في ليل دامس، كان "ساجد" يغط في نوم مضطرب، عرقه يتصبب وتقلباته لا تهدأ. فجأة، انتفض جالسًا، يده تمسح جبينه المبلل، أنفاسه لاهثة. نظر حوله، الجميع نيام. نزل بقدميه على الأرض الباردة وتحرك بخطوات قليلة، لكن وقع أقدام خلفه أوقفه. استدار ببطء، ليجد أمامه وجوه الأطفال الذين اعتدوا عليه صباحًا. نظراتهم كانت حادة كسكاكين. حاول الابتعاد، لكن صوتًا خشنًا أوقفه:- "على فين يا حلو؟"
ارتفعت عينا "ساجد" إليه هامسًا:- " كنت بتمشى."
انقضّ عليه أحدهم، وقبض على قميصه ورفعه عن الأرض قليلًا، قائلاً بنبرة خشنة:- "فاكر نفسك في قصر أبوك تتمشى براحتك؟ يلا "
ارتجف صوت ساجد: " أنا هرجع مكاني."
قهقه آخر بسخرية:- " هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه؟"
ارتجف صوت ساجد:- " ابعد ونزلني، أنتم عايزين مني إيه؟"
رفعه الآخر أعلى، وهتف بحدة:- " جايين نعلمك الأدب ونوريك إزاي تروح تقول للظابط علينا."
تلوى "ساجد" في قبضته، وقدماه ترفرفان في الهواء يائسًا:- " أبعد والله أنا قولت الحقيقة، ولو عملت حاجة تاني هقوله برضه، أبعد بقى!"
ضحك طفل آخر باستهزاء:- " ده بيهددك يا بيومي.".
نظر "بيومي" إلى "ساجد" بعينين ضيقتين:- " وأنت مين يا روح أمك عشان تهددني؟ هااا، رد!"
تمتم "ساجد" بخوف:- "أبعد عني، أنا معملتش ليك حاجة، أنتم اللي بتأذوني، وده مش اسمه تهديد، ده تحذير.".
ألقى "بيومي" بساجد على الأرض بقسوة، وقال بتهديد: " أنا هوريك دلوقتي مين بيومي وهعلمك الأدب."
صرخ "ساجد" برعب: "أنت واحد حيوان!"
انفجر "بيومي" ضاحكًا: " أنت كده بتشتّم! هههههه أنت عارف أنا أكتر كلمة بحبها حيوان دي! هههههه صح يا صلاح؟"
هز "صلاح" رأسه بضحك هستيري: "ههههه صح يا معلم صح! هههههه".
أشار "بيومي" إلى صلاح: " أمسك الواد ده يلا."
اقترب "صلاح" من "ساجد"، وقبض على يديه بقوة وهو يقول بتأكيد: " تحت أمرك يا معلم."
انحنى "بيومي" على "ساجد"، وأمسك بوجهه بيده الخشنة: " عيل زيك يهدد بيومي؟ أنا هوريك مين بيومي."
تلوى "ساجد" محاولًا الإفلات: " ابعدوا عني! ابعدوا يا عسكري!"
جذب "بيومي" شعر "ساجد" بعنف: "- على أقل من مهلك، ده لو حد سامع صوتك يا حلو. تحب أبدأ منين؟ من عينك الحلوة دي؟"
تلاشى شعور "ساجد" بالقوة، واستبد به خوف مشلول، لم يعد يدري ما يفعل، ظل يصرخ برجاء يائس: " لا! أبعد! حد يلحقني! يا ظابط! يا ناس!"
قهقه "صلاح" بسادية: "- ههههه أنا بقول نبدأ بالعيون يا معلم، أصلهم حلوين قوي."
أخرج "بيومي" سكينًا لامعة، وقربها ببطء من عين ساجد:- " اللي تحبه يا صلوح."
حدّق "ساجد" في النصل اللامع يقترب من عينيه، دموع الرعب تنساب منهما، نظر إلى "بيومي" ثم إلى "صلاح" الذي يشدّ على ذراعيه بقوة
باندفاع يائس، ضرب "ساجد" "صلاح" بكوعه في بطنه بقوة، فتركه "صلاح" يتلوى من الألم ويصرخ ويشتم.
انطلق "ساجد" يركض بعيدًا بكل ما أوتي من قوة.
صاح "بيومي" بغضب هستيري: " الحقوا الواد هرب يا بهايم! هاتوه يلا يا شوية أغبياء! يلا!"
اندفع الجميع خلف "ساجد" في مطاردة محمومة، أيديهم تتمدد للقبض عليه. ركض بأقصى سرعة، أنفاسه تتقطع، ناظرًا خلفه بذعر حتى ارتطم بشيء صلب أمامه. رفع عينيه المذعورتين ليجد شابًا يفرك إحدى عينيه بنعاس، بينما الأخرى تحدقه بفتور.
تضرع "ساجد" بصوت مبحوح: "ساعدني!"
عقد الشاب حاجبيه ببطء، ونظر إليه بذهول: "أساعدك في إيه؟"
قال "ساجد" بصعوبة، صدره يعلو ويهبط بعنف: "هم... عاوزين يقتلوني."
ارتسمت الدهشة على وجه الشاب وهو يحدق في ساجد: "هم مين دول؟"
أشار "ساجد" برعشة إلى الخلف حيث يتقدم "بيومي" بصحبة مجموعة من الرجال، وصوته الغاضب يتردد: "أنت يا ياض تعال هنا!"
رمق الشاب "بيومي" بطرف عينه، ثم نظر إلى "ساجد" المتشبث بقميصه بقوة، وسأل ببرود: "فيه إيه يا بيومي؟"".
قال "بيومي" بضيق مكتوم: "مفيش، بس الواد ده من عنبرنا، وبنرجعه تاني."
نظر الشاب إلى "ساجد" الذي هز رأسه بنفي محموم، وقال بلهجة قاطعة: "من النهارده، ده اتنقل عنبري."
احتقن وجه "بيومي" بالغضب: "لا طبعًا!"
حدقه الشاب بعينين حادتين كشفرتين: "أنت بتكسر كلمتي ولا إيه؟"
ابتلع "بيومي" ريقه بصعوبة، وقال بتلعثم: "لا... مش قصدي، بس ده لسه جديد، ومنقدرش نستغنى عنه."
ابتسم الشاب ببطء ساخرًا: "والله؟ وده من إمتى الحب ده؟ أنا قولت كلمة، ارجع عنبرك يلا."
قال "بيومي" بغيظ مكبوت: "بس..."
قاطعه الشاب بنبرة آمرة: "قولت يلا!"
سحبه "صلاح" بعيدًا قائلًا بتمتم: "يلا يا معلم، هو في المنطقة الغلط."
غادر "بيومي" وهو يرمق الشاب بنظرات حقد ووعيد بالانتقام.
مرر الشاب يده في شعره الأشقر المسترسل، ثم استدار إلى "ساجد" وقال بهدوء: "متخافش، مفيش حد هيأذيك."
هز "ساجد" رأسه وهو يتأمل الشاب ذا العينين العسليتين والملامح الهادئة. لم يبدُ عليه أي شر.
اقترب طفل وسأل بفضول: "فيه إيه؟"
ثم نظر إلى الشاب: "والجديد ده بيعمل إيه هنا؟"
رد الشاب ببرود: "أنت إيه اللي صحاك من النوم؟"
حك الطفل كتفه بتكاسل: "رايح الحمام... وإيه اللي حصل؟"
نظر الشاب إلى "ساجد" وقال للطفل: "خده معاك، وشوف له مكان في العنبر بتاعنا."
نظر الطفل إلى "ساجد" من رأسه حتى قدميه وسأل باستنكار: "ليه؟"
لوى الشاب شفتيه بضيق: "بعدين بعدين يا زفت." ثم نظر إلى "ساجد" بابتسامة خفيفة: "تعالى معايا يلا."
تبع "ساجد" الطفل الذي بدا في مثل عمره تقريبًا، ثم نظر إلى الشاب الآخر الذي يسير أمامهما.
استلقى "ساجد" على سرير مهترئ، يضم يديه إلى صدره بخوف. كان يتوق للأمان، لكنه كان يعلم أن مصيره لا يحتوي مثل تلك الكلمة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي، فتح "ساجد" عينيه ببطء، مستغربًا السكون المخيم حوله. لقد كان هذا المكان عالمًا مختلفًا عن العنبر الصاخب الذي أتى منه. هنا، كان لكل شخص مهمة؛ منهم من يلعب بهدوء، ومنهم من يذاكر بتركيز، وآخرون يتعاونون في تنظيف المكان. حتى الرف الذي يحمل بعض الكتب والراديو بدا ككنز ثمين. بينما كان ساجد يغير ملابسه، اقترب منه فتى في مثل عمره تقريبًا، وبصوت بشوش ألقى التحية: "صباح الخير."
رد "ساجد" بفتور: "صباح النور."
"تعال معايا" دعاه الصغير بابتسامة خفيفة.
تسلل بعض القلق إلى قلب "ساجد" فسأل: "على فين؟"
طمأنه الصغير: "متخافش، بس تعال."
تتبّع "ساجد" خطواته حتى وصلا إلى بقعة هادئة تشبه حديقة صغيرة، تعجّ بألوان الزهور الفاتنة. كان الفتى ذو العينين العسليتين منهمكًا في الاعتناء بها، لمسة رقيقة تداعب بتلاتها.
توقف "ساجد" أمامه، يفرك يديه بتردد وسأل: "انت عايزني في حاجة؟".
رفع الفتى الآخر عينيه نحوه، ابتسامة دافئة ارتسمت على شفتيه وهو يقول: " عجبك المكان؟".
أومأ "ساجد" برأسه ببساطة: "أيوه، كنت عايز أشكرك".
عبس الفتى الآخر قليلًا وتساءل: "على إيه؟".
رفع "ساجد" بصره وقال بوضوح: "إنك ساعدتني".
ابتسم الشاب ووضع يده على كتف "ساجد" بحنو "ده واجبي، أنت طلبت مساعدة وأنا ساعدتك. مش كده يا زفت؟".
انتفض الفتى الآخر قائلًا بانزعاج: "ألف مرة قلتلك مش زفت، يوسف.. أسمي يوسف".
ضحك الشاب الأول بخفة: "عارف، عارفك. ده يوسف عبقري العنبر".
نظر "ساجد" إلى يوسف بابتسامة فضولية: "اسمك عبقري؟"
أجاب "يوسف" بثقة زائفة: "حاجة زي كده".
هز "ساجد" رأسه ثم مد الشاب يده لـ "ساجد" قائلًا: "وأنا داغر."
صافحه ساجد: "أنا ساجد".
لوى "يوسف" شفتيه بتعجب: "ساجد... اسم غريب."
ارتسمت الدهشة على وجه "ساجد" وهو يسأل: "ساجد غريب وداغر عادي يعني؟"
حك "داغر" رأسه قائلًا: "معك حق، المهم تشرفت بك يا ساجد."
أكد "يوسف" بجدية: "داغر هو رئيس المكان، كل حاجة هنا تخصه."
نظر "ساجد" إلى "يوسف" بتساؤل: "يعني هنا زي مدرسة كده؟".
نفى "يوسف" قائلًا: "لأ، بس لو عايز تكمل دراسة ممكن تروح الامتحانات".
توهج وجه "ساجد" فرحًا "بجد؟".
أكد داغر: "أيوه، عندك كام سنة؟".
أجاب ساجد: "12 سنة".
ابتسم "يوسف" باتساع: "زيي يعني".
استفسر داغر: "بتعرف تقرا؟".
أومأ "ساجد" برأسه إيجابًا. ثم التفت إلى "يوسف" وسأله: "كم لغة تعرف يا يوسف؟"
أجاب "يوسف" بفخر: "اتنين، عربي وإنجليزي".
استغرب "ساجد" قائلًا: "بس كده؟".
رد "يوسف" بثقة: "وكفاية، أتحداك تعرف تتكلم كلمتين إنجليزي".
ابتسم "ساجد" بتردد قائلاً "أنا اعرف ست لغات".
فتح "يوسف" فاهه بدهشة تامة: "نعم؟!".
صدم "داغر" وقال: "ست لغات؟"
أكد ساجد: "أيوة الإنجليزية، اليابانية، الفرنسية، الصينية، التركية، الروسية، ولو حسبنا العربية، يبقي سبعة."
نظر كل من "يوسف" و "داغر" إلى بعضهما بذهول وسألا في نفس اللحظة: "أنت قولت عندك كام سنة؟".
ارتعش صوت "ساجد" قليلًا وهو يجيب: "12 سنة، في إيه؟".
نظر "داغر" إلى "يوسف" بتعجب وقال: "وقلت إنك عبقري علشان بتعرف إنجليزي؟".
تراجعت ابتسامة "يوسف" وقال بحزن طفيف: "حلو، أحسن من مفيش".
ثم التفت "داغر" إلى "ساجد" وسأله بلطف: "أنت جيت هنا ليه يا ساجد؟".
تلعثم "ساجد" قليلًا وقال بتوتر: "عشان... عشان جيت".
لاحظ "داغر" ارتباك "ساجد" وقال بهدوء: "مفيش داعي تقول لو مش عايز".
أومأ "ساجد" برأسه موافقًا بصمت...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أيام قليلة قضاها "ساجد" في العنبر الجديد، حيث أحبه الجميع ووجد في حماية داغر سندًا، انغمس في الدراسة وعمل على تعليم الآخرين."...،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في منزل المهدي"
كان "رسلان" منهمكًا مع حاسوبه، بينما يجلس الجد "خليل" بجانبه غارقًا في أوراقه. قطعت "رقية" هذا الصمت الواهن بدخولها ووقوفها أمام والدها، هامسة برجاء: "بابا."
رفع "خليل" عينيه عن الأوراق للحظة، ثم أعاد نظره قائلًا بفتور: "نعم يا رقية."
توسلت "رقية" بنبرة يائسة: "عايزة أشوف ابني".
رد "خليل" بهدوء ظاهري يخفي صلابة: "ابنك قاعد جنبك".
نظرت "رقية" إلى "رسلان"، الذي لم يرفع عينيه عن شاشة الحاسوب، وقالت بوضوح: "أنا عايزة أشوف ساجد، يابابا بلاش لف ودوران عايزة اشوف ابني ساجد".
تجهم وجه "خليل" وقال بحدة "وأنا قلت لا. إيه هتكسري كلمتي تاني؟"
انهمرت دموع "رقية" وهي ترتجيه: "بابا أرجوك، ده ابني. حرام عليك".
ثبت "خليل" عينيه عليها وقال بجمود: "ده مش ابنك. ده واحد قاتل. عايزة ليه ده؟ إيده مليانة دم. انسي يا رقية".
صرخت "رقية" بأسى: "حرام عليكم حرام. ده حتة مني. هو عمل كدا غصب عنه وانت عارف كويس رأفت".
قاطعها "خليل" بصرامة: "وأنا قولت اللي عندي. ولو فكرتي تشوفيه يا رقية، وقتها ولا هكون أبوكي ولا أعرفك. مفهوم؟"
تراجعت "رقية" وجلست عند قدمي والدها المتصلبتين، متوسلة: "أبوس إيدك بلاش تقول كدا. هو ابني".
نهض "خليل" واتجه نحو الخارج، وهو يتمتم ببرود: "اللي عندي قولته".
تركت "رقية" وحدها تبكي بحرقة على مصير ابنها الصغير، ضائعة بين حنين الأمومة وغضب الأب.
اقترب منها "رسلان" ونظر إليها بازدراء، ثم أخرج منديلًا من جيبه ومدّه لها.
أخذت "رقية" المنديل ونظرت إليه بعينين دامعتين، فسألها "رسلان" بنبرة خبيثة: "عايزة تشوفي؟ لو فكرتي فيه يا أمي أو جبتي سيرته في البيت ده، وعد مني مش هتكوني خسرتي ابن واحد، لا هتكوني خسرتي الاتنين طول عمرك".
حدقت "رقية" في الشر المتوهج في عيني "رسلان" تجاه أخيه وقالت بصدمة: "ده أخوك يا رسلان، أنت بتقول إيه؟"
انفجر "رسلان" غاضبًا "أنا معنديش أخوات. أنتِى فاهمة؟"
"رقية" بدموع:: "حرام عليك والله. بعد ما تعرف حقيقة أبوك لتكرهوا وتكره نفسك مليون مرة على اللي بتعملوه في أخوك يا رسلان. وقتها هتتمنى الموت على اللي عملته فيه وعلى حرقة قلبي عليه".
ابتسم "رسلان" بشر: "بابا أحسن من الكل وهدفع ابنك تمن اللي عمله".
بكت "رقية" وهي تقول بيأس: "ابني مظلوم وربنا هيحاسبكم ومن ظلمكم له يا ابني".
نهض "رسلان" وقال بتهديد: "لو فكرتي تشوفي بس يا أمي، وقتها هيكون آخر مرة تشفيني. سامعة؟"
غادر "رسلان" تاركًا "رقية" جالسة وحدها، تذرف الدموع على قدر ابنها القاسي وعلى الندم المرير الذي ينتظر ابنها الأكبر في النهاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في زنزانة السجن، وبعد انقضاء فترة طويلة طوت معها الأيام ذكريات حريتهم، كان "ساجد" يجلس القرفصاء بجوار "داغر" و "يوسف". تبادل ثلاثتهم أطراف الحديث بصوت خافت، كأنهم يخشون أن تسمع جدران الوحدة همساتهم.
بعد صمت قصير خيم على المكان، وجه "ساجد" نظره إلى "يوسف" وسأله بفضول حذر: "يوسف، أنت مسجون بتهمة إيه؟"
ارتسم الحزن العميق على وجه "يوسف"، وتنهد قبل أن يجيب بصوت خفيض: "قتل."
اتسعت عينا "ساجد" دهشة وصدمة، وتساءل بذهول "قتل؟ ليه؟"
تجمعت الغصة في حلق "يوسف" وهو يستعيد ذكريات الماضي الأليم: "اعمل إيه؟ بابا مات وأنا عمري تسع سنين. وقتها كنا بنموت من الجوع أنا وأختي الصغيرة، وصاحب البيت عايز الإيجار. وقتها حاول يطلع أمي وأختي من البيت. في الفترة دي، اختي ماتت من الجوع وأمي كانت تعبانة بسبب اللي حصل ومكنتش بتشتغل ومكنش عندنا حاجة. جه وكسر البيت علينا وضرب أمي، وأنا وقتها ضربته بالسكينة في بطنه. الشرطة قبضت عليا وهو مات وخدت سبع سنين سجن".
ارتسم الحزن على ملامح "ساجد" وهو يسأل بتعاطف: "ومامتك؟"
انهمرت الدموع من عيني "يوسف" وهو يجيب بصوت مخنوق: "ماتت بعد دخولي السجن بسنة من حزنها علينا".
تأثر "داغر" من حزن وألم "يوسف" ولسماعه هذه القصة الموجعة،مره اخرى وقال بضيق وهو يحاول إنهاء هذا الحديث المؤلم: "خلاص كفاية، متكملش يا يوسف".
مسح عينه بنبرة حزينة والتفت إلى "داغر" متسائلاً: "وأنت يا داغر، احنا صحاب من سنتين ولغاية دلوقتي معرفش السبب سجنك إيه".
تجهم وجه "داغر" وأجاب بضيق: "مخدرات."
ارتد "ساجد" إلى الخلف وكأن كلمة "مخدرات" صعقته، وسأل بذهول: "مخدرات ليه "
هز "داغر" كتفه بقلة حيلة وهو يسترجع تلك الذكرى المشؤومة: "في يوم كنت مسافر مع بابا، وقتها قررت أروح أزور ماما في المقابر قبل معاد الطيارة. وقتها الشرطة وقفت العربية بتاعتنا وفتشوها، طلعوا مخدرات منها. وقتها اتقبض علينا، خفت على بابا وقلت إنهم بتوعي. لما بابا دور في الموضوع عرف إن حد من اللي بيشتغل معه عمل في كدا، بس واخدت سبع سنين".
هز "يوسف" رأسه بحزن وقال بتعاطف: "ظلم يعني".
ثم وجه نظره إلى "ساجد" وسأله: "وأنت يا ساجد؟"
ارتعش صوت "ساجد" وتلعثم وهو يجيب بخوف واضح: "ق... قتل."
اتسعت عينا "داغر" ذهولًا وسأل بستفهام : "قتل؟ وأنت مين قتلت؟"
ازداد ارتباك "ساجد" وتلعثمه: "ب... بابا".
صعق "يوسف" من هول ما سمع وسأل بصدمة: "أبوك؟ ليه؟"
توقف "ساجد" عن الكلام للحظة، وبدا عليه الخوف الشديد، ثم همس بصوت مرتعش: "ك... كان..."
لاحظ "داغر' حالة "ساجد" النفسية المضطربة، فنظر إليه بحنان وقال بصوت هادئ"ساجد، لو مش حابب تقول بلاش".
تنفس "ساجد" بعمق وبدا عليه التوتر الشديد وهو يقول: "قتلته دفاع عن نفسي وآسف مش هقدر أقول أكتر من كدا".
نظر إليه "يوسف" بتفهم وابتسامة خفيفة وقال: "ولا يهمك".
بعد لحظات من الصمت، سأل "داغر" ساجد بفضول: "ساجد، عندك أخوات؟"
خيم الحزن العميق على وجه "ساجد" وهو يجيب: "أيوه، واحد. رسلان أكبر مني بخمس سنين".
أبدى داغر دهشته قائلًا: "تمام."
في زنزانته الباردة بعد طول انتظار، كان "بيومي" يتململ، وجهه محتقنًا بالغيظ. صوته الخشن كان يتمزق بوابل من الشتائم البذيئة، وكل كلمة مصحوبة بضغط عنيف على كفه.:- "بقى عيل صايع زي ده يتطاول عليا؟ أنا بيومي! طيب أزاي؟ أزاي؟"
اقترب "صلاح" بحذر، ووضع يده اليمنى على كتف "بيومي" بحذر وقال: "اهدى يا معلم، أنت عارف إنه الواد ده مستقوي وشايف نفسه عشان داغر معاه".
طحن "بيومي" أسنانه بغيظ: "ومين داغر ده؟ ده حتة عيل لا راح ولا جه. أنا بيومي كبير السجن ده وبس، فاهم؟"
ارتعد "صلاح" وقال بتلعثم: "أيوه... أيوه طبعًا يا معلم، أنت الكبير هنا... بس يعني الكل هنا بيحب داغر وبيعتبروه هو الكبير، وأنت يعني..."
انقض "بيومي" على رقبة "صلاح"، وضغط عليها بقوة وهو يقول بنبرة تهديد: "أنت بتقول إيه يا ابن الـ...؟ سمعني تاني كدا!"
كافح "صلاح" لالتقاط أنفاسه تحت قبضة بيومي: "لا لا والله ما قصدي يا معلم، أنت الكل في الكل هنا. سامحني يا معلم، غلطت حقق عليا".
دفعه "بيومي" بعيدًا عنه بازدراء وقال بغضب مكتوم: "أنا هعرفهم مين هو بيومي وهعلمهم الأدب كويس".
تحسس "صلاح" عنقه بوجع وهمس في أذن "بيومي" كحية ماكرة: "إيه رأيك يا معلم نخلص من الواد اللي اسمه داغر ده؟ بكده نكون ضربنا عصفورين بحجر واحد".
نظر "بيومي" إليه بتمعن وقال ببطء: "قصدك إيه بالظبط؟ قول بسرعة".
ابتسم "صلاح" بمكر خبيث: "يعني تبقى أنت الكبير الأوحد هنا، الكل يخاف منك ويحسب لك ألف حساب، وكمان ناخد حقك من الواد اللي اسمه ساجد ده ونأدبه... إيه رأيك في الخطة دي؟"
ارتسمت على شفتي "بيومي" ابتسامة خبيثة، وربت على كتف "صلاح" ببطء وقال: "والله وطلعت دماغ يا ابن الـ... فكرة مش بطالة". ضحك صلاح بتملق وهو يحك رأسه: "من خيرك يا معلمي... هههههههه".
قهقه "بيومي" بضحكة صاخبة: "هههههههههه".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين هدوء المساء المتسلل، كان "ساجد" يتمشى جنبًا إلى جنب مع "يوسف"، الذي يستمع إليه باهتمام قبل أن يتمتم بكلمة واحدة: "فهمت".
حك "يوسف" مؤخرة رأسه في تردد وقال: "لا، مش فاهم إيه ده بالظبط؟"
رفع "ساجد" حاجبيه بتعجب: "في إيه يا يوسف؟ مالك؟"
زم "يوسف" شفتيه بضيق: "ماشي، أنا بحب أذاكر وأفهم، بس مكنتش متخيل إن الموضوع بالصعوبة دي".
ضحك "ساجد" بخفة: "يا عم أنت في ثانوي دلوقتي، طبيعي إن المناهج تكون أعمق شوية. ركز بس، وكل حاجة هتبقى تمام إن شاء الله".
لوى "يوسف" فمه بتذمر: "إن شاء الله... بس سؤال بجد، إنت إزاي ما شاء الله عليك كده؟ بتلقط كل حاجة بسرعة رهيبة، لغات ومعلومات وذكاء... وإنت دايماً من الأوائل. أنا يا دوبك بستنى النجاح يعدي عليا".
ابتسم "ساجد" ابتسامة باهتة وقال بنبرة مزاح: "مش عارف... بس أنت مش بتطلع من الأوائل زيي يا كذاب، عايز إيه أكتر من كده؟ ده إنت بتجيب درجات كويسة".
رد "يوسف" بحماس: "ده علشان شرحك ليا بيكون أحسن من أي مدرس! أنت بتوصل المعلومة بطريقة عبقرية، عايزني أكون إيه أكتر من كده؟"
وضع "ساجد" يده على معدته بتأفف خفيف: "طيب خلاص يا عم، كفاية كلام دلوقتي".
نظر إليه "يوسف" بقلق: "لسه تعبان؟ شكلك مش كويس".
حاول "ساجد" أن يبدو طبيعيًا وقال: "لا، الحمد لله أحسن كتير".
ضيق "يوسف" عينيه بشك: "متأكد؟ مش مرتاحلك
سبقه "ساجد" بخطوة وقال بتأكيد مصطنع: "متأكد يا عم. صحيح، فين داغر؟ مش باين خالص النهاردة".
هز "يوسف" رأسه موافقًا: "عندك حق، شكله مختفي. تعالى ندور عليه نشوف راح فين".
وانطلق الصديقان يبحثان عن داغر...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زاوية أخرى معزولة، كان "داغر" ينغمس في طقوس قوته اليومية. كان يبتعد في المساء ليختلي بنفسه ويمارس تدريباته بعيدًا عن أعين المتطفلين. تارة يرفع الأثقال بجهد، وتارة أخرى ينهال بقبضاته القوية على كيس الرمل المعلق. عرقه يتصبب غزيرًا، وأنفاسه تتصاعد وتهبط بعنف كعداء في سباق محموم من يراه يعتقد أنه مصارع وهو ليس سوي شاب فى مقتبل العمر.
فجأة، تسللت إليه مجموعة من الفتيان في مثل عمره من الخلف. استدار "داغر" ببطء وثبات، نظرة خبيثة تلمع في عينيه وهو يتمتم: "أخيرًا... كنت محتاج شوية تغيير عن كيس الرمل ده".
تقدم الشبان نحوه في حذر، ثم انقضوا عليه في لحظة واحدة. ضربات متتالية، لكنها كانت ترتد عن جسد "داغر" كأنها تصطدم بجدار صلب.
كان يتحرك بخفة وثقة، يتفادى كل لكمة وركلة ببراعة. استمرت المعركة الصامتة لدقائق
حتى وصل "ساجد" و "يوسف" ليشهدا هذا المشهد المحتدم. دون تردد، ركض الصديقان لنجدة داغر، وساعداه في صد هجوم الفتية.
في تلك اللحظة الحرجة، اندفع أحدهم نحو "داغر"، يلوح بشفرة حادة في يده، محاولًا طعنه. لمعت الشفرة في ضوء المساء الخافت، ورأى "ساجد" الخطر المحدق وصرخ بكل قوته: "حاسب يا داغر!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل