وصول الغموض

وصول الغموض

13 0

الفصل الأول: وصول الغموض

مديرية أمن القاهرة، الاثنين،  _يونيو __

في مكتب فخم ومضاء ببراعة داخل مديرية أمن القاهرة، وقف الضابط آسر، متخصص الحراسات الخاصة، منتصب القامة أمام اللواء. كان الجو مشحونًا بالجدية التي تسبق المهام الهامة. اللواء، بملامحه الصارمة وعينيه الثاقبتين، كان يشرح بصوت خفيض لكنه حاسم:

"آسر، المهمة دي في غاية الأهمية. بنت عالم وباحث مصري مرموق، والدها اتوفى قريب، والدولة اللي كانت عايشة فيها طلبت إنها ترجع مصر، دي كانت وصية والدها. المطلوب منك حمايتها لغاية ما نقدر نقبض على العصابات اللي بتسعى ورا أبحاث والدها القيمة. جهز مجموعتك وبلغهم، وجهز المكان اللي هتقعد فيه. المهمة دي هتوصل خلال يومين بالظبط. تفاصيل المهمة كلها في الملف اللي معاك."

تلقى آسر الملف، وانصرف بهدوء وتركيز إلى مكتبه. بمجرد أن أغلق الباب خلفه، فتح الملف وبدأ يقرأ بتمعن. كانت المهمة أكبر مما توقع، وتحتاج إلى تخطيط دقيق واستعدادات خاصة. استدعى فريقه، واجتمعوا حول طاولته.

"يا جماعة، عندنا مهمة جديدة، وهتكون تحدي كبير لينا كلنا." بدأ آسر بصوته الهادئ، وشرح لهم بإيجاز طبيعة المهمة: حماية ابنة عالم مصري كبير، وأن أبحاث والدها هي محور الصراع.

كان الفريق يتكون من أربعة رجال

. عمر، أطولهم قامةً وأكثرهم هدوءًا، معروف ببراعته في المراقبة وتتبع الأهداف.

فارس، يتمتع ببنية قوية وروح دعابة خفيفة، لكنه جاد وقت العمل، وهو خبير في القتال اليدوي.

سامر، ذو وجه طفولي نسبيًا لكنه حاد الذكاء وسريع البديهة، متخصص في التكنولوجيا وأنظمة الاتصالات.

أما مراد، فكان الأصغر سنًا والأكثر حماسًا، يتميز بمهاراته في القيادة السريعة والتخطيط للهروب.

لم تخلو الجلسة من التعليقات المعتادة.

"أكيد بنت دلوعة وهتتعبنا!" قال فارس بسخرية خفيفة.

"وطبعًا مش هتثبت في مكان وكل شوية خروج وفسح!" أضاف مراد وهو يقلب عينيه.

ابتسم آسر ابتسامة خفيفة، فهو يعرف طبيعة عملهم وتوقعاتهم. "اسمعوا، بغض النظر عن أي حاجة، دي مسؤوليتنا. الأبحاث دي لو وقعت في الأيدي الغلط، ممكن تعمل كارثة. لازم نكون مستعدين لأي سيناريو." بعد نقاش قصير، استقر الرأي على خطة إقامة قريبة من منزل والد آسر، ليكون متواجدًا بالقرب منها باستمرار.

حى متوسط ، القاهرة، الأربعاء، _ يونيو ___

بدأ الفريق العمل على قدم وساق لتجهيز شقة "المهمة". تم اختيار شقة في عمارة قديمة بعض الشيء، تقع في حي متوسط، مجاورة لبيت عائلة الضابط آسر. هذا الحي، على الرغم من بساطته، يتميز بطابعه المصري الأصيل وعمائره التي تسكنها عائلات مترابطة.

تم تركيب كاميرات مراقبة عالية التقنية حول الشقة، وتأمين جميع مداخلها ومخارجها. لم يغفلوا عن أدق التفاصيل لضمان أقصى درجات الأمان للفتاة التي ستسكنها. على بُعد خطوات قليلة من شقة "المهمة"، تقع عمارة عائلة آسر. هي عمارة حديثة، مبنية بطراز عصري، تعكس مكانة العائلة في الحي. يسكنها جده، أعمامه، ووالده، بالإضافة إلى شقق مخصصة للأولاد، سواء المتزوجين منهم أو العزاب. عائلة آسر ليست مجرد عائلة عادية، فهي تمتلك ورشًا كبيرة لتصنيع الأثاث، بالإضافة إلى عدة محلات لبيعه، مما منحهم نفوذًا وهيبة في المنطقة.

صالة الوصول بمطار القاهرة، الأربعاء، _ يونيو ___

كان الهواء ثقيلًا بالترقب في صالة الوصول. آسر وفريقه ينتظرون. ملف المهمة كان غامضًا بقدر غموض الشخص الذي سيحمونه. لم تمر دقائق طويلة بعد أن رست الطائرة القادمة، حتى لمحوا الهدف.

تقدمت "المهمة" بصحبة ضابط رسمي.

كانت ترتدي سويت شيرت أسود ضخم، والكابيشون مشدود بإحكام على رأسها، يعلوه كاب أسود يلقي بظلاله على وجهها الذي غطته نظارة شمسية داكنة. قوامها رياضي، يوحي بالقوة والتدريب، وبطولها الذي لم يكن أقصر بكثير من الضابط المرافق، كان من المستحيل تحديد إن كانت فتاة أم شاب. تجر خلفها حقيبة سفر كبيرة تحمل علامات السفر لمسافات طويلة، وفي يدها الأخرى تمسك حقيبة لاب توب تبدو ثمينة.

اقترب الضابط الرسمي من آسر، وقبل أن يتحدث، ألقى نظرة سريعة على "المهمة" التي وقفت صامتة، كتمثال من الغموض.

"الآنسة إيزل في عهدتك يا آسر." قال الضابط بصوت خافت، ثم ناوله ملفًا آخر. "كل التفاصيل الإضافية موجودة هنا. أي استفسارات، راجع القيادة." أومأ آسر برأسه، وتلقى الملف وهو يلاحظ أن الضابط انسحب بسرعة ملحوظة، كمن ألقى حملاً ثقيلاً.

أصبحت إيزل الآن وحيدة مع فريق آسر. لم تنطق بكلمة، ولم تبدِ أي رد فعل. كانت نظراتها من خلف النظارة الشمسية غير مرئية، مما زاد من الإحساس بالغموض المحيط بها.

خارج المطار، طريق القاهرة-

توجه الفريق نحو سيارتهم المخصصة للحراسة، وهي سيارة دفع رباعي كبيرة، سوداء اللون ومُصفحة، صُممت خصيصًا لتوفير أقصى درجات الأمان وتتسع لستة أشخاص براحة تامة، بالإضافة إلى مساحة كافية للأمتعة. استقرت إيزل في المقعد الخلفي بجوار فارس، بينما جلس آسر في المقدمة بجوار السائق مراد. عمر وسامر اتخذا المقعدين الخلفيين. لم ينكسر الصمت إلا بصوت محرك السيارة الذي يمتزج بأصوات القاهرة الصاخبة في المساء. حاول آسر أن يبدأ حديثًا خفيفًا لكسر الجليد.

"الرحلة كانت طويلة، أظن؟" قال آسر وهو يلقي نظرة سريعة عليها من مرآة السيارة.

لم يأتِ رد. ظلت إيزل صامتة تمامًا، وكأنها لم تسمع السؤال. تبادل فارس ومراد نظرات سريعة، بدت عليها آثار الضيق والتعجب. همس فارس في أذن سامر: "شكلها هتطلع أعند من ما توقعنا." بينما أومأ سامر برأسه بتفهم. توقعاتهم بأنها ستكون "دلوعة" بدأت تتغير إلى توقعات بشخصية أكثر تعقيدًا.

"جاهزين للبيت الجديد، آنسة إيزل؟" حاول آسر مرة أخرى، هذه المرة بنبرة أكثر جدية.

هذه المرة، التفتت إيزل برأسها ببطء نحو آسر، ثم مدت يدها ورفعت نظارتها الشمسية وكابها. تكشفت ملامح وجهها. كانت فتاة في أواخر العشرينات، وجهها شاحب قليلاً، وعيناها الرماديتان كانتا تحملان تعبيرًا من الإرهاق والحذر، ولكن أيضًا ذكاء حاد. شعرها الأسود الداكن كان ملمومًا في ذيل حصان منخفض، وبعض الخصلات هربت لتحيط وجهها الرقيق.

"اسمي إيزل." قالت بصوت خافت، لكنه حمل رنينًا مميزًا، "وليس آنسة." كانت نبرة صوتها باردة، خالية من أي انفعال، لكنها حاسمة. هذه كانت أول كلمة تنطقها منذ وصولها.

تبادل آسر والسائق نظرة سريعة. على الرغم من دهشة فارس ومراد التي ظهرت على وجهيهما، كتم أفراد الفريق أي تعليقات. بدت على وجوههم الدهشة الخفيفة. لم تكن هذه الفتاة المدللة التي تخيلوها أبدًا. الصمت عاد ليخيم على السيارة، ولكن هذه المرة كان صمتًا مشبعًا بترقب مختلف. إيزل، الغامضة الصامتة، قد بدأت تكشف عن نفسها، ولو بجزء بسيط.

لم يدرك أحد منهم بعد أن البحث الذي يسعى وراءه المجرمون ليس مجرد ملفات أو بيانات، بل هو متجسد فيها هي نفسها. هذه الحقيقة ستنكشف بمرور الوقت، ومع تفاعلهم معها في الحياة اليومية، وفي مواجهة التحديات القادمة في الحي الذي سيصبح مأواها الجديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أيزل: الوعى الخارق

المؤلف Angel
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة