البارت التاسع 🦋

البارت التاسع 🦋

26 0

في منزل داغر:

في صمت غير معتاد خيّم على مائدة الطعام بمنزل "داغر"، رفعت "لمار" حاجبيها متسائلة، ثم كسرت هذا الهدوء بصوت مرح: "- إيه يا بشر؟"

ضاق "داغر" من نبرة أخته الصاخبة ورد بحدة: "- إيه يا زفتة؟"

تظاهرت "لمار" بالاستياء وقالت بمسكنة: " - أنا زفتة! تشكر يا هندسة.

ابتسم "يوسف" بحب لأسلوب "لمار" المرح، ثم نظر إلى "داغر" بخبث وهمس: "- حلوة هندسة دي.

رمقه "داغر" بنظرة غاضبة آمرة بالصمت: "- تعرف تخرس؟"

ثم التفت إلى "لمار" بنبرة جدية: - لمار أنا مش جايبك من الشارع يا حبيبتي، عيب أسلوبك ده.

نفت "لمار" برأسها وقالت بدلال: "- والله ده زي العسل يا دودي، مش كده يا يوسف؟"

أجاب "يوسف" بنظرة عاشقة مؤكدة: - آه كده.دودي

زمجر "داغر" بضيق: - يا حيوان اسكت أنت.

تحول اهتمام "لمار" إلى "ساجد" الذي كان غارقاً في صمته، لم يمس طعامه حتى. نظرت إليه بقلق وهمست: " ساجد، أنت كويس؟ مالك ساكت كده؟" ؟

رفع "ساجد" عينيه إليها بابتسامة باهتة ونفى بتعب: "لا أبداً، شوية إرهاق بس.".

ارتعش صوت "لمار" خوفاً: "- تعبان؟ فيك إيه طيب؟ لازم نروح للدكتور

هز "ساجد" رأسه نافياً: "- اهدي يا لمار... مجرد إرهاق بسيط، أنا بخير."

أصرت "لمار" بقلق: "- لا مش كويس، قول حاجة يا داغر."

راقب "داغر" ردة فعل أخته المذعورة وقال بهدوء: "- اهدي يا لمار، هو كويس."

نظر "يوسف" إلى صديقه بعينين يعكسان القلق: "- ساجد..."

نظر إليه "ساجد" وأومأ برأسه دلالة على أنه بخير. وضع "داغر" يده على كتف "ساجد" وقال بحنو: "- ساجد، الأفضل إنك تستريح النهارده في البيت، وإحنا هنروح الشركة."

رفض "ساجد" باهتزاز في صوته: "- لا، أنا كويس، خليني أروح معاكم."

أعلنت "لمار" بإصرار: "- لا، هترتاح النهارده في البيت وبس."

أضاف "يوسف" بوجل: "- أيوه يا ساجد، ولو محتاج أي حاجة أنا ممكن أفضل معاك."

نفى "ساجد" مجدداً: "- لا، روحوا أنتم، أنا هطلع أرتاح فوق، عن إذنكم."

صعد "ساجد" الدرج، وعين "لمار" تلاحقه بقلق. استدارت إليهم وسألت بفضول: "- هو فيه إيه؟"

نهض "داغر" وقال بجدية: "- يوسف، جهز العربية."

نهض "يوسف" بتردد واضح بسبب قلقه على "ساجد" وأجاب: "- حاضر."

حدقت "لمار" في عيني "يوسف"، فرأت فيهما حزناً قبض على قلبها. نادته باسمه بخفوت: "- يوسف..."

اقترب "داغر" من أخته، أمسك بيدها ونظر إليها بشك: "- لمار، فيه حاجة بينك وبين ساجد؟"

اتسعت عينا "لمار" بصدمة: "- إيه؟"

راقب "داغر" تعابير وجهها بدقة وقال بجدية: "- لمار، أنا أخوكي، ومفيش حد هيخاف عليكي أكتر مني.".

تعلقت عينا "لمار" بعيني "داغر"، وذهنها يدور في فلك أفكار مضطربة. كانت قلقة على "ساجد"، تستلطف اهتمامه وهدوئه. لكن عندما تنظر إلى "يوسف"، يخفق قلبها بقوة وتتورد وجنتاها بابتسامة حب خجولة. وفي زحمة هذه المشاعر المتضاربة، تتردد كلمات "غادة" في أذنها انها تحب "ساجد"، وليس "يوسف." شعرت "لمار" بالحيرة والضياع، غارقة في أفكارها حتى هز "داغر" كتفها برفق: "- لمار... لمار، سرحتي فين؟"

نظرت إليه "لمار" بفزع: "- أنا هنا."

سألها "داغر" بقلق: "- أنتِ ما جاوبتيش عليا."

نهضت "لمار" بسرعة وهزت رأسها نافية بقوة: "- أنت بتقول إيه يا داغر؟ ساجد؟ لا طبعاً."

نظر إليها "داغر" بتعجب ثم قال بفتور: "- تمام، أنا عندي شغل دلوقتي، سلام."

حدقت "لمار" في ظهره بخوف: "- مع السلامة."

غادر "داغر" وصعد إلى سيارته، وعيناها ما زالت معلقة به. ثم رفعت بصرها نحو الطابق العلوي وقالت بصوت خفيض: "- أنا لازم أعترف لك يا ساجد بحبي، يمكن وقتها أعرف أنا عايزة إيه."

وضعت "لمار" يدها على قلبها الذي يخفق بعنف، أخذت نفساً عميقاً وصعدت الدرج متجهة نحو غرفة ساجد...

…………………………………………

"داخل غرفة ساجد"

داخل غرفة "ساجد"، كان يجلس واضعاً رأسه بين يديه، محاولاً طرد الظلام الذي يلتف حوله حتى في أنفاسه الثقيلة. الظلام الحقيقي كان يسكن أنفاسه المتعثرة، يتمنى لو تتوقف هذه الأنفاس المنهكة لتحمله بعيداً عن هذا الثقل، لكن الخوف يكبله، خوف غامض من الموت الذي يتربص به في كل شهيق وزفير، وخوف آخر من المجهول الذي يخبئه له القدر. قلبه كان حملاً ثقيلاً من الهموم الصامتة.

طرق خفيف على الباب بعد فترة. رفع ساجد رأسه المثقل ببطء، وعيناه تتجهان نحو مصدر الصوت. فتح الباب ببطء، وظهرت "لمار" مترددة على العتبة. " ممكن أدخل؟"

همست بصوت خفيض.

حاول "ساجد" جاهداً أن يخفي آثار حزنه البادية على وجهه المرهق وقال بصوت أجش: "أكيد، تعالي."

جلست "لمار" بجواره بحذر وقالت بتلعثم: "- إحم... أ... أنت كويس؟"

ابتسم "ساجد" على قلقها الواضح، ابتسامة باهتة تخفي وجعاً عميقاً: "- أنا كويس، متقلقيش. أنتِى كويسة؟"

فركت "لمار" يديها بتوتر وقالت بصوت مرتعش: "- أ... أنا كنت عايزة أقولك حاجة مهمة."

نظر إليها "ساجد" بقلق متزايد: "- فيه إيه؟ حد زعلك؟"

هزت "لمار" رأسها نافية بخجل: " لا يا ساجد، أنا... أنا ب... بحب."

ارتسمت على شفتي "ساجد" ابتسامة باهتة ممزوجة بالترقب، وهو يتذكر كلمات "يوسف". سألها بنبرة حذرة: "بتحبي مين وإزاي؟"

نظرت "لمار" إلى ابتسامته الخفيفة وقالت بتلعثم وارتباك: " مش عارفة أقولك إيه، بس أنا... أنا..."

أمسك "ساجد" بيدها برفق ونظر إليها بعينين حنونتين تشجعانها على البوح: " قولي، متخافيش."

ابتسمت "لمار" بحب وراحة زائفة وقالت بصوت خافت: "- أنا بحبك يا ساجد."

انتفض "ساجد" واقفاً بصدمة، وعيناه تحدقان بها بذهول وإنكار: "لمار أنتِ بتقولي إيه؟"

نهضت "لمار" بخوف من ردة فعله: " ساجد؟"

هز "ساجد" رأسه بعنف نافياً كلماتها: "أنتِ أكيد بتهزري، مستحيل."

حاولت "لمار" الاقتراب منه بخطوات مترددة: " مش مستحيل ومش بهزر، دي الحقيقة، أنا بحبك."

ابتعد "ساجد" عنها بغضب مكتوم: "أنتِ مجنونة... يا لمار أنا مش بحبك."

تجمعت الدموع في عيني "لمار" وقالت بصوت مخنوق: "بس أنا بحبك."

اقترب "ساجد" منها بحزن عميق يمزق قلبه وقال بنبرة توسل: " لمار، ده مش حب، صدقيني. بصي كويس حواليكي وهتعرفي إنك مش بتحبيني، دوري على الشخص الصح."

نفت "لمار" برأسها بإصرار يائس: "أنت الصح."

صرخ "ساجد" بصوت أجش يكاد يكسر صمته: "لااا مش أنا، فيه غيري، فيه حد بيحبك بجنون ومستعد يعمل أي حاجة علشانك. اللي بتفكري فيه غلط، اسمعيني."

قالت "لمار" بحزن عميق ومرارة: " ساجد، ليه بتقول كده وبتعمل كده؟"

نظر إليها "ساجد" بإصرار مؤلم: "علشان ده اللي لازم تعرفيه يا لمار، اوعي تغلطي. اللي في دماغك ده مش حب، صدقيني."

هزت "لمار" رأسها ببطء والدموع تنهمر على خديها، ثم استدارت وركضت خارج الغرفة وهي تصرخ بوجع: "لا... لااا.".

سقط "ساجد" على حافة الفراش، ودفن وجهه بين يديه المرتعشتين. تداخلت في ذهنه صورة حب "يوسف" الصادق وكلمات "لمار" المؤلمة. همس بصوت متقطع يائس: "يا رب ليه... ليه أنا تعبت؟ مش عايز أخسره هو كمان... آآه كفاية."

.…………………………………………

عند غرفة "لمار"، بعد أكثر من ساعة من الدموع الحارقة والشهقات التي تمزق صدرها، كانت كلماتها تتردد بيأس: " هو مش بيحبني... مش بيحبني... بيقول إن حبي له وهم... وإن تفكيري غلط."

كانت "غادة" تقف أمامها بظهرها، تفكر بضيق وغضب مكتوم. استدارت ببطء وجلست بجوار "لمار"، تحاول أن تبدو متعاطفة: " اهدي يا قلبي، أكيد فيه حاجة مش واضحة هو اكيد بيحبك."

نفت "لمار" برأسها بعنف، والدموع تغرق وجهها: "لا... لا."

رفعت "غادة" يدها بحنان زائف لتلامس وجنة "لمار" المبللة: " اسمعيني  أكيد فيه حاجة غلط حصلت.".

انفجرت "لمار" ببكاء أشد: " هو جرحني وكسرني يا غادة... أنتِ قولتيلي إنه بيحبني، علشان كده تجاهلت يوسف وركزت عليه هو بس... وفي الآخر طلع قلبه مش ليا."

اشتعلت عينا "غادة" بغضب خفي عندما سمعت اسم "يوسف"، لكنها أخفته ببراعة وقالت بنبرة مطمئنة كاذبة: " يا حبيبتي، أنا متأكدة إنه بيحبك، لازم يكون فيه سبب لتصرفه ده."

انتفضت "لمار" واقفة بصراخ يائس: " بقولك لأ! هو قالي بنفسه إنه مش بيحبني!"

وقفت "غادة" أمامها بضيق مصطنع: " لمار اسمعي الكلام... يمكن... يمكن خايف."

مسحت "لمار" عينيها بكم قميصها المبلل: " خايف؟ خايف من إيه؟"

لمعت عينا "غادة" بمكر خفي: " من داغر... خايف من ردة فعله لو عرف بحبه ليكِ.".

نظرت "لمار" إليها بذهول وارتباك: " داغر؟ مش فاهمة."

تنهدت "غادة" بتمثيلية حزينة: " أيوه يا حبيبتي، داغر... يمكن ساجد فاكر إنه كده بيخون صاحبه لو اعترف بحبه لأخته."

تراجعت "لمار" بخوف: " بس داغر مستحيل يفكر كده.".

ابتعدت "غادة" عنها ببطء وقالت بنبرة خبيثة: "- بصراحة... عنده حق."

اقتربت "لمار" منها بفضول وقلق: " قصدك إيه؟"

نظرت إليها "غادة" بحزن مصطنع: " أنا لو مكان داغر ممكن أفكر كده... صاحبي عايش معايا في البيت وبيحب أختي طول السنين دي... ممكن أنسى إنه صاحبي في لحظة زي دي."

اتسعت عينا "لمار" بفزع: " معقول ساجد بيفكر كده؟"

أكدت "غادة" بجدية زائفة: " أيوه يا حبيبتي، علشان كده رفض حبك."

تجمعت الدموع في عيني "لمار" مرة أخرى، نظرت إلى "غادة" بيأس: " طيب هنعمل إيه؟"

تمشت "غادة" في الغرفة بخبث، ثم توقفت أمام "لمار" وقالت بتردد مصطنع: " عندي فكرة... ممكن تخلي داغر يوافق غصب عنه... ووقتها ساجد هيعترف بحبه وكل حاجة هتتحل.".

سألت "لمار" بفضول ممزوج باليأس: " فكرة إيه؟"

نظرت "غادة" إلى "لمار" مباشرة وبدأت تحكي لها خطتها الماكرة. كانت "لمار" تستمع بصدمة متزايدة، تهز رأسها بعنف رافضة: " مستحيل أعمل كده!"

تنهدت "غادة" بحزن مصطنع: " لمار حبيبتي، عارفة إن الموضوع صعب... بس ده الحل الوحيد اللي هيخلي الكل يوافق وتتجوزي أنتِ وساجد."

ارتعش صوت "لمار" خوفاً: " لا... أنا خايفة."

نفت "غادة" بحزم مصطنع: " متخافيش، أنا معاكي ومش هسيبك."

قالت "لمار" بتردد: " غادة... أنا حاسة إن اللي بيحصل ده غلط... يمكن اللي عمله ساجد ده الصح وقصده على يوسف."

اشتعلت عينا "غادة" بغضب مكبوت: " لمار تاني!"

ارتجفت "لمار" خوفاً من نبرة صوتها الحادة: " غادة!"

وضعت "غادة" قناع البراءة على وجهها وقالت بنبرة هادئة زائفة: " حبيبتي، الكلام ده مش صح. اسمعي كلامي، أنا أكتر واحدة بتحبك وعايزة مصلحتك. ساجد هو أكتر واحد بيحبك وأنتِ كمان بتحبيه... قولتلك قبل كده اللي بتحسيه تجاه يوسف ده مجرد إعجاب مش أكتر."

هزت "لمار" رأسها بتأكيد ضعيف: " أيوه..."

قالت "غادة" بخبث خفي: " يبقى لازم تعملي اللي قولتلك عليه في أقرب وقت."

أجابت "لمار" بخوف وتردد: " ماشي..."

…………………………………………….

"اليوم التالي"

كان "يوسف" يجلس بجوار "ساجد"، يراقبه بصمت وهو غارق في حزنه العميق.

ابتسم "يوسف" بحنان ووضع يده على كتف صديقه المثقل: " مالك يا صاحبي؟"

رفع "ساجد" عينيه المثقلتين بالدموع إلى "يوسف" وقال بصوت خافت مليء بالوجع: " يوسف... سامحني... لو في يوم اتجرحت بسببي."

تجمدت ابتسامة "يوسف"، ونظر إليه بدهشة وقلق: " ساجد... إيه الكلام ده؟ ليه بتقول كده؟"

هز "ساجد" رأسه بنفي بطيء، وعيناه تحملان حزناً عميقاً: " أنت وداغر... أنتم عائلتي الحقيقية. لقيت بينكم الحب والحنان اللي عمري ما عرفته مع أهلي."

تزايد قلق "يوسف"، أمسك بذراع ساجد: " ساجد... مالك؟ فيك أيه؟"

انهمرت دموع "ساجد" بصمت وهو يقول بصوت مخنوق: " مستحيل... مستحيل أوجع حد فيكم... وبالذات أنت يا يوسف."

شعر "يوسف" بلسعة في قلبه وهو يرى دموع صديقه، ضغط على يده وقال بصدق: " عارف يا ساجد... والله عارف."

تنهد "ساجد" بثقل وكأن جبلاً يستقر على صدره: " أنا تعبت... تعبت أوي."

ضم "يوسف" صديقه بحنان: " اديني تعبك ده كله يا ساجد."

هز "ساجد" رأسه بعنف: " لأ يا يوسف... مستحيل أخليك تحس باللي أنا حاسه... أو حتى يمسك وجعي.".

عانق "يوسف" "ساجد" بقوة، يشدد عليه وكأنه يحاول امتصاص ألمه: " أنا معاك يا ساجد... مهما حصل."

بادله "ساجد" العناق بضراعة، وكأنه يتمسك بطوق النجاة الوحيد: " متسبنيش يا يوسف... أرجوك متسبنيش."

شدد "يوسف" من احتضانه وقال بجدية قاطعة: " على جثتي يا ساجد."

كان الخوف ينهش قلب "ساجد"، خوف من كره "يوسف" له وخسارته إلى الأبد بسبب حب "لمار".

لو علم "يوسف" بالحقيقة، ستكون جراحه أعمق من أي صداقة.

رفع عينيه إلى السماء بوجع مكتوم وهمس: "يا رب... ليه كل ده؟ مش عايز أخسره هو كمان."

……………………………………………

كان "ساجد" ينزل الدرج متجهاً إلى العمل، عندما اعترضت طريقه "لمار"، وقفت أمامه بعيون دامعة مصممة: " عايزة أتكلم معاك."

تجنب "ساجد" النظر إليها، وحاول تجاوزها ببرود مصطنع: " لمار... عندي شغل مستعجل، لازم أمشي."

توسلت "لمار" بخوف: " بلاش تعمل كده يا ساجد... أرجوك."

نظر إليها "ساجد" برجاء يائس: " بلاش أنتِ يا لمار... أنا مش بحبك... صدقيني."

حدقت "لمار" في عينيه بثبات وقالت بتأكيد: " أنت خايف... صح؟"

توقف "ساجد" ونظر إليها بذهول: "خايف؟ من إيه؟"

أكدت "لمار" بنبرة واثقة: "- أيوه... خايف من داغر."

قطب ساجد جبينه في حيرة: "داغر؟ إيه علاقة داغر بالموضوع ده؟"

ابتعدت "لمار" عنه بخطوات قليلة وقالت بنبرة غامضة: "أنا عندي الحل... وهو هيوافق غصب عنه... شوف."

فجأة، بدأت "لمار" في فك ربطة شعرها بعصبية، تبعثر خصلاته السوداء حول وجهها الشاحب. ثم بدأت تمزق أزرار قميصها بعنف، وتحدث شقوقاً طولية في القماش. اقتربت من "ساجد" ببطء، وعيناه مصدومتان بما تفعله، همس بذهول: " لمار... أنتِ بتعملي إيه؟"

هزت "لمار" رأسها والدموع تنهمر بغزارة على وجهها المضطرب: " هيوافق كده... لازم يوافق... صدقني."

أمسك "ساجد" بكتفيها بقوة، وعيناه تشتعلان بالغضب والخوف: " أنتِ اتجننتي يا لمار؟!"

فجأة، أطلقت "لمار" صرخات مدوية متعالية: " آآآه! آآآه يا داغر! الحقني! حد يساعدني!"

نظر "ساجد" إليها برعب، ثم نظر حوله بفزع: " بلاش يا لمار... أنتِ بتدمري كل حاجة."

هزت" لمار" رأسها بعنف نافية: " هي قالتلي إن ده الصح... لازم أعمل كده."

صرخ "ساجد" بيأس: " لأ يا لمار... لأ... مين اللي قالك كده؟ اللي بتعمليه ده غلط... كارثة!"

توسلت "لمار" بصراخ هستيري والدموع تغرق وجهها: "داااغرر! باااباا! آآآه... بلاش يا ساجد! أرجوك بلاش!"

دفع "ساجد" "لمار" بعيداً عنه برعب ويأس: " كفاية بقى! كفاية جنان!"

سقطت "لمار" على الأرض وهي تصرخ بدموع هستيرية أعلى: "داااغرر! حد يساااعدني! آآآه!"

في تلك اللحظة، ظهر "داغر" من أعلى الدرج وهو يركض بخوف وذهول، وعيناه تتسعان بصدمة لرؤية أخته في تلك الحالة. وفي نفس اللحظة، وصل "يوسف" مسرعاً من الخارج، واندفع نحو "لمار" الجالسة على الأرض، وجثا أمامها ووضع يده المرتعشة على وجهها الشاحب وهو يهتف بذعر: " لمار!"

ثم رفع عينيه إلى "ساجد" وسأله بنبرة مذعورة: " ساجد! إيه اللي حصل هنا؟ لمار مالها؟"

اندفع "داغر" نحو أخته المرتجفة: " لمار!"

تشبثت "لمار" بداغر بقوة، ودفنت وجهها في صدره وهي تئن: " داغرر!"

تجمعت في ذهن "داغر" صور الماضي المؤلم، عندما كانت "لمار" في مثل هذا الوضع المروع تصرخ باسمه برجاء وخوف.

احتضن جسدها المرتعش بقوة، محاولاً حمايتها من نظراتهم المتفحصة، وسألها بصوت قاسي: " مين عمل فيكِ كده يا لمار؟ انطقي!"

رفعت "لمار" إصبعاً مرتعشاً ببطء، وأشارت به نحو "ساجد"، ثم أغمضت عينيها المبللتين بالدموع وقالت بصوت متقطع بالكاد يُسمع: " س... ساجد."

اتسعت عينا "داغر" حتى آخرهما، الصدمة تشل حركته: " لمار!"

تمتم "يوسف" بصوت خافت مملوء بالإنكار: " مستحيل!"

ترك "داغر" "لمار" برفق ووقف شامخاً أمام "ساجد"، نظراته حادة كالسيف، وسأله بنبرة آمرة:..- " رد!"

نظر "ساجد" إلى "داغر" برجاء صادق، وعيناه تفيضان بالبراءة: " معملتش حاجة يا داغر... والله العظيم."

احمرت عينا "داغر" بجنون الغضب، وانهال بلكمة قوية على وجه "ساجد" أسقطته أرضاً: " اخرس!"

سقط "ساجد" على الأرض متألماً، لكن الألم الجسدي لم يكن شيئاً مقارنة بالوجع الذي يعتصر قلبه.

رفع بصره المكسور إلى "داغر" وهز رأسه نافياً: " والله ما قربت منها يا داغر... لمار زي أختي بالظبط."

صعقت "لمار" بكلماته، وصرخت بإنكار هستيري: " لااااااا!"

سمع "داغر" صرخة أخته المدوية، فاقترب من "ساجد" المنتفض ورفعه بعنف من ياقته: " ليه؟ أنا اعتبرتك أخويا! ليــــــه عملت كده؟"

هز "ساجد" رأسه بيأس: " وأنا والله عمري ما فكرت أأذيك يا داغر... ليه مش مصدقني؟"

نظر "ساجد" إلى "يوسف" الجالس على الأرض بصمت، شعر بالاختناق. هل صدق "يوسف" أيضاً؟ هل خسر أقرب أصدقائه؟ التفت إلى "لمار" برجاء: " لمار... قولي الحقيقة! أرجوكي!"

انهال "داغر" بلكمة أخرى على وجه "ساجد" وهو يزمجر بغضب: " كفاية كذب! كفاية تمثيل! طلعت حيوان زي ما الكل كان بيقول! أنا قتلت اللي عمل فيها كده زمان! قولتلك لمار مش بس أختي... دي بنتي! واللي يفكر يأذيها أموته! عملت كده ليــــــه يا واطي؟"

توسل "ساجد" بدموع يائسة: " داغر أقسم لك بالله معملتش حاجة... يا يوسف... والله ما لمستها... قولي يا لمار! قولي الحقيقة!"

نظرت "لمار" إليهم جميعاً بعيون دامعة مرهقة، وعقلها يعج بالأصوات المتضاربة. صرخت فيهم بيأس: " كفاية! كفاية بقاااااااه!"

انهارت "لمار" بين ذراعي "يوسف" الذي نظر إليها بفزع وهزها برفق: " لمار! لمار! ردي عليا!"

صرخ "داغر" بخوف وهو ينظر إلى أخته الشاحبة: " لمااار!"

استدار بغضب جنوني نحو "ساجد"، وانهال عليه بالضرب بلا رحمة. لكمة تلو الأخرى، يسقط "ساجد" ويتلقى الضربات باستسلام.

اقترب "يوسف" ببطء ووقف أمام "داغر" الغاضب، ونظر إلى "ساجد" الملقى على الأرض بوهن واستسلام، والدموع تترقرق في عينيه.

زمجر "داغر" بغضب لـ "يوسف": " ابعد عني أنت كمان!"

توسل "يوسف" بدموع: " كــفــااية يا داغر! هتقتله!"

صرخ "داغر" بجنون: " اطلع بره! بـــــــره من هنا! غور من وشي وإلا أقسم بالله أقتلك دلوقتي! اطلع برررررره!"

نظر إليهم "ساجد" بضعف، ثم نهض بألم، يتحرك بوجع في قلبه أعمق بكثير من جراحه الجسدية. لماذا يحدث هذا له؟ لماذا هو الضحية دائماً؟ نهض وهو يضغط على جسده المحطم، وغادر الغرفة وهو ينظر إليهم بوجع وقهر وكسرة منهم ومن ظلمهم له..

………………………………………………

أما "يوسف"، فكان ينظر إلى المكان الذي كان يجلس فيه "ساجد" قبل لحظات بشرود، يهز رأسه بنفي وهو غير مصدق ما حدث.

أغمض عينيه وسقطت دمعة حارة على وجنته، ثم فتحهما مرة أخرى باندفاع وركض بسرعة، فتوقف على صوت "داغر" الغاضب: " يوسف! رايح فين؟"

استدار "يوسف" بقلب مثقل بالحزن وقال بجدية: " لو أنت مصدق اللي حصل يا داغر... أنا مستحيل أصدق إن ساجد ممكن يعمل كده."

اتسعت عينا "داغر" بصدمة وغضب: " أنت مصدقه؟... ساجد كذاب يا يوسف! كذاب!"

هز "يوسف" رأسه ويده نفياً قاطعاً: " لأ يا داغر... لو شفت ساجد بيعمل كده بعيني... ممكن أكذب عيني! متأكد إن ساجد مش كده... أنا مش فاهم لمار عملت كده ليه... عن إذنك."

وانطلق "يوسف" مسرعاً خارجاً خلف "ساجد"، تحت نظرات "داغر" الغاضبة المذهولة...

………………………………………………………

عند "ساجد"، كان يسير والألم يجتاح قلبه قبل جسده بوجع يفوق كل الآلام التي في العالم، يبكي ودموع تحرق عينه والحزن يحطم قلبه ونفس يخرج منه متقطع حزنًا وكسرة، كان يريد العدل هذه المرة ولكن كان الجميع يكذبون كلامه في كل مرة، يشعر بالوحدة يريد المساعدة لا يصدق أنه خسرهم هما الاثنين أيضًا، تمنى الموت لعلهم حينها يشعرون ببراءته من هذا الظلم الفادح.

سقط على الأرض المتربة، جسده المنهك يرتعش ضعفاً، ودفن رأسه بين يديه، يبكي وجعاً دام سنوات، وروحاً محطمة تنزف قهراً. صرخ قلبه صرخة مكتومة، آه... يا ليتها تخرج كل هذا العذاب الدفين.

رفع رأسه بثقل وعيناه المرهقتان تتفحصان الفراغ القاسي حوله. ظل يبكي بصمت مرير، حتى سمع صوتاً يناديه باسمه.

استدار ببطء، ورأى "يوسف" يقترب منه بخطوات قلقة، يجلس أمامه على ركبتيه.:- " ساجد."

ارتجف "ساجد"، ورفع يده أمام وجهه في ذعر، يتراجع ببطء: " ابعد عني... متضربنيش تاني... والله ما عملت حاجة يا يوسف... والله العظيم!"

تجمعت الدموع في عيني "يوسف" ألماً وحزناً على صديقه المحطم. اقترب منه بحذر، ووضع يده برفق على وجهه المرتعش، يهز رأسه بنفي حزين: " متخافش يا ساجد... والله ما هأذيك... أنا جنبك... متخافش... أنا آسف... آسف إني سبته يضربك... سامحني يا ساجد."

صرخ "ساجد" بألم مكتوم يخرج من أعماق روحه: " ليه أنا يا يوسف؟... ليه بيحصلي كل ده؟... ماما سابتني لوحدي... كان عندي خمس سنين يومها... أخدت رسلان معاها وسابتني... عشت مع بابا أسوأ أيام حياتي... كنت بنام كل ليلة لوحدي في أوضة ضلمة... كنت بقعد أيام من غير أكل... ك... كان بيضربني يا يوسف... كل يوم بالحزام... كان بيحب يعذبني... كنت بموت كل يوم... شوف... شوف!"

انتفض "ساجد" بوجع، وخلع قميصه الممزق، يشير إلى جسده الموشوم بالكدمات والجروح القديمة، لا يوجد فيه موضع سليم.

فتح "يوسف" عينيه على اتساعهما بصدمة ودموع تنهمر بصمت: " س... ساجد!"

نظر إليه "ساجد" بمرارة وقهر: " طيب هو فيه أب بيعمل كده؟... كنت لما أكسر أي حاجة يرميني بره البيت في البرد ويسيبني لوحدي... كنت عايز أمي تيجي تطمني... تاخدني في حضنها وتقولي متخافش يا ساجد أنا معاك... بس ما كانتش بتيجي... أ... أنت عارف... كان بيشربني مواد كيميائية أوقات... كانت بتكون سامة... كنت بفضل طول اليوم بموت من الوجع وهو... هو كان بيضحك ويقولي أنت ضعيف... تلات سنين وأنا عايش في عذاب كل يوم... بس... بس أنا قتلته يا يوسف... قتلت أبويا... ضربته بالنار... ع... عارف ليه؟ علشان كان عايز يجيب رسلان مكاني... كان عايز يعذبه علشان أنا رفضت أشرب المحلول... ضربته بس... بس والله من غير قصد... هو كان أسوأ إنسان في الدنيا كلها... رجعت أعيش تاني مع أمي... شوفت الحب في عيونها زي زمان... حتى رسلان ك... كان بيحبني... بس عرف الحقيقة وطلب الشرطة... هو مصدقنيش... وقالي إنه بيكرهني... بيكرهني زي الكل... شوفت في عيونه كره كبير ليا... دخلت السجن... كان كل اللي فيه بيكرهوني... وبعدين..."

نظر "ساجد" بعمق في عيني "يوسف"، الألم يعتصر قلبه: " عرفتكم... بقينا أصحاب... لأ لأ... أخ... أخوات يا يوسف."

هز "يوسف" رأسه والدموع تنهمر من عينيه كالمطر الغزير، ووجع حارق كالجمر يتأجج في صدره.

تنفس "ساجد" بصعوبة وأنين: " أنا... أنا والله معملتش حاجة يا يوسف... قول لـ داغر إني مش كده... د... داغر ظلمني زيهم... هو ليه الكل بيعمل كده معايا؟ هو أنا وحش للدرجة دي؟ طيب أنت بتكرهني زيهم وجاي تنتقم مني... صح؟"

عانق "يوسف" "ساجد" بقوة، يضمه إلى صدره بحنان بالغ: " لا يا ساجد... لا... أنا مستحيل أؤذيك... مستحيل أبعد عنك... أنت أحسن حد عرفته في حياتي يا ساجد... أنت أنقى قلب شوفته."

تأوه "ساجد" بوجع: " أنا مش وحش... ط... طيب بيحصلي كده ليه؟ الكل بيعمل معايا كده ليه؟... أ... أنا عايز أمـــــوت... أنا عايز أمــوت يا يوسف يمكن أرتاح... أنا تعبــــت والله تعبت... يااارب خدني عندك... طيب أنت مش بتكرهني زيهم صح؟... لا يا رب أنا خــــــاايف... خـــــــايف أنت كمان تكون مش بتحبني آآآآه!"

شدد "يوسف" من احتضانه، وكأنما يحاول حمايته من العالم كله: " بس بس متقولش كده يا ساجد... أنا مقدرش على فراقك... أنا آسف والله لأعوضك عن كل حاجة... هأخدك ونمشي من هنا... نسيب كل حاجة وكل اللي ظلمك... وأي حد يفكر يقرب منك بسوء أنا هقتله! أنااا آسف يا ساجد... كان ممكن أكون زيهم... أنت اتأذيت بسببهم وبسببي... أنا آسف... آسف يا ساجد... أنا مش هأبعد عنك أبداً أبداً يا ساجد."

تنفس "ساجد" بصعوبة بالغة، والدماء تسيل بغزارة من أنفه وفمه. نظر إلى "يوسف" بعينين زائغتين وقال بصوت ضعيف يكاد لا يُسمع: " ي... و... س... ف... أ... ن... ا... خ... خاي... ف... أوى."

ارتجف "يوسف" برعب من منظر الدماء المتدفقة، وهز "ساجد' بعنف: " ساجد! مالك؟ ده... ده دم! سااااجد!"

انتفض جسد "ساجد" بوجع مكتوم، وعانق نفسه بألم شديد: " أ... أنا ت... تعبان أو... ى يا يوسف."

ثم هوى "ساجد" بين ذراعي يوسف فاقداً الوعي، جسده يخلو من أي حركة...

صرخ "يوسف" بذعر وهو يهز جسد "ساجد" المرتخي: " س... ساجد! ساجد مالك؟ ساجد رد عليا علشان خاطري رد! لا لا بالله فوق! ســــااجــــد! رد عليـــااا! رد يا حبيبي متسبنيش! س... ساجد فوق! فـــــــوق!"

ظل "يوسف" يربت على وجه "ساجد" ويصرخ باسمه برجاء يائس، لكن لم يكن هناك أي رد...

تمتم "يوسف" بضياع ورعب يتسرب إلى قلبه كالثلج: " لا وحياتي رد يا ســــاااجــــد!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة