ليلة إيزل الأولى

ليلة إيزل الأولى

14 0

الفصل الثالث: ليلة إيزل الأولى

داخل شقة الدور الخامس، حي متوسط، القاهرة مساء الأربعاء، _يونيو __

بمجرد أن أُغلق الباب خلف فريق الحراسة، خيم صمت عميق على الشقة. لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان صمتًا ثقيلاً وكثيفًا، لا يقطعه سوى أنفاس إيزل المنتظمة. لم تتحرك من أمام النافذة لعدة دقائق، عيناها الرماديتان لم ترمشا، كانت تمسح الشارع بالأسفل، تسجل كل حركة، كل ظل، كل صوت. كان تركيزها مذهلاً، وكأنها تملك حواسًا تتجاوز البشر. حتى وهي متجاهلة الأثاث المريح، كانت نظراتها تخترق كل زاوية في الشقة، تستوعب تفاصيلها الدقيقة بلمح البصر.

بعد فترة، تحركت بهدوء تام، لم تصدر أي صوت يذكر. أول ما فعلته كان التوجه مباشرة إلى حقيبة اللاب توب التي وضعتها على الأرض. فتحتها بمهارة وسرعة، وأخرجت منها جهاز كمبيوتر محمول يبدو متطورًا للغاية، وبعض الأجهزة الإلكترونية الصغيرة المعقدة.

جلست على الأرض، متجاهلة الأريكة المريحة القريبة، ووضعت اللاب توب على ركبتيها. بدأت أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة خرافية، وكأنها تعزف مقطوعة موسيقية معقدة. لم تكن تكتب، بل كانت تبحث، تحلل، تستوعب كميات هائلة من البيانات. ضوء الشاشة الأزرق الخافت أضاء وجهها الشاحب، يكشف عن علامات إرهاق عميق لم تكن ظاهرة بوضوح من قبل.

لم تتناول الطعام الذي تركه لها الفريق على الطاولة، ولم تبدُ عليها أي علامات جوع أو عطش. كانت غارقة تمامًا في عالمها الرقمي، عالم يربطها ربما بماضيها الغامض، أو بوالدها الراحل. الساعات الأولى من ليلة إيزل في القاهرة مرت كالدقائق بالنسبة لها. بينما كانت القاهرة تغط في نوم عميق، كانت إيزل لا تزال مستيقظة، تعمل بلا كلل، وكأنها آلة لا تعرف التعب.

في إحدى اللحظات، توقفت أصابعها عن الحركة للحظة. رفعت رأسها، وعيناها تحدقان في الفراغ، وكأنها تستمع لشيء لا يسمعه أحد سواها. ثم عادت للعمل بسرعة مضاعفة، كأنها اكتشفت شيئًا جديدًا أو توصلت إلى استنتاج هام. ليلة إيزل الأولى في القاهرة لم تكن ليلة راحة، بل كانت ليلة عمل وبحث، تكشف عن جانب آخر من شخصيتها الخارقة التي بدأت تظهر للعيان.

............................ ...............................

حي متوسط، القاهرة، صباح الخميس،

تسللت أشعة شمس الصباح الأولى عبر نوافذ شقة إيزل، لتكشف عن الغبار الخفيف المتناثر في الهواء وعن شاشة اللاب توب المطفأة على الأرض. لم يكن هناك أي أثر لإيزل.

في الخارج، كانت الحياة قد دبت في الحي. أصوات الباعة الجائلين بدأت تتعالى، ورائحة الفول والطعمية تملأ الأجواء، بينما فتحت المحلات أبوابها استعدادًا ليوم جديد. كان يومًا طبيعيًا في القاهرة، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لفريق الحراسة.

كان من المفترض أن يتوجه فارس لتبديل مع عمر في نقطة المراقبة الخارجية، بينما يذهب آسر لتفقد إيزل والتأكد من راحتها. لكن عندما صعد آسر وفارس إلى الدور الخامس وفتحا باب الشقة بحذر، وجداها خاوية.

نظرة ذعر تتبادلت بين آسر وفارس. الشقة كانت مرتبة كما هي، لا يوجد أي علامة على اقتحام أو هروب عنيف. حقيبة سفر إيزل كانت لا تزال هناك، لكن حقيبة اللاب توب اختفت.

"هي فين؟!" تمتم آسر بصدمة واضحة على وجهه، وعيناه تجولان في الأرجاء بحثًا عن أي دليل.

اتصل آسر على الفور بـسامر ومراد وعمر. "الكل يركز معايا! إيزل مش موجودة في الشقة. مفيش أي مؤشرات على اقتحام. سامر، راجع كاميرات المراقبة حالا، كل نقطة. عمر، عينك على مداخل ومخارج الحي، أي حركة مش طبيعية."

"مستحيل! الكاميرات ما سجلتش أي خروج من المبنى!" صوت سامر جاء مشوشًا عبر سماعة آسر، تعلوه نبرة الذهول.

"لازم تكون لسه جوه، أو... أنا مش فاهم إزاي اختفت كده. كأنها اتبخرت!"

"فارس، دور في الشقة تاني، كل شبر فيها!" أمر آسر، ثم توجه هو نفسه نحو النافذة، يمعن النظر في الشارع بالأسفل، وقد اعتلى وجهه تعبير من الحيرة والقلق. كيف يمكن لشخص أن يختفي من شقة مؤمنة في الدور الخامس دون أثر؟

في هذه اللحظة، رآها آسر. لم تكن في الشارع الرئيسي. كانت في زقاق جانبي ضيق، يمتد بين العمارة التي تقطنها وعمارة أخرى مهجورة بعض الشيء. كانت ترتدي نفس السويت شيرت الأسود والكاب، وتضع نظارتها الشمسية. لم تكن تركض، بل كانت تمشي بهدوء غريب، وكأنها في نزهة صباحية. كانت تتوقف بين الحين والآخر لتفحص شيئًا على جدران قديمة متصدعة، أو لتقفز بخفة فوق كومة من القمامة كأنها عقبة سهلة، لا يبدو عليها أي تردد أو خوف.

"لقيتها!" صرخ آسر في جهاز الاتصال، بصوت يحمل مزيجًا من الارتياح والصدمة.

"في الزقاق اللي بين العمارة وعمارة الحاج عبدو المهجورة. بتتحرك كأنها عارفة المكان ده من زمان!"

ركض آسر وفارس بسرعة نحو السلالم، وقلوبهما تدق بعنف. لم يكن اختفاء إيزل هو المفاجأة، بل طريقة ظهورها في مكان لم تسجله الكاميرات، وتصرفها الغريب كأنها استكشفت المكان بالفعل، هو ما أثار قلقهم. هذه الفتاة كانت لغزًا لم يبدأوا في فك رموزه بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أيزل: الوعى الخارق

المؤلف Angel
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة