البارت الأخير 🦋

البارت الأخير 🦋

22 0

"في منزل المهدي"

استفاق "ساجد" ببطء، يصارع وهج الضوء المتسلل إلى عينيه. تضاءلت الرؤية في البداية، فضغط جفنيه مرارًا قبل أن تستقر صور المكان أمامه تدريجيًا. شعر بشيء يثقل وجهه، فارتفعت يده محاولة إزاحة قناع الأكسجين.

التفت ببصره، فوجد "يوسف" واقفًا بجانبه، ابتسامة عريضة تحتل ملامحه. بادل "ساجد" الابتسامة بوهن، ثم حول نظره إلى اليد التي تمسك بيده الأخرى. لمعت عيناه بالدمع، وتلاشت ابتسامته تدريجيًا، ليقطع هذا الصمت صوت "رقية" الملهوف:" حمدالله على السلامة يا قلب ماما، أنت كويس يا ساجد؟"

استدار "ساجد" برأسه قليلًا، ليقع بصره على "رسلان" الواقف خلفه، عيناه دامعتان تحملان رجاءً صامتًا بالعفو.

ثم لمح الفتاة الغريبة بجواره، يبدو عليها الارتياح. حاول أن يتنفس بعمق، لكن صدره انقبض بألم وخوف مكتوم.

اقترب "يوسف"، وارتجافة دموعه تنذر بالانهيار، وهمس بصوت مبحوح: "متخافش، أنت كويس... بس..." اختنقت الكلمات في حلقه، وانحدرت دمعة حارة على وجنته الشاحبة. تمتم "ساجد" بصوت يكاد لا يُسمع: "ر... رجلي."

انحنى "يوسف" برأسه، وشعور وخز الضمير يلسعه: "أ... آسف."

تقدم "رسلان" بخطوات مترددة، وكأن الأرض لا تحمل قدميه، وقال بصوت مضطرب: "ساجد، هتكون بخير، أقسملك هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تبقى كويس."

استنشق "ساجد" الهواء بصعوبة، وكأن صدره يضيق عليه: "عا... يز أم... شي يايوسف"

"رقية"، وعيناها تفيضان بالدموع الساخنة، ضغطت على يده الباردة برجاء ملح: "ساجد حبيبي، متقولش كده، قلبي مش هيستحمل، أنا ما صدقت روحي رجعتلي تاني." نظر لها ساجد بنظرة باهتة، ثم سحب يده ببطء وثقل، تاركًا فراغًا مؤلمًا في قبضتها.

شعر "رسلان" بمرارة الحزن تملأ فمه وهو يرى هذا المشهد. تنهد بعمق، واقترب من أمه الواقفة كتمثال منكسر: "قومي يا ماما، مينفعش تعذبي نفسك وتعذبيه أكتر من كده."

"رقية"، وصوتها يرتجف بالبكاء وهي تتشبث بنظراتها الموجوعة بـ "ساجد"، صرخت برجاء يائس: "لا، لا مش هامشي! سامحني يا ساجد... والله العظيم انا بحبك، أنت نور عيني روحي... ساجد أنا آسفة، عارفة إنك مش هتسامحنى ، بس متسبنيش وتحرمني منك تانى في الدنيا دي.".

تشنجت شفتا "ساجد" وهو يحاول الكلام: "ك... كفاية"

"يوسف"، وقد تملك منه الخوف على صديقه، تدخل بحزم: " لو سمحتي كفاية، هو تعبان ومحتاج راحة، الكلام ده.مش وقته" .

"رسلان"، وهو يسحب أمه برفق: "ماما، عشان خاطري، كفاية كلام لازم نسيبه يرتاح."

نهضت "رقية" بقلب منكسر، تستند على "رسلان"، وعيناها لا تفارقان "ساجد" المرتجف: "ح... حاضر."

غادرت "رقية" بصحبة "فرحة"، والتفت "رسلان" إلى "ساجد"، وقال بصوت خفيض يعتذر: "سامحني يا ساجد.".

نظر له "ساجد" بعينين دامعتين تنطقان بألف وجع، وتمتم بكلمات خرجت بصعوبة وكأنها تحفر طريقها من أعماق روحه: "ك... كلمة غر... يبة... عايز... ني أسامحك ع... عشان أنا ب... بموت."

"يوسف"، وقد صعقته كلماته، هتف بإنكار ممزوج بالرعب: "سااااجد!"

"رسلان"، وهو يبتلع مرارة الذنب: "هسيبك ترتاح."

انسحب "رسلان" بهدوء، واندفع "يوسف" نحو "ساجد' الذي كان يتنفس بصعوبة بالغة، وكأن صدره مثقل بجبال من الهم.

سأله "يوسف" بصوت مرتعش: أنت كويس؟

هز "ساجد" رأسه بضعف، وعيناه تتوسلان الأمان: "يوسف... متسبنيش."

أمسك "يوسف" بيده بقوة، ونظر في عينيه مباشرة، محاولًا بث الطمأنينة في قلبه المرتجف: "مستحيل أسيبك يا ساجد، مفيش حد يقدر يقرب منك طول ما أنا جنبك."

فاضت عينا "ساجد" بالدموع الدافئة، وحاول أن يسترخي ويتنفس بعمق، لكن الخوف كان جاثمًا على صدره. أغمض عينيه بتعب، وهمس "يوسف" بحنان: "نام أنا هفضل هنا جنبك دايما متخفش ماشي؟"

أومأ "ساجد" برأسه ببطء، وعيناه مثقلتان بالنعاس والألم، بينما طلب "يوسف" من الممرضة مراقبته بعناية فائقة قبل أن يخرج من الغرفة بقلب يعتصر حزنًا عميقًا.

……………………………………………

"في الأسفل"

بينما كان "يوسف" ينزل الدرج، كانت عيناه معلقتين على "رسلان" الذي احتضن أمه المنهارة، يحاول عبثًا تهدئة روعها. في تلك اللحظة، اقتحم صوت حارس هدوء المكان: "يا باشا!".

انتفض "رسلان" بضيق: "فيه إيه؟"

تراجع الحارس بخوف: "فيه واحد بره صوته عالي وبيطلب إنه يشوف الأستاذ ساجد."

عقد "رسلان" ما بين حاجبيه بحدة: "مين ده"

قبل أن يتمكن الحارس من الإجابة، اخترق صوت مألوف الأجواء المشحونة بالأسى: "أنا."

توقف قلب "يوسف" للحظة، والصدمة تجمدت على ملامحه: "داغر!"

وجه "داغر" نظراته مباشرة إلى "يوسف"، متجاهلًا الجميع: "يوسف، فين ساجد؟"

اندفع "رسلان" نحوه بغضب مكتوم: "وأنت مالك؟ وإزاي تدخل هنا بالأسلوب ده؟ اطلع بره حالا!"

