مهمة متغيره

مهمة متغيره

14 0

الفصل التاسع: نوم هادئ.. ومهمة متغيرة

شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، مساء الاربعاء،

تجمد آسر وفريقه في مكانهم، يشاهدون إيزل مندمجة في المسلسل التركي، تتناول بقايا المحشي بهدوء. الصدمة الأولى من رؤيتها هنا دون علمهم تبددت تدريجيًا لتحل محلها دهشة أخرى من هذا المشهد الغريب. كانت ماما هالة تضحك من تعليقاتها على أبطال المسلسل، بينما إيزل تراقب المشاعر على الشاشة بعينيها الرماديتين، وكأنها تدرس ظاهرة جديدة تمامًا.

مر الوقت، وبدأ المسلسل يصل إلى ذروته الدرامية. صوت السيدة هالة أصبح أكثر خفوتًا، لكنها ظلت تتابع بشغف. فجأة، لاحظ آسر أن حركة إيزل قد هدأت. رأسها مال ببطء، ثم استقر برفق على ساق ماما هالة. لقد نامت. نامت في منتصف المسلسل، وفي حضن "ماما هالة".

تبادلت السيدة هالة نظرة مع آسر، وابتسامة حنونة ارتسمت على وجهها. وضعت يدها بلطف على شعر إيزل، تربت عليه بحنان.

"دخلها أوضتك يا آسر يا حبيبي." قالت ماما هالة بصوت خفيض، حتى لا توقظ إيزل.

"يا حرام، شكلها مجهدة أوي."

صُدم آسر مرة أخرى. "مجهدة"؟ هذه الفتاة التي لا تعرف التعب، والتي تتنقل كشبح، والتي لا يبدو عليها أي أثر للإرهاق، كانت "مجهدة" من التعايش البشري. نظر إلى إيزل النائمة بسلام، وجهها هادئ، وملامحها أقل حدة من ذي قبل. كانت تبدو كطفلة بريئة، وليست كائنًا خارقًا يحمل سرًا خطيرًا.

"حاضر يا أمي." قال آسر، وتقدم نحوها. انحنى بحذر، ورفع إيزل بين ذراعيه. كانت خفيفة بشكل مدهش، وكأنها لا تملك وزنًا يذكر. حملها آسر إلى غرفته، ووضعها برفق على السرير. غطاها ببطانية خفيفة، ووقف لبرهة يتأملها.

تلك اللحظة، وهي نائمة بهذا الهدوء، كانت كافية ليُدرك آسر أن مهمته قد تغيرت تمامًا. لم يعد الأمر يتعلق بحماية "بحث" أو "هدف". لقد أصبح يتعلق بحماية "إنسان"، كائن بدأ يشعر، ويتعلم، وينام. وكانت هذه المهمة الجديدة، بكل تعقيداتها وإنسانيتها، هي الأصعب والأكثر أهمية على الإطلاق. عليه أن يحميها من العصابات، وأيضًا من عالم قد لا يفهم طبيعتها المتطورة.

...................    .............  ...........

غرفة آسر، شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، صباح الخميس،

استيقظت إيزل ببطء. لم تعتد على الاستيقاظ بهذه الطريقة. عيناها الرماديتان انفتحتا، لتجد نفسها في غرفة غريبة. لم تكن شقتها المعتادة، ولا حتى غرفة المعيشة في منزل ماما هالة. على الفور، بدأ عقلها الخارق في تحليل المكان: الأثاث، الألوان، رائحة خفيفة من عطر رجالي، كتب مبعثرة، ملابس معلقة. هذه غرفة آسر.

نهضت من السرير بهدوء، تتحسس الأغطية الناعمة. توجهت إلى الباب، وخرجت إلى صالة الشقة. كانت الشمس تشرق من النافذة، تملأ المكان بدفء. سمعت صوتًا خافتًا يأتي من المطبخ. دخلت لتجد ماما هالة تعد الفطور، ورائحة القهوة والخبز المحمص تملأ المكان.

"صباح الخير يا ماما هالة." قالت إيزل بصوتها الهادئ، لكن هذه المرة بدا وكأن فيه نبرة ارتياح خفيفة.

التفتت السيدة هالة، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.

"صباح النور يا حبيبتي. نمتي كويس؟"

أومأت إيزل برأسها، ثم توجهت إلى المائدة وبدأت في إحضار الأطباق. "ألا تتناولين الفطور؟" سألت إيزل، وهي تلاحظ أن السيدة هالة لم تضع سوى طبقين على المائدة.

ضحكت السيدة هالة. "لا يا حبيبتي، أنا فطرت بدري. ده فطورك أنتِ وآسر. ادخلي صحي أخوكي بقى، شكله مكسل يصحى."

نظرت إيزل باستغراب. "آسر؟ هنا؟"

"أيوه يا حبيبتي. بات عندنا هنا في الأوضة اللي جنبنا." قالت ماما هالة، وهي تشير إلى غرفة أخرى في الشقة.

"الفريق بتاعه راح المقر بتاعهم. يلا روحي صحيه عشان يفطر معاكي."

توجهت إيزل إلى الغرفة التي أشارت إليها السيدة هالة. فتحت الباب بهدوء، لتجد آسر نائمًا بعمق. كانت هذه هي المرة الأولى التي تراه فيها بهذه الحالة من الاسترخاء. اقتربت منه ببطء، ووقفت تتأمله. لم تبدِ أي رد فعل، لكن عقلها كان يسجل كل التفاصيل: طريقة تنفسه، حركة خفيفة في رموشه، ملامح وجهه الهادئة.

"آسر." قالت إيزل بصوت خفيض، بالكاد مسموع. لم يتحرك. "آسر." كررت، بصوت أعلى قليلاً.

فتح آسر عينيه ببطء. استغرق لحظة ليستوعب المكان، ثم وجهه، ثم أدرك أنها إيزل. نظر إليها باستغراب، ثم إلى المائدة في المطبخ.

"صباح الخير." قال آسر، وما زال نصف نائم.

"إيه اللي حصل؟"

"ماما هالة طلبت منك أن تستيقظ. الفطور جاهز." قالت إيزل، وكأنها وكيل أعماله الشخصي.

ابتسم آسر ابتسامة خفيفة. كانت هذه الفتاة، بكل قدراتها الخارقة، تذكره بأهمية الروتين البشري اليومي. لقد تغيرت الأمور كثيرًا.

....................   ................. ..................

شقة السيدة هالة، عمارة عائلة آسر، صباح الخميس

جلس آسر وإيزل لتناول الفطور على مائدة السيدة هالة. كان الجو هادئًا، وكسرته فقط أصوات ملاعق الطعام. آسر، الذي كان لا يزال يحاول استيعاب الموقف، نظر إلى إيزل التي كانت تتناول طعامها بهدوء. لم تعد تسأل عن السعرات الحرارية أو الدهون، بل كانت تأكل وكأنها تستمتع بالطعم، رغم أن تعابير وجهها ظلت هادئة.

"الفطار ده... لذيذ يا إيزل." قال آسر، محاولًا بدء محادثة.

نظرت إليه إيزل. "ماما هالة أعدته." قالت، وكأنها تعطي التقييم الفني للعمل.

ابتسم آسر.

"وأنتِ اللي بتساعديها دلوقتي؟"

أومأت إيزل برأسها. "إنها برامج غذائية مفيدة للجسم البشري. وأنا أتعلم كيفية تطبيقها."

بعد أن انتهيا من الفطور، قالت إيزل: "سأعد لك قهوتك."

"يا ريت والله!" قال آسر، مستغربًا من سرعة تأقلمها.

توجهت إيزل إلى المطبخ، وبدأت في إعداد القهوة بمهارتها المعتادة. وضعت القهوة في كوب، وحملتها إلى آسر. لكن آسر كان قد نهض من على المائدة وتوجه إلى غرفته ليبدل ملابسه.

فتحت إيزل الباب بهدوء، ودخلت الغرفة. كان آسر قد خلع قميصه، ووجهه كان نحو الخزانة، يستعد لارتداء ملابسه. للحظة، تجمدت إيزل في مكانها. عيناها الثاقبتان سجلتا المشهد. لم تكن هذه "بيانات" أو "تحليل" كما اعتادت. هذا كان موقفًا إنسانيًا لم تبرمج عليه، موقفًا ينتمي إلى عالم المشاعر والخصوصية الذي بدأت تكتشفه.

ظهرت على وجه إيزل لمحة حمرة خفيفة. كانت بالكاد تُلاحظ، لكنها كانت موجودة. لمسة من الارتباك، من الخجل، من المشاعر البشرية التي لم تختبرها من قبل. تراجعت إيزل خطوة إلى الوراء، ووجهها تحول قليلاً بعيدًا.

"آسفة. لم أكن أعلم." قالت إيزل بصوت خفيض، ربما للمرة الأولى التي يعتذر فيها هذا الكائن.

التفت آسر، ولاحظ ارتباكها الخفيف واحمرار وجهها. ابتسم ابتسامة حقيقية. "ولا يهمك يا إيزل. أنا اللي آسف. كنت بغير هدومي." تناول آسر منها كوب القهوة.

إيزل، التي كانت تسجل كل شيء بدقة ميكانيكية، سجلت أيضًا هذه المشاعر الجديدة: الارتباك، والخجل، والاعتذار. كانت هذه اللحظة، رغم بساطتها، كاشفة لحجم التغيير الذي يمر بها هذا الكائن الخارق. لقد بدأت إيزل تشعر كإنسان، تتعلم قواعد عالم جديد لا يعتمد فقط على المنطق والبيانات.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أيزل: الوعى الخارق

المؤلف Angel
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة