البارت السادس 🦋

البارت السادس 🦋

18 0

هوى "ساجد" بين ذراعي "داغر" فجأة، كغصن شجرة انكسر. حمله "داغر" بصدمة شلت حركته، وعيناه لا تستوعبان ما حدث.

تبادل الفتية النظرات المذعورة وولوا هاربين في الظلام. انحنى "يوسف" المذهول على "داغر" الذي كان يضم "ساجد" شاحب الوجه، ويده ترتجف فوق كتفه الملطخ بالدماء.:- "ساجد! ساجد! إيه اللي حصل؟ يا داغر رد عليا! ساجد ماله؟ ليه مش بيتكلم؟"

كان "داغر" غارقًا في بحر من الذهول. يعرف قيمة الصداقة والتضحية، لكن لم يخطر بباله أبدًا أن يفتدي أحدهم حياته من أجله. كانت عيناه مثبتتين على وجه "ساجد" الشاحب، وعقله فارغًا من أي رد فعل بينما يخترق سمعه صراخ "يوسف" الممزوج بالهلع.

كان "ساجد" يرقد بلا حراك، جفناه مطبقان بإحكام، والدماء تنزف بغزارة من جسده النحيل والضعيف.

صرخ "يوسف" هستيريًا في وجه داغر: "داااااغر! ساجد بيموت! داغر! الحقووووووه يا نااااااس! آآآآه! سااااااجد رد عليا! افتح عينيك!"

هز "يوسف" كتف "داغر" بعنف وهو يصرخ بيأس: "داااااغر فوق! ساجد... ساجد تعبان أوي! مش هيموت... مش ممكن! اتصرف يا داغر!"

رفع "داغر" عينيه أخيرًا إلى "يوسف"، نظرة مشوشة تحمل مزيجًا من الخوف والإنكار، ثم بريقًا خافتًا للتحدي والوعيد.

اخترق صدى صفارات الإنذار أرجاء السجن، وتعالى نباح الكلاب المسعورة. اقترب ضابط بوجه متجهم من "داغر" الذي كان يحتضن "ساجد" بين يديه وسأله بنبرة حادة: "إيه اللي حصل هنا؟ مين اللي عمل فيه كده؟ ردوا بسرعة!"

انفجر "داغر" بغضب مكتوم: "لازم يروح المستشفى حالًا!  أنت مش شايف إنه غرقان في دمه إزاي!"

نظر الضابط إلى "داغر" بضيق وقلق واضح على عواقب هذا الحادث، وأشار إلى أحد الجنود بحمل "ساجد" ونقله إلى مستشفى السجن.

توسل "يوسف* برعب: "أنا عايز أروح معاه! مش هسيبه لوحده!"

زمجر الضابط بغضب: "حد قالك رايحين الملاهي؟ يلا!"

نظر "داغر" بعيون دامعة ممزوجة بالقلق العميق والغضب المتصاعد: "ده مش رايحين الملاهي، بس إحنا كمان مصابين ولازم نتعالج!"

لاحظ الشرطي الدماء المتدفقة من رأس "يوسف" وذراع "داغر"، فزفر بضيق وقال بحدة: "انتوا الاتنين تتزفتوا على عينكم يلا غوروا  قدامي!"

ابتهج "يوسف" بضعف وركض مهرولًا خلف الجندي الذي يحمل ساجدًا، بينما نظر "داغر" بطرف عينه إلى الشرطي الغاضب بجانبه، ثم تركه وانسحب بصمت...

.....................

في سكون الليل ببيت المهدي، انتفضت "رقية" من فراشها فزعة، أنفاسها مضطربة وشهقات مكتومة تهز صدرها. دموع ساخنة شقت طريقها على وجنتيها المبللتين وهي تهمس بصوت خافت ومبحوح "ساجد حبيبي! يااارب! يارب طمني عليه يارب! احفظه وخليك معه هو لوحده، أنت عارف إنه مظلوم. أنا خايفة عليه 3 سنين دلوقتي بعيد عني، أنا مش قادرة أشوفه حتى يارب كون معه هو مالوش ذنب في حاجة يارب. أنا عارفة إني عمره ما هيسامح حد فينا بالأخص أنا، بس والله غصب عني يارب أنت عارف هو بيحصل معه كدا ليه ده طفل مش شاف يوم حلو في حياته ااااه ياساجد!"

قفزت "رقية" من فراشها المبلل بدموعها، وتوضأت ببطء وثبات، وكأنها تستمد قوة من رب الملكوت. اقتربت من سجادة صلاتها، وبقلب دامع رفعت يديها إلى السماء، تتوسل في كل ركعة لنجاة *ساجد"، تناجي الله برجاء الأم المكلومة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"في مستشفى السجن"

في أجواء مشحونة بالقلق داخل مستشفى السجن، كان "يوسف" و "داغر" يجلسان جنبًا إلى جنب بعد أن عالج الطبيب جروحهما بعناية. الصمت يخيم على المكان، لا يقطعه سوى أنفاسهما المضطربة ودقات قلوبهما المتسارعة انتظارًا لخروج "ساجد"، علّ قلوبهما المرتعبة تهدأ قليلًا.

رأى "داغر" الدموع تنهمر بصمت على وجنتي "يوسف" الشاحبتين، فاحتضنه بذراعه بحنان، محاولًا بث الطمأنينة في قلبه الموجوع.

انفجر "يوسف" في بكاء مرير، كلماته تتقطع بين الشهقات: "مش هيحصله حاجة صح يا داغر؟ قوللي الحقيقة... مش هيحصله حاجة؟"

نظر إليه "داغر" بإنصات عميق، وعيناه تعكسان قلقه الدفين.

أكمل "يوسف" بصوت مخنوق: "أنا مليش حد يا داغر... كل عيلتي راحت. بقيت لوحدي في الدنيا دي. أنت ظهرت في حياتي، وبعدين ساجد... أنتم بقيتوا اخواتي وكل عيلتي، ربنا عوضني بيكم بعد أهلي. أنا خايف على ساجد أوي... هو طيب ليه بيحصل معاه كده؟ أنا متأكد إنه أطيب قلب في العالم ده كله. مش فاهم ليه الكل بيكرهوه حتى أهله... هو دايماً حزين عشان مفيش حد معاه وبيحبه... أنت عارف يا داغر، أنا متأكد إنه قتل أبوه عشان مكنش كويس معاه. أنا متأكد ساجد مش وحش... هو كويس والله... آآآآه يا رب يطلع من هناك سالم يا رب!"

لمعت عينا "داغر* بدموع الحزن والأسى لكلمات "يوسف" الصادقة. لم يستطع أن ينكر أنه هو الآخر أحب "ساجد" من أعماق قلبه، واعتبرهما هما الاثنين الشئ الأساسية لوجوده في هذا المكان الكئيب. أحبهما وحماهما قدر استطاعته من قسوة العالم المحيط بهم.

كان "ساجد" طفلًا بريئًا، ربما لم يفهم تمامًا سبب فعلته، لكن بالتأكيد كان هناك دافع قوي وراءها. شعر "داغر" بالقلق عليه مثل "يوسف"، بل ربما أكثر. كان يتوق للاطمئنان عليه. وضع يده بحنان على رأس "يوسف" وقال بصوت دافئ: "متقلقش يا يوسف... هيكون كويس. أنا عارف إنه طيب... ومش بس كده، هو كمان قوي وهيقوم من الأوضة دي بسرعة... وبعدين أنتم الاتنين بقيتوا إخواتي، ومش هسمح يحصل لكم أي مكروه. كفاية دموع بقى... وبعدين إيه يعني لو كل الناس بتكرهوه؟ أنا وأنت بنحبه وهنكون جنبه ودايماً معاه، فاهم؟"

نظر إليه "يوسف" بعينين تلمعان بالأمل، وهز رأسه بتأكيد وقال بصوت واهن: "فاهم... هيكون كويس إن شاء الله."

وبينما كان الصديقان يتحدثان بصوت خافت، خرج الطبيب من غرفة العمليات ونظر إليهما باستغراب: "أنتوا لسه قاعدين كده؟ لازم ترتاحوا!"

قفز "يوسف" بفزع: "ساجد كويس يا دكتور؟ طمنا عليه!"

ارتسمت على وجه الطبيب نظرة دهشة ممزوجة بالشفقة.

تدخل "داغر" بهدوء: "إحنا بس عايزين نطمن عليه الأول... حالته عاملة إيه دلوقتي؟"

ابتسم الطبيب ابتسامة باهتة وقال بنبرة مطمئنة: "متقلقوش... هو كويس الحمد لله. هننقله أوضة عادية دلوقتي."."

سأل "داغر" بشك: "إصاباته خطيرة؟"

أكد الطبيب: "زي ما قلت لكم، متقلقوش. الإصابة كانت في كتفه، نزف كتير شوية، بس الحمد لله الأمور تحت السيطرة دلوقتي."

سأل "يوسف" بلهفة: "ممكن نشوفه يا دكتور؟"

هز الطبيب رأسه نافيًا: "لا طبعًا مش دلوقتي. لازم يستريح."

غادر الطبيب تاركًا الصديقين ينتظران بفارغ الصبر. وبعد فترة ليست بالطويلة، نُقل "ساجد" إلى غرفة عادية، وسارع "يوسف" و "داغر" للاطمئنان عليه...

....................

"في منزل المهدي"

داخل جدران منزل المهدي الفسيح، انغمس "رسلان" في دراسة أحد الملفات الهامة. ورغم حداثة سنه، كانت مسؤولية إدارة شؤون الشركة التي وكّله بها جده تبدو يسيرة أمام ذكائه الحاد وقوته. وبينما كانت أنامله تقلب الصفحات، اخترق صمت الغرفة رنين هاتفه، مُعلنًا عن رقم غريب.

أجاب ببرود "ألو مين؟"

المتصل: "الأستاذ رسلان معايا؟"

"رسلان" بتأكيد: "أيوه أنا.. مين معايا؟"

المتصل : "أنا الضابط أحمد."

"رسلان" بهدوء حذر: "خير؟"

"أحمد" بجدية: "أستاذ رسلان، أخوك ساجد.."

"رسلان"، مقاطعًا بحدة: "أنا معنديش إخوات."

"أحمد"، وقد اعتلاه الذهول: "أنت بتقول إيه؟ أنت مش رسلان المهدي؟"

"رسلان" بتأكيد: "أيوه."

"أحمد" بتعجب: "طيب يبقى كلامي صحيح، ساجد أخوك."

"رسلان" بضيق واضح: "حضرتك عايز إيه؟"

"أحمد"، وقد بدأت نبرته تتغير: "ساجد حصل معاه حادثة في السجن وهو دلوقتي في المستشفى، أنا كلمت حضرتك علشان أبلغكم باللي حصل."

"رسلان"، محافظًا على جموده : "والمطلوب مني؟"

"أحمد"، وقد عقد حاجبيه: "أنا مش فاهم حضرتك، بقولك أخوك في المستشفى!"

"رسلان" بجمود: "وحضرتك وصلت الرسالة، حاجة تاني؟"

"أحمد" بتعجب شديد من ردة فعله: "لأ."

"رسلان"، وهو ينهي المكالمة: "تمام، مع السلامة."

أغلق "رسلان" الهاتف ببطء، ونظر أمامه بشرود عميق. لم يستطع إنكار الشعور الخافت بالقلق الذي تسلل إلى قلبه، لكن سرعان ما غطى عليه قناع من الجمود التام. نهض فجأة، تاركًا وراءه المكتب والملفات، وغادر الغرفة بخطوات ثابتة...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"في مستشفى السجن"

وبعد يومين من استيقاظ "ساجد"، كان الحزن يخيم على ملامحه. الوحدة تلفه، فلا زائر أتى، ولا أحد سأل عنه. أنكر لسانه الشكوى، لكن قلبه كان يتوق إليهم بشدة. اشتاق لرؤيتهم، لرائحة أمه الدافئة، لعناق يطفئ وجعه المتصاعد وخوفه اليومي. رغب في حنان يداوي روحه المجروحة. كان ينام وعيناه تذرفان الدمع بصمت، حسرته أكبر من أن تنطق. لم يكفيه فقد أخيه، حتى غابت أمه، ليجد نفسه خالي الوفاض، يترقب ما يخبئه له القدر المجهول.

قاطعه دخول الطبيب الذي تفحصه بنظرة سريعة وسأله بفتور: "احسن ؟"

أجابه "ساجد, بهزة رأس خافتة وكلمة مقتضبة: "الحمد لله."

ابتسم الطبيب ابتسامة باهتة وقال: "أنا شريف، طبيب السجن والمسؤول عن حالتك."

ارتسمت على شفتي "ساجد" ابتسامة باهتة مماثلة وهو يتمتم: "شكراً."

ضحك الطبيب ضحكة قصيرة وأضاف: "أنا مش بقولك كده علشان تشكرني، بس كان في حاجة لازم أقولها لك."

سأله ساجد بهدوء "حاجة إيه؟"

هز الطبيب رأسه بتلك الطريقة التي توحي بأهمية الخبر وقال: "هقولك."

وبدأ الطبيب يروي لـ "ساجد" ما جاء ليقوله...

بعد لحظات من الصمت المطبق، نظر الطبيب إلى وجه "ساجد" الشاحب الخالي من أي تعبير وسأله: "فهمت إلي قولته يا ساجد؟"

أومأ "ساجد" برأسه بصمت: "أيوه فهمت."

وقبل أن يتمكن الطبيب من إضافة كلمة أخرى، دلف "داغر" و "يوسف" إلى الغرفة، ابتسامة عريضة تزين وجهيهما.

بادر "داغر" بالسؤال: "اخبارك إيه النهارده؟"

أجاب "ساجد" بابتسامة خفيفة: "الحمد لله أحسن، وأنتو؟"

رد "يوسف" بمرح معهود: "إحنا الحمد لله فل."

قال الطبيب وهو يومئ برأسه مودعاً: "عن إذنكم."

وقبل أن يغادر، استوقفه "داغر" قائلاً: "لو سمحت يا دكتور."

استدار "شريف" بنظرة استفسار: "نعم؟"

سأله "داغر" بجدية وقلق "ساجد حالته إيه دلوقتي؟"

أجاب "شريف" بلهجة مطمئنة "متقلقوش، هو بقي الحمد لله فل زي ما بتقولوا وإن شاء الله يخرج بكرا."

توهج وجه "يوسف" بالفرحة وسأل بتلهف: "بجد هيرجع معانا؟"

أكد شريف "إن شاء الله، حاجة تاني؟"

جلس "يوسف" بجوار "ساجد" وقال بامتنان: "لأ شكراً، مع السلامة."

ابتسم الطبيب وضرب "داغر" رأس "يوسف" بخفة قائلاً بغيظ: "غبي."

صرخ "يوسف" متألماً:: "آه دماغي يا عم أنت!"

ضحك "ساجد" للمرة الأولى منذ وقت طويل، فنظر إليه "داغر" بعتاب: "عملت كده ليه يا ساجد؟"

سأله "ساجد" بتوتر: "عملت إيه؟"

علق "يوسف" بضحكة مكتومة: "عملت عملة قد النملة ههههههه."

رمقه "داغر" بنظرة حادة آمرة بالصمت ثم التفت إلى "ساجد" قائلاً بجدية: "أنت عارف قصدي إيه يا ساجد، أنت كان ممكن تموت يا زفت، إزاي تعمل كده؟"

أجاب "ساجد" بتلعثم وقلق: "أنا معملتش حاجة، هو اللي ضربني، كتفي جه عنده لوحده."

عقب "يوسف" بضحك ساخر: "مش محترم.. ليه معلمتوش يا ساجد إنه ميدخلش في شغل الكبار ليه؟"

أجابه "ساجد" بحزن مصطنع: "معاك حق المرة الجاية."

صرخ "داغر" بضيق: "أنتوا بتستهبلوا؟ رد يا ساجد!"

نفى "ساجد" بهدوء: "عايزين أعمل إيه يا داغر؟ هو كان هيضربك وأنا معرفتش أعمل إيه، أسيبه يضربك؟"

تنهد "داغر" بضيق: "سيبه يا أخي سيبه، أنا طلبت منك تعمل كده؟"

أجاب "ساجد" بنبرة متحفظة: "لا."

تساءل "داغر بغضب: "يبقى عملت كده ليه؟"

أجاب "ساجد" بجمود: "ملكش دعوة."

قال "داغر" بحدة: "تصدق أنت بارد!"

أجابه "ساجد" ببرود مماثل "عارف."

علق "يوسف" بضحكة: "زيي هههه."

قال "داغر" بيأس: "صح، الظابط قال لأهلك اللي حصل معاك؟"

أجاب "ساجد" بحزن عميق "قالهم."

تنهد "داغر" بضيق: "أيوه بس مفيش حد جه."

قال "ساجد "بألم خفي في صوته: "عارف ومش فارقة."

سأله "داغر" بحدة: "قصدك إيه؟"

أجاب "ساجد" بلامبالاة مصطنعة: "ولا حاجة."

أدار "داغر" وجهه إلى الناحية الأخرى وقال بضيق "أحسن برضه."

…………………………………

"في الخارج"

داخل غرفة الطبيب توجه إليه أحد الأشخاص وقال: - دكتور، التحاليل اللي طلبتها.

أمسك الطبيب التحاليل وقال: - زي ما توقعت.

نظر الشخص إليه باهتمام وقال: - إيه هو يا دكتور؟

خلع نظارته وقال: - الطفل ده فيه حاجة غريبة ومش مفهومة، وطلبت التحاليل وأثبتت كلامي.

قال باستفهام: - أثبتت إيه بالظبط؟ أنا مش فاهم.

الدكتور بتأكيد: - هقول لك.

......................

رجع "ساجد" إلى السجن من جديد، وعلّم "داغر" "بيومي" وجماعته الأدب.

وتعلق الثلاثة ببعضهم بقوة وأصبح لا يستطيع أحدهم الاستغناء عن الآخر.

.........................

"وبعد مرور سنتين"

كان يجلس "ساجد" وهو يبدو عليه الحزن الشديد، اقترب منه "يوسف" وقال: - متزعلش يا ساجد، أنا مش عايز أبعد عنك أبداً.

"ساجد" بنفي: - أنا مش زعلان، بالعكس فرحان علشان هتخرج من هنا أنت وداغر.

"يوسف" بحزن أكبر: - بس أنا زعلان ومش عايز أسيبك، أنا مش هقدر أستغنى عنك يا ساجد، أنت وداغر عائلتي، إزاي أطلع وأسيبك؟

"ساجد" بضيق: - متقولش كده، أنت دلوقتي هتطلع وتدخل الكلية زي ما كنت عايز، مش كده؟ وداغر كمان.

"يوسف" وهو يعانق ساجد: - طيب وأنت؟

"ساجد" وهو يبادله العناق: - أنا موجود... هو أنت مش ناوي تزورني ولا إيه؟

"يوسف" بتأكيد: - أيوه هاجي أكيد.

"داغر" وهو يقترب منهم: - خلاص بقى، إيه دور الحبيب والحبيبة ده؟

"يوسف" وهو يبتعد عن "ساجد" ويمسح عينه بحزن: - ملكش دعوة أنت.

"ساجد" بتأكيد: - أيوه ملكش دعوة، صح.

"داغر" بتأكيد: - أنتم زعلانين كده ليه؟ إحنا مش هنبعد عن بعض، وبكرة تشوفوا.

"يوسف" وهو يعقد حاجبيه: - وده إزاي بقى؟

"داغر" بضحك: - ملكش دعوة أنت.

"ساجد" بنفي: - أنا مش فاهم حاجة.

"يوسف" بغيظ: - يعني أنا اللي فاهم؟ سيبك منه ده غبي... ساجد خلي بالك من نفسك، وإحنا هنا هنفهم الكل إن أي حد هيقرب منك هقتله.

"داغر" بتعجب: - وده إزاي؟ أنت مش طالع؟

"يوسف" بتأكيد: - أيوه، بس لو عرفت حاجة زي دي هطلع أعمل مصيبة وأدخل تاني.

"داغر" بصدمة: - لا ناصح!

"ساجد" بضحك: - أنت لوحدك مصيبة.

"يوسف" بحزن: - بقى كده؟

"داغر" بثقة: - وأكتر والله.

"يوسف" بغيظ: - والله أنتم محدش منكم عنده دم.

الاثنان معاً: - عارفين.

ضحك الثلاثة معاً: - هههههههههه

…………………………………….

بعد أيام طالت كأنها دهر، انتهت الإجراءات الروتينية وأُطلق سراح "يوسف" و "داغر". حلّ أخيراً موعد الرحيل، ليقف "يوسف" أمام "ساجد"، يغرق وجهه بدموع غزيرة وهو يمسك بكتفيه قائلاً بصوت مخنوق: "خلي بالك من نفسك ياساجد "

ابتسم "ساجد" بوجع مكتوم ورد: "وأنت كمان، ربنا معاك."

تعلّق "يوسف" بـ "ساجد" وكأنما يودعه للأبد، وهمس بخوف: -

زي ما قلت لك، أوعى حد يؤذيك، ومتقوليش والله مش هسامحك. لو حد فكر بس، والله ما هرحمه."

ضحك "ساجد" بمرارة: - متخافش، ههددهم بيك.

نظر إليه "يوسف" بحدة: "أنت بتهزر في الموقف ده؟"

ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي ساجد: "خلاص يا عم، حاضر، متقلقش بقى."

هز "يوسف" رأسه ببطء: "أيوه كده، ومتصاحبش حد غيري، فاهم؟"

أومأ "ساجد" بسرعة: - لا متخافش.

ضاق صدر "يوسف" وقال بحدة طفيفة: "وشاطر، ومتذاكرش لحد تاني غيري."

اتسعت عينا "ساجد" دهشة وقال: "مستحيل! دي غلطة عمري ومش هتتكرر."

تراجع "يوسف" بصدمة: "نعم؟!"

رفع "ساجد" يديه نافياً بضحكة: "بهزر يا عم بهزر بهزر، اهدا، هو في زيك؟

ارتخت عضلات وجه "يوسف" قليلاً: "ده الكلام."

تدخل "داغر" بضجر: "إيه يا عم الحاج، هتدي الوصايا العشر بالمرة؟"

نظر إليه "يوسف" بغيظ: - أنت عيل رخم.

قطب "داغر" جبينه وقال بحدة: "أنا برضه؟ طب يلا من وشي.

أزاح "داغر" "يوسف" بلطف وعانق "ساجد" بحرارة قائلاً: "خلي بالك من نفسك يا بطل "

أجاب "ساجد" بحزن: "حاضر."

ابتسم "داغر" بحنان: "متخافش، أنا موجود ولو احتجت أي حاجة هكون فى ضهرك ومستحيل أسيبك.

تمتم "ساجد" بامتنان: "شكراً يا داغر، بجد شكراً على كل حاجة."

أغمض "داغر" عينيه للحظة وقال بمودة: "بس بقى، بدل ما أقلب عليك... أنت عبيط يلا.".

ارتد "ساجد" قليلاً وقال بخوف مصطنع: "لا لا، وعلى إيه؟ خليها مستورة أحسن.".

هز "داغر" رأسه موافقاً: "ده عين العقل برضه. يلا يا يوسف."

تعلقت عينا "يوسف" بـ "ساجد"، وامتلأت بالدموع وهو يتمتم: "يا ريتنا نقعد شوية كمان."

تحرك "داغر" مبتعداً وقال بجدية: "براحتك، خليك أنت."

نظر "يوسف" إلى "ساجد" بحزن عميق ثم ركض ليلحق بـ "داغر" وهو يقول بنبرة باكية: "أقسم بالله ما عندك ذرة إحساس."

رد "داغر" بثقة وهو يمشي: "عارف."

كان ينظر لهم "ساجد" وهم يغادرون بعيداً عنه، ظل ينظر لهم حتى اختفوا من أمامه تماماً...

بقي "ساجد" واقفاً يشاهد صديقيه وهما يبتعدان، ظلت عيناه تتبعهما حتى اختفيا تماماً عن ناظريه.

انهار "ساجد" وجلس حيث وقف، وشلال من الدموع ينهمر على وجنتيه. شعور بالوحدة القاتلة يخنق قلبه. لماذا يحدث هذا دائماً؟ هل هو حقاً ملعون ليخسر كل من يحب؟ عائلته رحلت أولاً، والآن أصدقاؤه أيضاً. خبأ وجهه بين يديه وانخرط في بكاء مرير، يتمنى لو يستطيع أن يصرخ بهم ألا يتركوه وحيداً، لكن الكلمات تخونه.

نهض مثقلاً بالألم، وتوضأ ببطء، ثم جلس بين يدي خالقه، يشكو له وجعه وعذابه. تمنى لو للحظة أن يشعر بالراحة، بالحب، أو حتى بالشفقة من أي شخص، لكن لا شيء يأتي. هذا العالم قاسٍ، قاسٍ حتى النخاع. ظل "ساجد" يناجي ربه حتى غلبه النعاس ونام على سجادة الصلاة.

.................................

بعد أن غادر "داغر" و "يوسف" أسوار السجن، انزوى "ساجد" في عالمه الخاص. لم يعد يرغب في أي اختلاط، كان يهرب من أي كلمة أو ضجة، ويلوذ بالصمت والوحدة كحصن أخير. بعد أن تخلّى عنه الجميع، لم يبقَ له سوى هذا الفراغ الذي يسكن روحه. كان سؤالان مريران يشغلان تفكيره باستمرار: لماذا يختارونه هو تحديداً ليذوق مرارة الوحدة؟

الماذا أنا؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة