الفصل الثامن:برمجة جديدة
عمارة عائلة آسر، مساء الاثنين،
بعد يومين من العمل المتواصل والتخطيط الدقيق، عاد آسر وفريقه إلى عمارة العائلة. كانوا منهكين، لكنهم متحفزين لمعرفة ما حدث مع إيزل في غيابهم. كان آسر قلقًا، لا يدري كيف ستكون إيزل بعد هذه التجربة غير المعتادة.
"يا ترى ماما هالة عملت فيها إيه؟" تمتم فارس بابتسامة خفيفة. "أتمنى تكون لسه بتعرف تتكلم." أضاف مراد بسخرية.
صعدوا السلالم، ورائحة شهية تملأ الممرات. كانت رائحة المحشي! وصلت من شقة السيدة هالة. تبادل الفريق النظرات بدهشة، فهذه الرائحة كانت من المستحيلات مع إيزل.
طرق آسر الباب، ففُتح على الفور. كانت المفاجأة صادمة. وقفت إيزل أمامهم، ترتدي مريلة مطبخ أنيقة، وشعرها الأسود ملموم بإحكام. وجهها لم يكن يحمل تعابير كثيرة، لكن عيناها الرماديتان بدتا أكثر حيوية.
"أهلاً بيكم يا ولاد!" قالت السيدة هالة بابتسامة واسعة، وهي تقف خلف إيزل. ثم التفتت إلى إيزل بنبرة حنونة: "يلا يا إيزل يا حبيبتي، نجهز السفرة عشان الشباب يتغدوا ويدوقوا أعمايل إيدك الجميلة."
نظرت إيزل إلى السيدة هالة، ثم إلى الفريق الواقف مصدومًا عند الباب. لثانية واحدة، بدا وكأنها ستقول شيئًا عن الكفاءة والوقت المستغرق، لكنها بدلًا من ذلك، نطقت بكلمتين فقط، حملتا نبرة جديدة من التقبل والتعاون.
"المحشي استوى." قالت إيزل بصوتها الهادئ، وفي عينيها لمحة رضا خفيفة.
صدمة ثانية ضربت الفريق. "المحشي استوى"؟! لم يصدقوا آذانهم. هذه الفتاة الصامتة، الجليدية، التي بالكاد تنطق بكلمة، الآن تتحدث عن المحشي وكأنها ربة منزل!
"حاضر يا ماما هالة." أضافت إيزل، مؤكدة على حجم التحول.
وقف آسر مذهولاً، ينظر إلى والدته التي ابتسمت بسعادة، ثم إلى إيزل التي بدأت تتحرك نحو المطبخ بخطوات هادئة. لم يكن يعرف كيف يتفاعل مع هذا المشهد. فريقه، الذي اعتاد على التعامل مع أخطر المجرمين وأكثر الألغاز تعقيدًا، كان يقف عاجزًا أمام هذه الفتاة التي حولت "المحشي" إلى دليل على تطورها البشري.
"يا باشا، أنا حاسس إني في مسلسل تركي!" همس مراد لآسر، وعيناه لا تزالان متسعتين من الدهشة. "دي مش إيزل اللي نعرفها. ماما هالة دي ساحرة بجد!" ضحك فارس بصوت مكتوم.
دخلت إيزل المطبخ، وبدأت في إحضار أطباق المحشي الكبيرة، ووضعها على السفرة الممتدة. كانت حركتها دقيقة وسريعة، تضع الأطباق في أماكنها الصحيحة دون أي تردد. تبعتها السيدة هالة، تبتسم وهي تضع الأطباق الجانبية. "يلا يا شباب، اتفضلوا. الأكل سخن!" دعت السيدة هالة بحماس. "دوقوا عمايل إيد إيزل يا ولاد!"
جلس الفريق حول السفرة بتردد. نظروا إلى المحشي الذي بدا شهيًا، ثم إلى إيزل الواقفة بجانب السفرة، وكأنها تنتظر تقييمهم. آسر، الذي كان لا يزال يحاول استيعاب الموقف، تناول قطعة من المحشي. كانت دافئة، غنية بالنكهات، ومطهوة بإتقان غير عادي.
"إيه رأيكم؟" سألت السيدة هالة، وهي تراقب تعابير وجوههم.
تجرأ فارس على النطق أولاً، وعيناه تحدقان في إيزل.
"والله يا ماما هالة... المحشي ده... ده تحفة!" تناول عمر ومراد وسامر قطعهم بصمت، وعلامات الإعجاب بادية على وجوههم. كانت كل قطعة تشهد على لمسة إتقان غير متوقعة من إيزل.
نظرت إيزل إلى وجوههم، وكأنها تسجل ردود أفعالهم. ثم التفتت إلى آسر، وفي عينيها الرماديتين، بدا وكأن هناك لمحة خفيفة من... رضا؟
بعد الانتهاء من الطعام، بدأت السيدة هالة في جمع الأطباق. "يلا يا إيزل يا حبيبتي، قومي اعملي كوبايتين قهوة سادة للشباب، وشاي بالنعناع لينا أنا وجدك." مرة أخرى، نطقت إيزل بكلمتين لم يتوقع أحد سماعهما بهذه السهولة: "حاضر يا ماما هالة."
توجهت إيزل إلى المطبخ بخطواتها الهادئة والدقيقة. وقف الفريق يراقبها في صمت. كان مراد يفرك عينيه، وكأنه يتأكد من أن هذا ليس حلمًا.
"يا باشا، الست دي عملت فيها إيه؟!" همس مراد لآسر.
"دي بقت بني آدمة طبيعية!" ابتسم آسر ابتسامة عريضة، هي الأولى التي تعلو وجهه منذ بدء المهمة.
"ماما هالة... ليها طريقة في التعامل مع البشر."
في المطبخ، كانت إيزل تتحرك بمهارة فائقة. أعدت القهوة، ووضعت كمية دقيقة من السكر في كوب الشاي الذي أعدته للسيدة هالة. دقت أوراق النعناع الطازجة بحرفية، ووضعتها في الكوب. كانت حركاتها انسيابية، وكأنها آلة مبرمجة على الكمال، لكن هذه المرة، كان هناك هدف إنساني وراء هذه الدقة: خدمة من حولها.
عادت إيزل تحمل صينية عليها أكواب القهوة والشاي. قدمت كوب الشاي للسيدة هالة والحاج عبد الرحمن بابتسامة خفيفة لم تكن ظاهرة من قبل. ثم قدمت أكواب القهوة للفريق.
"تسلم إيدك يا إيزل." قال الحاج عبد الرحمن بحنان، وهو يتناول كوب الشاي بالنعناع.
"شكرًا." قالت إيزل بصوت خفيض، لكنها بدأت ترفع عينيها لتنظر إليهم مباشرة.
................... .............. .................
شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، مساء الأثنين،
انتهت ليلة المسلسلات والضحكات في شقة السيدة هالة. كان الفريق لا يزال في حالة ذهول من التحول الذي طرأ على إيزل. لم تعد مجرد "هدف حماية"، بل أصبحت ضيفة محبوبة، جزءًا من نسيج هذه العائلة الدافئة. حان وقت العودة إلى شقة المراقبة، وإيزل إلى شقتها الخاصة.
"يلا يا ولاد، الوقت اتأخر." قال آسر بصوت يحمل نبرة حانية، بينما كانت عيناه تتأملان إيزل، الجالسة بجوار والدته. لم يكن يريد أن تنتهي هذه اللحظة، لكن الواجب كان يناديه.
نظرت السيدة هالة إلى إيزل بحزن خفيف. لقد تعلقت بها بسرعة، هذه الفتاة الغامضة التي وجدت في بيتها الأمان والدفء.
"هتمشي دلوقتي يا إيزل يا حبيبتي؟" قالت السيدة هالة، وهي تربت على يدها بحنان.
نظرت إيزل إلى يد السيدة هالة التي تربت على يدها، ثم رفعت عينيها لتنظر إليها مباشرة. كان في نظرتها هذه المرة شيء جديد، عمق لم يره أحد من قبل.
"سأعود. إلى هنا. قريبًا." قالت إيزل بصوتها الهادئ، لكن هذه المرة، لم تكن مجرد معلومات تحليلية. كانت وعدًا، حملته نبرة خفية من الشوق.
ابتسمت السيدة هالة ابتسامة واسعة، وعانقت إيزل عناقًا دافئًا.
"تنوريني في أي وقت يا بنتي. البيت بيتك."
كان المشهد مؤثرًا. فارس ومراد وعمر وسامر وقفوا بصمت، يشاهدون الوداع. لم يتوقعوا أبدًا أن يروا إيزل تتلقى عناقًا بهذه العفوية، أو أن تعد بالعودة. هذه الفتاة التي كانت تعتبر آلة، بدأت تظهر لمحات من المشاعر.
عندما حان وقت المغادرة، وقفت إيزل عند الباب، وتبادلت نظرة أخيرة مع السيدة هالة. لمحة من حزن خفي مرت في عينيها قبل أن تعود إلى هدوئها المعتاد. تبعت آسر وفريقه إلى شقتها.
"تصبحوا على خير يا ماما هالة يا حبيبتي." قال آسر، وهو يودع والدته.
في طريق العودة إلى شقة المراقبة، ظل الصمت يسيطر على الفريق. كان كل منهم يفكر في التحول الذي طرأ على إيزل.
"يا باشا، أنا متأكد إن العصابات دول عمرهم ما هيلاقوا إيزل دي تاني." قال مراد فجأة، بصوت جاد غير معتاد.
"دي بقت حاجة تانية خالص."
أومأ آسر برأسه. لقد تغيرت المهمة تمامًا. لم تعد مجرد حماية لسر علمي، بل رعاية لكائن فريد، كائن بدأ يكتشف إنسانيته في قلب عائلة مصرية دافئة. وكانت هذه التغيرات، رغم جمالها، تحمل معها تحديات أكبر وخطورة لم يتوقعوها.
...................... .................. .....................
شقة إيزل، حي متوسط، القاهرة، مساء الثلاثاء،
بعد أن استقرت إيزل في شقتها، عاد آسر والفريق إلى مركز المراقبة. كانت الشاشات تعرض الشقة خالية. استمرت المراقبة الروتينية، بينما كان الفريق يناقش التطورات الأخيرة.
"تتوقعوا هتعمل إيه دلوقتي؟" سأل عمر. "يعني خلاص، بقت طبيعية؟"
"مش لدرجة طبيعية." رد سامر وهو يراقب الشاشات. "بس أكيد غير الأول خالص. أظن إن برمجتها... اتعدلت."
مرت الساعات بهدوء. كان الفريق منهكًا بعد أيام من التخطيط والمراقبة. فجأة، انطلقت صفارات الإنذار الخافتة في مركز المراقبة. إشارة جهاز التتبع الخاص بـإيزل تحركت!
"إيزل بتتحرك!" صرخ سامر، وعيناه تتسعان بصدمة.
"بس... مش الشقة! الإشارة جاية من عمارة ماما هالة!"
نهض آسر من مقعده بذهول.
"إزاي؟ الكاميرات مفيش أي حاجة. مين اللي قالها الطريق؟!"
على الشاشات، ظلت إشارات كاميرات المراقبة الخاصة بالشقة تظهر الوضع طبيعيًا: لا يوجد خروج، لا يوجد دخول. لكن إشارة جهاز التتبع كانت واضحة لا لبس فيها: إيزل كانت في شقة السيدة هالة!
"يلا بينا! بسرعة!" صرخ آسر، واندفع الفريق خارج مركز المراقبة، وقلوبهم تدق بسرعة. لم يفهموا كيف وصلت إيزل إلى هناك دون أن ترصدها أي كاميرات، لكن الأهم الآن هو الوصول إليها.
هرعوا إلى عمارة عائلة آسر. وصلوا إلى شقة السيدة هالة، وآسر يفتح الباب بخفة. انبعثت من الداخل رائحة طعام خفيفة، وصوت تلفزيون. دخلوا ببطء، وتوقفوا عند مدخل غرفة المعيشة.
كان المشهد أمامهم غير متوقع تمامًا. جلست إيزل على الأريكة بجوار ماما هالة، مندمجة في مشاهدة المسلسل التركي الرومانسي. أمامها، كان طبق صغير من المحشي الذي أعدته بالأمس، وهي تتناول منه قطعًا صغيرة بهدوء.
"يا حبيبي، ما تعملش كده! البنت بتحبك!" كانت السيدة هالة تعلق بحماس، وإيزل تتابع بتركيز، وقد خلت نظراتها من أي تحليل بيولوجي للطعام الذي تأكله.
تجمد الفريق في مكانه. صدمتهم كانت أكبر من أي اكتشاف سابق. إيزل، الكائن الخارق الذي يتهرب من أشد أنظمة المراقبة تعقيدًا، لم تخرج لتقوم بمسح أمني، أو لجمع بيانات استخباراتية. لقد خرجت لتقضي وقتًا مع "ماما هالة" وتتناول بقية المحشي وتشاهد المسلسل!
"يا باشا، أنا مش مصدق اللي بيحصل." همس فارس لآسر، وعيناه لا تزالان متسعتين من الدهشة.
"دي بتحضر جلسات الدراما المنزلية!"
كانت هذه الفتاة، بكل قدراتها الخارقة، تنجذب الآن إلى دفء العائلة والدراما البشرية. لقد أدرك آسر أن إيزل أصبحت تهديدًا جديدًا للعصابات، ولكنها أصبحت أيضًا... هدفًا جديدًا، وهشًا، للرعاية الإنسانية التي اكتشفتها للتو. ومهمتهم، بكل تعقيداتها، أصبحت تحمل بُعدًا إنسانيًا لم يتوقعوه أبدًا.
Angel