الفصل الخامس والعشرين

الفصل الخامس والعشرين

2 0

كانت الشمس تشرق في اليوم التالي ببطئ خجول من بين سحب رمادية تائهة، تلقي بظلالها الباردة على زجاج صالون "كراميلا بيوتي". لم يكن هذا الصباح يشبه أي صباح آخر عرفه شارع الزمرد. كان الهواء يحمل ثقلاً قابضاً، وزقزقة العصافير القليلة فوق أغصان الأشجار العارية بدت وكأنها مرثية حزينة لخيبة أمل لا تطاق.

لم تنم كراميلا ليلتها. قضت ساعات الليل الطويلة وهي تتطلع إلى السقف الأبيض لشقتها الضيقة، تتذكر كل تفصيلة، كل كلمة، وكل لمسة. كان ذهنها يتحول إلى ساحة معركة بين عقلها الذي يصرخ بالخيانة والكبرياء المهدور، وقلبها الذي كان ينبض بألم خافض، يرفض تصديق أن كل ما عاشته كان مجرد فصل في مسرحية هزلية أخرجها رجل ملياردير يبحث عن التسلية.

في الساعة الثامنة صباحاً، كانت تقف أمام مرآتها. ارتدت قميصاً أبيض بسيطاً وبنطالاً داكناً، ولفت وشاحها حول عنقها. لم تضع أي مكياج، فنمشها البارز على بشرتها الشاحبة كان يبدو كخريطة للحروب التي تخوضها في الداخل. عيناها كانتا مكحلتين بالإرهاق، والسواد تحتها يفصح عن ليلة سوداء لم ترحمها.

نزلت السلالم بخطوات ثقيلة لكنها ثابتة. لم تفتح صالونها بعد. كانت هناك غصة ترفض أن تزول من حلقها، سؤال يحرق جوفها كالجمرة، ولم يكن بإمكانها البدأ في يومها دون أن تطفئ هذه الجمرة أو تحرق بها من تسبب فيها.

لم تنتظر كثيراً حتى سمعت صوت المفتاح المفصلي وهو يدور في قفل الباب المجاور. كان نزار قد وصل.

خرجت إلى الشارع. كان نزار يقف أمام باب محله، ممسكاً بمقبض الباب. بدا هو الآخر وكأنه قادم من جحيم خاص، معطفه غير مرتّب كالعادة، شعره الفاحم تتخلله خصلات متمردة، وهالات داكنة تحيط بعينيه المرهقتين خلف زجاج نظارته الطبية. عندما سمع صوت خطواتها، التفت بسرعة، وقفز البريق في عينيه للحظة خاطفة، مزيج من الأمل والرعب.

"كريمة..." نطق باسمها بصوت خافت أبح، يملؤه الترجّي.

لم تمنحه فرصة لإكمال الكلمة. تقدمت نحوه بخطوات واسعة، ودفعت باب محله الخشبي بقوة ليدخل إياه، ودخلت خلفه فوراً، ثم أغلقت الباب ورائهما بصوت مدوٍّ هز أركان المكان.

"كريمة، أرجوكِ..." بدأ نزار يحاول التحدث، ورفع يديه بحركة مهدئة. "استمعي إليّ فقط، دعينا نتحدث بهدوء..."

"هدوء؟" قاطعته بصوت يرتجف بغضب أعمى، وهي تتقدم نحوه حتى أصبحت على بعد سنتيمترات من صدره. "أي هوء تطلبه يا سيد نزار مهران؟ هل هناك هدوء يمكن أن يغسل القذارة التي شعرت بها البارحة؟"

توقف نزار في مكانه، وأخفض يديه ببطئ. "أنا أعلم أنكِ غاضبة، وأعلم أنني أخطأت عندما لم أخبركِ بهويتي من اليوم الأول، لكنني أقسم لكِ..."

"لماذا كذبت عليّ؟" صرخت، وارتفع صوتها ليصل إلى الرفوف الخشبية العالية المليئة بالأقمشة، متخللاً صمت المحل الخانق. "لماذاخدعتني؟ ألم يكن كافياً أنك تعيش في برجك العاجي بينما يتخبط الجميع هنا لجمع قوت يومهم؟ هل كان يجب عليك أن تأتي إلى هذا الشارع المنسي لتمارس هواية التمثيل على حسابي؟"

تألم نزار لكلماتها، وانكمشت ملامح وجهه وكأنه تلقى طعنة نافذة. "أنا لم أمارس التمثيل! كم مرة يجب أن أقول لكِ إنني هربت من ذلك العالم لأنه كان يقتلني؟ أردت أن أكون إنساناً طبيعياً، أردت أن أتعامل مع ناس لا يعرفون ثروتي ولا يهتمون بشهرتي!"

