البارت الرابع 🦋

البارت الرابع 🦋

23 0

"داخل قسم الشرطة"

داخل الغرفة الكئيبة لقسم الشرطة، حيث يعبق الهواء برائحة الإهمال والقلق، كان "ساجد" نقطة سوداء وسط بياض البلاط. رأسه منحنٍ، جبينه يلامس الأرض الباردة، جسده الصغير ينتفض بخفة مع كل شهقة مكتومة. الخوف كان كيانًا ملموسًا يحيط به، بينما دموعه تخط مسارات لامعة على وجنتيه المتسختين. دائرة من رجال الشرطة الصامتين تحيط به، نظراتهم تتراوح بين الفضول والاتهام، همساتهم الخافتة تزيد من وطأة الصمت الثقيل. الضوء الأصفر الباهت المنبعث من المصباح المعلق يلقي بظلال مشوهة على المشهد.

خلف المكتب المزدحم بالأوراق، جلس الضابط "أحمد"، يحدق في هذا اللغز الصغير بعينين لا تستوعبان: هل هذا الصغير قاتل ومن والده؟

اقترب منه الضابط بوجه متجهم، صوته كصوت صخرة تسقط: "أنطق يا زفت أنت، خلينا نخلص في يومك ده."

قفز "ساجد" فزعًا من الصوت الغليظ وتراجع بخطوات متعثرة. يد قوية أمسكت بذراعه بعنف وهمست بتهديد مبطن:- "هتتكلم ولا أخليك تتكلم بطريقتي، أخلص."

انكمش "ساجد" على نفسه، الرعب يجمده في مكانه.

نفخ الضابط بضيق وضرب المكتب بيده بعنف.

نهض الضابط "أحمد" من مكانه، يراقب المشهد بعينين تحملان مزيجًا من الاستغراب والشفقة: "كفاية يا أنور، أنت بتعمل إيه؟"

أجاب "أنور" بغضب مكتوم: "أنت مش شايفه يا أحمد باشا، بتكلم معه من أصبح مش بيرد حتى."

رد "أحمد" بضيق واضح: "ماشي بس ده طفل، أتعامل معه أحسن من كدا."

نظر إليه "أنور" باستنكار: "طفل إيه يا باشا؟ ده قتل أبوه، الراجل اللي رباه، عايزني أعمل إيه، العب معه؟"

فرك "أحمد" جبهته بتعب وقال بهدوء: "لا يا باشا، ده مش قصدي اللي أقصده إنه ده طفل واكيد ياما تعلى صوتك هيخاف مش هيقولك حاجة."

سأل "أنور" بتهكم: "وإن شاء الله إيه الطريقة اللي تنفع معاه؟"

اقترب "أحمد" من "ساجد" وجلس على ركبتيه ليصبح في مستواه: "خليني أنا أتكلم معه."

"أنور" وهو ينظر إلى "ساجد" بنفاد صبر: "اتفضل ياما أشوف آخرها."

ابتسم "أحمد" بلطف وقال: "ساجد متخفش، أنا اسمي أحمد ومش هعملك أي حاجة، ماشي؟"

رفع "ساجد" عينيه المرتعشتين ونظر إليه بتردد.: "قول ليا بقى عندك كام سنة؟"

أجاب "ساجد" بصوت مرتعش: "12 سنة."

توسعت ابتسامة "أحمد" قليلًا: "يعني وقت اللي مات والدك كان عندك 8 سنين."

هز "ساجد" رأسه بخوف وأجاب بصوت خافت: "آه."

سأله "أحمد" بحذر: "أنت اللي قتلته؟"

أجاب "ساجد" بثبات مفاجئ، وعيناه مثبتتان على الأرض: "أيوه."

تجمدت ملامح "أحمد" للحظة قبل أن يسأل بذهول: "عملت كدا ليه؟"

انهمرت دموع "ساجد" بغزارة مرة أخرى وقال بصوت مبحوح :-"ما أعرفش."

صاح "أنور" بحدة: "نعم يا خويا، يعني إيه ما تعرفش؟ أنت هتستهبل يلا."

انتفض "ساجد" وارتد للخلف بذعر.

نظر "أحمد" إلى أنور بحدة وقال: "أنور مسمعش صوتك ."

رد "أنور" بغضب وهو ينظر إلى "ساجد" بازدراء: "أنت مش شايف بيقول إيه يا أحمد، يعني إيه ما يعرفش؟ ده قاتل أبوه ومعترف قدامك أهو، ازاي بيقول ما أعرفش؟ هو لعب عيال."

قال "أحمد" بنبرة حازمة: "أنور لو سمحت اتفضل أنت وأنا هكمل تحقيق مع ساجد."

لملم "أنور" أوراقه وهمس بنبرة رسمية وهو يغادر المكتب: "أحسن برضه عن إذنك."

تنهد "أحمد" بضيق واضح، ثم نهض ببطء وثقل. مد يده نحو "ساجد" بجدية وقال بصوت هادئ ولكنه آمر:: "اقعد يا ساجد."

انكمش "ساجد" في مكانه وجلس بصمت مطبق.

جلس "أحمد" بجانبه، ووضع يده على كتفه برفق مصطنع قائلًا: "متخفش، ماشي."

هز "ساجد" رأسه بخفة دون أن ينظر إليه.

سأله "أحمد" مباشرة: "ساجد، بابك كان بيضربك؟"

ارتعش "ساجد" ونظر إلى الضابط بخوف متلعثمًا: "لا."

تجمدت ملامح "أحمد" للحظة قبل أن يسأله بذهول: "لا، اومال قتلته ليه؟"

مرر "أحمد" يده على وجهه بإحباط متزايد وسأل بنبرة مثقلة: "طيب هو كان بيعملك حاجة تانية تاذيك غير الضرب؟"

هز "ساجد" رأسه نافيًا مرة أخرى.: "لا."

ازدادت دهشة "أحمد" وسأل بحدة: "طيب قالك حاجة في اليوم ده علشان كدا قتلته؟"

تجمعت الدموع في عيني "ساجد" وهمس بصوت مخنوق: "لا."

عبس "أحمد" في حيرة وسأل بجدية: "كل حاجة لا، اومال قتلته ليه؟ إيه اللي يخليك تقتل والدك يا ساجد؟"

"صمت ساجد تمامًا، غارقًا في عالمه الخاص.

تنهد "أحمد" بيأس وقال بنبرة تحذيرية: "ساجد، أنت لو متكلمتش هتدخل السجن."

رفع "ساجد* رأسه ببطء ونظر إلى "أحمد" بثبات غريب قائلًا: "عارف."

استغرب "أحمد" من ردة فعله وسأل: "مدام عارف معنى كلامي كويس ليه مش بتتكلم؟ قول الحقيقة خليني أساعدك."

هز "ساجد" رأسه بالنفي بهدوء: "مفيش حاجة أقولها. أنا قتلته من 4 سنين، وقتها كنت طفل ومش فاهم حاجة، دلوقتي أنا مش فاكر حاجة. أنا عارف إني هدخل السجن وموافق."

ارتسم الذهول على وجه "أحمد" وسأل: "موافق ليه؟"

نظر "ساجد" إلى الفراغ بشرود وقال بنبرة باهتة: "علشان ده اللي لازم يحصل."

تنهد "احمد" قائلاً: "ساجد، ساعدني علشان أساعدك."

رفض "ساجد" عرضه بهدوء: "شكرًا، مش عايزك تساعدني. ربنا موجود ومش هيسيبني."

أومأ "أحمد" برأسه بحزن وقال: "ونعم بالله."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"في اليوم التالي المشؤوم، هو حكم بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة على الطفل الذي لم يبلغ  بعد، "ساجد رأفت المهدي". تجمد ساجد وحيدًا في قاعة المحكمة الشاسعة، عينان صغيرتان تائهتان تبحثان بيأس عن مرسى أمان، عن وجه يعرفه القلب الصغير، لكن لا شيء سوى الغربة القاسية استقبله.

بسبب طفولته تم اخذ "ساجد" مباشرة إلى عالم الإصلاحية القاسي.

سار هذا الطفل ذو الملامح الملائكية خلف عسكري ضخم، متجهين نحو الجناح المخصص للأحداث. كانت عيناه مثبتتين برعب على وجوه الأطفال الآخرين الذين يحدقون به بنظرات مبهمة وغير ودودة. تقدم بخطوات صامتة، تسمع أذناه همساتهم ونظراتهم الثاقبة التي يشعر أنها تخترقه.

عانق "ساجد" الشرشف الذي قدم له، متمنيًا أن يحميه من ليالي البرد القارس في هذا المكان الذي ينبض بالخوف والوحشة.

صفير حاد مزق الصمت، تبعه صوت الباب الحديدي وهو يفتح، ثم دفعة خفيفة ألقته إلى الداخل، ليغلق الباب خلفه بصوت مكتوم أيقظ ذعره. تفحص "ساجد" المكان بنظرات مذعورة، لتستقر عيناه على تلك النظرات الشريرة التي تتربص به، وكأنه فريسة سقطت بين أنياب ذئاب جائعة. تحرك "ساجد" ببطء شديد، والخوف يتملكه شبرًا شبرًا، وجلس على أحد الأسرة الخالية، يضم الشرشف الرقيق إلى صدره، ثم انكمش على نفسه في يأس، يعانق ساقيه بألم عميق ووحدة قاتلة،

فجأة قطع هذا العزلة صوت أجش.

اقترب منه طفل آخر، يكبره ببضع سنوات، لكن جسده الضخم يفوق جسد ساجد ضعفًا، وتلك الشعيرات الخشنة التي بدأت تظهر على وجهه الشاحب كانت تنبعث منها رائحة كريهة تفوق بشاعة مظهره.

نظر إلى "ساجد" بعيون ضيقة وحادة، وقال بنبرة آمرة: "أنت يلا."

أجابه "ساجد" بصوت مرتعش: "نعم."

رفع الآخر حاجبه بضيق، وقال بتهكم: "نعم الله عليك يا أخويا! اسمك إيه يلا؟"

ثبت "ساجد" نظراته المرتجفة وقال بهدوء: "ساجد."

قطب هذا الشخص جبينه وقال بحدة: "سا إيه؟ وده من إيه إن شاء الله؟ بين عليك ابن ذوات وهتتعب أهلي معاك. أنطق يلا اسمك إيه عدل؟"

نظر إليه "ساجد" بدهشة وكرر اسمه ببراءة: "ساجد... اسمي ساجد."

اقترب طفل آخر، وبنظرة فاحصة قال بوقاحة: "بينه ابن عز يا بيومي."

ضحك "بيومي" ببرود وقال وهو يتفحص "ساجد" بنظرات مستفزة: "وماله مش وحش برضه. ياض يا صلاح، شوف يا سجاد."

ارتجف صوت "ساجد" بضيق: "ساجد... مش سجاد."

ضغط "بيومي" بقسوة على ذراع "ساجد"، فارتعش الطفل من الألم وقال بحدة: "مش مهم! كله واحد. معاك فلوس ياض؟"

هز "ساجد" رأسه بالنفي، وعيناه تفيضان بالخوف: "لا... مش معايا."

ازداد غضب "بيومي" وقال بتهديد: "وكمان مقشفر!"

ضحك "صلاح" بسخرية وقال وهو ينظر إلى "ساجد" بازدراء: "سيبك منه يا معلم، ده عيل."

تأمل "بيومي" "ساجد" من رأسه إلى أخمص قدميه بابتسامة خبيثة وقال بنبرة لزجة: "وأنا بحب العيال أوي."

وجه "صلاح" نظراته إلى "ساجد" وسأله بفضول وقح: "وإنت جاي في إيه بقى يا... يا إيه ياض؟"

أجاب "ساجد" بقلة حيلة ويأس: "قلت ساجد... وبعدين إنت مالك؟"

فرك "بيومي" أذنه بين أصابعه بحركة مستفزة، ثم هوت ضربة قوية على رأس "ساجد" الصغير، هزت كيانه الهش.

صاح "بيومي" بحدة: "رد يلا على السؤال يا كتكوت."

رفع "ساجد" عينيه بصلابة زائفة وقال بصوت خافت لكنه يحمل تحديًا: "لا مش هرد. وياريت تبعدوا عني، وملكوش دعوة بيا."

انفجر "بيومي" ضاحكًا بسخرية لاذعة: " هو مين قالك إنك ريس هنا علشان تتأمر على أسيادك يا روح أمك؟"

اندفع غضب مكتوم في صدر "ساجد" . ورفع عينيه المثقلتين بالألم والغضب وقال بصوت حاد: "اوعى تجيب سيرة أمي على لسانك... أنت فاهم؟"

لم يتمالك "بيومي" نفسه، فهوى على "ساجد" بلكمة قوية أسقطته أرضًا، ثم ركله بقسوة وهو يزمجر: "ولو جبتها هتعمل إيه يا ابن ******؟"

نظر "ساجد" إلى يده الصغيرة التي نزفت بغزارة، ودموعه الساخنة تتساقط عليها. اقترب "بيومي" بوجه متوحش وعينين تقدحان شررًا وقال بتهديد همس كالسم: "أقسم بالله يا روح أمك، لو ما اتعلمتش الأدب معايا، لأربيك تربية تنسى بيها اسمك. أنت فاهم؟"

لم يستطع "ساجد" سوى أن يحدق به بعينين دامعتين مملوءتين بالعجز.

بصق "بيومي" بازدراء بجوار "ساجد" الملقى على الأرض وقال بنبرة خبيثة: "أسيبك تستريح شوية أهو، أصل إحنا أهل كرم وضيافة... ولا إيه يا زفت؟"

قهقه "صلاح" بموافقة زائفة: "أيوه يا ريس، عندك حق."

ضحك "بيومي" بشدة، ثم نظر إلى "ساجد" نظرة ماكرة قبل أن يبتعد عنه تاركًا إياه يتلوى من الألم.

نهض "ساجد" ببطء وثقل، وعيناه مثبتتان على الدماء التي تلطخ يده الصغيرة. زحف إلى الفراش، وكور جسده النحيل في محاولة يائسة للدفء والأمان، ودموعه تغرق وجهه الشاحب. كانت أنفاسه تخرج حارة ومتقطعة من شدة الإرهاق والخوف. نام مكانه يرتجف من مجرد التفكير في الكوابيس التي تطارده بلا هوادة..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"في مكان أخرى من هذا العالم القاسي، كانت تجلس "رقية" منهارة، دموعها تنهمر بغزارة على صغيرها الغائب. كانت الوحدة تخنقها، والعجز يمزق قلبها. رفض والدها القاطع لرؤية حفيده تركها في حالة من الضياع واليأس. كانت تشعر بالمرض وبكسر لا يلتئم، ولا تعلم شيئًا عن حال فلذة كبدها، هل هو بخير؟ هل يشعر بالخوف؟ قلبها كان يتمزق قلقًا عليه. غرقت في بحر من الدموع وهي تسترجع ذكريات الماضي الأليم الذي لطالما حاولت نسيانه."

((فلاش باك)

"في سنوات الجامعة الزاهية، وقعت رقية في حب رأفت، زميلها الذي بادلها المشاعر نفسها. تقدم رأفت لخطبتها، لكن قوبل طلبه برفض قاطع من والدها المتعصب. دب اليأس في قلبيهما، وقررا الهروب وتحدي الجميع، وتزوجا سرًا دون علم أحد. عندما انكشف الأمر، ثارت ثائرة الأب، وتبرأ من ابنته التي تجرأت على كسر تقاليده."

"عاش الزوجان أيامًا جميلة مليئة بالحب والسعادة. تفوق رأفت في دراسته وأصبح طبيبًا مرموقًا في الجامعة. أضاءت حياتهما بميلاد ابنهما الأول، رسلان، ثم فرحا أكثر بميلاد ابنتهما الثانية. بعد سنوات قليلة، رزقهما الله بساجد، وتضاعفت سعادتهما. لكن سرعان ما انقلبت حياتهما رأسًا على عقب. خسر رأفت عمله، وتبخرت أمواله، وانهار كل شيء بناه. استبد به اليأس، وأصبح يعمل ليل نهار بجنون محاولًا استعادة مكانته المرموقة في الجامعة وتحقيق حلمه بأن يصبح مخترعًا ناجحًا. تحول إلى شخص غاضب دائمًا، يصب جام غضبه على زوجته وأولاده. لم يعد هناك مال أو أي شيء يبعث على الأمل. ثم بدأ يعامل رقية بقسوة، بالضرب والإهانات اللفظية، وأكثر من ذلك بكثير..."

"وفي أحد الأيام"

"في ظلمة الليل "

جلست "رقية" بجوار طفليها، تراقب بقلب مثقل جفونهما وهي تستسلم للنوم. بعد أن غابا في سبات عميق، غطتهما برفق بالغ، وطبعت قبلة حانية على جبين كل منهما، أطفأت النور الخافت وخرجت بخطوات ثقيلة إلى الخارج. وقع بصرها على زوجها الجالس في حالة ثمالة مترنحة، كأس الشراب يترنح في يده. اقتربت منه بصوت خافت، توسل يرتجف في كلماتها: "كفاية يا رأفت... كفاية السم ده."

هز "رأفت" يده بفظاظة ولوى فمه بتهكم: "وأنتِ مالك؟ روحي شوفي زفت يتاكل."

نفت "رقية" برأسها المكسور: "مفيش أكل يا رأفت... آخر لقمة أكلها الأولاد."

انتفض "رأفت" بغضب محموم، وعيناه تقدحان شررًا: "ليه عملتي كده؟ ليه ديتيهم الأكل؟"

تراجعت "رقية* بصدمة، كلماته كصفعة على وجهها: "رأفت! دول ولادك! كانوا جعانين! كنت عايزني أسيب الأكل ليك لوحدك وهما وهما يموتوا من الجوع؟ أنت اتجننت!"

نهض "رأفت" مترنحًا، الغضب يعمي بصيرته: "أنتِ بتقولي لي أنا مجنون؟ أنتِ اللي اتجننتي ولا إيه؟"

تجمعت الدموع في عيني "رقية" وانهمرت على خديها: "أيوه... مجنونة علشان حبيت واحد زيك. كل همك الفلوس من يوم ما خسرت كل حاجة وأنت كده! وإيه يعني خسرت الفلوس؟ احمد ربنا وقول الحمد لله إنك كويس وولادك بخير! بس لأ... أنت ظهرت على حقيقتك، واحد أناني ما بيحبش غير نفسه! أنا بكرهك يا رأفت... بكرهك!"

هوت صفعة قوية على وجه "رقية"، دوى صداها في سكون الليل، وصاح "رأفت" بوحشية: "اخرسي! أيوه! أيوه بحب الفلوس وعايز الفلوس وبس! أنا مش عايزك أنتِ ولا هما! اطلعي بره! بره بيتي!"

نظرت "رقية" إلى "رأفت" بعينين دامعتين يائستين: "على فين؟ أنا خسرت كل حاجة بسببك! عيلتي... كل حاجة! وأنت السبب! ودلوقتي بتطردني؟"

تصلبت ملامح "رأفت" قسوة وشرًا: "وقتلك كمان! اطلعي مش عايز أشوف وشك هنا تاني! يلا روحي عند معالي الباشا يا روح أمك! يلا!"

توسلت "رقية" برجاء ممزوج بالدموع: "رأفت... أعقل! إحنا في نص الليل! الناس هتقول إيه؟ هروح فين دلوقتي؟"

أمسك *رأفت* بذراعها بعنف وجرها نحو الباب، ثم دفعها إلى الخارج بقسوة وأغلق الباب في وجهها بضراوة: "أنا مالي! روحي في ستين داهية!"

ظلت "رقية" تضرب على الباب المغلق بكلتا يديها المرتجفتين، تصرخ برجاء يمزق القلب، لكن الباب ظل موصدًا. انهار جسدها الواهن، وقررت الذهاب إلى منزل والدها، آخر ملاذ تعرفه.

لكن الأب القاسي رفض استقبالها، أغلق بابه في وجه ابنة كسرت أوامره. وحدتها كانت قاتلة لولا وجود شقيق وفي بجوارها، "حسن". وفي اليوم التالي، وصل إليها شخص يحمل طفليها... قام بأرسلهم "رأفت" إليها ."

"وبعد أيام قليلة... واجهت "رقية" "رأفت" بقرارها الانفصال.

أجابها "رأفت" ببرود مستفز: "معنديش مانع... بس هاخد كام."

ارتدت "رقية" للخلف بصدمة، كلماته كطعنة غادرة: "إيه؟ أنت عايز فلوس؟"

أكد "رأفت" كلامه بوقاحة: "اومال هطلقك ببلاش؟ أنتِ خلاص رجعتي لحضن أبوكي تاني... رجل الأعمال اللي معاه الفلوس كلها."

تجعد وجه "رقية" اشمئزازًا وقالت بقرف: "أنا موافقة... بس هاخد الولاد."

قهقه "رأفت" بضحكة خالية من أي مشاعر: "لا طبعًا! دول ولادي أنا!"

حدقت به "رقية" بذهول، وكأنها تسمع هذا الاعتراف للمرة الأولى: "ولادك؟ لسه عارف إنهم ولادك؟ أنا مستحيل أسيبهم ليك... أنت فاهم؟"

نفى "رأفت" برأسه بلامبالاة: "لا لا... ومين قالك كده؟ أنا مش عايز الاتنين... واحد بس منهم."

اتسعت عينا "رقية* بفزع: "إيه؟ أنت مجنون؟"

أجابها "رأفت" ببرود قاتل: "أنتِ لسه عارفة."

هزت "رقية" رأسها بيأس: "مستحيل أعمل كده! أنا هديك اللي عايزه بس سيب الأولاد ليا!"

ابتسم "رأفت" بخبث، وعيناه تلمعان بمكر: "ما أنا هاخد اللي عايزه... بس برضه عايز واحد منهم."

تجمعت الدموع في عيني "رقية" مرة أخرى، وسألت بصوت مخنوق: "أنت عايز حد منهم ليه؟ أنت مش بتحبهم؟"

أجاب "رأفت" بمكر مماثل: "مين قال كده؟ دول ولادي... ومقدرش أبعد عنهم."

صرخت "رقية" بغضب مكتوم: "وأنا مستحيل أديك حد منهم! أنت فاهم؟"

نفى "رأفت* ببرود: "براحتك... خلينا نروح المحكمة وهما يقرروا."

انخرطت "رقية* في البكاء برجاء: "حرام عليك! دول أطفال! إزاي عايز تدخلهم المحاكم؟"

تجاهل "رأفت" دموعها وقال بلامبالاة: "والله أنا مليش دعوة... أنتِ اللي عايزة كده."

ظلت "رقية" تبكي بصمت لعدة دقائق، ثم قالت بصوت مهزوم: "أنا موافقة..."

ابتسم "رأفت" بانتصار زائف: "تمام... عايز رسلان."

نفت "رقية" برأسها بضعف: "لا... رسلان في المدرسة دلوقتي... وعايز اهتمام خاص."

أجاب "رأفت" بلا مبالاة: "براحتك... يبقى ساجد."

انهارت "رقية" تمامًا، ودموعها تنهمر بغزارة وهي تقول بصوت مكسور: "ماشي..."

(باك)"

انخرطت "رقية* في نحيب هستيري، كلماتها تتقطع بين الشهقات: "آسفة... آسفة يا قلب ماما... كنت فاكرة إنه أبوك... هيعاملك كويس مهما حصل... كنت فاكرة إنه لما يشوفك طفل صغير مش هيأذيك... بس لأ... هو عمل اللي الشيطان نفسه ما يعملوش مع حد... طلع أسوأ منه... آسفة يا حبيبي... ربنا ياخدني أنا السبب... أنا اللي عطيته ساجد... وكنت بديه كل فترة فلوس علشان ما يأذيكش... بس لأ... هو كان بيضربك ويعذبك يا روح ماما... آسفة آه يا ساجد... ليه كده يا رسلان؟ هو أخوك... منعوني أشوفك يا نور عيني بسبب غضب أبويا مني... اتحرمت منك... آسفة يا رب... خدني أنا السبب... سااااجد... يا ابني..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"في غرفة أخرى، جلس "رسلان" كتمثال من الغضب المكتوم، يده قابضة على أذنه بقوة، تحجب عنه صرخات أمه الممزوجة باسم هذا القاتل في نظره. لم يعد أخاه... تلك الكلمة تبخرت من قاموسه بعد أن ظهرت له بشاعة الحقيقة. كيف يعتبره شقيقًا بعد أن قتل أباه؟ الشخص الذي كان سنده الوحيد، قوته في هذا العالم القاسي... كان الوتد الذي يستند إليه، ليس مجرد أب. كيف عذبه وهو والده؟ تلك الفكرة كانت مستحيلة الاختراق لعقله. أبوه كان الحنان بذاته، كان يفعل أي شيء ليسعده، يرافقه إلى المدرسة كل صباح، يجلسه على قدميه ويلاعبه لساعات طويلة. تمنى لو أنه هو من ذهب، لو أنه هو من يعيش معه بدلًا من "ساجد"، لو أنه يستطيع أن يكون بجوار أبيه الآن. كان يحب والده حبًا يفوق حبه لأمه، لكنها اختارت...

اختارت ساجد.

من يصدق؟ الأب الحنون أم الأخ القاتل؟ لكن ساجد لم يفعل هذا... لماذا؟ إنه والده! "أنا أكرهك يا أخي... أكرهك!" نهض رسلان فجأة، اندفع نحو الشرفة المظلمة، وصاح في الفراغ المكتئب: "بكرهك يا ساجد... بكرهك! والله لأدفعك الثمن غالي... والله ما هرحمك! ليه عملت كده؟ آه ليه؟ والله لأخليك تتمنى الموت يا ساجد... ليه؟ آه يا رب!" "

سقط "رسلان" على ركبتيه، جسده ينتفض من البكاء الصامت. لم يخسر أباه فحسب، بل خسر أخاه أيضًا... أو هكذا بدت الأمور في عينيه المكلومتين. وضع يديه على وجهه، شهقات الألم والضيق تخنقه. ظل جالسًا في العزلة الباردة للشرفة لساعات طويلة، ينظر إلى السماء الشاحبة والدموع تتساقط بصمت على وجهه ..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

داخل أسوار السجن القاسية، كان "ساجد" يتلقى أقسى أنواع المعاملة من الجميع. كان ضعيفًا، غريبًا، لا يملك سندًا أو حماية. حتى بعد مرور أيام على وجوده في هذا العالم المرير، كان يقوم بمسح الأرضية بتعب وإرهاق. فجأة، اقترب منه مجموعة من الأطفال، وقال أحدهم بفظاظة: "أنت يلا، المكان ده معفن."

أجابه "ساجد" بصوت خافت من شدة التعب: "لسه ماسحه من شوية..."

ركل الطفل دلو الماء بقدمه بعنف، تناثر الماء القذر على الأرض، وقال بحدة: "أنت قصدك إني بكذب؟ يلا."

هز "ساجد" رأسه بتأكيد ضعيف: "أيوه."

هوى الشاب بلكمة قوية على وجه "ساجد"، فسقط الطفل على الأرض بقوة، صرخة ألم مكتومة خرجت من فمه الصغير: "أنت بتضربني ليه؟"

وقف الشاب متغطرسًا فوق جسد "ساجد" المرتعش، ومد يده ليقبض على عنقه، لكن فجأة ظهر عسكري ضخم، وصاح بحدة: "في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟"

تلعثم الشاب خوفًا وارتباكًا: "مفيش يا باشا... الواد ده وقع على الأرض وكنا بنساعده بس."

قطب الضابط جبينه بنظرة شك وتفحص "ساجد" الملقى على الأرض: "الكلام ده صحيح؟"

نظر إليه "ساجد" بعينين دامعتين وقال بصوت مرتعش: "لأ... هما ضربوني..."

ازداد غضب الضابط، وقال بتهديد: "أنت بتكذب يا روح أمك؟"

أكد الشاب كذبه بتملق: "لأ والله يا باشا... الواد ده كذاب."

أيده أحد الأطفال الآخرين بتزلف: "أيوه يا باشا... الواد ده كذاب."

تنهد الضابط بضيق وقال بملل: "طيب غور أنت وهو من هنا يلا!"

ركض الأطفال بعيدًا عن "ساجد" بخوف، ثم نظر الضابط إلى "ساجد" وقال ببرود: "وأنت ارجع مكانك يلا!"

هز "ساجد" رأسه ببطء ونهض بألم، ثم غادر المكان بخطوات ثقيلة..."

بينما تتصاعد وتيرة الأحداث، ارتخت ملامح من كان يراقب منذ البدء في ابتسامة ساخرة. اتكأ بظهره على الجدار، وعيناه تجولان بفتور، ليختتم المشهد بتمتمة خافتة تحمل في طياتها ازدراءً خفيًا: "الكذب..."

ظل ناظرًا إلى حيث اختفى الطفل الصغير، وعينيه تحملان إعجابًا خفيًا بصراحته الجريئة وعدم اكتراثه الظاهر، حتى التفت إلى الواقف بجانبه بلا اهتمام واضح وسأله بفضول: "مين ده؟" "

أجاب الطفل الآخر، الذي كان يراقب "ساجد" وهو يحمل الدلو ويبتعد عن مرمى البصر: "ده طفل جديد هنا."

ارتسمت علامات الحيرة والفضول على وجه الأول وهو يعقد حاجبيه: "جديد؟ حكايته إيه بظبط؟"

هز الآخر رأسه نافياً، وعيناه ما زالتا مثبتتين على كتابه: "والله ما حد يعرف عنه حاجة، بس بصراحة، مفيش حد هنا طايقه."

ارتفع حاجبا الأول دهشة:- "ليه؟"

أجابه الآخر بهدوء وهو يقلب صفحة: "أبدًا، أصله في حاله... غلبان... ملوش في وجع الدماغ والمشاكل زي حالاتي."

لمع الغضب في عيني الأول، بينما قهقه الثاني بخفة: "إيه الحقيقة المرة؟ قول اللي في قلبك."

استدار الأول بملل: "كمل اللي كنت بتقوله."

رفع الثاني عينيه للحظة باستفهام: "أكمل إيه؟... أها، عن الواد الجديد... بص، أنت عارف كويس إن كل اللي هنا المشاكل جزء من طبيعتهم، وكلهم مش طايقينه... زي ما تقول كدا بيستضعفوه، وهو يا عيني طيب ومش بتاع مشاكل."

ابتسم الأول ببطء، وكأنه استوعب شيئًا: "أها... فهمت."

هم الأول بالانصراف، لكن صوت الثاني أوقفه: "إنت رايح فين؟"

كان الثاني ما زال منكبًا على كتابه: "بذاكر المصيبة دي."

تجعد وجه الأول استنكارًا: "مادة إيه المصيبة دي؟"

نفخ الثاني بضيق: "إنجليزي... الله يخرب بيتها"

هز الأول رأسه بأسف على حال صاحبه وانصرف...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة