الفصل الرابع: مواجهة وقلق المهمة
حي متوسط، القاهرة صباح الخميس،
ركض آسر وفارس بخطوات سريعة نحو الزقاق الجانبي. كان قلب آسر يدق بعنف، ليس فقط بسبب المجهود البدني، بل بسبب هذا اللغز الجديد الذي تمثله إيزل. عندما وصلا إلى مدخل الزقاق، رأياها تقف على بعد أمتار قليلة، تنظر إلى جدار قديم متصدع وكأنها تدرس خريطة معقدة. كانت حركاتها هادئة، خالية من أي توتر أو خوف، وكأن وجودهما لم يغير شيئًا.
"إيزل!" نادى آسر بصوت حاول أن يجعله هادئًا قدر الإمكان، لكن نبرة الدهشة كانت واضحة فيه.
التفتت إليهما إيزل ببطء، عيناها الرماديتان تحدقان فيهما من خلف النظارة الشمسية وكأنها تستجوب وجودهما. لم تبدُ عليها أي علامة مفاجأة أو ارتباك.
"إيه اللي بتعمليه هنا؟ وإزاي خرجتي من الشقة من غير ما حد يشوفك؟" سأل فارس، وقد علت نبرته الدهشة.
نظرت إيزل إليهما لوهلة، ثم عادت بنظرها إلى الجدار، وكأن ما قالاه لا يستحق الرد. كانت تلك اللحظة كافية لإثارة غضب آسر المكتوم.
"إيزل، إحنا مسؤولين عن حمايتك! ومينفعش تتحركي كده من غير علمنا! في عصابات بتدور عليكي، والمكان ده مش آمن!" قال آسر بحزم، محاولًا السيطرة على انفعاله. "ولازم نفهم إزاي خرجتي من غير ما الكاميرات تسجلك. سامر متأكد إن مفيش أي حركة على المداخل."
أخيرًا، التفتت إيزل إليهما بالكامل. "الشقة محكمة." قالت بصوتها الهادئ الذي يحمل برودة غريبة. "لكن الزقاق ده... له مداخل ومخارج غير مرئية. نقاط ضعف."
صدمت كلمات إيزل آسر وفارس. لم تكن تجيب على أسئلتهم بقدر ما كانت تحلل الوضع الأمني للمكان. كانت تتحدث عن "نقاط ضعف" لم يكتشفها فريق أمني مدرب. تبادلا نظرات سريعة، بدت عليها آثار الذهول.
"نقاط ضعف؟" سأل آسر، محاولًا استيعاب المعلومة. "إزاي عرفتي؟ وإيه كنتي بتعملي هنا؟"
لم تجب إيزل. عادت عيناها تمسحان الجدار المتهالك، ثم انتقلت إلى سطح إحدى العمارات المجاورة. بدا وكأنها لا ترى الجدران العادية، بل ترى شيئًا آخر، خرائط، مسارات، احتمالات.
"لازم ترجعي الشقة دلوقتي، ده مش مكان آمن ليكي." قال آسر بنبرة تحمل أوامر لا تقبل النقاش.
التفتت إيزل نحوه، ورفعت حاجبًا واحدًا بخفة، وكأنها تتعجب من حديثه عن "الأمان". لم تتحدث، لكن نظرتها كانت كافية لتقول الكثير: إنها لا ترى الأمان في هذا المكان، أو ربما لا تشعر بالخوف منه. ثم انطلقت بخطوات هادئة نحو المدخل الذي دخلت منه.
تبعها آسر وفارس. كان الجو بينهما مشحونًا بالأسئلة التي بلا إجابات. هذه الفتاة ليست مجرد "مهمة"، إنها لغز حي، وقدراتها التي بدأت تظهر تشير إلى أنها أكثر بكثير من ابنة عالم.
مقر المراقبة المؤقت،
عاد الفريق إلى مقر المراقبة المؤقت، حيث كان سامر وعمر ينتظران بفارغ الصبر. تبادلت وجوههم نظرات الدهشة عندما رأوا إيزل تسير أمام آسر وفارس بهدوء، وكأنها لم تكن سبب كل هذا القلق.
"الشقة دي محتاجة إعادة تأمين كاملة." قال آسر بمجرد دخولهم، ونبرة صوته كشفت عن إحباط واضح. "إيزل بتقول إن الزقاق ده له 'مداخل ومخارج غير مرئية' لينا. وده كلام خطير."
نظر إليه سامر بدهشة. "هي اللي قالت كده؟"
"أيوه. وهي كانت بتتحرك فيه كأنها بتستكشف نقاط ضعف في تأمين المنطقة." تابع آسر. "سامر، عايزك تحطلي جهاز تتبع في هدومها، يكون صغير جداً وميتشفش. مش عايزين أي مفاجآت تاني."
أومأ سامر برأسه بجدية، فهم خطورة الموقف. كان من الواضح أن المهمة مع إيزل ستكون مختلفة تمامًا عن أي شيء تعاملوا معه من قبل.
فلاش باك: ليلة إيزل الأولى في الشقة
داخل شقة الدور الخامس، حي متوسط، القاهرة، مساء الأربعاء،
عندما أُغلق الباب خلف فريق الحراسة، خيم صمت عميق على الشقة. لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلاً وكثيفًا، لا يقطعه سوى أنفاس إيزل المنتظمة. لم تتحرك من أمام النافذة لعدة دقائق، عيناها الرماديتان لم ترمشا، كانت تمسح الشارع بالأسفل، تسجل كل حركة، كل ظل، كل صوت. كان تركيزها مذهلاً، وكأنها تملك حواسًا تتجاوز البشر. حتى وهي متجاهلة الأثاث المريح، كانت نظراتها تخترق كل زاوية في الشقة، تستوعب تفاصيلها الدقيقة بلمح البصر، وكأنها تبني خريطة ثلاثية الأبعاد للمكان في عقلها.
بعد فترة، تحركت بهدوء تام، لم تصدر أي صوت يذكر. أول ما فعلته كان التوجه مباشرة إلى حقيبة اللاب توب التي وضعتها على الأرض. فتحتها بمهارة وسرعة، وأخرجت منها جهاز كمبيوتر محمول يبدو متطورًا للغاية، وبعض الأجهزة الإلكترونية الصغيرة المعقدة.
جلست على الأرض، متجاهلة الأريكة المريحة القريبة، ووضعت اللاب توب على ركبتيها. بدأت أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة خرافية، وكأنها تعزف مقطوعة موسيقية معقدة. لم تكن تكتب، بل كانت تبحث، تحلل، تستوعب كميات هائلة من البيانات. ضوء الشاشة الأزرق الخافت أضاء وجهها الشاحب، يكشف عن علامات إرهاق عميق لم تكن ظاهرة بوضوح من قبل. كانت تبحث عن معلومات تتعلق بمواقع أثرية، خرائط قديمة، وتصاميم معمارية للمناطق العشوائية.
لم تتناول الطعام الذي تركه لها الفريق على الطاولة، ولم تبدُ عليها أي علامات جوع أو عطش. كانت غارقة تمامًا في عالمها الرقمي، عالم يربطها ربما بماضيها الغامض، أو بوالدها الراحل. الساعات الأولى من ليلة إيزل في القاهرة مرت كالدقائق بالنسبة لها. بينما كانت القاهرة تغط في نوم عميق، كانت إيزل لا تزال مستيقظة، تعمل بلا كلل، وكأنها آلة لا تعرف التعب.
مع اقتراب الفجر، توقفت أصابعها عن الحركة للحظة. رفعت رأسها، وعيناها تحدقان في الفراغ، وكأنها تستمع لشيء لا يسمعه أحد سواها، صوت خافت لا يلتقطه إلا آذانها المدربة. ثم انزاحت عن اللاب توب بهدوء، ونهضت. توجهت نحو النافذة مرة أخرى، ونظرت إلى الزقاق الجانبي المظلم. كأنها كانت تستدعي خريطة ذهنية دقيقة للمنطقة، لاحظت نقطة معينة في نهاية الزقاق، مدخلًا ضيقًا يكاد يكون مخفيًا عن الأنظار، وممرًا سريًا كان يستخدمه السكان القدامى.
أدركت أن هذا المدخل لا يظهر على أي خرائط رسمية، ولا يمكن أن ترصده الكاميرات الأمنية العادية. ابتسمت ابتسامة خفيفة بالكاد لمحتها عيناها الرماديتان في ضوء الفجر الخافت. لقد وجدت وسيلتها لاستكشاف هذا المكان الجديد الذي أُجبرت على الإقامة فيه. لقد وجدت "نقطة الضعف" في نظامهم الأمني، ليس للهرب، بل للفهم. انطلقت إيزل من الشقة قبل أن يشرق نور النهار بالكامل، مستغلة كل ثانية قبل أن تبدأ وردية الفريق الصباحية. كانت تستكشف عالمها الجديد، خطوة بخطوة، بطريقتها الخاصة التي لا يفهمها أحد.
................ .................... .....................
عمارة عائلة آسر، القاهرة،
عاد آسر إلى عمارة عائلته، خطواته كانت أثقل مما بدت عليها وهو يصعد سلالم عمارة إيزل. في رأسه، كانت تدور دوامة من الأسئلة. إيزل ليست "مهمة" عادية، هذا أصبح مؤكدًا. قوتها غير المتوقعة، صمتها الغريب، والأهم، اختفاؤها الذي تحدى كل أنظمة المراقبة، ثم ظهورها بمعلومات عن "نقاط ضعف" لم يتوقعها أحد. كل هذا كان يثير قلقًا عميقًا في نفس آسر، وهو رجل اعتاد على السيطرة والفهم التام لمحيطه.
دخل شقة والدته ورمى مفاتيحه على الطاولة دون اكتراث. توجه مباشرة إلى غرفة المعيشة، حيث كانت والدته، السيدة هالة، تجلس تشرب قهوتها الصباحية بهدوء. السيدة هالة، بملامحها الهادئة وعينيها اللتين تحملان حكمة السنين، كانت تدرك على الفور أن هناك شيئًا ما يزعج ابنها. هي تعرف آسر جيدًا؛ تعابير وجهه، طريقة مشيه، وحتى صمته، كلها تخبر قصصًا.
"صباح الخير يا حبيبي." قالت السيدة هالة بصوت دافئ، تراقب ابنها الذي يبدو شارد الذهن.
"صباح النور يا أمي." رد آسر وهو يريح رأسه على الأريكة، يمرر يده على شعره بتوتر.
لاحظت والدته غيابه عن الوعي بما يدور حوله. "مالك يا آسر؟ شكلك مش مظبوط النهاردة. في حاجة حصلت في الشغل؟"
تنهد آسر تنهيدة طويلة. "مفيش يا أمي، شوية تعب بس." حاول أن يقلل من الأمر، لكنه لم يفلح في إخفاء التوتر الذي يعتصره. عيناه كانتا تحللان الموقف، يفكر في كل كلمة قالتها إيزل، في هدوئها المخيف، في الطريقة التي نظرت بها إلى الجدران كأنها ترى ما وراءها.
"يا ابني، أنا أمك. وعيني ما بتكدبش عليا." قالت السيدة هالة بحنان، وهي تضع كوب القهوة جانبًا وتتقدم نحوه. "شغلكم دايماً صعب، بس المرادي شكلك مشغول أكتر من أي مرة."
صمت آسر، يفكر في كيفية التعامل مع هذا اللغز الجديد الذي يواجهه. كان يفكر في إيزل، تلك الفتاة الغامضة التي تحمل في طياتها سرًا أكبر من مجرد أبحاث والدها. كانت كلماتها عن "نقاط الضعف" تزعج عقله المنظم. هل كانت تتحدث بجدية؟ هل لديها قدرات تفوق الاستيعاب البشري العادي؟ وكيف يمكنه حماية شيء لا يفهمه؟
دخل الحاج عبد الرحمن، جد آسر، إلى الغرفة. الحاج عبد الرحمن، رجل مسن لكنه لا يزال يتمتع بقوة وحكمة كبيرتين، وعينيه تحملان نظرة ثاقبة. "صباح الخير يا رجال، وإيه الجو المشحون ده على الصبح؟" قال الحاج عبد الرحمن وهو يبتسم، لكن ابتسامته تلاشت عندما رأى تعابير وجه آسر.
"آسر مش على بعضه يا بابا." قالت السيدة هالة.
جلس الحاج عبد الرحمن بجوار آسر، وربت على كتفه. "خير يا آسر؟ اللي يشغل بالك يشغل بالنا كلنا."
نظر آسر إلى جده، عيونه تحمل ثقل المهمة. "المهمة الجديدة يا جدي... مختلفة. البنت اللي بنحميها... غريبة. عندها قدرات محدش يقدر يفهمها." كان يحاول أن يصف ما يشعر به دون الكشف عن تفاصيل المهمة السرية. "بتعمل حاجات... مش طبيعية. كأنها شايفه الدنيا بشكل مختلف."
في تلك اللحظة، رن هاتف آسر. كان سامر.
"جهزت جهاز التتبع يا باشا. صغير جدًا ومش هيتشاف. مستنيك تحت في مركز المراقبة." جاء صوت سامر من الطرف الآخر، يحمل حماسًا تقنيًا.
"تمام، نازل حالاً." أجاب آسر بسرعة، وقام من مكانه.
"رايح فين دلوقتي يا ابني؟" سألت والدته بقلق.
"شغل يا أمي. حاجة بسيطة." قال آسر وهو يرتدي سترته بسرعة. "هبقى أطمنك."
هز الحاج عبد الرحمن رأسه بهدوء، عينيه تفحصان حفيده. "الدنيا مليانة أسرار يا آسر. ومش كل حاجة بنقدر نفهمها بعقولنا. بس الأهم، إنك تقوم بواجبك على أكمل وجه. المهمة دي أمانة في رقبتك."
كلمات جده أعادت لآسر بعض الثبات. أدرك أن عائلته، على الرغم من عدم معرفتهم بالتفاصيل، يشعرون بقلقه ويدعمونه. هذا الدعم كان مهمًا في خضم هذا الغموض الذي يواجهه. خرج آسر مسرعًا نحو الباب، لكن السؤال الأكبر ظل قائمًا: كيف يحمي قوة لا يستطيع فهمها؟
Angel