الفصل السادس: إيزل.. قراءة العالم ... دروس فى التعايش
حي متوسط، القاهرة ، صباح الجمعة،
بعد الصدمة الأولية لاختفاء إيزل وظهورها في الشارع، قرر آسر وفريقه مراقبتها عن كثب، محاولين فهم ما تفعله بالضبط. لم يعودوا يحاولون إيقافها، بل اكتفوا بتتبعها ومراقبة تصرفاتها الغريبة. كانت إشارة جهاز التتبع تظهر موقعها بدقة، بينما كانت كاميرات المراقبة الخاصة بهم في المبنى عاجزة عن رصد خروجها أو دخولها.
ظلت إيزل تتجول في الحي. لم تكن تتسوق بشكل طبيعي، أو تتفاعل مع السكان. كانت عيناها الرماديتان، من خلف نظارتها الشمسية، تعملان بتركيز شديد. توقفت عند مبنى قديم مهجور، وأمضت دقائق طويلة تحدق في واجهته المتهالكة، كأنها ترى تفاصيلاً خفية أو بنية تحتية لا يدركها أحد. ثم انتقلت إلى شبكة خطوط الهاتف المعلقة بين الأعمدة، تتبعها بعينيها وكأنها ترى تدفق البيانات فيها.
"إيه اللي بتعمله دي بالظبط؟" تمتم فارس من شقة المراقبة المقابلة، وهو يمسح وجهه بحيرة. "بتتفرج على المباني بالطريقة دي كأنها... بتعمل لهم أشعة مقطعية."
"بتحلل كل حاجة حواليها." أجابه عمر من سيارة المراقبة. "كأنها بتجمع داتا عن الحي كله."
في مركز المراقبة، كان سامر يراقب إشارة الجهاز والتسجيلات المتاحة. "يا باشا، حركة إيزل مش عشوائية. في نمط معين. بتركز على أماكن معينة، بتفضل فيها وقت، وبعدين تنتقل لمكان تاني."
آسر كان يتابع الشاشات بوجه مشدود، محاولًا ربط خيوط اللغز. "أظن إنها بتعمل مسح كامل للمنطقة. بتشوف نقاط قوتها وضعفها، يمكن بتفهم التركيب العمراني، حركة الناس، أي حاجة ممكن تستغلها العصابات." فكر آسر في كلماتها عن "المداخل والمخارج غير المرئية". كانت لا تكذب.
بعد حوالي ساعتين من التجوال، دخلت إيزل إلى مكتبة صغيرة قديمة في زقاق هادئ. تبعها فارس بحذر، وتمركز بالقرب من المدخل. داخل المكتبة، كانت إيزل تتصفح الكتب بسرعة مذهلة. لم تكن تقرأها، بل كانت تلمس صفحاتها، تمرر أصابعها فوق السطور، وكأنها تمتص المعلومات مباشرة من الورق.
"دي بتقلب الكتب في ثواني يا باشا!" همس فارس لآسر. "مش معقول تكون بتقرا كل ده."
"مش بتقرا، بتعمل سكان." قال آسر بهدوء، وقد بدأ جزء من الصورة يتضح له.
"كأنها بتصور كل صفحة بعنيها وبتخزنها في دماغها."
كانت إيزل تجسيدًا حيًا للتكنولوجيا، لكنها كانت تتصرف بطريقة تفوق أي تقنية معروفة لهم. كانت عيناها بمثابة كاميرات فائقة الدقة، وعقلها بمثابة معالج بيانات عملاق. كانت تستكشف العالم من حولها ليس كبشر عاديين، بل ككائن يستخدم حواسه بطريقة خارقة لجمع المعلومات. هذا ما جعلها "البحث" بحد ذاته. لم يكن الأمر مجرد أوراق أو بيانات، بل هي، إيزل، كانت تجسيدًا لأبحاث والدها. وهذا ما جعلها الهدف الأغلى والأكثر خطورة.
................ .............. .................
حي متوسط، القاهرة، مساء الجمعة،
بعد جولة الاستكشاف الغريبة في الحي، عادت إيزل إلى الشقة بهدوء تام، بنفس الطريقة التي غادرت بها دون أن ترصدها الكاميرات. جلس الفريق في مركز المراقبة، الصمت يخيم عليهم، كل منهم يحاول استيعاب ما شاهده.
"اللي شفناه النهاردة ده... خارج عن أي منطق علمي." قال سامر، وهو يضع يديه على رأسه. "ولا كاميراتنا ولا جهاز التتبع قدروا يفسروا إزاي بتتحرك. كأن ليها أبعاد تانية بتتنقل فيها."
"هي مش بس بتجمع معلومات، هي بتستوعبها وبتفهمها بسرعة تفوق الخيال." أضاف عمر، وهو يتذكر كيف كانت إيزل تحدق في شبكات الكابلات الكهربائية المعلقة. "كأنها بتشوف الطاقة، أو البيانات اللي ماشية في الأسلاك."
آسر كان يفكر بعمق. كانت الصورة تكتمل ببطء في ذهنه، لكنها صورة مخيفة بقدر ما هي مبهرة. "والدها كان باحث كبير. أبحاثه كانت عن التكنولوجيا العصبية والذكاء الاصطناعي." قال آسر، بصوت خفيض. "لكن الظاهر إنها تجاوزت الأبحاث النظرية. إيزل... هي التجربة."
الكلمة علقت في الهواء، تاركة أثرًا من الدهشة في نفوس الجميع. إيزل ليست مجرد فتاة ذكية، أو شخص لديه قدرات خاصة. إيزل هي مشروع علمي متكامل، كائن بشري مزود بقدرات غير مسبوقة.
"يعني إيه التجربة يا باشا؟" سأل فارس، وعيناه متسعتان. "يعني هي... متصنعة؟"
"مش بالمعنى الحرفي." أجاب آسر.
"يمكن تم تعديلها جينيًا، أو تم دمج تكنولوجيا معينة في تكوينها. عشان كده أبحاث والدها مهمة جداً للعصابات دي. لأنها بتفسر إزاي إيزل بقت كده."
عاد آسر إلى شقته في العمارة المجاورة، تاركًا الفريق في حالة ذهول. في شقته، أخرج ملف إيزل الذي تلقاه من اللواء. قرأ فيه المزيد من التفاصيل عن أبحاث والدها، التي كانت تتحدث عن "توسيع القدرات البشرية" و"الدمج البيولوجي التكنولوجي". كل كلمة في الملف كانت تزيد من يقينه: إيزل ليست ابنة عالم عادي، إنها نتاج عبقرية علمية خطيرة.
جلس آسر أمام مكتبه، وقد خيم عليه شعور ثقيل بالمسؤولية. حماية إيزل لم تعد مجرد مهمة روتينية. إنها حماية لسر علمي قد يغير وجه العالم، وسر يمتلكه كائن حي، إيزل نفسها. هذا الكائن الذي لا يزال غامضًا، وصامتًا، وقادرًا على رؤية العالم بطريقة لا يمكن للبشر العاديين تخيلها.
................... ..................... .......................
مقر الفريق السري، حي متوسط، القاهرة مساء الجمعة،
بعد يوم طويل من المراقبة والتحليل، وبعد أن استوعب آسر وفريقه جزءًا من حقيقة إيزل الخارقة، قرروا تغيير استراتيجيتهم. لم يعد يكفيهم المراقبة من بعيد، فإيزل كانت لغزًا لا يمكن فكه إلا من قرب.
"بصوا يا جماعة، إيزل دي مش هنقدر نفهمها بالكاميرات بس." قال آسر في مركز المراقبة، وعيناه ثابتتان على الشاشة التي تعرض إيزل وهي تجلس في هدوء داخل الشقة. "لازم نقرب منها أكتر. نتعامل معاها. يمكن نعرف نفهم إيه اللي بتفكر فيه وإيه اللي بتعمله بالظبط."
"يعني إيه يا باشا؟ هنعزمها على قهوة؟" سأل فارس بسخرية، محاولًا تخفيف التوتر.
"تقريبًا كده." رد آسر بجدية.
"هنبقى معاها في الشقة. نتبادل الوردية، وندخلها في حياتنا اليومية."
"بس دي... مش بتتكلم كتير. ومش بتأكل." قال مراد، متذكرًا صمتها المطبق.
"هنحاول. دي مهمتنا دلوقتي." قرر آسر.
"سامر، خلي عينك على الشاشات كالمعتاد. عمر، ابقى في سيارة المراقبة. أنا وفارس هنبدأ معاها."
في تلك الليلة، ومع حلول الظلام، طرق آسر وفارس باب شقة إيزل، حاملين معهما أكياسًا مليئة بوجبة عشاء فاخرة من أحد المطاعم الشهيرة. فُتح الباب، وظهرت إيزل كعادتها، نظراتها الرمادية الصامتة تستقبلهما.
"مساء الخير يا إيزل." قال آسر بابتسامة خفيفة، محاولًا كسر الجليد.
"قلنا نجيب عشا ونتعشى معاكي. أكيد تعبانة من السفر والاستكشاف."
لم تبدِ إيزل أي رد فعل. نظرت إلى الأكياس في أيديهما، ثم إلى وجهيهما، وكأنها تحلل الموقف. لثوانٍ بدت وكأنها سترفض أو تغلق الباب، لكنها تراجعت بهدوء، تاركة الباب مفتوحًا لهما.
دخل آسر وفارس. كانت الشقة نظيفة ومرتبة كما تركوها، لكن اللاب توب كان مطويًا على الأرض. وضع آسر أكياس الطعام على الطاولة، وبدأ فارس في إخراج الأطباق.
"ايه رأيك في أكل المطاعم؟" سأل فارس، محاولًا إشراكها في الحديث.
"عملنا حسابنا وجبنا تشكيلة كبيرة، من المحاشي لغاية الفراخ المشوية."
جلست إيزل على الأريكة، تراقب حركاتهما بصمت. لم تمسس الطعام. ظل آسر وفارس يتناولان عشائهما، يحاولان التحدث معها عن أي شيء، عن الحي، عن الطقس، لكنها كانت تجيب بكلمة أو اثنتين، أو بصمت تام.
"إنتي مش بتحبي الأكل المصري يا إيزل؟" سأل آسر، وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا قدر الإمكان.
نظرت إيزل إلى الطعام، ثم رفعت يدها لتشير إلى أحد الأطباق.
"سعرات حرارية... زائدة." قالت بصوتها الخافت.
صُدم آسر وفارس للحظة. هذه كانت أول إجابة منطقية ومحددة منها. تبادلا نظرة سريعة، وكأنها تقول: "بدأت تتكلم!"
"طيب إيه اللي بتحبيه؟ ممكن نجيبلك أي حاجة تانية." قال فارس بحماس.
"بروتين... ألياف." أجابت إيزل باقتضاب.
هز آسر رأسه، محاولًا فهم نظامها الغذائي الغريب. كانت هذه بداية غير متوقعة لـ "التعايش" مع إيزل. كانت كل لحظة معها تكشف عن جانب جديد من شخصيتها الخارقة، وتؤكد أن التعامل معها سيكون أكثر تعقيدًا وإثارة للضحك مما تخيلوا.
صباح اليوم التالي، السبت،
في صباح اليوم التالي، جاء دور عمر ومراد للبقاء مع إيزل في الشقة. أحضر مراد إفطارًا مصريًا أصيلًا: فول مدمس، طعمية ساخنة، خبز بلدي، وبيض.
"صباح الفل يا إيزل! جبنالك أجدع فطار مصري!" قال مراد بحماس، وهو يضع الأطباق على الطاولة. "مش هتلاقي زي الفول والطعمية دي في أي حتة في العالم."
جلست إيزل على الأريكة كعادتها، تراقبهم بصمت. نظر عمر إلى وجهها، ثم إلى الأطباق المليئة بالدهون والسعرات الحرارية. ابتسم ابتسامة خفيفة، متذكرًا تعليقها عن العشاء.
"مش هتفطري معانا يا إيزل؟" سأل عمر بهدوء.
نظرت إيزل إلى طبق الفول. "دهون... أملاح... عالية." قالت بصوتها الخالي من أي نبرة حكم.
مراد، الذي كان قد بدأ في تناول إفطاره بشهية، توقف للحظة. "إيه ده يا إيزل؟ هو إنتي بتقري كل حاجة كده؟ دي نعمة ربنا يا بنتي!"
لم تجب إيزل. مد مراد يده بطبق طعمية ساخنة نحوها. "طب جربي دي بس. مش هتخسري حاجة."
نظرت إيزل إلى الطعمية، ثم إلى وجه مراد المتحمس. مد يده، وأخذ قطعة صغيرة جدًا، ووضعتها في فمها. مضغتها ببطء، وكأنها تحلل كل مكون فيها.
"إيه رأيك؟" سأل مراد، عيناه تلمعان بالأمل.
"مقبول... للبيئة." قالت إيزل، ولم تبدِ أي تعبير.
انفجر مراد وعمر في الضحك. لم يكونا يتوقعان مثل هذا التعليق.
"مقبول للبيئة!" قال مراد وهو يمسح دموع الضحك.
"دي أظرف حاجة قالتها من ساعة ما جت!" بينما ظلت إيزل صامتة، عيناها تراقبانهما بلا تعبير، وكأنها تسجل ردود فعلهما كبيانات.
كان واضحًا أن مهمة "التعايش" مع إيزل ستكون مليئة بالمواقف الكوميدية بقدر ما هي مليئة بالغموض والتحديات. الفريق بدأ يدرك أن إيزل ليست مجرد "هدف" للحماية، بل كائن فريد من نوعه، سيغير حياتهم بطرق لم يتخيلوها.
Angel