الفصل السابع: خطة "ماما هالة"....نكهة الحياة.. ودراما المشاعر
داخل شقة الدور الخامس، حي متوسط، القاهرة ، صباح السبت،
بعد مغادرة عمر ومراد شقة إيزل، عاد الهدوء إلى المكان. مراد كان لا يزال يضحك من تعليق إيزل عن "الفول المقبول بيئيًا". كانت هذه التفاعلات الصغيرة معها تكسر جدار الصمت والغموض المحيط بها، وتكشف عن لمحات من شخصية فريدة لم يتوقعها أحد.
في مركز المراقبة المؤقت، كان آسر يستمع إلى تسجيلات صوتية من الشقة، يبتسم ابتسامة خفيفة وهو يسمع تعليقات إيزل الشحيحة والمنطقية بطريقتها الغريبة.
"دي بتجيب من الآخر يا باشا." قال سامر وهو يشاهد التسجيل. "بس على الأقل بتتكلم."
"بالظبط." أضاف فارس. "المرة الجاية نقولها إيه رأيك في كوارع؟ هتدينا تركيبة العناصر الكيميائية بتاعتها."
انفجر الجميع في الضحك. كانت إيزل، بغير قصد، قد أضافت لمسة من الكوميديا الغريبة إلى مهمتهم المجهدة، وكسرت جزءًا من التوتر الذي يسيطر عليهم.
فجأة، لمعت فكرة في ذهن مراد. "عندي فكرة!" قال بحماس، وهو يضرب كفه بكفه.
نظر إليه آسر باستغراب، وعيناه تسألان: "إيه هي؟"
"أمك!" قال مراد ببساطة، وكأنها الإجابة البديهية لكل مشاكلهم.
تغير وجه آسر في لحظة. عيناه اتسعت بالغضب، وقام من مقعده ببطء، مستعدًا للانقضاض على مراد. "أمّي؟!" قال آسر بنبرة تحمل كل معاني التهديد. "يا ابن الـ..."
"استنى بس يا باشا! استنى بس تفهم!" صرخ مراد وهو يتراجع خطوة للوراء، رافعًا يديه في حركة استسلام كوميدية.
"والله ما قصدي حاجة وحشة! اسمعني بس! ماما هالة!"
توقف آسر، نظراته لا تزال حادة، لكن الفضول بدأ يحل محل الغضب.
"مالها أمي؟"
"يا باشا، أمك دي ساحرة!" تابع مراد بسرعة، مستغلًا فرصة توقف آسر.
"الست دي عندها قدرة تخلي أي حد ينطق، حتى الحجر! لو ودينا إيزل لماما هالة، أنا متأكد إنها هتخليها تتكلم وتحكي كل حاجة!"
تبادل فارس وعمر نظرات، ثم انفجرا في الضحك. الفكرة كانت جنونية، لكنها في نفس الوقت حملت لمسة من المنطق الغريب. والدة آسر، السيدة هالة، كانت معروفة بحكمتها، وطيبتها، وقدرتها الفائقة على التواصل مع الآخرين، حتى الأكثر انغلاقًا.
"و ادي فكرة؟" قال آسر وهو يعود ليجلس ببطء، محاولًا كبت ابتسامة خفيفة بدأت ترتسم على وجهه، لكنه لم ينسَ الخطر الخارجي. "المهمة دي معقدة، والعصابات ممكن تتحرك في أي وقت، ومحتاجين نفهم إيزل دي إيه بالظبط عشان نعرف نحميها." الفكرة كانت غير تقليدية على الإطلاق، ومخاطرها كبيرة، لكن بعد كل ما رأوه من إيزل، ربما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لفهمها حقًا. كيف يمكنهم حماية شخص لا يفهمونه؟
........................ .................. ...............
عمارة عائلة آسر، القاهرة، صباح الاحد،
في صباح اليوم التالي، اتخذ آسر قراره. كانت خطة مراد مجنونة، لكنها قد تكون بصيص الأمل الوحيد لفهم إيزل. توجه إلى شقة إيزل، وفتح الباب بهدوء ليجدها جالسة على الأريكة كعادتها، صامتة.
"إيزل، في حد عايزك تشوفيه." قال آسر بصوت هادئ، محاولًا تجهيزها. لم تبدِ إيزل أي رد فعل مباشر، لكن نظراتها الثاقبة تتبعت آسر وهو يشير لها بالخروج. استجابت بهدوء، وتبعته إلى عمارة عائلته المجاورة.
وصلوا إلى شقة والدة آسر، السيدة هالة. كانت السيدة هالة، بابتسامتها الدافئة وملامحها الهادئة، تنتظر.
"صباح الخير يا أمي." قال آسر، مقدمًا إيزل. "دي إيزل، الضيفة اللي حكيتلك عنها." نظرت السيدة هالة إلى إيزل بعينيها الحنونتين، وعقدت ذراعيها لتقترب منها. "أهلاً وسهلاً يا بنتي. البيت بيتك." لم تتحرك إيزل. ظلت صامتة، تراقب السيدة هالة بنظراتها الثاقبة التي تخلو من أي انفعال.
"هسيبكم أنا دلوقتي يا أمي." قال آسر، وهو يتبادل نظرة سريعة مع والدته وكأنه يودعها في معركة غير مرئية. "عندي شغل كتير مع الشباب." نزل آسر ليجد فريقه في مركز المراقبة، وجوههم تعكس مزيجًا من الترقب والقلق. "يلا يا شباب، المهمة بقت أصعب. إيزل مش مجرد هدف حماية، دي كائن حي بيتحرك بطرق إحنا مش فاهمينها."
بينما آسر وفريقه كانوا يخططون لإعادة تأمين المنطقة بأكملها، كانت إيزل في عالم آخر تمامًا.
...................... .................. .................
داخل شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، الأحد - الاثنين
جلست السيدة هالة مع إيزل في غرفة المعيشة. حاولت السيدة هالة أن تبدأ حديثًا، لكن صمت إيزل كان حاجزًا. لم تيأس الأم. ابتسمت ابتسامة واسعة، وفتحت التلفاز.
"ايه رأيك يا بنتي نتفرج على حاجة حلوة؟" قالت السيدة هالة بحنان، وضغطت على زر التشغيل. ظهرت على الشاشة مقدمة مسلسل مصري قديم. "ده مسلسل اسمه 'لن أعيش في جلباب أبي'. جميل أوي، بيحكي عن أسرة مصرية كفاحها من الصفر. دي حلقة فرح سنية، بنته الكبيرة."
جلست إيزل بهدوء، عيناها مثبتتان على الشاشة. لم تتفاعل، لكنها لم تتحرك أيضًا. بدأت السيدة هالة تحكي لها تفاصيل الحلقات السابقة، تشرح لها المواقف، العلاقات بين الشخصيات، تعبر عن مشاعر الفرح والحزن مع كل مشهد. كانت إيزل تستمع، لا تقاطع، ولا تبدي أي رد فعل. لكن السيدة هالة استمرت، وكأنها تتحدث إلى طفلتها الصغيرة، تروي لها حكايات الحياة المصرية البسيطة والمعقدة في آن واحد. لم تكتفِ السيدة هالة بالمسلسلات المصرية. عرضت عليها مسلسلات تركية وهندية، تشرح لها قصص الحب المعقدة والمؤامرات الدرامية، وكأنها تلقنها دروسًا في المشاعر البشرية.
"شايفة يا بنتي، دي اسمها الغيرة، ودي اسمها الفرحة، وده الحزن اللي بيكسر القلب." كانت السيدة هالة تشرح بتلقائية، وإيزل تستوعب كل كلمة، كل نبرة صوت، كل تعبير وجه، وكأنها تحمل برمجتها الداخلية على فهم "المشاعر البشرية". كانت تتعلم عن الحب، عن العلاقات، عن التعقيدات التي تحرك القلوب، وإن كان ذلك من منظور تحليلي لم تستوعب بعد عمقه العاطفي.
بعد مشاهدة المسلسلات، حان وقت المطبخ. السيدة هالة، وهي ربة منزل ماهرة، كانت تعد أشهى الأطباق المصرية.
"تعالي يا إيزل، لازم تتعلمي تعملي المحشي المصري. ده أساس البيت المصري."
وقفت إيزل بجانب السيدة هالة في المطبخ. كانت تراقبها بتركيز، تسجل كل حركة، كل مقدار، كل لمسة. السيدة هالة، بابتسامتها المعتادة، كانت تشرح:
"بصي يا حبيبتي، بنغسل الرز الأول، وبعدين نحط عليه الخضرة والتوابل..."
كانت تصف لها العملية بأكملها، وإيزل لا تتردد في تقليدها، لكن بدقة ميكانيكية مثالية. كانت تمسك بالخضروات وتغسلها، ثم تقوم بتقطيعها، وبدأت تلف ورق العنب بدقة متناهية، وكأنها آلة مبرمجة على الكمال.
قضت إيزل يومين كاملين مع السيدة هالة، تتعرض لجرعة مكثفة من الحياة المصرية العادية. خلال هذين اليومين، تعرفت إيزل على الحاج عبد الرحمن، جد آسر، الذي كان يروي لها قصصًا من التاريخ المصري القديم والحديث. كما تعرفت على بقية أفراد العائلة الذين كانوا يترددون على بيت السيدة هالة، كل منهم يحاول التحدث معها، أو يقدم لها شيئًا لتأكله، أو يحكي لها موقفًا طريفًا. إيزل، رغم صمتها المعتاد، كانت تستوعب كل شيء، تتعلم عن العادات، التقاليد، والروابط الأسرية. كان عقلها الخارق يجمع بيانات ليس عن المباني والشبكات، بل عن جوهر البشر.
Angel