"وهل يعطيك هذا الحق في أن تجعلني أضحوكة؟" انهمرت الدموع من عينيها دون إرادتها، دافئة وساخنة، لكنها لم تمسحها، بل تركتها تجري على خدها وهي تواصل الصراخ في وجهه: "كنت تأتي إلى صالوني، تشرب القهوة معي، تبتسم لي، تستمع لمشاكلي اليومية... وتتظاهر بأنك خياط مسكين يقلق بشأن مصاريف محله! بينما أنت... أنت تملك ميزانية تشتري هذا الحي بأكمله بما فيه من بشر وحجر! كيف كنت تنظر إليّ وأنا أتشاجر معك حول أمور تافهة؟ هل كنت تضحك في سرك وتقول 'يا لها من غبية ساذجة'؟"

"لا! اقسم اني لم أفكر هكذا يوماً!" صرخ نزار هو الآخر، وقد خرج عن طوره، وسحب نظارته من على عينيه بقلة صبر ووضعها على الطاولة بعنف. "كنتُ أراكِ الشيئ الوحيد الصادق في حياتي! كنتِ أنتِ النور الذي أبحث عنه وسطه كل هذا الظلام! لم أكن أضحك عليكِ يا كريمة، كنت أتعلق بكِ! كنت خائفاً... خائفاً من أن أقول لكِ من أكون، فتتغير نظرتكِ إليّ، وتبدأين في معاملتي بتكلف أو تبعدينني عن حياتكِ!"

"وكان يجدر بك أن تخاف!" ردت كراميلا بقسوة، وضربت بقبضتها المرتجفة على مكتبه الخشبي الفاخر. "لأنك بالخداع لم تبعدني عن حياتك فقط، بل جعلتني أكره اليوم الذي رأيتك فيه! جعلتني أشمئز من نفسي لأنني بدأت أصدق كذبتك!"

دفعتها ثورة غضبها للانحراف نحو المكتب. بدأت تطرق بيديها على السطح، تحرك الأوراق والأقلام بعشوائية وهي تصيح: "أين هي أكاذيبك الأخرى؟ ما الذي تخفيه بعد في هذا المحل الملعون؟ هل هناك مجلات أخرى تشرب فيها دمي؟ أم أوراق تثبت أنك تضحك عليّ مع أصدقائك في باريس؟"

"كريمة، كفى! ابتعدي عن المكتب!" صرخ نزار وهو يحاول الإمساك بيديها لتهدئتها.

لكن كراميلا كانت في حالة انهيار عصبي كامل. شدّت مقبض الدرج السفلي المغلق، ذلك الدرج الذي فتحته البارحة، وسحبته بقوة جنونية. لم يتحمل القفل المكسور اصلاً قوة اندفاعها، فخرج الدرج بأكمله من ممراته الخشبية وسقط على الأرضية بصوت اصطدام حاد مدوٍّ.

تناثرت المحتويات على الأرضية الخشبية اللامعة، أوراق، أظرف بيضاء، اسكشات، وملفات متعددة.

توقفت كراميلا عن الحركة فجأة، وأنفاسها تتصاعد في هبوط وصعود سريع. انخفضت نظراتها نحو الأرض لتعتذر غريزياً عن الفوضى، لكن عينينها وقعتا على ملف مغلف بالجلد البني الداكن، يحمل ختماً رسمياً كبيراً باللون الأحمر والذهبي، ومكتوباً عليه بخط عربي واضح: "عقد ملكية عقارية - شارع الزمرد، المبنى رقم 12".

تصلب جسدها. الرقم 12 هو رقم المبنى الذي يضم صالونها ومحل نزار، بالإضافة إلى الشقق التي تعلوهما.

كان نزار يقف بجوارها، وبمجرد أن رأى الملف الملقى عند قدميها، انتفض جسده بأكمله، وتحول وجهه من الحمرة إلى بياض كلسي مخيف. اندفع للأمام محاولاً التقاط الملف قبلها: "لا! لا تلمسي هذا!"

لكن كراميلا كانت أسرع. انحنت كالبرق وسحبت الملف من الأرض، وتراجعت خطوتين إلى الوراء.

"أعطني إياه يا كريمة، هذا لا يخصكِ!" قال نزار بصوت مبحوح، ويده ممدودة وهو يتقدم نحوها بحذر، وعيناه تحملان رعباً حقيقياً لم تره فيه من قبل، رعباً يفوق بكثير رعب كشف هويته كمصمم أزياء.

"ما هذا؟" سألت، وعيناها تلتهمان العنوان الخارجي للملف. "عقار رقم 12؟ هذا هو مبنانا."

"إنه مجرد ملف قديم للحي، أرجوكِ أعطني إياه..." حاول التودد، لكن نبرته المرتجفة كانت تفضحه.

فتحت الملف بأصابعها المرتعشة. تصفحت الورقة الأولى، ثم الثانية. كان عقداً شاملاً لبيع وشراء العقار بأكمله. كانت تنزل بعينيها بسرعة عبر النصوص القانونية الجافة حتى وصلت إلى خانة "المالك الجديد".

قرأت الاسم. أعادت قراءته مرة، واثنتين، وثلاثاً.

"المالك الجديد: السيد نزار مهران."

وقعت عيناها بعد ذلك على التاريخ المكتوب أسفل العقد. كان التاريخ يعود إلى ثمانية أشهر مضت.

سقطت الصفحة من يدها لتقرأ الصفحة التي تليها تلقائياً. كانت ملحقاً للعقد يتضمن قائمة بأسماء المستأجرين وسجلات دفع الإيجار.

ورأت اسمها: "كريمة - محلات 'كراميلا بيوتي' - الإيجار الشهري..."

وأمام اسمها، وفي الخانات المخصصة للأشهر الستة الأخيرة، كانت هناك كلمة مكررة بخط اليد باللون الأحمر: "مُعفى"... وفي خانة السبب: "بأمر المالك".

تجمّدت الدماء في عروقها.

توقفت حركة أمعائها، وتوقف لسانها عن القدرة على النطق. أحست ببرودة مريعة تسري من أطراف قدميها حتى تلتقي في ذروة رأسها، ودوار عنيف جعل الرؤية تضطرب أمام عينيها.

المالك الجديد للمبنى... هو نزار.

الرجل الذي كانت تذهب إليه تبكي وتتذمر من المالك القديم القاسي الذي يهدد بطردها...

الرجل الذي كان يسمعها وهي تخبره بدموعها أنها لا تملك قوت يومها لتسديد إيجار الصالون المتأخر لستة أشهر، وكان يربت على كتفها ويقول لها "اصبري، ستحل الأمور"... هو نزار!

لم يكن المالك القديم هو من يتغاضى عن إيجارها. كان قد باع العقار لنزار منذ أشهر وغادر!

نزار هو من اشترى المبنى. نزار هو من كان يملك مصيرها بيده. نزار هو من قرر، بعطفه السامي وثروته الهائلة، أن يتغاضى عن إيجارها... شفقةً عليها!

كانت الصدمة الأولى تسليماً بكذبة هوية. أما هذه الصدمة... فقد كانت سحقاً تاماً لكبريائها، لكرامتها، ولكل ما بنيت عليه حياتها.

سقط الملف كاملاً من يدها المتخدرة، ليتناثر على الأرض. رفعت عينيها الميتتين نحو نزار.

كان نزار يقف هناك، مطأطأ الرأس، يده معلقة في الهواء، وعاجزاً عن التعبير. كان يبدو في تلك اللحظة صغيراً جداً، مجرداً من كل نفوذه وشهرته، كمتهم ينتظر حكماً بالإعدام.

"أنت..." خرج الصوت من حنجرة كراميلا حشرجة مكسورة، لا تشبه صوتها أبداً. "أنت... صاحب العقار؟"

لم يستطع نزار النظرة في عينيها. "كريمة... اسمعيني، أرجوكِ. لم أكن أريد..."

"أنت صاحب العقار؟" كررت السؤال، وهذه المرة بصوت أشد، صوت يفيض بوجع خرافي.

تنهد نزار بصعوبة، وأومأ برأسه ببطئ شديد. "نعم."

"ومنذ متى؟"

"منذ... منذ ثمانية أشهر." قال الكلمات وكأنها سم يقتله.

قهقهت كراميلا. كانت ضحكة بائسة، مجنونة، خالية من أي طعم للحياة. ضحكت حتى اهتز كتفاها، والدموع تنهمر كالماء المنسكب من سد مكسور على وجهها.

"ثمانية أشهر..." تمتمت وهي تضع يدها على رأسها وكأنها تحاول منع جمجمتها من الانفجار. "ثمانية أشهر وأنا أتيح لك الفرصة لتمارس عليّ دور الإله الرحيم؟ ثمانية أشهر وأنا أستجديك -دون أن أعلم- لكي لا تطردني من صالوني؟"

"لا! أقسم لكِ لم يكن الأمر هكذا!" اندفع نزار ونزل على ركبتيه أمامها يجمع الأوراق بقلة حيلة، ثم رفع رأسه يترجاها: "عندما جئتُ إلى هنا، علمتُ أن المالك يريد بيع العقار لمستثمر يبني مكانه مجمعاً تجارياً، وكان سيطردكِ وسيطرد الجميع! اشتريتُ المبنى لأحميكِ! لأحمي صالونكِ الذي تحبينه! عندما رأيتُكِ تصارعين لجمع الإيجار، لم أستطع أن آخذ منكِ فرانكاً واحداً! كيف آخذ منكِ مالاً وأنا أعلم أنكِ تمرين بأزمة؟"

"شفقة!" صرخت بأعلى صوت ملكته، صوت زلزل المحل وجعل الجدران تعكس صداه الرهيب. "كانت شفقة! أحسنت عليّ يا سيد مهران! المليونير العظيم يتصدق على مصففة الشعر المسكينة بالإيجار! يجلس في محله الأنيق، وينظر إليّ وأنا أعمل كالعبدة طوال النهار لكي أجمع دراهم معدودة، ويقول في نفسه: 'دعها تلعب، سأعفيها من الإيجار لأنها لا شيئ بالنسبة لي'!"

"ليس شفقة! إنه الحب يا كريمة!" صرخ نزار وهو ينهض واقفاً، والدموع تترقرق في عينيه للمرة الأولى. "فعلتُ ذلك لأنني أحبكِ! لأنني أردتُ أن أرفع عن كاهلكِ عبئاً كاد أن يكسركِ!"

"بل كسرتني!" صاحت كراميلا، وتقدمت منه كالمجنونة. "أنت حطمتني! أنت وطأت على كرامتي بحذائك الفاخر! أنا لم أطلب منك رحمة! لم أطلب منك صدقة! طوال حياتي، عشتُ مرفوعة الرأس، أكلتُ من عرق جبيني، لم أمد يدي لأحد، ولم أسمح لأحد أن يتفضل عليّ بشيئ! جئتَ أنت... بثروتك العفنة... لتجعلني مدينة لك بوجودي بأكمله!"

"لم أرد منكِ شيئاً! لم أطالبكِ بشيئ!"

"لأنك أخذت كل شيئ!" صرخت وهي تضرب صدرها بفيض من الحرقة. "أخذت ثقتي! أخذت كبريائي! أخذت الاستقلالية التي قاتلتُ سنوات لأبنيها! أصبحتُ مجرد مشروع خيري في حياتك المترفة! 'نزار مهران، مصمم الأزياء والفاعل الخير الذي يعيل المساكين في الشوارع الخلفية'!"

كان نزار يتراجع تحت تأثير كلماتها التي كانت كالسياط المحماة على جلده. "كريمة... أرجوكِ، لا تقولي هذا... أنا أحبكِ..."

"لا تنطق بهذه الكلمة!"

وفي لحظة خرجت فيها كل طاقات الغضب والوجع والإهانة التي تراكمت في روحها، رفعت كراميلا يدها اليمنى، وبكل ما تمتلكه من قوة، وبكل ثقل كبريائها الجريح، سددت صفعة مدوية على وجه نزار.

صوت الصفعة قطعت صمت الشارع.

انحرف رأس نزار بحدة نحو اليسار. سقطت نظاراته الطبية من على وجهه واصطدمت بالأرض لتنكسر إحدى عدستيها. خيم صمت رهيب ومطلق على المكان، لم يكن يُسمع فيه سوى صوت أنفاس كراميلا المتهدجة وصوت المطر الذي بدأ يستعيد غزارته في الخارج.

بقي نزار على وضعيته تلك للحظات، يده ترتفع ببطئ لتمسح خده الذي صبغ بلون أحمر قانٍ. لم يغضب، لم يرفع عينيه، ولم يقل كلمة واحدة. كان يدرك أنه يستحق هذه الصفعة، وأنه يستحق ما هو أشد منها.

أما كراميلا، فقد كانت يدها ترتجف بشدة، وشعرت بحرقة الصفعة في كفها وفي قلبها في آن واحد. نظرت إلى الرجل الذي أحبته وهو يقف أمامها مكسوراً، لكن مرارة الخديعة كانت أكبر من أي إحساس بالندم.

"أتمنى..." قالت بصوت هامس، تقطر كل كلمة منه بالسم والوجع، "...أتمنى أنني لم أركَ يوماً. أتمنى لو أنني طُردت من صالوني ورُميت في الشارع، ولا أن أكون مدينة برحمتك".

التفتت بخطوات هادئة، ميتة، وسارت نحو الباب.

"كريمة..." نطق نزار باسمها للمرة الأخيرة، بصوت مكسور، دون أن يجرؤ على الالتفاف أو النظر إليها.

لم تتوقف. فتحت الباب الخشبي، وخرجت إلى الشارع.

كان المطر ينزل بغزارة، يضرب وجهها ويختلط بدموعها الغزيرة التي لم تعد توجد طريقة لإيقافها. سارت بخطوات سريعة نحو صالونها، وفتحت الباب ودخلت.

كانت ريم وسلوى قد وصلتا للتو، وتستعدان ليوم العمل. عندما رأتاها تدخل وهي تبكي بهستيرية، وجسدها يرتجف، وشعرها مبلل بالمطر، قفزتا من مكانيهما برعب.

"كراميلا! يا إلهي، ماذا حدث؟" صرخت ريم وهي تركض نحوها.

لم تنظر إليهما. مشت نحو منتصف الصالون، وتطلعت إلى المرآة الكبيرة، إلى الكراسي الجلدية، إلى أدوات التجميل التي قضت سنوات حياتها وهي تجمعها قطعة قطعة. هذا المكان الذي كان حصنها، ملجأها، وفخرها... أصبح الآن مجرد رمز لإحسان نزار مهران.

"اجمعا أغراضكما"، قالت كراميلا بصوت جامد، ميت، خالي من أي نبرة حياة.

توقفت ريم وسلوى في مكانيهما. "ماذا؟" سألت ريم بعدم فهم.

تطلعت كراميلا إلى المحل، وعيناها تنزفان دموعاً لا تتوقف. "قلت اجمعا أغراضكما الشخصية... الصالون يُغلق الآن. ولن يفتح مجدداً".

"ماذا تقولين يا كريمة؟ هل جننتِ؟" صرخت ريم وهي تمسك بكتفيها. "هذا صالونكِ! هذا حلمكِ!"

"لم يعد حلمي!" صرخت كراميلا بقلب مكسور. "هذا ليس ملكي! هذا المكان ملك للسيد نزار مهران! ونحن لسنا سوى ضيوف ثقلاء في أملاكه! اجمعا أغراضكما واخرجا فوراً!"

انهارت كراميلا على الأرض، وجلست بين الكراسي وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، وتبكي بصوت عالٍ، بكاء طفل فقد كل شيئ في لحظة واحدة. أدركت ريم وسلوى أن شيئاً كارثياً قد حدث، ولم تتجرآ على النقاش. بدموع متضامنة وشعور بالصدمة، بدأتا بتجميع أشيائهما في صمت قاتل.

خلال نصف ساعة، كان الصالون قد أفرغ من أمتعته الشخصية. خرجت ريم وسلوى وهما تعانقان كراميلا بفرط الحزن، وتعدانها بالتواصل معها.

أما هي، فقد وقفت للمرة الأخيرة أمام باب الصالون. أنزلت الستار الحديدي الكبير. كان صوت احتكاك الحديد يصدر صفيراً حاداً، وكأنه يغلق بابا على مرحلة كاملة من حياتها. وضعت القفل الكبير، وأقفلته.

أمسكت بحزمة المفاتيح في يدها. تلك المفاتيح التي كانت تحملها بغرور، وتعتبرها رمز استقلاليتها.

التفتت نحو محل نزار. كان الباب الخشبي لمحله مغلقاً هو الآخر، والصمت يلفه.

مشت بخطوات بطيئة، ووضعت حزمة مفاتيح صالونها على العتبة الرخامية لباب محله.

"خذ أملاكك يا سيد مهران..." همست في سرها والدموع تغشي بصرها. "لم أعد بحاجة إلى رحتمك".

سارت في الشارع الغارق بماء المطر، غير أبهة بالبرد أو الانهيار. تركت شارع الزمرد خلفها، تركت الصالون، تركت حب حياتها الذي تحول إلى كابوس، وأقسمت في سرها أن لا تطأ قدمها هذا الشارع مجدداً، وأن تقطع كل خيط يربطها بالرجل الذي جعلها تشعر بأنها لا شيئ.

وفي الداخل، خلف الباب المغلق، كان نزار يجلس على الأرضية الخشبية لمحله، ممسكاً بالنظارات المكسورة، يستمع إلى صوت الستار الحديدي وهو ينزل في الصالون المجاور. كان يعلم أن ذلك الصوت لم يكن مجرد إغلاق لمحل تجاري... بل كان صوت إغلاق قلب كراميلا إلى الأبد، وتركها له وحيداً في القصر الزجاجي الذي بناه من الأكاذيب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (25)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة