى كلمات أخيه القاسية، أول كلمات يسمعها منه منذ سنوات طويلة. شعور بالإرهاق والدوار اجتاح جسده، ورغبة جامحة في الاختفاء والهرب تسيطر عليه. للحظة، تمنى لو أن أخاه يعانقه، اعتقد أنهم اشتاقوا إليه ويبحثون عنه. لكن كلمات "رسلان" الحادة مزقت هذا الوهم، ليغرق في شعور عميق بالوحدة والنبذ. لولا وجود "داغر" و "يوسف"، لكان استسلم لليأس منذ زمن بعيد.
قال "رسلان" بنبرة تحذيرية غاضبة: - أنا بحذركم منه.
أشار "داغر" بيده نحو الباب ببرود: - أستاذ رسلان شغل حضرتك معانا مرفوض، تقدر تمشي.
نظر "رسلان" إليه بضيق، بينما صاح "يوسف" بغضب: - مسمعتش قال إيه؟ ولا تحب أجيب الأمن؟
رمق "رسلان" "يوسف" بنظرة غاضبة حاقدة، ثم حول نظره المليء بالشر والانتقام إلى "ساجد"، وغادر الشركة بخطوات ثقيلة
استدار "يوسف" نحو "ساجد" الذي كان يقف صامتًا كتمثال، وهز كتفيه برفق: "ساجد... ساجد أنت كويس؟
رفع "ساجد" عينيه الدامعتين المليئتين بالحزن والإرهاق، نظرة اخترقت قلبيهما وأوجعتهما. اقترب "داغر" من "ساجد" وقال بنبرة قلقة: "ساجد أنت كويس؟
انهار "ساجد" وجلس على الأرض بتعب وأنين مكتوم: "آه... آه... غصب عني والله غصب...، أنا معملتش كده بإرادتي، هو ليه بيعمل معايا كده؟ والله غصب عني، والله هو كان بيعذبني.. بيعذبني كل يوم، هو الأب بيعمل كده في عياله؟ أنا كنت لوحدي معاه، أنا عملت كده غصب عني والله.
نزل "يوسف" إلى مستوى "ساجد" وجلس بجانبه على الأرض، وربت على كتفه برفق: "ساجد كفاية، إحنا معاك مش هنسيبك، كفاية.
تمتم "ساجد" بدموع غزيرة: - أنتم هتمشوا زي غيركم، أنا الكل بيكرهني، ابعدوا عني.
هز "يوسف" رأسه بحزن ودموع تنهمر على وجنتيه: - مستحيل، أنا مليش غيرك، مستحيل أسيبك، أنت أخويا، أنا اللي أخوك مش هو.. هو واحد كلب وحيوان هو...
وضع "داغر" يده على كتف "يوسف" وقرب وجهه من وجه "ساجد" المرتجف وقال بنبرة حانية: - كفاية، هو غلطان وإحنا عارفين اللي عملته في أبوك، أي حد فينا هيعمل كده، زي ما قال يوسف إحنا مش هنسيبك، كفاية حزن.. إحنا مش بنكرهك ومستحيل نكرهك، أنت فاهم؟
همس "ساجد" بدموع: - أنا خايف.
نظر إليه "يوسف" بعيون دامعة وعانقه بقوة، وضمه إلى صدره: " متخافش، أنا معاك.وروحي ملكك
ابتسم "داغر" ابتسامة حزينة وعانقهما معًا وقال بنبرة دافئة: "وأنا كمان."
……………………………………………
"في "منزل المهدي"، صعد "رسلان" إلى الغرفة كبركان ثائر، خطواته تدق على الأرض بعنف. هوى على الفراش، وعيناه تقدحان شررًا، وقلبه يخفق بعنف يكاد يكسر ضلوعه. لا يصدق! الكلمة وحدها كانت تتردد في ذهنه كصدى مرعب. كيف؟ متى؟ أين اختفى كل هذا الوقت؟ ظهوره المفاجئ في تلك الشركة كان بمثابة صفعة قوية أيقظته من وهم استمر سنوات. لقد كبر... أصبح رجلًا.
التفت إلى المرآة، وبحركة وحشية، انتزع زجاجة العطر من جواره ورماها على الحائط، فتحطمت وتناثرت شظاياها مع صرخة مكتومة انفلتت من حنجرته الممزقة بالغضب والقهر.
اندفعت "فرحة" إلى الغرفة، تركض بخوف واضح في عينيها المتسعتين:-. "- رسلان! حصل إيه؟ أنت كويس... رسلان؟
سألت بصوت مرتعش وهي تنظر إلى الحطام وإليه برعب.
هدر "رسلان" بجنون: - هو خرج.. خرج من هناك إزاي؟ إزاي؟ هو السبب، ليه؟ ليـــــه!
"فرحة" وقد اعتصر قلبها قلقًا: - أنا مش فاهمة أنت بتقول إيه، مين ده اللي خرج؟
نظر إليها "رسلان" بحدة، وعينيه تضيقان بغضب مكبوت: "- ساجد... ساجد...خ خرج من السجن.
تجمدت ملامح "فرحة"، وارتسمت عليها صدمة وذهول: - طيب اهْدَ علشان خاطري، اهْدَ.
صاح "رسلان" بحدة: - لا مش ههْدَ، هو إزاي طلع؟ أنا سألت، هو طلع من 5 سنين، خمس سنين وأنا غبي كنت فاكر إنه مسجون وبيدفع الثمن، بس لا، لا لاااااا!
اقتربت "فرحة" منه ببطء، أمسكت بذراعه برفق وأجلسته على طرف الفراش، ثم جلست أسفل قدميه، تتوسل بنظراتها: "- رسلان...رسلان يمكن.. يمكن اكتشفوا إنه بريء.
زمجر "رسلان" بحدة: "- فرحة!"
ترددت "فرحة" للحظة ثم قالت بصوت خفيض: "- رسلان صدقني أكيد فيه حاجة غلط، أنت لازم تعرف الحقيقة بدل ما تخسر أخوك للأبد وتندم طول حياتك.
نظر إليها "رسلان" بذهول ممزوج بالاتهام: "- حتى أنتِى؟"
هزت "فرحة" رأسها بنفي سريع: "- لا، أنا بقول اللي الكل شايف إنه الصح، دور على الحقيقة فين يا رسلان علشان خاطري.
نفى "رسلان" برأسه بعنف: - لا لا، هو بيكذب، بابا مستحيل يأذي، هو أحسن واحد في الدنيا.
تحدثت "فرحة" بحزن: - أنا معرفش والدك ولا ساجد، بس.. بس أنا حاسة إن ساجد طيب و.. ومش وحش، ماما بتقول إنه كان طفل.
نظر إليها "رسلان" بتعجب، فتابعت فرحة: - والطفل عمره ما يأذي نملة يا رسلان غير لو غصب عنه.. فكر لو مروان مكانه هتعمل إيه؟ وماما بتقول إنه شبه ساجد أوي، وكمان أنت.. أنت كنت بتحبه أوي أكتر من روحك.
لمعت عينا "رسلان" بدموع لم يستطع حبسها. نهضت "فرحة" ببطء، واستدارت لتغادر الغرفة، ثم توقفت ونظرت إليه بجدية: - دور على الحقيقة يا رسلان علشان خاطري.
تركت "فرحة" الغرفة، و "رسلان" ظل جالسًا على الفراش، يده ترتجف بين قدميه، وعقله غائب تمامًا. لم يعد يعرف ماذا يفعل، أو من يصدق. ذكريات والده الحنونة، التي ينكرها الجميع الآن، تتصارع مع صورة أخيه الغائب، وكلمات أمه وزوجته. رفع يديه ليغطيهما وجهه، تائهًا في بحر من الشك والحيرة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل