يظهر الموجه الأول أمام جينا في هيئة القط المعتادة.
«مواء... مواء.»
يحاول ألا يظهر هويته الحقيقية أمام مساعد الطبيب الملكي.
— حسنًا، لقد أديت عملك على أتم وجه، لذا هل يمكنك تركي لبرهة؟
قالها جينا محاولًا إبعاد المساعد ليحدث القط.
— كما تأمر، سيد جينا.
يخرج المساعد من الغرفة.
— ما الخطب أيها الموجه الأول؟
يسأل جينا باستغراب.
ليرد عليه قائلًا:
— سيشنّ النمل هجومًا كاسحًا على المملكة، ولا بد لنا من فعل شيء لصدهم.
— النمل سيهاجم؟ لكن هكذا سيُقضى على البشرية! لا يسعنا التصدي لمثل هذه القوة.
— ليس بهذا الحال، غير ممكن أبدًا.
— ماذا تقصد؟
— الخبر السار أنهم لن يرسلوا أكثر من خمسة وثلاثين جندي مشاة، والسيئ أنهم قد... وأقول قد... يرسلون معهم جنرالًا.
— على سيرة الموضوع، بماذا يتميز الجنرال عن بقية الجنود؟
إذا كان الجنرال أقوى من المشاة العاديين فكيف سأقاتله؟او حتى انتصر عليه.
— يتميز الجنرال من فصيلة النمل بهالة روحية قوية مقارنة ببقية النمل المحارب، كما أنهم أذكى وأقوى بكثير من النمل العادي.
ينظر جينا إلى القط باستغراب قبل أن يسأل:
— وما هي الهالة الروحية؟
— آه، أتَعرف ما هو نظام القوة في هذا العالم أصلًا؟
— في الواقع، لا. ولم تخبرني.
— لا أستغرب، فهذا العالم مختلف كل الاختلاف عن عالمك. نظام القوة ليس بالموهبة، ولا بالتدريب طويل الأمد، ولا حتى بالقوة البدنية، بل بنوع الهالة الروحية.
— أعتقد أنك قد غيّرت شكل هالتك الروحية من الحالة الرمادية إلى الذهبية بشكل مؤقت قبلاً.
— وهل يعني هذا أنني قادر على تغيير هالتي الروحية؟
— بلى، لكن المشكلة أنه لا بد من توفر الشروط اللازمة لتغيير هيئتك الروحية بشكل كامل.
— ماذا تقصد؟ وعن أي شروط تتحدث؟
— دماء النبلاء تفعل مهارة حاملي القدرات.
— سمعت بهذه العبارة من قبل... آه، قالتها ريونا قبل أن أواجه النملة سابقًا.
— وتلك هي المعضلة. لا بد أن دماءها حفّزت قدرتك على الاستيقاظ المؤقت، مما قد سمح لك بتحطيم حصانة الوحش.
— أتقصد أنني أخيرًا قادر على مواجهة النمل وجهًا لوجه؟
— ليس بعد. لا تقدر، ليس بحالتك هذه. لا يزال عليك التدرب على الإيقاظ الكامل، وهذا بحد ذاته سيستغرق وقتًا.
— ستصل قوات النمل المحارب بعد حوالي أربعة أيام. يجب أن نجد حلًا قبل ذلك.
— كيف؟ ماذا ستفعل؟
— لا بأس أبدًا، لا تقلق. سأدبّر أمري، لذا حاول التدرب على الإيقاظ الكامل حتى ذلك الوقت.
— مهلا، قبل أن تغادر، أخبرني كيف أفعلها بشكل تلقائي، وكيف أسيطر عليها.
— عليك اكتشاف ذلك بنفسك. فأنت عبقري، أليس كذلك؟
— هذا ما كانوا ينادونني به في الثانوية... لكن كيف عرف ذلك؟
— أنا موجهك، ولا بد لي من معرفة من تكون قبل أن أؤدي عملي معك.
تكمن في قراءة ما يدور في ذهني. بالفعل، ما يزال هذا الكائن لغزًا معقدًا وخطيرًا في الوقت نفسه.
— أهذا كل شيء إذًا؟ نلتقي بعد يومين.
كانت تلك آخر كلمات تركها الموجه قبل أن يختفي في ضباب أسود.
مثل عادته، ذهب وتركني في حيرة من أمري.
— مهلا... أشعر أنني نسيت أمرًا هامًا... ريونا! أين هي ريونا؟!
يقفز جينا من السرير مسرعًا ليرتدي درعه.
يدخل عليه مساعد الطبيب محاولًا إيقافه، قائلًا:
— مهلك، سيد جينا! ما تزال خياطتك حديثة. تمهل، وإلا فقد تفتح إحدى جراحك الخطيرة.
— لا أهتم بذلك أبدًا! الأميرة، أين هي؟!
يصرخ جينا بالمساعد ممسكًا بثوبه.
— ما هذه الضجة؟ إنه الليل بالفعل.
كانت تلك ريونا، متكئة بجانب الباب.
تخاطب جينا بسخرية قائلة:
— يبدو أن وضعك أسوأ من وضعي. انظر إلى حالك، أنت ملفوف بالكامل بالضمادات.
— أنت الأخرى لم تسلمي، فرأسك ملفوف هو الآخر.
يتوقفان عن الكلام للحظة، وينظر الثنائي إلى بعضهما قبل أن ينطق جينا، كاسرًا أجواء الصمت:
— تسعدني رؤيتك بخير، يوكي.
قالها جينا بابتسامة خفيفة ظاهرة على وجهه.
— يسعدني أنك ما تزال على قيد الحياة، أيها المرافق جينا.
---
ينتقل بنا المشهد إلى فارس يقاتل مجموعة من الذئاب المتوحشة.
— ما يزال أمامك طريق طويل قبل أن تصل للمستوى المطلوب، يوليوس. حاول بجد، وإلا فقد تفقد حياتك.
— لم نلتقِ منذ مدة، أليس كذلك أيها «الموجه الاحتياطي»؟
— انظروا من أتى! أليس هذا الموجه الأول شخصيًا؟
— تعرف أنني أكره أن أُنادَى بالاحتياطي. نادني «كيوس» فحسب، أيها الموجه الأول.
— ما أخبار تلميذك الذي حدثتني عنه سابقًا؟
— أهو في مستوى يمكنه من الوقوف إلى جانب الذئب الأخير؟
— ما يزال دون المستوى المطلوب، لكن ألا تستعجل الأمور بعض الشيء؟
— علينا التحرك بسرعة فقد باشر جيش النمل زحفه نحونا.
— لم أصدق ذلك الشعور في البداية، لكن يبدو أن دماء الذئب الأخير قد تفعلت أخيرًا.
يتحرك الموجه الاحتياطي نحو الفارس، قائلًا:
— يكفي تدريبًا ليوم واحد.
يحرك ذراعه سريعًا في الهواء، محدثًا نصل رياح قويًا يشق طريقه عبر الذئاب الوحشية.
— ما كان عليك فعل ذلك، سيد كيوس، والآن قد خافت وبدأت تتراجع.
— يبدو لي هادئًا حيال تصرفك هذا.
— ومن تكون يا هذا؟ هل أنت من معارف كيوس؟
— إنه صديق قديم نوعًا ما، وظهوره في هذه اللحظة يعني تغييرًا في الخطة، أليس كذلك؟
— سنتجه صوب حامل دماء الذئب الأخير، فقد باشر النمل حركته نحو أرضنا.
يبتسم الفارس ابتسامة خفيفة.
— أخيرًا وجدتك، أيها السيد الشاب...
— إذًا، هلّا ذهبنا؟
يُحدث الموجه الأول ضبابًا أسود يدخل فيه كل من الفارس والموجه الاحتياطي.
---
انتقال المشهد
ينتقل بنا المشهد إلى جينا، وهو واقف عند الشرفة يتأمل الشروق، ليظهر ضباب أسود عند باب القصر، ويخرج منه شخصان.
— من هذان؟ يبدوان غريبين عن المنطقة، لربما عدوين.
— مهلك، سيد جينا! حذرًا بشدة. هذان الشخصان ضروريان لنا لردع هجمة النمل العنيفة.
كان ذلك الموجه الأول، وقد ظهر خلف جينا.
— ما تزال تظهر وقتما تشاء. ألم تقل إننا سنلتقي بعد يومين؟
ويرد الموجه:
— كان ذلك قبل أن أجد من يمكنه مساعدتك. بعض الأمور لا تنتظر الموعد المحدد
— على كل حال، لما لا تنزل لمقابلتهم؟
يتجه جينا صوب الباب ليجده مفتوحًا، وأحد الشخصين يحدث كبير الخدم ميشن «الموجه الثاني».
— هذا هو الشخص الذي تبحثون عنه.
قالها ميشن بينما هو يشير إلى جينا.
— وماذا قد يرغب به هذان الشخصان من مرافق الأميرة؟
— إذن، أنت هو حامل دم الذئب الأخير. سررت بمقابلتك، أنا يوليوس براوان.
— وكما هو ظاهر من شكلي، فأنا فارس تابع لإمبراطورية الملك الأزرق.
— وما الذي يرغب به فارس من شخص مثلي؟
— لدينا نفس الهدف: الإطاحة بإمبراطورية النمل وتحرير البشرية من قيود الخوف مرة وللأبد. لذا، هلّا تسمح لي بمساعدتك؟
قالها الفارس بينما يضع يده على صدره ويحني رأسه.
— لا تحنِ رأسك أبدًا، بل أبقه مرفوعًا عندما تحدث أحدهم. على كل حال، حدثني الموجه الأول بخصوصهما.
همس جينا في أذن ميشن بتلك الكلمات.
ليرد قائلًا:
— بلى، سيكونان عونًا كبيرًا لنا في هذه الحرب.
— سيحل الصباح على كل حال، فلماذا لا تدخلان لتناول شيء ما؟
كانت تلك الأميرة يوكي، والتي كانت بدورها تنزل سلالم الطابق العلوي.
— أمي ما تزال غائبة عن الوعي تبعًا لأحداث البارحة، لذا لن تعيق حوارنا.
— يوكي، يقول هذان الشخصان إنهما سيساعداننا على الإطاحة بمملكة النمل. فما ردك؟
— أعرف بالفعل، وأعرف أيضًا أن النمل سيهاجم المملكة، فقد أخبرني ميشن بكل شيء.
— على كل حال، لما لا تبقيان عندي في القصر اليوم، لنناقش موضوع هذه الحملة المشتركة؟
— موافقة. إذًا لا يجب عليّ أن أخفض من حذري تحت أي ظرف.
— سأخذ السيد كيوس لحجرة الخدم الخاصة بي، بينما يبقى السيد يوليوس مع السيد جينا. ما رأيك؟ هل تفضل أن يبقى معك في الحجرة أم ينام في مرقد الخدم؟
— لا بأس عندي، سأخذه لغرفتي بالأعلى.
— إذًا، فلتنعما بنهار هانئ حتى يوم غد.
قالتها ريونا بينما تدير ظهرها متجهة نحو السلالم.
يدخل كل من جينا ويوليوس إلى الغرفة.
— خذ حريتك في استخدام الغرفة كما تشاء.
— أشكرك على لطفك، سيد جينا، لكن ألا ترى أنه يجب أن نتطرق للأمر الأهم؟
يسحب يوليوس سيفه ويصوبه نحو عنق جينا.
ينظر جينا ببرود إلى يوليوس قبل أن ينطق قائلًا:
— ما معنى هذا؟
— فلتعد معي، أيها السيد الشاب، فلم أعد أستطيع تحمل رؤية الأميرة كورارا بهذا الحال.
— عن ماذا تتحدث؟ ومن تقصد؟
يسأل جينا باستغراب.
ليهجم عليه يوليوس بسيفه، فيتفادى جينا الهجمة ويردها بلكمة قوية لبطن يوليوس.
— فلِتنمَ الأن، أيها الفارس المختل.
— فلتعد... معي... أيها السيد... الشاب.
كانت تلك آخر كلمات يوليوس قبل فقدانه الوعي.
يستيقظ ليجد جينا بجانبه جالسًا على الكرسي.
— أخيرًا استيقظت. يا هذا، الآن ستجيبني: من يكون هذا «السيد الشاب»؟ وما علاقته بي؟
ينهض يوليوس من فراشه، قائلًا:
— إذًا بالفعل قد فقدت الذاكرة، أليس كذلك أيها السيد الشاب؟
يبدو أنه لا يعرف أنني لست من هذا العالم.
— لا أعرف شيئًا غير أن اسمي جينا، ولا شيء سوى هذا.
— بالتحديد، «جينا ألفاستر»، ابن الإمبراطور الأزرق «لويد ألفاستر».
— أنا ابن الحاكم؟ أي نوع من الهراء هذا؟
يضع جينا يده على رأسه ويعتصره بقوة.
— أشعر بألم في رأسي... ما هذا الألم العجيب؟
---
مشهد من ذكريات جينا السابق
يظهر هنا مشهد لمالك الجسم السابق، جينا، وهو ممسك بيد فتاة صغيرة تشبهه لحد كبير.
— لنذهب لزيارة والدنا، أخي الأكبر.
— ما يزال طريح الفراش، والخادمات يمنعنني من دخول حجرته...
---
العودة إلى جينا الحالي
— ما هذا؟ ما كان ذلك؟ لقد كنت ممسكًا بيد فتاة صغيرة لبرهة.
— ما الخطب، أيها السيد الشاب؟
— يسأل يوليوس بقلق.
ليرد عليه قائلًا:
— أشعر ببعض الألم في رأسي. سأخرج لاستنشاق بعض الهواء.
— هل أرافقك؟
— لا داعي. ابقَ في سريرك وحسب.
يتجه جينا نحو الشرفة متسائلًا:
«ما كان ذلك؟ ومن تلك الفتاة؟ هذا بحد ذاته يجعلني متسائلًا: هل فعلًا أنا في عالم آخر، أم أنني بدأت أهَلوس؟»
— إذا فقد بدأت تعود بالفعل.
— ها أنت ذا تظهر من العدم! وحاول إكمال كلامك ولو لمرة واحدة.
ما الذي بدأ بالعودة؟
— ذكريات مالك الجسم السابق...
— مالك سابق؟
— بلى، فهذا الجسم لم يكن لك في الأصل، بل كان لشخص يدعى جينا ألفاستر، والذي كان...
— ابن الحاكم، أليس كذلك؟
— بلى. متفاجئ من معرفتك بهذا، أم عليّ القول: من إخبار ذلك الفارس لك بشكل مباشر؟
— يبدو أنه لا يعلم أنني لست مالك الجسم. لكن السؤال: ماذا حدث لجينا السابق؟
— لقد مات بالفعل. عقدت معه صفقة بأني سأحافظ على سلامة أخته في مقابل منحه إياي حياته، بشكل أدق: مقابل جسده.
— أتقول لي إنك قتلت مالك الجسم السابق؟
— لم أفعل. كل ما في الأمر أنه ما كان لينجو بحالته سابقًا، وقد رأيت كيف كانت حالته عندما استيقظت في ملابسه الرثة. لقد مات من الجوع والوهن.
— ولماذا نقلتني لجسم شخص آخر أساسًا؟
— الجواب هو أن مالك الجسم السابق وأنت تمثلان نفس الشخص، لكنه في عالمه وأنت في عالمك.
— وما الذي يعنيه هذا؟
— لنقل شخص من عالم إلى عالم آخر، لا بد من توفر شروط كي تكتمل العملية، ونضمن أن خط الزمن لن يحاول قتله عند نقطة معينة.
— وما قصدك بكل هذا؟
— جينا السابق كان شخصك في هذا العالم، وأنت بالمثل تمثل شخصه في عالمك. بشكل أدق، أنتما نفس الشخص، لكن كلٌّ في عالمه.
— ولهذا لم تقم بقتلي في عالمي؟
— هذا أحد الأسباب؛ لأنه لو مت في عالمك بدل دخولك المستشفى، فهذا يعني اختفائك بشكل تام من الوجود. لذا حافظت على وجودك في كلا العالمين. فموتك هنا يعني موتك في عالمك، ونفس القاعدة تنطبق على هذا العالم.
— لكن إن كان كلامك صحيحًا، وتبعًا لنظرية العوالم والأبعاد الموازية، فهذا يعني أنه كان هنالك احتمال وجود عدد لا نهائي من نفس الشخص في كل عالم. فلماذا وقع الاختيار عليّ؟ ما المميز بي؟
— أنت كنت حالة شاذة مقارنة بشخصك في بقية العوالم.
— وما هو الاختلاف؟
— أنت هو الوحيد القادر على فهم معاناة جينا ورغبته الملحّة في إصلاح هذا العالم.
— أعتقد أنك قد شرحت الكثير من الأمور، وهذا قد جعلني أتساءل أكثر: ما هو التشابه الذي بيني وبين جينا؟
— ستكتشف بنفسك مع الوقت. فلم تُنقل لهذا العالم عبثًا.
«عالم آخر؟ السيد الشاب مات؟ نفس الشخص؟ ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟»
يحدث يوليوس نفسه بينما هو مختبئ خلف الجدار، يستمع لما يقوله جينا وموجهه.
— ألا ترى أنه من السيئ التجسس على أحدهم؟
—أنت، ما الذي تفعلينه هنا؟.....
ملك الضباب