البارت العاشر 🦋

البارت العاشر 🦋

24 0

"داخل أحد المستشفيات...."

داخل أسوار المستشفى التي تبعث على الكآبة، كان "يوسف" أسيراً لقلق قاتل، يتمشى بلا هدف أمام غرفة العناية المركزة. الرعب يعصر قلبه خوفاً على "ساجد"، وكل خطوة يخطوها تزيد من شعوره بالعجز. هذا المكان البارد، برائحته المعقمة الصارخة، يوقظ فيه ذكريات مؤلمة، لكن خوفه الآن على صديقه يتجاوز كل شيء. تمنى بصدق ألا يمسه سوء، وأن يخرج من هذا المتاهة الطبية سالماً معافى. سقط أخيراً على مقعد بلاستيكي بارد أمام الغرفة، وعيناه مثبتتان على الباب المغلق كأنهما تستجديان خروج طيف الأمل.

دفن وجهه بين يديه، والدموع تتساقط بصمت على كفيه، خوفاً ينهش روحه دقائق طويلة مرت كأنها دهر، حتى انفتح الباب وظهر الطبيب بوجهه الجامد.

انتفض "يوسف" واقفاً، يندفع نحوه بقلب يكاد يتمزق: " أيوه... أنا يوسف... صاحب ساجد... ه... هو كويس؟ طمني أرجوك."

نظر إليه الطبيب بجدية محاولاً بث بعض الطمأنينة: " اهدأ يا بني...متخافش... هو دلوقتى في حالة أفضل."

توسل "يوسف" بخوف: " إيه اللي حصله بالظبط؟ فيه إيه بالله عليك؟"

تنهد الطبيب بأسف: " حالة صاحبك كانت معقدة وغريبة.".

ارتجف صوت يوسف: " ح... حالة إيه؟ ساجد ماله؟"

عبس الطبيب بضيق وهو يشرح: " ساجد حالته مش بسيطة... بعد التحاليل والأشعة تبين وجود سموم وتلوث كبير منتشر في جسمه بكميات خطيرة... والأدهى من كده أنها موجود من فترة طويلة."

اتسعت عينا "يوسف" رعباً، وارتعش جسده: - س... ساجد... أبوه... وهو صغير... كان بيعمل فيه تجارب مؤذية!"

تجمدت ملامح الطبيب صدمة:  تجارب؟ يعني إيه؟ هو فين والده دلوقتى؟

أجاب "يوسف" بمرارة وغضب مكتوم:" فجهنم السابعه"

هز الطبيب رأسه بأسف عميق: " بسبب الي اتعرض ليه صاحبك من والده والتلوث الجسدي المزمن، حصل تلف خطير في الأعضاء والأجهزة الداخلية... وللأسف، أصيب بشلل في ثلاثة أرباع جسده تقريباً... لكن الحمد لله، اليدين والرقبة لم يشملهما الشلل."

تداعت الكلمات على لسان "يوسف" بصدمة وذهول والدموع تخنقه: " ي... يعني إيه يا دكتور؟ س... ساجد..."

أجابه الطبيب بحزن عميق: " يعني حالة صاحبك حرجة... ادعيله... واحنا هنبذل قصارى جهدنا... عن إذنك."

غادر الطبيب، تاركاً "يوسف" واقفاً كتمثال شمع، لا يتحرك ولا يبدي أي رد فعل سوى دموع تنحدر بصمت على وجهه الشاحب، رعباً وخوفاً على صديقه الوحيد.

اقترب "يوسف" بخطوات ثقيلة مترددة من غرفة "ساجد"، فتح الباب بهدوء وخوف، ودخل. نظر إلى السرير الأبيض حيث يرقد "ساجد" بلا حراك، محاطاً بالأجهزة الطبية التي تصدر أصواتاً منتظمة تبعث على القلق.

تنفس "يوسف" بصعوبة والدموع تخنقه وهو يستمع إلى أنين الأجهزة في الغرفة الصامتة. رأى الأسلاك المتصلة بجسد صديقه المنهك، والقناع الذي يغطي وجهه الشاحب، يسمح له بالتنفس بصعوبة.

انهار "يوسف" وجلس على ركبتيه بجوار السرير، ووضع رأسه على الفراش بالقرب من جسد "ساجد" البارد وهمس بدموع: " أنا آسف يا ساجد... آسف أوي... قوم يا صاحبي... متسبنيش... وحياتك عندي... أنا من غيرك ولا حاجة... أنت قولت مش هتسيبني... وهما بيقولوا إنك تعبان... أنا قولتلك هات تعبك يا صاحبي... وأنت مرضتش... أنا هعمل المستحيل علشان تبقى كويس... مش هسمح إنك تسيبني... أنا ما صدقت لقيتك.وبقي عندي اخ زيك"

رفع رأسه ونظر إلى وجه "ساجد" الشاحب برجاء ودموع: " متسبنيش يا ساجد... متبعدش عني أنت كمان... علشان خاطري... أنا بكره الفراق... بخاف أصحي الصبح ملاقيش حد منكم... وأنت عايز تسيبني... قوم... خسرت أمي وأبويا وأختي... مش عايز أخسر أخويا كمان... آآه يا رب... بلاش هو... بلااااااااش."

…………………………………………………

"قصر المهدي"

كان "رسلان" جالساً أمام شاشة حاسوبه، لكن عقله شارد بعيداً، يتأرجح بين صور "ساجد" ووالده وكلمات فرحة الغامضة. الشكوك تنهشه، لا يدري من يصدق أو ما الذي يجب أن يفعله. نهض بضيق، ووقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، يتنفس الهواء المثقل بهمومه، وظل غارقاً في أفكاره المضطربة دون جدوى.

قاطع شروده طرق هادئ على الباب.

استدار "رسلان" وأمر الطارق بالدخول بصوت أجش. دخلت إحدى الخادمات بوجه متوتر وهمست: " أستاذ رسلان."

سألها "رسلان" بهدوء: " خير؟ فيه إيه؟"

أجابت الخادمة بتلعثم: " فيه شخص تحت يا فندم... طلب يشوف حضرتك ضروري."

رفع "رسلان" حاجبيه باستغراب: " شخص؟... ومقالش مين هو؟"

هزت الخادمة رأسها نافية: " لأ يا فندم... بس قال إن الأمر مهم جداً."

أشار "رسلان" نحو الخارج: " خليه يتفضل."

غادرت الخادمة وعادت بعد لحظات برفقة رجل وقور يسير بخطوات واثقة.

اقترب الرجل من "رسلان" ومد يده مصافحاً بترحيب: " حضرتك الأستاذ رسلان؟"

نظر إليه "رسلان" بتأكيد: " أيوه... وحضرتك مين؟"

جلس الرجل وقال بهدوء: " أنا عزمي عبد الرحمن."

تمتم "رسلان" بتفكير: " عزمي عبد الرحمن؟ الاسم مش غريب."

أكد "عزمي" بابتسامة خفيفة: " أيوه... أنا المهندس عزمي اللي اشترى بيت والد حضرتك من حوالي عشر سنين."

تفتحت ذاكرة "رسلان" فجأة: " أيوه... افتكرت حضرتك... بس فيه مشكلة ولا حاجة؟"

تنهد "عزمي" بضيق: " أنا بعد ما استلمت البيت مباشرة جالي عقد عمل في لبنان... قضيت العشر سنين دول كلها هناك... رجعت مصر من حوالي أسبوع... وكنت بعمل شوية ترميمات في البيت... وفي عامل من العمال لقى كاميرات متخبية في أماكن ما تتشافش بسهولة... دورت في التسجيلات اللي عليها ولقيت حاجات ضروري حضرتك لازم تشوفها بنفسك."

مد "عزمي" فلاشة صغيرة إلى رسلان: " الكارت ده فيه كل حاجة... يا ريت تشوفهم."

أمسك "رسلان" الكارت بفضول وقلق: " حاجات إيه بالظبط؟ والكاميرات دي كانت فين؟"

أجاب "عزمي" بجدية: " يا أستاذ رسلان... دي حاجات لازم تشوفها بنفسك... أنا كنت ممكن أبلغ الشرطة طبعاً... بس قولت أكيد حضرتك أولى تشوفهم... وبالنسبة للكاميرات... كانت متوزعة في أماكن كتير في البيت... صعب أي حد يلاحظها إلا لو كان بيعمل تجديد شامل زي اللي كنت بعمله... دلوقتي أنا لازم أمشي... عن إذنك."

نظر "رسلان" إلى "عزمي" وهو ينهض ويصافحه مودعاً بامتنان: " شكراً لحضرتك إنك جيت ووريتني الحاجات دي."

رد الرجل بهدوء: " لا أبداً... الشكر ليك طبعاً."

ودعه "عزمي" وغادر. نظر "رسلان" إلى الكارت الصغير في يده بقلق متزايد، قلبه يخفق بشكوك مبهمة.

اقترب من حاسوبه وأدخل الكارت فيه ببطء وتردد. ضغط على زر التشغيل وعيناه مثبتتان على الشاشة.

بدأ "رسلان" يشاهد ما يعرض أمامه وكأنه حبيس كابوس مرعب يتمنى الاستيقاظ منه. رأى كل شيء بدموع تحرق عينيه، عجزاً وذهولاً. صور لوالدته تُضرب وتُهان، ومشاهد تعذيب أخيه الصغير، صرخات مكتومة تخرج منه برجاء يائس أن يتركه والده. رأى قسوة والده وحقده الدفين، وظلم "ساجد" وعذابه ودموعه الصامتة.

وضع "رسلان" يده على قلبه المثقل وهو يتذكر اللحظة التي أنقذه فيها "ساجد" من انتقام "رأفت". أغمض عينيه بصراخ مكتوم، ندم ورفض يجتاحان روحه، يتمنى لو يستيقظ من هذا الحلم الكريه. قذف الحاسوب بعيداً عنه بصرخات عالية وسقط على الأرض باكياً قهراً.

انتفض مكانه عندما اقتربت منه "فرحة" برعب وجلست أمامه: " رسلان... رسلان حبيبي مالك؟ فيه إيه يا رسلان؟ رد عليا! مالك؟"

نظر "رسلان" إلى "فرحة" بعيون دامعة يائسة وقال بصوت مهزوز: " ظلمته... ظ... ظلمته يا فرحة... هو ك... كان بيقول الحقيقة وأنا ضربته وسجنته... وماما كانت صح... قالتلي بلاش أظلمه بس أ... أنا ظلمته... هو كان بيتعذب معاه... ب... بابا... لأ لأ... ده مش بابا... آآآآه! ليـــــــه؟ آآآه يا سااااجد!"

هزت "فرحة" رأسها بنفي وهي تحاول استيعاب كلماته المتقطعة: " اهدى اهدى يا حبيبي... إيه اللي حصل؟ أنا مش فاهمة حاجة."

بكى "رسلان" بأسف مرير: " آسف... آسف يا ساجد... أنا جيت عليك... هو كان بيعذبه يا فرحة... كان كل يوم بيضربه... ه... هو قتله علشان يحمي... يحميني أنا... أ... أنا ظلمته ودخلته السجن... أ... أنا كمان ضربته يا فرحة... هو مكنش بيكذب بس أنا مصدقتش... ماما كمان مكنتش بتكذب... كان بيضربها هي كمان آآآآه يااااارب!"

نظرت إليه "فرحة" بدموع: " كفاية يا حبيبي... المهم إنك عرفت الحقيقة... وهما أكيد هيسامحوك... ساجد قلبه طيب."

هز "رسلان" رأسه بيأس: " هو مستحيل يسامحني... م... مستحيل... أنا حرمت ماما إنها تشوفه... أنا بعدته عنها... ه... هي كمان مش هتسامحني يا فرحة... أنا أسوأ منه... هي قالت إني زيه... أنا بقيت زي رأفت... يا رب أموت يا رب!"

وضعت "فرحة" يدها على فمه برفق: " متقولش كده يا حبيبي... ألف بعد الشر عنك... أنا من غيرك أموت... وبعدين ماما قلبها كبير... صدقني هتسامحك... أنت حاول تصلح غلطك وكل حاجة هتتحل والله... ربنا مش هيسيب حد."

هز "رسلان" رأسه ببطء ثم نهض واقفاً: " أيوه... معاكي حق."

سألته "فرحة" بقلق: " رايح فين يا رسلان؟"

………………………………………………

داخل غرفة "رقية" الهادئة، كانت تجلس على حافة الفراش، تحتضن بين يديها صورة باهتة لـ "ساجد" الطفولي، ضحكة بريئة تزين وجهه الصغير. انغرست نظراتها في الصورة، ودمعة حارة شقت طريقها على وجنتها الشاحبة، حزن عميق وخوف يمزق قلبها. " ساجد... وحشتني يا روح ماما... يا ترى أنت فين دلوقتي؟ بتعمل إيه؟ وحالك عامل إزاي؟ أ... أنا آسفة يا حبيبي... ب... بس والله غصب عني... أنت أكيد زعلان مني دلوقتي... آآه... أنا آسفة يا نبض قلبي."

انفتح الباب ببطء، ودخل "رسلان" بخطوات مترددة. نظر إلى أمه المنهارة، فانتفض قلبه فزعاً.

"رقية" رفعت رأسها المرتجفة وسألته برعب: " رسلان... مالك يا حبيبي؟ أنت كويس؟"

اقترب "رسلان" وجلس على ركبتيه أمامها، صوته مهزوزاً بالندم: " أ... أنا آسف يا أمي... آسف على كل حاجة... آسف على دموعك دي... آسف على ظلمي ليه... آسف إني كذبتك... آسف إني بعدتك عنه... آسف إني ما شوفتش حزنك... آسف على كل حاجة حصلت بسببي."

"رقية" وضعت يدها المرتعشة على وجه ابنها، عيناها تحملان قلقاً عميقاً: " رسلان... مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟"

رفع "رسلان" عينيه الدامعتين إليها وقال بصوت مخنوق: " أنا عرفت الحقيقة يا أمي... عرفت كل حاجة... إنه بريء... مكنش ليه ذنب في أي حاجة... أ... أنا السبب في كل ده... هو قتله عشاني... أنتِ قولتيلي وأنا كذبتك وظلمته... أنا آسف أوي."

انهمرت دموع "رقية" بغزارة: " أنا قولتك يا رسلان إن ساجد مش وحش... ساجد شاف ظلم أبوه طول عمره... شاف غضبك ناحيته... أخد كرهك ليه... قولتك ساجد بريء ومش قاتل... أنت أخدت صورة غلط عن كل ده... كنت فاكر أبوك ملاك... بس هو كان أسوأ من الشيطان نفسه يا رسلان."

بكى "رسلان" بمرارة: " مكنتش عارف إنه كده يا أمي... أنا شوفت منه حنان مش كره."

تنهدت "رقية" بحزن عميق: " وأخوك شاف العكس يا رسلان... شاف كره أبوك وكرهك... وبعدته عني... دخلت طفل صغير السجن يا رسلان... أنت عارف إن مفيش مكان في جسمه مفيهوش آثار ظلم أبوه ليه؟ ساجد كان لوحده... أنا اخترتك أنت وخليت ساجد معاه... كنت فاكرة إنه هيكون حنين عليه علشان هو طفل... بس لأ... مكنش فارق معاه إنه ابنه... آآه يا ساجد... شاف اللي ولا أنت ولا أنا نقدر عليه أو نستحمل جزء منه."

توسل "رسلان" بأسف: " أ... أنا آسف... آسف... آسف يا أمي... ربنا ياخدني."

ارتعش صوت رقية خوفاً: " لأ يا رسلان... مش عايزة أخسرك أنت كمان... رجع ليا ساجد يا رسلان... أبوس إيدك."

قبل "رسلان" يد أمه المرتعشة وقال بجدية: " حاضر يا أمي... حاضر والله لأرجعه... وهعمل المستحيل علشان الاقيه وتشوفيه تاني... سامحيني."

بكت "رقية" بحرقة: " مسامحاك يا رسلان... علشان قلب الأم مبيعرفش يشيل من ولاده."

تمتم "رسلان" بوجع في قلبه: " آسف... آسف."

عانقت "رقية" "رسلان" عناقاً دام سنوات من الألم والندم، كل هذا تحت نظرات "فرحة" الصامتة، دموع الحزن والفرح تختلط على وجنتيها، حزناً على ماضي العائلة وفرحاً ببداية المصالحة ومن أجل ساجد المظلوم.

………………………………………………

" منزل الصاوي"

داخل منزل الصاوي الصامت، كان "داغر" يجلس أمام مائدة الطعام الفارغة، حزن وضيق يخيمان على المكان. نهض ليذهب إلى العمل، لكن صوتاً أوقفه.

" سيد داغر." قال أحد الحراس بتوتر.

أجاب "داغر" بجمود: " فيه إيه؟"

تلعثم الحارس: " فيه حد طلب يشوف حضرتك."

رفع "داغر" حاجبه متسائلاً: " مين؟"

جاء صوت من الخلف: " أنا."

استدار "داغر" ونظر إلى "رسلان" بضيق: " أنت بتعمل إيه هنا؟"

أجاب "رسلان" بإصرار: " جاي علشان أشوف ساجد."

زمجر "داغر" بحدة: " مفيش حد بالاسم ده هنا."

توسل "رسلان" بتوتر: " أستاذ داغر... أنا عرفت الحقيقة... وعرفت إن ساجد مش زي ما أنا قولت... علشان كده أنا هنا... ويا ريت تخليني أشوفه."

نظر إليه "داغر" بتعجب ممزوج بالشك: " أنت بتقول إيه؟ حقيقة؟... الحقيقة إن ساجد ده حيوان زي ما قولت... واحد زبالة... كل كلمة قولتها عنه كانت صح... أنا اللي غلط إني مسمعتش كلامك من الأول... شكراً إنك حاولت تفهمني الصح."

ارتسم الذهول على وجه رسلان: " كلام إيه؟ لأ... أنت اللي صح صدقني... ساجد بريء... أنا ظلمته... وجيت علشان أخليه يسامحني... هو فين؟"

نظر إليه "داغر" بدهشة وعدائية: " أنت بتقول إيه؟ ساجد ده حاول يأذي أختي!"

تراجع "رسلان" بصدمة: " إيه؟... لأ لأ... أكيد فيه حاجة غلط... هو فين؟"

زمجر "داغر" بضيق: " غلط أو صح... أنا معنديش حد هنا اسمه ساجد... اطلع بـــرره!"

تزايد قلق "رسلان" على أخيه: " أخويا فين؟... هو فين ساجد؟... ســــااااجد! أنا متأكد إنه هنا... ســـااااجد!"

ازداد غضب داغر: " دلوقتي بقى أخوك؟... قولتلك مفيش حد هنا يا حراس!"

اقترب "رسلان" من "داغر" بغضب مكتوم: " أنا عارف إني أذيته... بس مش هأسمح ليك إنك تأذيه!"

تمنى "داغر" في داخله لو يستطيع إيذاء "ساجد"، لكنه زمجر بغضب: " يا ريت أقدر أذي! اطلع بررره!"

أشار "داغر" إلى الحراس الذين أمسكوا بـ "رسلان" بالقوة وحملوه خارج القصر...

………………………………………………

أمام البوابة الضخمة للقصر،

دخل "يوسف" بخطوات ثقيلة، الإرهاق بادياً على تقاسيم وجهه. لمح "رسلان" يقف مترقباً، فاندفع نحوه بلهفة: " أنت يوسف؟" صح؟ ثم أضاف بتلعثم: " س... ساجد فين؟"

نظر إليه "يوسف" بصدمة ممزوجة بالريبة: " أنت بتعمل إيه هنا؟"

هز "رسلان" رأسه بإصرار: " جيت علشان ساجد... هو فين؟"

ضاق "يوسف" ذرعاً: " جاي علشان تأذيه تاني؟"

نفى "رسلان" بحدة: " لأ والله... أنا جيت علشان أشوفه... هو فين؟"

تجاهله "يوسف" وتحرك مبتعداً: " معرفش... وابعد عنه أحسنلك."

توسل "رسلان" برجاء: " لو سمحت... ساجد فين؟ داغر بيقول إنه مش موجود جوه وإنه أذى أخته... ده مش حقيقي صح؟"

اشتعلت عينا "يوسف" غضباً: " ساجد مستحيل يعمل كده! انتوا كلكم بتكرهوه ليه؟ حرام عليكم... سيبوه في حاله بقااا... عايزين منه إيه؟"

ارتجف صوت "رسلان" خوفاً: " يوسف... أخويا فين؟"

صرخ "يوسف" بغضب مرير: " دلوقتي عرفت إنه أخوك؟ دلوقتي افتكرت إنه يبقى أخوك؟ كنت فين طول السنين دي؟ رد عليا!"

تمتم "رسلان" بغضب من نفسه: " أنا عرفت الحقيقة."

رد "يوسف" بدموع غاضبة: " عرفتها متأخر أوي... ابعد عنه بقى!"

اندفع "يوسف" إلى داخل القصر بسرعة، تاركاً "رسلان" واقفاً مذهولاً يتمتم بأسى: "- متأخر..."

……………………………………………

"داخل القصر"

صعد "يوسف" الدرج بخطوات غاضبة، واتجه إلى غرفته ليجمع ملابسه. ثم دخل غرفة "ساجد"، ونظر إليها بعينين دامعتين. اقترب من خزانة "ساجد" وأخذ ملابسه هو الأخرى ووضعها في حقيبة بجانب حقيبته.

هبط الدرج ليغادر، لكن صوت "داغر" الحاد أوقفه: " يوسف!"

استدار "يوسف" بجمود: " نعم."

نظر إليه "داغر" وإلى الحقائب التي يحملها وسأل بحدة: " أنت رايح فين؟ وإيه الشنط دي؟"

أجاب "يوسف" ببرود: " دي هدوم ساجد وهدومي."

اتسعت عينا "داغر" بصدمة: " أنت بتقول إيه؟ هدوم ساجد فهمت... إنما هدومك ليه؟  أنت رايح فين؟"

حاول "يوسف" التحكم في غضبه المتصاعد: " ساجد مشي من البيت ده... وأنت قولتله إنه مش بيته... يبقى ده مش بيتي أنا كمان... المكان اللي يحترموا فيه أخويا هو ده بيتي... وساجد اتهان هنا... وانضرب هنا على إيدك يا داغر."

صرخ "داغر" بغضب: " هو حاول يتعدى على أختي!"

رد "يوسف" بصراخ مماثل وهو ينظر إلى "لمار" الواقفة في الخلف: " لأ... لأ... ساجد مستحيل يعمل كده... لمار كذابة!"

زمجر "داغر" بغضب: " يوسف... لمار أختي!"

هتف "يوسف" بغضب مماثل: " وساجد أخويا... أخويا يا داغر اللي أنت ضربته وظلمته زي الكل يبقى أخويا!"

تمتم "داغر" بضيق: " أنا مظلمتش حد يا يوسف... بلاش جنان وطلع الشنط دي!"

ضحك "يوسف" بسخرية مريرة: " جنان! معاك حق... أنا مجنون فعلاً إني لسه بتكلم مع واحد زيك...انت مش هتفرق عن رسلان اللي واقف بره فى حاجة... عن إذنك."

صرخ "داغر" بصدمة: " يوسف!"

غادر "يوسف" القصر بخطوات ثابتة، تحت نظرات "لمار" المنهارة و "داغر" المصدوم...

……………………………………………………

"خارج القصر"

كان "رسلان" يجلس داخل سيارته ينتظر، حتى خرج "يوسف" من القصر واستقل سيارة أجرة. تبعه "رسلان" بسيارته حتى وصل "يوسف" إلى أحد المستشفيات ونزل ودخل مسرعاً.

ترجل "رسلان" بخوف وصعد خلفه. دخل "يوسف" غرفة "ساجد" وأغلق الباب. وقف "رسلان" أمام الباب بتوتر ورعب وشك يمزق قلبه. فتح الباب ببطء ونظر إلى "يوسف" الواقف بجانب سرير "ساجد" الهامد، والقناع يغطي وجهه الشاحب.

انهمرت دموع "رسلان" وتمتم بصدمة ووجع: " س... ساجد؟"

نظر إليه "يوسف" بغضب واندفع نحوه: " أنت بتعمل إيه هنا؟ اطلع بره!"

أمسك "يوسف" بذراع "رسلان" وجره خارج الغرفة. هتف "رسلان" وهو يشير إلى غرفة ساجد: " ساجد ماله؟ ح... حصله إيه؟"

زمجر "يوسف" بغضب: " وأنت مالك؟ غور من هنا!"

اقترب "رسلان" من "يوسف" وأمسك بملابسه بعنف، وعيناه تشتعلان: " سااااجد ماله؟ فيه إيه؟ رد عليا! حصل إيه؟"

انفجر "يوسف" بالبكاء والصراخ: " س... ساجد بيموت!..... الشخص اللي بتكرهوه خلاص بيموت! أخويا بيموت! ارتاحت؟"

ارتخى قبضة "رسلان" عن ملابس "يوسف"، والصدمة تشل حركته: " أنت بتكذب!"

رد "يوسف" بدموع مريرة: " يا ريت... يا ريت بكذب بس لأ... دي الحقيقة اللي أنت وأبوك وكلكم السبب فيها! أنا بكرهكم! أبوك فضل يأذي فيه طول عمره وهو دلوقتي بيموت! فضل يشربه في السموم والمواد الملوثة! ارتاحت؟... ساجد خلاص تعب وعايز يرتاح!"

استند "رسلان" برأسه على الحائط، والدموع تنهمر على وجهه، شعور عميق بالندم والوجع يخترق قلبه.

جلس "يوسف" بجانبه وقال بصوت خافت: " ليه كلكم كده؟ ليه الشر اللي فيكم ده؟ هو تعب بسببكم كلكم بتيجوا عليه... هو أنتوا ما بتتعبوش؟ بس هو تعب كفاية... حرام عليكم."

تمتم "رسلان" وهو يتحرك بعيداً: " مستحيل أسمح بكده!"

غادر "رسلان" تحت نظرات "يوسف" الحزينة.

بعد عدة دقائق، عاد "رسلان" ووقف أمام "يوسف" بثبات: " أنا اتكلمت مع الدكتور... ساجد لازم يجي معايا."

نهض "يوسف" بغضب: " وأنا مش هأسمح بكده أبداً!"

أكد "رسلان" بجدية: " مش هتقدر تعمل حاجة... ساجد لازم يتعالج صح."

رد "يوسف" بإصرار: " وأنا هخليه يتعالج هنا... وهعمل المستحيل علشان كده!"

نفى "رسلان" بحدة: " مش هتقدر... ساجد محتاج فلوس كتير وعمليات أكتر... وأنت مش هتقدر على ده... هو لازم يجي معايا."

هتف "يوسف" بنفي قاطع: " وأنا قولت لأ... ساجد مش هيروح معاك!"

هدد "رسلان" بحدة: " يوسف... أنا ممكن أسجنك بتهمة خطف ساجد!"

اتسعت عينا "يوسف" بصدمة: " إيه؟"

أكد "رسلان" بجدية: " أيوه... ساجد مشلول... ميقدرش يتحرك... ومفيش حد هيقدر يكذبني... وأنت مش هتقدر تعمل حاجة... يوسف اسمع الكلام وبلاش عناد... ساجد لازم يتعالج صح."

تمتم "يوسف" بيأس والدموع تخنقه: " أنا مش هأسيبه!"

أجاب "رسلان" بتأكيد: " وأنا موافق... هروح أجهز كل حاجة."

غادر "رسلان". دخل "يوسف" غرفة "ساجد" ونظر إليه بدموع غزيرة وهمس: " أنا آسف يا ساجد... سامحني... كان لازم أعمل كده."

جلس بالقرب منه ونظر إليه بقلة حيلة: " هو الوحيد اللي يقدر يخليك ترجع أحسن من الأول... أنا عارف إنك مش هتسامحني لو عملت كده... بس لازم أعمل كده... آسف... آسف يا ساجد."

شعر "يوسف" بيد ضعيفة توضع على يده وهمست بصوت خافت متقطع: "- أ..نا...مـ..سااا..محك... ي..يا... ي...يـو...سف."

انتفض "يوسف" بدموع الفرح والقلق: " ساجد! ساجد أنت سامعني؟ رد عليا!"

هز "ساجد" رأسه بتعب شديد ثم استسلم لنوم عميق.

وضع "يوسف" رأسه على الفراش بجوار "ساجد" وظل يبكي بكل قوته...

…………………………………………

خلال ساعات قليلة، نُقل "ساجد" إلى قصر المهدي، يرافقه فريق طبي متخصص. وُضع في غرفة مجهزة بأحدث التقنيات، تحت نظرات "رقية" المصدومة التي اقتربت منه بخطوات ثقيلة وجلست بجانبه، تتلمس وجهه الشاحب بيد مرتعشة: " س... ساجد حبيبي... مالك يا عمري؟ رد عليا... إيه اللي حصلك؟ لا يا ساجد... أنا ما صدقت رجعت... بلاش... بلاش تسيبني تاني... أنا تعبت من غيرك... كبرت يا حبيب ماما بعيد عني سنين طويلة... دايماً بيفرقوا بيني وبينك يا نبض قلبي... رد يا ساجد... إيه اللي بيوجعك يا روحي؟ سااااجد... رسلان... أخوك ماله؟ ماله ساجد؟"

نظر "رسلان" إلى أمه بعينين دامعتين، واقترب منها ببطء وجلس بجوارها: " كفاية يا ماما... هو كويس... متقلقيش... أوعدك هيكون كويس ومش هأخليه يبعد عننا تاني... اهدي أرجوكي."

رفعت" رقية" رأسها المرتجف ونظرت إليه برجاء: " هو... هو كويس صح؟ ابني كويس؟ سااااجد يا عمري... رد عليا!"

توسل "رسلان" بصوت خافت: " كفاية يا أمي لو سمحتي... كفاية... تعالي... فرحة!"

اقتربت "فرحة" بخطوات قلقة من "رقية" وساعدتها على الخروج من الغرفة.

نظر "رسلان" إلى "يوسف" الواقف كتمثال صامت وقال له برجاء حزين: " ممكن تسيبني معاه شوية؟"

نظر إليه "يوسف" بتردد واضح، فابتسم "رسلان" بوهن وأضاف: " لو سمحت... خمس دقايق بس."

تردد "يوسف" للحظة، ثم نظر إلى "ساجد" بخوف وقلق، قبل أن يغادر الغرفة ببطء ويغلق الباب خلفه، يقف بجواره كحارس صامت.....

في الداخل، اقترب "رسلان" من "ساجد" وجلس على حافة السرير، يتأمل وجه أخيه الشاحب. دمعت عيناه بألم وضعف وهمس بصوت مخنوق: " كان نفسي أقولك آسف وأنت فايق... وبتبص في عيني... مش عارف ان كنت هقدر أقولها ولا لأ... أنا عارف إني أذيتك...ااه... أذيتك إيه بس؟ أنا قتلتك وانت عايش مش بس أذيتك... كنت فاكر إن بابا مش وحش زي ما بتقول... بالعكس... ياساجد كان حنين وطيب معايا اوى... يمكن علشان كده مقدرتش أصدقك... أنا مش عارف أقول إيه... خايف أخسرك بعد ما عرفت الحقيقة... والله آسف ولو فضلت عمري كله اقولها مش كفاية... لو كنت صدقتك من سنين مكنش حصل كل ده... آسف... كلمة صغيرة أوي... بس وجع قلبي وحسرتي على اللي عملته فيك كبير... أنا ظلمتك..... أنا كنت فاكر إني بكرهك... بس كان جوايا حاجة رافضة الكره ده ليك... كنت بخاف أفكر فيك أضعف وأرجع أسامحك... بس دلوقتي بتمنى لو كنت ضعفت وعملت كده... مش هيحصل ليك حاجة... وهأنقذك... مش هأسمح إنك تموت... الكل عايزينك يا ساجد... خليك قوي زي عادتك...انا عايز أعوضك عن كل حاجة اخدتها منك... أيوه... أنا مش عارف هأعوضك إزاي... بس هأحاول... آسف... آسف كلمة هأقولها فكل نفس باخده في عمري ليك... بس أنت اصحى وارجع يا ساجد..."

…………………………………………………

"منزل داغر"

كان "داغر" يصعد درجات السلم ببطء، وعيناه تتجهان إلى غرفة "ساجد" و "يوسف" المتجاورتين. تنهد بحزن عميق وتوجه إلى غرفته، لكنه سمع صوت بكاء مكتوم يأتي من غرفة أخته. اقترب من الباب بقلق وخوف، وفتحه ببطء ليجد "لمار" تنام على الفراش في وضع الجنين، تهتز ببكاء مرير. جلس بجوارها ووضع يده برفق على جسدها المرتعش: " لمار."

انتفضت "لمار" مفزوعة وقالت بصوت مرتجف: " آسف... آسف مش قصدي."

ضمها "داغر" بخوف وقلق: " حبيبتي اهدي... أنتِ كويسة؟ فيه إيه؟ هو خلاص مش هيقرب منك تاني أبداً."

هزت "لمار" رأسها برعب: "- لأ لأ... أنت عملت فيه إيه؟ هو معملش حاجة والله... هو فين؟"

قطب "داغر" جبينه بذهول: " أنتِى بتقولي إيه يا لمار؟"

نهضت "لمار" بخوف وتلعثم: " غ... غصب عني... ه... هي قالتلي أعمل كده... وهو... هو هيحبني... أنا آسفة... آسفة ساجد بريء."

اقترب "داغر" منها بحدة: " لمار... ساجد مقربش منك! رددددي!"

تراجعت "لمار" بذعر، وعيناها واسعتان بالخوف: " اها... اها... هو مقربش مني... أنا اتهمته... ه... هو مظلوم... بس والله هي اللي قالتلي أعمل كده... أنا كنت فاكرة إني بحبه."

صرخ "داغر" بغضب مكتوم: " ليـــــه؟ ليــــه يا لمار؟ مين اللي قالك تعملي كده؟ حب إيه؟ أنتِ مجنونة!"

بكت "لمار" بانهيار: "- آسفة... آسفة... غادة قالتلي أعمل كده... وإنك مش هتوافق على حبنا علشان كده أعمل اللي عملته."

أمسك "داغر" بذراعها بقوة، وعيناه تشتعلان بالغضب: "عملتي إيه بالظبط؟ قولي!"

حكت "لمار" لـ "داغر" كل شيء بتفصيل مؤلم، منذ البداية وحتى النهاية.

نظر إليها "داغر" بغضب وحزن عميق، وصفعها بقوة على وجهها: " ليــــه؟ ليه يا لمار؟ حرام عليكي! خسرت ساجد... خسرتيني صاحبي بسببك... أنتِ عارفة إنك نقطة ضعفي... أنا قتلت علشانك... ضيعت عمري علشانك... بعد ده كله خلتيني أكون ظالم يا لمار! خسرت الشخص الوحيد اللي اعتبرته أخويا بسببك! حرام عليكي ليـــــــه؟ أنتِى مجنونة!"

بكت "لمار" بانهيار: " آآآه... آسفة... غصب عني يا داغر!"

نظر إليها "داغر" بعينين مشتعلتين بالغضب والحزن: "- لأ... لأ مش غصب... أنتِ عملتي كده بإرادتك! ساجد ذنبه إيه؟ أنتِ عارفة إن يوسف كان بيحبك وطلب إيدك مني!"

نظرت "لمار" إلى "داغر" بصدمة: " إيه؟ ي... يوسف؟"

نظر إليها داغر باشمئزاز: "- بس ما تستاهليش... يوسف حرام ياخد واحدة زيك... أنا بكره اليوم اللي كنتِ أختي فيه!"

ركضت "لمار" واحتضنته بقوة وهي تبكي بانهيار: " لا... لا يا داغر... أنا والله آسفة... سامحني... سامحني يا داغر... أنا ما بعرفش أعيش من غيرك!"

نظر إليها "داغر" بسخرية مريرة: "- أنتِ خسرتيني أنا كمان يا لمار... مش عايز أشوف وشك تاني!"

غادر "داغر" الغرفة، تاركاً "لمار" تسقط على قدميها وهي تبكي بمرارة وندم شديدين...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة