الفصل الثاني: الحي القديم والغموض الجديد
حي متوسط، القاهرة. مساء الأربعاء، _ يونيو ___
انعطفت سيارة الدفع الرباعي المصفحة من الطريق السريع إلى شوارع حي متوسط، حيث بدأت أبراج القاهرة الحديثة تتوارى خلف عمائر سكنية قديمة نسبيًا، لكنها لا تزال تحتفظ ببعض أناقتها البالية. كانت الأضواء الخافتة للمحلات التجارية المنتشرة على جانبي الطريق تضفي لمسة من الحياة على المشهد، بينما كان صوت بائعي الخضروات المتجولين يختلط بأصوات السيارات وضجيج الحياة اليومية. شعرت مجموعة آسر بنوع من الاسترخاء الخفيف؛ فبعد ساعات من الترقب واليقظة، اقتربوا من وجهتهم.
قاد مراد السيارة ببراعة في الشوارع الضيقة التي كانت تزدحم بالمارة والأطفال يلعبون الكرة، حتى توقف أمام عمارة سكنية قديمة الطراز، ذات واجهة كلاسيكية متقشرة بعض الشيء. كانت هذه هي الشقة التي تم تجهيزها لإيزل. بجوارها مباشرة، كانت تقف عمارة آسر العائلية الأحدث والأكثر فخامة، والتي بدت وكأنها حارسة للمكان.
"وصلنا، آنسة إيزل." قال آسر بنبرة رسمية، مستخدمًا اللقب الذي أصرت على عدم استخدامه، لكنه لم يجد بديلًا مناسبًا بعد.
نزلت إيزل من السيارة، عيناها الرماديتان مسحتا المكان ببطء، وكأنهما تسجلان كل التفاصيل. لاحظ آسر وفريقه كيف تحولت نظراتها الحادة من الترقب إلى نوع من الهدوء الممزوج بالفضول. كانت تنظر إلى واجهة العمارة، إلى المحلات في الأسفل، وإلى الأطفال الذين توقفوا عن اللعب ليرموا بنظراتهم الفضولية نحو السيارة الغريبة.
"الدور الخامس." أشار آسر إلى المبنى، وهو يفتح باب السائق. "للأسف، العمارة دي مفيش فيها أسانسير." قالها بابتسامة خفيفة، متوقعًا رد فعل منزعج أو متذمر.
لم تبدِ إيزل أي رد فعل. بدأت في سحب حقيبة سفرها الكبيرة، لكن فارس تقدم بسرعة. "سأحملها يا آنسة..." توقف، يتذكر طلبها. "إيزل." أكمل محرجًا.
"لا حاجة." قالت إيزل بصوتها الهادئ، الذي بدا أكثر حدة في هذا المكان الهادئ نسبيًا. رفعت الحقيبة الثقيلة بيد واحدة وكأنها خفيفة الريشة، وأمسكت حقيبة اللاب توب باليد الأخرى. كانت حركتها سريعة وخالية من أي مجهود، مما أثار دهشة خفية لدى الفريق. لم يتوقعوا هذه القوة البدنية الهادئة من فتاة تبدو نحيفة. تبادل عمر وسامر نظرات سريعة؛ هذه الفتاة ليست عادية على الإطلاق، وهمس فارس لآسر: "دي أقوى مني يا باشا!"
بدأت إيزل في الصعود على السلالم الحجرية المتهالكة نسبيًا بخطوات ثابتة وسريعة، كأنها تصعد جبلًا سهلًا. فريق الحراسة، بمن فيهم آسر، تبعها بصمت، متبادلين النظرات المندهشة. كانت هذه أول لمحة لهم عن شيء غير عادي في إيزل، شيء يتجاوز مجرد كونها "غير مدللة".
وصلوا إلى الدور الخامس. كانت الشقة بسيطة لكنها مرتبة ونظيفة، بأثاث عملي وتم تجهيزها بكل ما يلزم. رائحة خفيفة من المطهرات كانت تملأ المكان، والإضاءة كانت هادئة ومريحة. نوافذها تطل على الشارع الرئيسي، مما يوفر رؤية واسعة للحركة بالأسفل. دخلت إيزل، ووضعت حقائبها على الأرض بهدوء، ثم توجهت مباشرة إلى النافذة، ناظرة إلى الأسفل بعينين متفحصتين. كان واضحًا أنها لا تهتم برفاهية المكان بقدر اهتمامها بتفاصيله الأمنية ومراقبة محيطها.
التفت آسر إليها، وأخرج هاتفًا صغيرًا من جيبه. "إيزل، ده تليفون تقدري تستخدميه لو احتجتينا في أي حاجة. أرقامنا متسجلة عليه. دايماً هيبقى فيه حد قريب منك مننا، هنتبادل الحراسة." أشار بإصبعه نحو العمارة المجاورة. "وعمارة عيلتي اللي جنبك دي، لو في أي حاجة طارئة تقدري تلجأيلها. الشقة مجهزة بكل اللي ممكن تحتاجيه لفترة."
قبل أن يكمل آسر حديثه، قاطعه فارس بابتسامة خفيفة. "استنى بس يا آسر، مش نتعرف بيها الأول؟" التفت فارس نحو إيزل التي كانت لا تزال واقفة عند النافذة، عينيها تلتقطان كل حركة في الشارع بالأسفل. "يا إيزل، أنا فارس، وده عمر، وسامر، ومراد." أشار إليهم تباعًا. "إحنا فريق الحراسة بتاعك. كل واحد فينا ليه مهمة محددة."
تقدم عمر ببطء. "أنا مسؤول عن المراقبة والتأمين الخارجي، وعيني هتكون عليكي باستمرار."
"وأنا سامر، مسؤول عن التكنولوجيا، أي حالل في الاتصالات أو الأجهزة، أنا اللي هتصرف." قال سامر وهو يشير إلى جهاز صغير في يده.
"وأنا مراد، السواق بتاعك، وأي حركة سريعة أو طوارئ، أنا اللي هكون مسؤول عنها." أضاف مراد بحماس.
وأخيرًا، تحدث فارس مرة أخرى: "وأنا فارس، هكون معاكي في الحراسة المباشرة، وفي أي مواجهة."
نظر الجميع إلى إيزل، منتظرين رد فعلها، أو ربما تعليقًا على أدوارهم. ألقت إيزل نظرة سريعة على كل واحد منهم، ثم عادت عيناها تحدقان في الشارع. بعد لحظة صمت، نطقت بصوتها الهادئ والحاسم: "أنا إيزل."
نظروا إليها في انتظار أن تكمل، ربما تعريفًا لنفسها، لوظيفتها، أو حتى سؤالًا. لكنها اكتفت بتلك الكلمة.
تنهدت إيزل بخفة، ثم رفعت عينيها الرماديتين لتنظر إليهم واحدًا تلو الآخر، وكأنها تقرأ أفكارهم. وبنفس نبرة صوتها الخالية من أي انفعال، كررت: "وبس. إيزل وبس."
ارتسمت علامات الاستفهام على وجوه الفريق. نظر آسر إلى أعضاء فريقه، ورأى في عيونهم مزيجًا من الدهشة والحيرة والتساؤل. هذه الفتاة لم تكن كأي شخص تعاملوا معه من قبل. كان واضحًا أنها ستكون مهمة صعبة، ليس فقط بسبب الأخطار الخارجية، بل بسبب الغموض الذي يلفها هي ذاتها.
Angel