الفصل العاشر: برمجة ماما هالة
شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، صباح الخميس،
بعد أن أفاقت إيزل في غرفة آسر وتناولت الفطور برفقة "ماما هالة"، كان الجو في الشقة يفوح بالدفء الأسري. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا. دخل آسر إلى الصالة، وعلى وجهه علامات الضيق. كان يتحدث في هاتفه بنبرة حادة، صوته يعلو قليلًا.
"أنا قولتلك مليون مرة، الأمن ده مش هزار! إزاي حاجة زي دي تعدي منكم؟!" قال آسر، والغضب بادٍ في نبرته.
"أنا مش عايز أسمع أعذار، أنا عايز حل. فورًا!"
كان آسر يتحدث مع أحد أفراد فريقه في المقر، ويبدو أن هناك خطأ أمنيًا قد حدث. توترت ملامحه، وشد على قبضة يده. ماما هالة نظرت إليه بقلق، وربتت على ذراعه بهدوء.
"اهدأ يا حبيبي، مفيش حاجة مستاهلة كل ده."
لم يلتفت آسر إليها، بل استمر في حديثه الغاضب.
"لا، فيه! فيه لما يكون الهدف في خطر! أنا سايب أهم حاجة في الدنيا بين إيديكم!"
راقبت إيزل المشهد بانتباه شديد. كانت تسجل كل تفصيل: نبرة صوت آسر الحادة، تعابير وجهه المتوترة، قبضته المشدودة، وحتى طريقة تنفسه السريعة. في الماضي، كانت هذه مجرد "بيانات" يمكن تحليلها لتقييم مستوى التهديد. لكن الآن، شعرت إيزل بشيء مختلف. لم تكن مجرد بيانات. كانت "مشاعر".
كانت تستشعر "الغضب" الذي ينبعث من آسر، و"القلق" الذي يسيطر عليه.
شعرت إيزل بنبضة سريعة في صدرها، مشابهة لتلك التي شعرت بها عندما رأت قلق ماما هالة. هذا كان "الضيق البشري"، وهذا هو "الغضب" الذي يشاهده البشر في المسلسلات. لم تكن مجرد معلومات، بل كانت تتسلل إلى إدراكها.
بعد أن أنهى آسر مكالمته، ألقى هاتفه على الأريكة بتعب، ووضع يديه على رأسه. "غلطة غبية. غبية جدًا!" تمتم لنفسه.
نهضت إيزل ببطء من جوار الحاج عبد الرحمن. توجهت نحو آسر بخطواتها الهادئة. مدّت يدها، ووضعتها بلطف على ذراعه. كانت لمسة خفيفة، لكنها غير متوقعة تمامًا من إيزل.
رفع آسر رأسه، ونظر إليها باستغراب. في عينيها الرماديتين، رأى شيئًا لم يره من قبل: لمحة من التعاطف، أو ربما فهم خفي لما يمر به.
"هذه المشاعر... عالية الكثافة." قالت إيزل بصوتها الهادئ، لكن هذه المرة، لم تكن مجرد وصف علمي. كان هناك اهتمام خفي في نبرتها.
"هل هي بسبب الخطر؟"
تنهد آسر. "أيوه يا إيزل. بسبب الخطر." نظر إلى يدها التي لا تزال على ذراعه. "بسبب الناس اللي عايزين يأذوكي."
لم تسحب إيزل يدها. بل بدت وكأنها تستوعب الكلمات، وتربطها بالمشاعر التي اختبرتها للتو. كانت تتعلم، ليس فقط عن الحب والقلق، بل عن الغضب والخطر أيضًا، وكيف تتشابك هذه المشاعر مع بعضها البعض في النسيج المعقد للحياة البشرية.
................... ............ ....................
شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، ومركز المراقبة، صباح الخميس،
مرت لحظات صمت، قبل أن يتنهد آسر مجددًا ويقول:
"إيزل، لازم نرجع الشقة." نبرته كانت حازمة، لكنها حملت بعض التردد هذه المرة.
"المفروض إنك تكوني هناك."
نظرت إيزل إليه. كانت هادئة كعادتها، لكن هذه المرة، لم يكن صمتها مجرد غياب للتعبير. كانت هناك لمحة من التردد في عينيها الرماديتين، حركة طفيفة في رأسها، وكأنها تعالج أمرًا لا يتعلق بالمنطق أو الأمان.
"لماذا؟" سألت إيزل. كانت كلمتها قصيرة، لكنها حملت نبرة احتجاج خفية، نبرة لم يسمعها آسر منها من قبل.
تفاجأ آسر قليلًا. كان يتوقع استجابة آلية، أو تحليلًا منطقيًا للموقف. لكن هذا التردد، هذا السؤال، كان شيئًا جديدًا. نظرت ماما هالة إلى آسر بإشارة خفية، وكأنها تطلب منه أن يكون صبورًا.
"يا إيزل، لازم نكون حريصين. المكان اللي أنتِ فيه آمن أكتر بالنسبة للمراقبة."
حاول آسر أن يشرح الأمر بلغة منطقية، لكنه أدرك أن المنطق وحده لم يعد كافيًا معها.
نظرت إيزل إلى السيدة هالة، ثم إلى الحاج عبد الرحمن. بدا وكأنها تقارن بين الأمان المنطقي والدفء العاطفي. الصمت امتد للحظات، امتلأ خلالها المكان بتردد إيزل الواضح.
قطع الحاج عبد الرحمن الصمت بصوته الدافئ والحكيم.
"شايفة يا بنتي، الحياة دي زي البحر. ساعات هادية وساعات فيها أمواج. المهم إننا نعرف نسبح فيها، ونتمسك باللي بنحبهم."
نظر إلى آسر بابتسامة، ثم إلى إيزل.
"وساعات الأمان مش في مكان، الأمان في الناس اللي بتحبنا."
تأملت إيزل وجهه، تستوعب كلماته. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت "بيانات بشرية" عميقة عن الوجود والمشاعر.
تنهد آسر. أدرك أن الأمر لم يعد يتعلق بالبروتوكولات أو التعليمات. لقد أصبحت إيزل تشعر.
"عايزة تفضلي هنا؟" سأل آسر، غير متوقعًا أن ينطق بهذا السؤال. كانت نبرته تحمل شيئًا من الأمل، ومن الفضول لمعرفة ما سيدور في ذهنها. كانت هذه المرة الأولى التي يمنحها فيها خيارًا، ويطلب منها التعبير عن رغبة شخصية.
تعلقت عينا آسر بـإيزل، ينتظر إجابتها. أخيرًا، نطقت إيزل، ولكن ليس بالكلمات التي توقعها آسر. لم تكن جملة بسيطة مثل "نعم" أو "لا"، بل كانت رد فعل يعكس عقلها التحليلي الذي بدأ يدمج المشاعر البشرية.
"الشقة لا تحتوي على جهاز تلفزيون." قالت إيزل بصوتها الهادئ، الذي بدا أكثر رقة هذه المرة.
"والبرنامج الدرامي يذاع يوميًا."
تجمد آسر للحظة. لم يتوقع هذا الرد أبدًا. كانت إيزل، بكامل قوتها وذكائها الخارق، ترفض العودة إلى شقتها المؤمنة ليس بسبب خطر أو تهديد، بل لأنها لا تريد أن تفوت حلقة المسلسل! كانت هذه هي "برمجة ماما هالة" الجديدة، التي تفوقت على أي بروتوكول أمني أو منطق خارق.
ابتسمت ماما هالة ابتسامة عريضة، ونظرت إلى آسر بعينيها اللامعتين.
"يعني خلاص يا حبيبتي، البيت بيتك. والمسلسل أهم من أي حاجة دلوقتي!"
نظر آسر إلى إيزل، التي كانت عيناها الرماديتان ثابتتين عليه، وكأنها تنتظر موافقته. كانت لمحة طفيفة من التحدي والرجاء في نظرتها، مزيج لم يره آسر من قبل. أدرك أن المنطق الأمني الذي كان يحركه لم يعد ينطبق بالكامل على إيزل. لقد أصبحت تفضيلاتها الشخصية، التي اكتشفتها للتو، جزءًا من معادلتها المعقدة.
تنهد آسر بابتسامة خفيفة، مزيج من الاستسلام والدهشة.
"تمام يا إيزل. خلاص، هتفضلي هنا." قالها، وهو يدرك أن مهمته قد دخلت مرحلة جديدة تمامًا. لم يعد يحمي كائنًا عديم المشاعر، بل كائنًا يفضل دفء العائلة ودراما التلفزيون على العزلة والأمان المطلق. كانت هذه البرمجة الجديدة لإيزل، التي زرعتها فيها ماما هالة، هي التحدي الأكبر لآسر وفريقه.
عاد آسر بعدها مباشرة إلى مركز المراقبة، ووجهه يحمل مزيجًا من الإرهاق والذهول والابتسامة الخفيفة. جلس أمام الشاشات التي لا تزال تظهر شقة إيزل فارغة، وإشارة جهاز التتبع الخاصة بها تومض بثبات من عمارة ماما هالة. كان الفريق بانتظاره، وجوههم تحمل علامات الاستفهام.
"ها يا باشا؟ إيه اللي حصل؟ إيزل عاملة إيه؟" سأل فارس بفضول، وهو يرى تعابير وجه آسر الغريبة.
تنهد آسر، ثم بدأ يضحك ضحكة خفيفة كادت أن تتحول إلى ضحكة هستيرية. "يا جماعة، الموضوع... الموضوع بقى أغرب من أي حاجة توقعناها."
نظر إليه الفريق باستغراب. لم يعتادوا على رؤية قائدهم بهذا القدر من الارتباك والفكاهة في آن واحد.
"إيزل... إيزل مش هترجع الشقة." قال آسر، محاولًا جمع أفكاره.
"إيه؟ ليه؟ حصل حاجة؟" سأل عمر بقلق، بينما مراد وسامر كانا يراقبان آسر بتركيز.
"لا، محصلش حاجة." رد آسر، وابتسامته تتسع. "هي اللي رفضت ترجع."
صُدم الفريق. "رفضت؟ وليه؟" سأل مراد، وهو يقلب عينيه بذهول.
"يعني عندها إحساس بالرفض دلوقتي؟"
"أيوة، عندها إحساس بالرفض." قال آسر، وهو يرمقهم بنظرة جادة.
"رفضت ترجع علشان... مفيش تلفزيون في الشقة بتاعتها."
ساد الصمت الغرفة لثوانٍ معدودة، قبل أن ينفجر الفريق بالضحك. ضحكة عالية، خالية من أي توتر، وكأنهم يسمعون أطرف نكتة في حياتهم.
"يعني إيه؟ عشان المسلسل التركي؟!" قال فارس وهو يمسك بطنه من الضحك. "يا باشا، الست دي برمجة مختلفة تمامًا!"
أومأ آسر برأسه. "بالظبط كده. قالتها بكل هدوء. 'الشقة لا تحتوي على جهاز تلفزيون. والبرنامج الدرامي يذاع يوميًا.' ولما سألتها عايزة تفضلي هنا، قالت 'نعم'."
نظر آسر إلى وجوه فريقه المصدومة بالضحك، ثم عاد إلى نبرته الجادة. "اسمعوا يا رجالة. المهمة اتغيرت. إيزل هتفضل في بيت أمي. وده معناه إن خطة التأمين لازم تتغير بالكامل."
توقف الضحك، وحلت محله الجدية على وجوه الفريق. "يعني إيه يا باشا؟ هنأمن عمارة سكنية عادية؟" سأل سامر.
"هنأمن البيت كله. كل شبر فيه. كل مداخل ومخارج المنطقة اللي حواليها." قال آسر بحزم، وعيناه تشتعلان بالتصميم.
"أنا عايز تأمين على أعلى مستوى. مش عايز غلطة واحدة. إيزل بقت مش مجرد سر بنحميه، إيزل... بقت جزء من عيلتنا. وهي دلوقتي محتاجة الأمان ده أكتر من أي وقت فات."
تبادل الفريق النظرات. أدركوا حجم المهمة الجديدة. لم تعد مجرد عملية سرية، بل أصبحت حماية شخصية، حماية كائن بدأ يشعر ويندمج في الحياة البشرية. ومع كل يوم يمر، كانت إيزل تتحول أكثر، وتصبح أكثر هشاشة، وأكثر أهمية لهم جميعًا. والعصابات، في مكان ما، كانوا لا يزالون يبحثون.
Angel