ازداد وجه "داغر" احمرارًا: "مش هتحرك من هنا قبل ما أشوف ساجد، هو فين؟"

اعترض "يوسف" طريقه بحدة: "لا، مش هسمحلك! عايز تشوفه ليه؟ عشان تكمل عليه ضرب؟"

حاول "داغر" التقدم، لكن نظرات "يوسف" الحادة أوقفته: "يوسف اسمعني، أنا جيت عشان أعتذر له انا ظلمته."

انفجر "يوسف" بصوت عالٍ، تختلط فيه الحدة بالألم: "طيب وإيه الجديد في كده؟ ما أنت ظلمته! كلكم عملتوا كده! وبعد ما عرفتوا الحقيقة منتظرين السماح بالسهولة دي؟ أنتوا ليه محسسيني إنكم حرمتوه من مصروفه؟ أنت اتهمته باتهام قذر يا داغر! وكمان مديت إيدك عليه وطردته من بيتك!... وأنت يا أستاذ رسلان اتهمته بالقتل ورميت بيه في السجن وهو عمل كل ده عشانك، منع أبوك يعذبك وكان ممكن يسيبه في حاله!... وأمه؟ أمه اللي سابته وهو طفل عنده كام سنة وراحت اختارت ابنها الكبير! وأبوه؟ أبوه اللي كان بيعذبه! بيضربه، بيعمل فيه تجارب زي الحيوانات، بيرميه في الشارع في عز البرد! جسمه كله متدمر من التعذيب والسموم والتلوث! وإنتوا مستنيين اي وهو ياعالم هيموت ولا لا انتو ايه وحوش؟ ده العدو ميعملش كده في عدوه! هو بيموت بسببكم! حرام عليكم! حرام!"

انهار "يوسف" وجلس على الدرج يبكي بحرقة، يدفن وجهه بين كفيه.

بجانبه، طأطأ "رسلان" رأسه في الأرض، الحسرة والألم يعتصران قلبه على ما فعله بأخيه.

أما "رقية"، فجلست تبكي بصمت موجع، قلبها يتفتت على صغيرها الذي تحمل ما لا يتحمله بشر.

"داغر" وحده وقف مشدوهًا، يستمع لكلمات "يوسف" التي مزقت حجابًا سميكًا عن عينيه. ماذا فعل والده؟ تجارب؟ موت وسموم في جسده؟

اقترب "داغر" بخطوات ثقيلة من "يوسف" الجالس على الدرج وسأله بصوت مرتعش: "أنت بتقول إيه؟ س... ساجد ب... بيموت إزاي؟ رد عليا!"

رفع "يوسف" رأسه المثقل بالدموع ونظر إلى "داغر" بعجز: "ساجد تعبان أوي يا داغر، تعبان... الدكتور بيقول حالته مش كويسة... بس ده كلام فاضي صح؟ ساجد وعدني إنه مش هيسبني، ساجد مش هيبعد عني هو مش هيموت صح !"

هز "داغر" رأسه بلا وعي، غير مصدق لما يسمع: "أنت بتقول إيه؟ س... ساجد فين؟ فين ساجد؟ رد!"

أشار "يوسف" إلى الطابق العلوي بصوت مخنوق: "ف... فوق."

اندفع "داغر" مسرعًا إلى الأعلى، يلتفت حوله في ذهول، لا يعرف إلى أين يتجه في هذا القصر الشاسع. كاد أن يسلك طريقًا خاطئًا لولا رؤيته لطبيب يخرج من إحدى الغرف. اقترب منها بتردد وفتح الباب ببطء وخوف، ثم نظر إلى الداخل.

رأى "ساجد" راقدًا على السرير، محاطًا بأجهزة طبية تبعث أصواتًا غريبة. فجأة، تجمعت الدموع في عينيه بغزارة. تقدم بخطوات بطيئة وثقيلة، وقف بجانبه ونظر إليه بعقل مشتت وقلب يعتصره العجز، وهمس باسمه: "ساجد."

فتح "ساجد" عينيه ببطء ووهن، ونظر إلى "داغر" الواقف أمامه بصدمة وذهول. جلس "داغر" على حافة السرير وقال بصوت مهزوز: "أنت كويس؟ الكلام ده أكيد مش صح، أنت مش تعبان!"

حاول "ساجد" التحدث بصعوبة بالغة: "م... مش م... مصدق إ... إني هـ...موت"

فاضت عينا "داغر" بالدموع الساخنة: "مش هسمحلك تموت! مش هأسمح بده مهما حصل! أنت هتعيش!"

نظر له "ساجد" بخوف وألم، ثم حول نظره إلى "يوسف" الواقف خلف داغر: "ج... جاي ت... تنتقم؟"

هز "داغر" رأسه بالنفي بسرعة: "لا... لا أ... أنا عرفت إنك بريء و... ولمار كذبت عليا... أنا آسف، سامحني، هي أختي.".

تدافعت الدموع في عيني داغر: "مكنتش قادر أتحمل المنظر اللي كانت فيه."

رد "يوسف" بغضب: "طيب وقادر تشوفه وهو في الحالة دي؟ حاسس بيه دلوقتى يا داغر رد عليا؟"

نظر "داغر" إلى وجه "ساجد" الشاحب والمرهق، وإلى أنفاسه المتقطعة التي تخرج بصعوبة، ثم انحدرت دمعة ساخنة من عينه وسقطت على يد "ساجد" الباردة: "أنا آسف... غصب عني."

انتفض "يوسف" وأمسك بذراع "داغر" بقوة وجذبه ليقف: "ليه كل واحد فيكم يقول غصب عنه؟ أنتوا أطفال؟ لأ! طيب مش عارفين تفكروا؟...مش قادرين تشوفوا الصح من الغلط ازاى ؟ أنا بحب أختك بس مصدقتهاش! ومستحيل كنت أتخيل ولو للحظة إن ساجد يعمل كده! عارف ليه؟ عشان ساجد مش كده!"

تمتم "داغر" بعجز: "يوسف أنا..."

صفعه "يوسف" بقوة على وجهه: "أنت غبي! غبي وهتفضل طول عمرك كده!"

رفع "ساجد" يده بضعف محاولًا إيقاف يوسف: "ي... يوسف... ل... لأ.".

ابتسم "داغر" لـ "يوسف" بمرارة: "أنت عارف انا مش زعلان منك يا يوسف، بالعكس، انا كنت محتاج القلم ده. اللي عملته مكنش صح، بس دي أختي."

فاضت عينا "يوسف" بالدموع: "وهو مش كان أخوك؟ طيب إيه اللي اتغير؟ اطلع بره يا داغر!"

اقترب "داغر" من "ساجد" بنبرة حازمة: "مش همشي من هنا غير لما تكون كويس وتقوم على رجلك تاني وتسامحني."

نظر له "ساجد" بحزن عميق: "أ... أنا مش زعلان منك."

ارتسمت الصدمة على وجه يوسف: "ساجد!"

نظر "داغر" إلى "يوسف" بصدمة وغادر الغرفة بسرعة متجهًا إلى الأسفل.

اقترب "يوسف" من "ساجد" وقال بصوت خفيض: "ليه يا ساجد؟"

أجاب "ساجد" بألم: "ع... عشان أ... أنا مش ع... عايز ح... حد يتعذب ب... بسببي."

تجمعت الدموع في عيني يوسف: "ساجد، أي حد فيهم مكنش يستاهل الغفران!"

تأوه "ساجد" بوجع وهو يحاول التحدث بجهد: "أنت قولت اللي بيسامح قلبه مش وحش... وأنا عايز أكون كده."

عانقه "يوسف" برفق: "أنت أحن قلب في الدنيا كلها."

همس "ساجد" بضعف: "س... سا... محني."

ابتعد "يوسف" عنه بخوف: "بتقول كده ليه؟ أنت معملتش حاجة تأذيني!"

ابتسم "ساجد" ابتسامة باهتة: "وأنت ك... كمان ش... شكرًا.".

توسل يوسف: "كفاية كلام، أنت كده هتتعب أكتر!"

أجاب "ساجد" بألم: "ح... حاضر."

تدخل الطبيب برجاء: "لو سمحت، كفاية كده، المريض محتاج يرتاح."

نظر "يوسف" إلى الطبيب ثم إلى "ساجد"، ونهض ليغادر الغرفة: "حاضر."

نادى "ساجد" بصوت واهن: "ي... يوسف!"

التفت "يوسف" بسرعة: "نعم؟"

توسل "ساجد" بعيون دامعة: "سامح داغر يا يوسف."

تجمد "يوسف" في مكانه من الصدمة: "ساجد!"

توسل "ساجد" مرة أخرى: "داغر أخوك زيي... وأنت أكتر واحد عارف داغر كويس... إياك في يوم تبعد عنه، فاهم؟"

أجاب "يوسف" بحزن: "حاضر... بس وأنت معانا."

ابتسم "ساجد" له بوهن، ثم غادر "يوسف" الغرفة تاركًا "ساجد" غارقًا في أفكاره، ينظر إلى الفراغ بشرود. ثم التفت ببطء، تناول هاتفه الموضوع بجانبه، وضغط على بعض الأرقام، وقال بصوت خفيض: "عايز منك خدمة....... شكرًا."

أغلق الهاتف ثم أغمض عينيه بحزن عميق...

................……….........……......

"اليوم التالي"

كان "رسلان" يجلس بجوار أمه المنكمشة على نفسها، يحاول أن يغلفها بحضنه المهزوم، بينما يقف "داغر" على مسافة يتحدث بهاتفه بنبرة مضطربة، وعيناه زائغتان.

أما "يوسف"، فكان شبحًا يجلس في صمت، الحزن والقلق ينهشان روحه.

أنهى "داغر" مكالمته، والتفت إليهم بوجه شاحب: "اتصلت بدكتور صاحبي في ألمانيا... شرحت له حالة ساجد بالتفصيل في إيميل... طلب إنه يسافر بكرة."

انتفض "يوسف" بقلب يخفق بعنف، ووقف أمام "داغر" برجاء: "يعني فيه أمل؟ ساجد هيكون كويس؟ قولي الحقيقة."

تمنى "داغر" بصدق، لكن الشك كان يرتعش في صوته: "إن شاء الله... الدكتور طمني بكلامه."

تفتحت عينا "رقية" بوميض أمل باهت: "يعني ابني هيرجعلي؟ يا رب... يا رب رحمتك."

ابتسم "يوسف" لا إراديًا، بصيص من السعادة يخترق حزنه العميق: "بجد؟ مش قادر أصدق... يعني هيرجع زي الأول وأحسن؟"

حاول "داغر" أن يبدو واثقًا: "أيوه يا يوسف... لازم يكون كويس."

اقترب "رسلان" من داغر بقلب منقبض، الشك ينهشه: "ممكن رقم الدكتور ده وبياناته؟ عايز أتأكد بنفسي... محتاج أفهم."

تردد "داغر"، الضيق يظهر على وجهه: "حـ..."

وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، اندفعت الممرضة من الطابق العلوي تركضًا، وصوتها يمزق الهدوء المشحون: "حالة المريض حرجة!"

تسمر "يوسف" في مكانه للحظة، ثم انطلق كالبرق نحو الدرج، خوف بدائي يسيطر عليه: "ساجد!"

تدافع الجميع خلفه، ودخل "يوسف" الغرفة ليجد الأطباء يتحركون بذعر حول "ساجد" الممدد بلا حراك.

اقترب "يوسف" منهم بذعر، وصوته يرتجف: "ساجد! إيه اللي بيحصل؟ فيه إيه؟"

أمره الطبيب بحدة وهو يكافح: "لو سمحتوا اطلعوا برا! مينفعش كده!"

سحبه "داغر" بالقوة، وأخرجه من الغرفة، وتبعه البقية بصمت مطبق، كل منهم يحمل عبء خوفه الخاص.

نظر "داغر" إلى "يوسف" المنهار، محاولًا أن يتماسك من أجله: "اهدى يا يوسف..."

تمتم "يوسف" بدموع حارقة تنهمر على وجهه: "هيكون كويس... لازم يكون كويس... مش هيسيبني."

وقف الجميع في الخارج، القلق والرعب ينهشان قلوبهم. مر وقت ثقيل، ثم خرج الطبيب، وتجمعوا حوله بنظرات متوسلة.

سأله "رسلان" بصوت مرتعش: "طمنا يا دكتور، هو كويس؟"

نظر إليه الطبيب بحزن عميق ثم طأطأ رأسه بأسى: "لـلأسف... البقاء لله."

صرخت "رقية" وسقطت على الأرض، صوتها يمزق الصمت: "ابني! لااااااا! ســــــااجد!"

نظر "رسلان" إلى الطبيب بصدمة مطلقة: "أنت بتقول إيه؟ أنت قولت فيه أمل! قولت إنه ممكن يعيش! رد عليا!"

أجاب الطبيب بصوت خفيض: "أنا آسف جدًا."

اندفع "يوسف" كالبرق إلى غرفة "ساجد" ليجد الممرضة تغطي جسده بالشراشف. صرخ بها بغضب جنوني: "ابعدي عنه! بتعملي إيه؟ أنتِ مجنونة! اطلعي بره! هو لسه عايش هو مش ميت!"

خرجت الممرضة تنظر إليهم بعيون دامعة، ثم انهار "يوسف" بجوار جسد "ساجد"، يهزه بعنف وهو يصيح بقلب مفطور: "ساجد! ساجد! قوم افتح عينك! أنت مموتش صح؟ فوق يا حبيبي! أنت وعدتني! قوم... قوم يلا يا ساجد عشان خاطري... قوووووم!"

أمسك "يوسف" بيدي "ساجد" الباردتين، يتشبث بهما كغريق بقشة: "أنت خايف منهم صح؟ قوم وأنا هاخدك من هنا ونمشي... هما بيكذبوا صح؟ طيب قوم وحياتي يا ساجد... أنا... أنا مش هعرف أعيش من غيرك! أنت كل عائلتي! اصحى... متسبنيش في الدنيا دي لوحدي! الكل بيبعد عني... متعملش كده أنت كمان! قوووووم يا ساجد! آآآآه!"

حاولت "رقية" أن تلمس وجه "ساجد" بيديها المرتعشتين، لكن "يوسف" صرخ بها بمرارة: "ابعدي عنه! ابعدي! أنا بكرهك! أنتِ مش أم! لو كنتِ أمه مكنتيش بعدتي عنه! هو كان محتاجك جنبه! هو مش وحش! ليه محبتهوش؟... أنا بكرهكم كلكم! أنتوا مش بشر!"

صرخت "رقية" بوجع عميق، دموعها تحرق وجنتيها: "لا... لا يا ساجد... سامحني... سامحني ومتسبنيش يا قلب ماما! اصحى وقوم أنا لسه مشبعتش منك يا روحي! متسبنيش لوحدي! ارجع لحياتي يا ساجد! أنا مش هقدر أعيش بعدك يا عمري... رد عليا طيب... حتى لو هتبعد بس متتموتش! أنا هفضل مطمنة عليك وأنت بعيد... بس مش وأنت ميت! قوووووم اصحى!"

جلس "يوسف" بجوار "ساجد" الممدد بلا حراك، يمسك بيده ويتوسل بقلب دامع: "ساجد قوم! قوم يلا متوجعش قلبي! أنت قولت مش هتسبني! مش عايز أكون لوحدي! آآآه يا ساجد... بالله عليك قوم... وحياة يوسف عندك... قوووووم!"

كان "رسلان" يجلس خلف الباب، دموعه تنهمر بصمت موجع، الحسرة تمزق قلبه. اقتربت منه "فرحة" وهي تشهق من البكاء، تحاول أن تكون قوية من أجله: "رسلان!"

تمتم "رسلان" بعجز، والذهول يخدر حواسه: "م... مات... مات يا فرحة! ماسامحنيش! مات قبل ما أطلب منه السماح! مات أخويا! مات ليه؟... هو راح بسببي! لسه معملتش حاجة عشان يسامحني! مات وهو زعلان مني!"

قالت "فرحة" بحزن عميق، تحاول أن تخفف عنه: "كفاية يا رسلان... ده قدره... وأكيد مش زعلان منك... كان طيب أوي."

نظر لها "رسلان" بعيون دامعة، الذنب ينهشه: "أنا مكنتش أخ! مقدرتش أحميه ولا أكون جنبه! ظلمته! كسرته! وفي الآخر عرفت الحقيقة متأخر! الكل كان بيقول إنه بريء... وأنا مكنتش مصدق! مات من غير ما يسامحني حتى! أنا السبب! آآآآه يا رب! لا... لا خليه يقوووووم!"

عانقت "فرحة" "رسلان" بقوة، وهو تشبث بها كطفل صغير يبحث عن الأمان في حضن أمه من هذا الألم والضياع الموحش.

كل هذا كان يجري تحت نظرات "داغر" الشاردة، لم يكن يعلم ماذا يفعل، كان يستمع والدموع تنحدر من عينيه بصمت مطبق. كان ينظر إلى "يوسف" الذي ينادي على ساجد الممدد بلا حراك. استدار ببطء، يحاول التقاط أنفاسه المثقلة، وركض إلى الأسفل، خرج إلى الهواء الطلق، لكنه شعر بالاختناق، وكأن يدًا خفية تخنقه بلا رحمة. سقط على الأرض يبكي بصوت مكتوم، وظل هكذا حتى لمس أحدهم كتفه.

رفع "داغر" رأسه المثقل بالألم ونظر إلى مصدر الصوت، ثم نظر إليه بعجز مطلق وهمس: "با... با!"

جلس "عصام الصاوي" أمامه ووضع يده على وجه ابنه بحنان: "داغر! فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟"

عانق "داغر" والده بشهقات مكتومة: "م... مات... راح... كله بسببي... خسرته... آآآه!"

عقد "عصام" ما بين حاجبيه بذهول: "مين اللي مات بسببك؟ قول! إيه اللي حصل؟"

حاول "داغر" بلع ريقه الجاف بصعوبة: "س... ساجد مات! ماااات يا بابا! راح! هو كان مظلوم! أنا ظلمته! هو مات بسببي ياااارب! لا... لا بالله خدني أنا! هو مظلوم طول عمره... آآآآه!"

ارتسمت الصدمة على وجه عصام: "أنت بتقول إيه؟ م... مش معقول! إزاي ساجد؟ إزاي مات؟ أنا كنت مسافر... ويوم ما رجعت ألاقي كل ده؟ ليه؟ وإزاي؟... ظلم ساجد والافتراء عليه من أختك و... وموت مين؟ ساجد؟ أنت مجنون؟"

تدافعت الدموع في عيني داغر: "حصل غصب عني والله! وفي الآخر مات! أنا عايز صاحبي يرجع تاني! عايز سااااجد! ليه؟ ليه يا رب؟ أنا آسف يا ساجد! آسف... آسف!"

هز "عصام" رأسه بحزن عميق ودموع صامتة على "ساجد" وابنه الذي دمرت حياته بيده.

……………………………………………

بعد أيام ثقيلة طوت صفحة "ساجد"، خيم حزن عميق لا يزول على الجميع. كل منهم فقد جزءًا منه برحيله؛ الابن، الأخ، الصديق، السند... الفراغ الذي تركه كان أوسع من أن يملأ.

كان "داغر" ظلًا ملازمًا لـ "يوسف"، الذي استسلم لألمه العميق، يصارع فراغ صديقه وأخيه الذي لا يعوض

………………………………………………

"بعد مرور خمس سنوات،

جلست فتاة تشع بجمال هادئ؛ شعر ذهبي ينساب كالحرير، عيون فيروزية واسعة تفيض بالذكاء، وبشرة بيضاء نقية كصفحة مطوية. ارتدت ثوبًا أبيض بسيطًا، وعيناها مثبتتان على الرجل الجالس أمامها، الذي ارتسم الحزن العميق على وجهه، ودمعة لامعة تكونت في طرف عينه وهو يقول بصوت خفيض: "دي كل حكاية ساجد... أخويا وصديق عمري."

ابتسمت الفتاة برقة وقالت: "بقالي سنين بحاول أخليك تتكلم عن اللي جواك. كنت فاكرة إنك مكسور من الحب أو خسارة شغل... عمري ما تخيلت إن قصتك بالشكل ده."

ابتسم "يوسف" بحب باهت ونظر إليها: "بالشكل ده إزاي؟"

نظرت إليه بعينين حزينتين: "مؤلمة... مؤلمة لدرجة كسرت قلبي وأنا بسمعها. مكنتش أعرف إن فيه قسوة بالشكل ده. أيوه شوفت مرضى كتير، كل واحد وحكايته... بس شخص زي ساجد... حسيت بيه من غير ما أشوفه... حبيته."

تنهد "يوسف" تنهيدة مثقلة بالأسى: "ساجد كان استثنائي في كل شيء... صديق نادر... قلب من ذهب... يمكن لولاه مكنتش أنا يوسف صاحب الشركة اللي باسمي دلوقتي... كان طوق النجاة بتاعي... وللأسف مكنتش قادر أعرف سبب حزنه العميق. أنا مخسرتش بس صاحب... خسرت أخ وسند وعايلتي... كان أكتر من كل ده ليا."

أغرورقت عيناها بالدمع وقالت بصوت خفيض: "يوسف... بتتمنى إيه دلوقتي؟"

نظر "يوسف" إلى خاتم بسيط يرتديه في إصبعه: "بتمنى حضنه... أشوفه قدامي تاني... يكون معايا... بتمنى يكون عايش."

نظرت إليه بحنان وقالت بنبرة مختلفة: "وناوي تتزوج إمتى إن شاء الله؟"

ابتسم "يوسف" بحب دافئ وهو يمسك يدها برفق: "شكرًا يا مرام... يمكن لولا القدر اللي جمعني بيكي من سنتين... مكنتش هقدر أتجاوز وجعي... أو أحب حد تاني بالشكل ده... أنا بحبك أوي"

اقتربت "مرام" منه ونظرت في عينيه بحب عميق: "أنت قوي أوي يا يوسف... حد تاني مكانك مكنش هيقدر يتخطى اللي حصل ده بسهولة... خسارة الأخ وجع مالوش دوا... أنا فخورة بيك وبحبك."

ضحك "يوسف" بخفة على احمرار وجنتيها: "هههه... كله بفضلك... شكرًا ليكي."

أكدت "مرام" بابتسامة: "متشكرنيش على حاجة... وبعدين خلاص بقى يا عسلية... قوم وفك كده... هههه."

ضحك "يوسف" وهو يهز رأسه: "مجنونة والله."

سألت "مرام" بفضول: "كنت عايزة أسأل على حاجة."

رفع "يوسف" حاجبه بتعجب: "إيه هي؟"

سألت "مرام" بفضول: "فين داغر وإيه اللي حصل لرسلان؟"

تنهد "يوسف" بتذكر: "أم رسلان اتوفت بعد ساجد بسنة... ورسلان ربنا رزقه ببنت سماها (سجدة)... عايش حياته دلوقتي بشكل طبيعي."

سألت "مرام" بفضول أكبر: "وداغر؟"

تغيرت ملامح "يوسف" للحزن: "داغر سافر تركيا من سنين... اتجوز هناك واحدة غيرت حياته... وخلف ولد وبنت... (ياسين وليلى)."

ابتسمت "مرام" بتساؤل: "طيب ليه العلاقة بينكم مستمرة حتى بعد سفره؟ يا ترى عشان وصية ساجد؟"

نفى "يوسف" بهدوء: "لأ... أنا أيوه مكنتش مسامحه على اللي عمله في ساجد... بس مكنتش هقدر أبعد عنه أبدًا... داغر زي ساجد... أخويا وصاحبي... بس ساجد كان حاجة تانية خالص... لولا داغر مكنتش موجود دلوقتي... زماني انتحرت من زمان... هو اللي سندني وعرفني عليكي كـ دكتورة... كان هو عائلتي بعد ساجد."

نظرت إليه "مرام" وظلت تفرك يدها بتوتر، حتى ابتسم لها "يوسف" بمحبة: "أنا مش فاهم إزاي دكتورة شاطرة زيك متوترة كده ليه؟ إسألي اللي عايزاه."

قالت "مرام" بغيظ مصطنع: "ط... طيب ولمار؟"

ابتسم "يوسف" ابتسامة واسعة وهو يمسك يدها ويقبلها بحب: "هههه... لمار دي بقى حكايتها حكاية... اتغيرت تمامًا."

سألت "مرام" بفضول: "إزاي؟"

قال "يوسف" بضحك وهو يقترب منها ويعانق يدها ويضع قبلة رقيقة عليها: "هأقولك... بس عايزك تعرفي إن لمار مكنش حب... كان إعجاب طفولي مش أكتر... أما أنتِ... أنتِ عشقي... مش بس حبي."

ابتسمت "مرام" بخجل وضربته على ذراعه بخفة...

………………………………………………

في مكان آخر، وقفت فتاة ترتدي حجابًا أصفرًا يضيء وجهها وملابس فضفاضة أنيقة، تحدق في شاهد قبر بدموع غزيرة تبلل خديها. اقترب منها رجل ذو لحية خفيفة وابتسامة دافئة وعينين سوداوين ساحرتين، ووضع يده على كتفها برفق: "لمار حبيبتي، كفاية."

رفعت "لمار" عينيها الدامعتين إليه: "بتمنى لو يقدر يسامحني يا مصعب... الوجع ده مش بيروح."

احتضن "مصعب" كفيها بحنان: "يا حبيبتي، ده قدره وعمره... اللي حصل معاه كان نصيبه في الدنيا، وأنا متأكد إن ربنا هيعوضه في الآخرة خير."

استدارت "لمار" إليه، والدموع تلمع في عينيها: "أنت عرفت كل الحقيقة مني... مش ندمان إنك اتجوزت واحدة زيي؟"

ابتسم "مصعب" بحب عميق: "بالعكس يا عمري، يمكن لو مكنش حصل كل ده، مكنتش هتبقى مراتي ونور عيني. الماضي ميهمنيش، المهم إنك عرفتي غلطك واعترفتي بيه بصدق."

ارتجف صوت "لمار" بالبكاء: "بس خايفة ربنا ميسامحنيش..."

قاطعها "مصعب" بحنان واثق: "ربنا غفور رحيم... وعارف إن الشيطان وسوسلك في لحظة ضعف. صدقيني، ربنا شايف ندمك ومحاولتك لتصحيح أخطائك. والأهم من كل ده، إنك بقيتي نصيبي أنا."

تعلقت عينا "لمار" بعينيه بامتنان: "ربنا يحفظك ليا يا مصعب... لولا وجودك في حياتي، مكنتش هقدر أكون لمار الجديدة دي. وداغر كمان سامحني من تاني، وبقى حمزة نور دنيتنا."

ضم "مصعب" لمار إلى صدره بحب عميق: "ربنا يحفظك ليا يا قلب مصعب."

……………………………………………

"في مكان آخر"

في مكان هادئ، جلس "رسلان" يراقب الأطفال وهم يركضون ويضحكون في براءة، وذاكرته تستعيد الماضي كشريط سينمائي قديم. رأى صورته وهو طفل صغير بجانب "ساجد"، طفولتهم البريئة التي انقلبت حياتهم بسببها رأسًا على عقب.

اقتربت "فرحة" وجلست بجواره بهدوء، وابتسمت له بحنان: "حبيب قلبي سرحان في إيه؟"

ابتسم "رسلان" بحب ونظر إليها: "أحيانًا بحس إني ابنك المدلل مش زوجك."

وضعت "فرحة" رأسه برفق على ساقيها وقالت بحنان: "وأنت ابني وزوجي ونور عيني وكل دنيتي."

نظر "رسلان" إلى الأطفال يلعبون وقال بشرود: "بيفكروني بطفولتي أنا وساجد... مروان فيه ملامح من ساجد أوي."

تنهدت "فرحة" بحزن: "الله يرحمه."

تنهد "رسلان" بحسرة: "لو كان عايش دلوقتي، زمان عياله بيلعبوا مع مروان وسجدة... وماما عايشة... كنا هنكون عيلة كبيرة سعيدة

ابتسمت "فرحة" بحنان: "يا حبيبي متقولش كده... ده عمرهم وقدرهم... ربنا يرحمهم جميعًا. وكمان أنت عارف إن ساجد مكنش هيقدر يخلف... وربنا رحمه من وجع الأبوة ده. كفاية حزن يا رسلان... ربنا مبيجيبش حاجة وحشة."

اغرورقت عينا "رسلان" بالدموع: "عارف... بس حاسس بذنب كبير انا ظالم .."

ربتت "فرحة" على يده بحزن: "أنت مكنتش ظالم يا حبيبي... ده كان غضب ولحظة ضعف... أنت مكنتش تعرف الحقيقة. انسى يا رسلان... انسى وعيش حياتك اللي ربنا كتبهالك."

هز "رسلان" رأسه ببطء: "بحاول يا فرحة... بحاول."

لعبت فرحة بخصلات شعره بحنان وقالت بمرح: "طيب يلا يا كتكوت ماما الحلو... عشان نفطر سوا."

ضحك "رسلان" بقوة وقال: "هههههههه... ربنا يشفيكي يا قلبي."

تظاهرت "فرحة" بالغيظ: "ليه شايف قدامك واحدة مجنونة ولا إيه يا أستاذ؟"

حمل "رسلان" زوجته برفق ورفعها بين ذراعيه وهو يضحك: "أنتِ أجمل مجنونة في الدنيا يا روح رسلان... ههههههه."

ضحكت "فرحة" بحب وهي تتشبث بزوجها.

………………………………………………

"على حافة الهاوية الزرقاء، حيث يلتقي التراس بالبحر الممتد، وقف داغر غارقًا في أفكاره. لمعت دمعة حبيسة في عينيه الشاردتين. اقتربت منه بهدوء، كنسيم لطيف، فتاة ترتدي فستانًا أصفرًا بسيطًا يبعث على السكينة، وشعرها الأبيض يتدفق كشلال من حرير الثلج، وعيناها الرماديتان تتألقان ببريق خاص، ووجهها يشع بجمال هادئ.

عانقت ظهره برقة وسألته بصوت دافئ:"  حبيبي بيفكر في إيه؟

تنهد "داغر" بعمق، وكأن عبئًا ثقيلاً لا ينفرج عن صدره: - أبداً، بفكر قد إيه أنا ظالم.

ارتعشت "شمس" قليلًا وأدارت جسده كاملاً نحوها، الصدمة بادية على ملامحها: "ظالم؟ أنت بتقول كده ليه يا داغر؟

ارتجف صوت "داغر" وهو يتحدث، وكأن الماضي يعاود زيارته: - مش قادر أنسى يا شمس، وحشني، كان هو ويوسف أصحابي اللي مملكش غيرهم،فى الدنيا خسرت ساجد وكنت هأخسر يوسف.

تعلقت عيناه بعينيها برجاءة: - أنتِ عارفة إنه سامحني بسهولة، قالي أنا مسامحك... وقتها يوسف قال إن المسامحة دي مش بالساهل بس.... هو سامح، هو في حد بيسامح بسهولة كده يا شمس؟ ده كمان قال ليوسف يسامحني هو كمان، سامحني علشانه، كنت هأخسر يوسف، أنا أسوأ إنسان يا شمس.

ذرفت "شمس" دمعة رقيقة وهي تربت على وجنته: - أنت عارف أنا يمكن معشتش في مصر ومش عارفة عن الدين كويس، بس اللي أعرفه إن ربنا بيسامح، وساجد أيوه مشفتوش بس هو سامح علشان قلبه طيب، انسى، اشكر ربنا إنك عرفت الحقيقة في الوقت المناسب بدل ما م... مات وهو مظلوم كان زمانك مش مسامح نفسك.

رفعت "شمس" كفها تلامس وجنته بحنان، وعيناها تغرقان في عينيه بحب: - بس أنا مش مسامح نفسي يا شمس، كنت فاكر لو هأبعد عن البلد هأحس بالراحة بس بالعكس كان وجعي بيزيد هنا آآه يا شمس، بتمنى لو عايش.

رفعت "شمس" كفها تلامس وجنته بحنان، وعيناها تغرقان في عينيه بحب: - قدر الله وما شاء فعل، وقول الحمد لله يا حبيبي، ادعيله دايماً، أنت عارف هو أكيد مش عايزك تنساه علشان كده بيجي في بالك دايماً.

ابتسم لها "داغر" بامتنان وعشق: - أنا بعشقك، أنتِ أجمل حاجة حصلت ليا في الـ 5 سنين دول، أنتِ حاجة جميلة يا شمس، بحس أوقات ربنا راضي عني علشان كده رزقني بيكي، ومش كده وبس لا ورزقنا ياسين وليلى.

جلست "شمس" على قدمه، ورفعت نظرها إليه بدلال: - طيب إحنا عايزين نأكل.

نظر "داغر" حوله باستغراب: - شمس يا حبيبتي أنتوا مين؟ مفيش غيرك هنا.

أمسكت "شمس" بيده بحنان ووضعتها على بطنها المنتفخ قليلًا، وقالت بهدوء:: - لا ما هو موجود هنا.

اتسعت عينا "داغر" بذهول وفرحة: - ده بجد؟

عبست "شمس" بحدة مصطنعة: - أومال بضحك عليك؟

انفجر "داغر" في ضحكة عالية: - يا قلبي ده بجد بس...

تلاشى عبوس "شمس" وحل محله القلق: - بس إيه؟

تراجع "داغر" بخوف مصطنع: - شمس حبيبتي بلاش توأم وحياة عيالك.

نهضت "شمس" بغيظ من على قدمه: - طيب ابعد عني بدل ما أقتلك دلوقتي!

ركض "داغر" خلفها وهو يضحك: - ههههه طيب استني يا شمس خلاص توأم توأم خدي بس!

……………………………………………

"في مكان آخر"

بخطوات وئيدة هادئة، شقّ رجل طريقه نحو بقعة مطلة على سلسلة جبلية شامخة. كانت عيناه مثبتتين على شاب ثلاثينيّ، مستقرًا على مقعد، ناظرًا هو الآخر إلى تلك القمم الشاهقة أمامه، وذهنه سابح في بحر من الأفكار. اخترق صمته صوت الرجل القادم، دافئًا وهادئًا: عامل إيه النهارده؟

رفع الشاب بصره ببطء، محافظًا على رباطة جأشه: -الحمد لله، أنت جيت إمتى؟

ابتسم الرجل ببساطة وهو يجيب: لسه واصل، قولت أجي علشان أشوفك.

استدار الشاب بكرسيه نحوه، وقال بنبرة مرحبة: "حمدًا لله على سلامتك يا أيهم."

ارتسم القلق على وجه "أيهم" وهو يسأل: " الله يسلمك،، أنت كويس؟

قال الآخر بتأكيد: كويس متقلقش.

نفى "أيهم" بجدية:  لا أنا جاي المرة دي علشان أسمعك.

"هنا، خيّم حزن عميق على ملامح الآخر، وكأن قلبه يسبق عقله في الشعور، ثم بدأ حديثه بصوت خفيض:  أنت عارف وقت ماكنت طفل مكنتش بحب أروح المدرسة أبداً، كنت بحب أفضل في البيت ألعب مع بابا وماما.. رسلان كان بيحب المدرسة أوي أما أنا كنت متعلق بيهم هما، كنت بشوف ماما وهي بتتخانق مع بابا علشان الشغل، وقت ما طردوا من الكلية مكنتش فاهم حاجة ولا فاهم سبب الخناق بابا اتغير بقى واحد تاني من بابا الحنين لبابا العصبي  بقي يضرب ماما ويشرب بقى إنسان تاني خالص، ماما تعبت عرفت وقتها من رسلان إنهم مش هيكملوا، ماما سابت البيت وأخدت رسلان وسبتني لوحدي، كنت بخاف أنام لوحدي وأنا صغير، وقت ما كنت أقول لبابا أنا خايف كان بيضربني وكان يديني حاجات غريبة علشان أشربها ولو شربتها يديني حاجة حلوة أو يسيبني أتفرج على التلفزيون كنت طفل ووقت متعب، كنت برفض كان بيضربني ولو كسرت حاجة أو معملتش حاجة تفرحه كانت بضرب بالحزام، كنت بصرخ باسم ماما بس مكنتش بتيجي لغاية ما اتأكدت إنها مش هتيجي خالص، وهو كمان كان يقول إنها مش هتيجي، كنت بتعب على طول مكنش بيحب ياخدني عند الدكتور كان بيديني أي حاجة تسكن التعب وخلاص، هو في أب كده يا أيهم؟ كنت بشوف آباء أصحابي في المدرسة كنت ببكي لو اتكلموا عنهم حلو، كنت بستغرب من سكوتك أنت كمان يمكن حبيتك علشان مكنتش بتتكلم عنهم أبداً زيي يعني.. أمي مكنتش أسألوا عنها ولو سألت عنها كان يضربني كان بيكرهها وبيكره اسمها في البيت، مع الوقت عرفت إنها بتبعت له فلوس علشان يخلي باله مني هههه ماما كانت فاكرة إني بابا هيكون حنين معايا هيكون كويس علشان أنا طفل وابنه، كانت تبعت له فلوس علشان كانت خايفة عليا بس مكنتش تعرف إنها بتبعدني عنها أكتر باللي بتعمله، يمكن علشان كده مقدرتش أسامحها، كنت دايماً بستنى زيارتها ليا في السجن كنت بتمنى تكون جنبي وتطمني وتقولي أنا معاك مش هأسيبك أبداً بس مجتش، بس دلوقتي أنا مش عايز حاجة بالعكس أنا مسامحها علشان هي أمي.

"أيهم" بنظرات حزينة:  ورسلان؟

تنهد "ساجد" بألم وقال:  رسلان كان بيحب بابا أوي، كان دايماً عايز يكون زيه في كل حاجة، عمره ما شاف كرهه أو حتى غضبه، كنت بحس دايماً إن بابا كمان بيحبه أكتر مني، دايماً كان يقولي رسلان أحسن منك رسلان ابني وأنت لا، رسلان كان بيحبني ويقولي إنه هيحميني بس معملش كده، يمكن مأذنيش زي بابا بس محستش بالجرح والكسرة غير منه، كنت فاكر إني وقت ما أرجع له هو اللي هيحميني وهيكون معايا ومش هخاف تاني بس لا، وقت ما أرجعت اشوفه مقدرتش أسامحه أو أغفر له.....

صمت "ساجد" للحظة، ثم أضاف:" يمكن قدرت أسامح داغر بس رسلان لا ....داغر كان أقل شخص آذاني سامحته علشان دي أخته وأنا ولا حاجة مجرد صاحب عادي دخل في حياته ده بالعكس أنا ممنون ليه إنه ساعدني أكمل تعليمي ساعدني إني أحس بالأمان ولو فترة قصيرة، أنا مسامح داغر علشان هو صاحبي وأخويا داغر كان سند ليا في وقت أنا كنت محتاج السند.

"أيهم" بهدوء:  ويوسف؟

تجمدت نظرات "ساجد" وعلامات الألم بادية على وجهه:  يوسف ده بقى أكتر حاجة وجعاني وحاسس أنه عمره هو  ماهيسامحني مهما عملت علشان كده ببعد عنه أحسن، يوسف كان الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي، كنت بحس بالأمان معه، عمره ما كرهني، كان بالنسبالي الأخ والصاحب والأب اللي دايماً بيخاف عليا، كان أطيب إنسان في حياتي كلها، كان هو النور في الظلمة اللي عايش فيها، كان الحاجة الوحيدة اللي كنت بقاوم مرضي علشانها... أيوه أنا كنت عارف إني تعبان ومن سنين طويلة بس مكنش بيهمني، كنت عايز أموت، كنت عارف إني ممكن أموت في أي لحظة، كنت دايماً بتعب وأقوم بس كنت دايماً بخاف إنهم يعرفوا تعبي، كنت بكره الشفقة يمكن علشان كده بعدت وعملت نفسي موت وطلبت منك تساعدني أبعد عنهم كلهم، كنت فاكر إني هموت في الحالتين علشان كده حاولت مشوفش عجزهم قدامي.

"أيهم" بتساؤل:  مش ناوي ترجع؟

استدار "ساجد" ناظرًا إلى الجبال وقال ببطء:  عارف الفرق بيني وبينك إيه يا أيهم؟

قطب "أيهم" جبينه وقال:  إيه يا صاحبي؟

تنهد "ساجد" بعمق:  أنت اتظلمت ورجعت علشان عايز ترجع ورجوعك مش هيأذي حد إنما أنا مش عايز أرجع.. واسبب أي أذى لحد الكل عايش حياته ومرتاح من عدم وجودي في حياتهم، أرجع ليه؟ لو رجعت مفيش حد منهم هيسامح نفسه وأنت أكيد شايف حالتي دي.

"أيهم" بحزن: - مالها حالتك يا ساجد؟ أنت كويس؟

نظر "ساجد" إلى قدمه العاجزة عن الحركة وقال بهدوء:  أنت عارف أنا مش معترض إني مش هقدر امشي تاني ومش زعلان إني كان ممكن أموت بس ده محصلش لولا ربنا ووجودك وإنك سفرتني بلاد كتير علشان أعيش كان زماني ميت، شكرًا يا أيهم.

ارتسمت على شفتي "أيهم" ابتسامة مريرة وهو يسأل: " أنت بتقول إيه يا ساجد؟ أنت صاحب طفولتي، أيوه إحنا مشفناش بعض لمدة 10 سنين ويوم ما أشوفك تكون بتموت بالحالة دي.. صدقنى يا ساجد أنت أخويا مش بس صاحبي والحمد لله إنك كويس، أيوه أنا حصل معايا كتير بس مش زيك أنا معملتش حاجة عظيمة علشان تشكرني عليها.

ضحك "ساجد" بوهن:" ههههههه أنت بتقول إيه؟ لولا وجودك كان زمان ساجد في زمن كان.

تنهد "أيهم" بضيق:  طيب مردتش على سؤالي، هترجع؟

زفر "ساجد" بعجز ونظر إليه بتأكيد خافت: - دلوقتي لا بس يمكن في يوم أرجع وأشوف يوسف وأطلب منه السماح، خليه دلوقتي سعيد مع مرام أنا ما صدقت رجع كويس زي زمان هو وداغر مع بعض ورسلان عايش في عيلة حلوة ومتأكد إنه مش هيغلط غلط بابا.

هز "أيهم" رأسه بتفهم وقال:  على راحتك المهم إنك تكون بخير.

أكد "ساجد" بصوت ضعيف: أنا كويس وشكرًا إنك سمعتني.

تذمر "أيهم" بحدة خفيفة: يا أخي كفاية شكرًا الله، وبعدين فين مراتك؟

(أنا هنا)

اقتربت منهما فتاة آسرة الجمال، بشعر أسود فاحم وعينين خضراوين ساحرتين، ووجه مستدير يكتنفه بياض نقي وشفتان كحبتي كرز ناضجتين.

قالت بضحكة رقيقة: عامل إيه يا أيهومة؟

احتضنها "أيهم" بمحبة أخوية وقال: "أهلًا ست حور، وألف مرة قولت بلاش أيهومة ده بتحسسوني إني طفل."

علق "ساجد" بضحكة خافتة: "والله 'أيهومة' يليق بيك."

نظر "أيهم" إليهما باشمئزاز مصطنع وقال:  أنتوا أصلاً ناس مقرفة أنا ماشي.

توسلت "حور" بضحكة: خلاص آسفة بس متمشيش.

أكد "ساجد" عليه:  اطلع ارتاح أنت لسه واصل.

اعتذر "أيهم" وهو يهم بالمغادرة:  معلش المرة دي عندي شغل مهم ولازم أمشي، آه نسيت عايزك تعملي سيستم جديد للشركة.

أجاب "ساجد" بإيجاز:  تمام

غادر "أيهم"، وظل "ساجد" يراقب "حور" التي اقتربت منه وجلست على قدميه وقالت بصوت حنون: وحشتك.

ضحك "ساجد" بضعف وهو يمرر يده في شعرها الناعم: حور أنتِ مش ندمانة على زواجك مني؟

نظرت إليه "حور" بعينين دامعتين وقالت بانفعال: ندمانة؟ أنت بتقول إيه يا ساجد؟ أنا من يوم ما اتطلقت من خالد كنت عايشة علشان ابني بدر وبس....بس من يوم معرفتك وقررت تتزوجني حتى وأنا مطلقة ومعايا طفل وأنا حاسة إني عايشة من جديد، اتغيرت حياتي من جحيم لجنة، أنت أجمل حاجة حصلت ليا بعد موت بابا، كفاية إنك بقيت أب لـ بدر وبتحبه وعمرك ما قصرت في حقه، أنا بحبك أوي.

انقبض قلب "ساجد" وسأل بوجع:  بتحبيني حتى وأنا كده ع... عجز ومش بخلف ومش عندك طفل مني؟

رفعت "حور" يديها تحتضن وجهه بحنان وقالت:  ولا عمري هأندم، أنت روحي يا ساجد، وكمان إحنا معانا (بدر) وكمان (أمان)، هو أيوه مش من دمنا بس من وقت ما أخدته في حضني وهو ابني وزي بدر بالظبط، بقوا فرحتنا أنا وأنت، كفاية دول أنا مش عايزة ولاد علشان أنتوا بالدنيا كلها، وكمان عارف أنا فرحانة إنك كده.

نظر "ساجد" إليها بصدمة: "فرحانة؟

أكدت "حور" بحب متوهج:  أيوه علشان القمر ده كله ملكي لوحدي ومفيش حد يقدر يحط عينه عليه غيري.

ابتسم "ساجد" بحب عميق وقال:  أنتِ عارفة أنتِ كنتِ هدية جميلة ليا وأجمل بنت شوفتها في حياتي، أنتِ عشقي يا حور أنتِ وبدر أجمل فرحة في حياتي، بدر من اليوم اللي شوفته فيه بقى ابني وأنتِ بنتي حتى أمان مش من دمي ولا دمك بس ابني، هما الاتنين نقطة ضعفي وحبهم واحد عندي وهما أخوات وهيكون كده طول العمر... وإنهم مش أخوات هيفضل سر لموتنا ماشي يا حور؟

اندست "حور" بين أحضانه وقالت بهمس:  لآخر العمر يا قلب حور.

ضمها "ساجد" بحب وقال:  أنا بحبك ومش عايزك تبعدي أبداً عني مهما حصل أنتِ فاهمة؟

شددت "حور" من احتضانه وقالت:  أنت عارف أنا مش عندي بس طفلين.

قطب "ساجد" جبينه وهو يبعدها قليلًا وقال باستفهام: أومال؟

قرصت "حور" خده بمرح وقالت بضحكة:  أيوه أومال أنت إيه؟ أنت زوجي وابني وأبويا وأخويا وكل حاجة ليا وعمري ما أبعد عنك أبداً أنا بحبك.

ابتسم لها "ساجد" وطبع قبلة على رأسها وعانقها مرة أخرى وقال بهدوء: "الحمد لله أنا مش عايز حاجة تاني غير إن الكل يعيش سعيد في وجودي أو من غيري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة