تبسمت قليلا ثم قالت :
« توقعت هذا ...»
تبسمت دوران ببرود خادع، ثم مالت ناحيته وهمست بشيء لم تلتقطه أذن روز، لكن نظرات أدريس التي تصلبت فجأة فضحت أن الكلمات كانت أشبه بخنجر مغروس في صدره.
تابعت خطاها حتى وصلت للبوابة ثم استكملت كلامها :
«لن تقودني سبلي إلى هنا مجددا ، للأبد .... هذا السبيل الذي اخترت بذاتك .... وحدك »
لم يسمع في هذه اللحظة سوى وقع كعبها على الأرض كصدى إعلان الرحيل الأخير ثم إغلاق البوابة
لازال كلاهما على حاله ... روز تتمنى أن تدري ما الشيء الذي قلب مشاعر زوجها رأسا على عقب...
كانت على وشك سؤاله لكنه سبقها بقوله :
«سأغادر لعملي... لا تسألي عن أي شيء ..... لأني لن أعود قبل يومين .... استعدي لحفل زفافنا .... وداعا »
تنهدت روز ثم عادت إلى جناحها بوجه لغوب و ملامح مرهقة، مشتتة، لا تفقه ما يدور حولها ...
العديد من الألغاز تحيط بها و رأسها لا يصمت البتة ...
استلقت في حوض الاستحمام تحت المياه الحارة تواصل سلسلة أفكارها التي لم ولا ولن تنتهي ...
كل ما يشغل بالها الآن سؤالان يحاصرانها كجدارين من دخان: من هي المرأة التي ذكرتها دوران؟ ومن هم والداها الحقيقيان؟
مرّ يومان دون أي خبر عن الشخص الذي سيكون زوجها رسميا اليوم ...
مرّا و كأنهما دهر عليها ... لا تتوقف عن التفكير ... حتى أثناء اندماجها في الكتب التي تهواها ... تحاول الهروب بين سطور الكتب، لكن الكلمات تتبخر، وتجد نفسها تائهة في فراغ أسود، لا نهاية له. ...
من هي فعلا .... و لما انفرت منها حماتها.... و أيضا ... ما الذي قالته له حتى تغيرت ملامحه على نحو ساخر، أشبه بتهكم مشوب بالألم. ... و لم تنس الذي تفوه به حينما صدّ أمه عن صفعها
تجلس الآن على كرسي التسريحة ، تحيط بها وصيفاتها من كل جهة ... يعدّلن هيئتها بالمكياج و تصفيف الشعر
ترتدي فستانا ليس ابيضا كفستان أي عروس ... بل فستان لوّن بدماء الأسى و الظلام ، يشبهها ، و يليق بعالم كهذا، و زوج طاغية كخاصتها...
تزيد رونقهما اكسسوارات سوداء ، إضافة إلى السلسلة التي أهداها زوجها إيّاها ...
لم تفهم بعد كيف سلبها هذا العالم اسمها، وأعطاها لقب "زوجة الحاكم"، ما إن عبرت بوابته... وكأنها لم تكن، وكأنه كان ينتظرها منذ الأزل.
انتهت وصيفاتها من تزيينها ، يتبعنها كالظل إلى قاعة الحفل متوقفات عند المدخل.
تابعت روز طريقها وحدها، بلا أب يمسك يدها، ولا وصي يسلّمها لعالمها و كافلها الجديد كما تفعل النساء الأخريات.
مشت على البساط الأحمر الممدود، الذي بدا لها أطول من كل دروب عمرها، كأنه المسافة بين شمال وجنوب أفريقيا...
كانت خطواتها ثابتة، لكن قلبها يصرخ.
ألقت نظرة على آنور... بدا شابًا في عنفوانه، لا كائنًا من عالمٍ لا تفقه عنه ...
رمقته بنظرات أحدّ من حد السيف، لكنه لم يتراجع، بل ابتسم كمن تلقى الطعنة عن طيب خاطر
أثناء عقدهما لقرانهما ، لاحظت روز نظرات تعرفها جيدا من إحدى النساء لزوجها.. .
تلك النظرة نفسها التي اعتادت أن تحرّك الغيرة في صدرها...
في لحظة، شعرت بقوتها تتدفّق دون إذن، وكأنها خُلقت للانتقام...
رفعت يدها بخفة، لم تعِ ما فعلت، لكن المرأة سقطت أرضًا مغشيًا عليها...
اقتربت من جسدها المنهار وهمست:
«Vadite in Gehenna»
انقلب الحفل رأسًا على عقب، تحوّلت الوجوه من زينة وزهو، إلى ذهول، ثم رعب...
تلك التي دخلت قاعة العرش كفتاة ضائعة، خرجت منها كملكة...
ملكتهم، وسيدتهم، وحاكمة أعظم قبيلة في العالم السفلي.
الهدوء غلف المكان.. كل الحضور يحاولون استوعاب ما حصل الآن ! كيف أرسلتها إلى جيهينا !
يمزق ذلك الهدوء ضحكة خافتة صدرت من ثغر حاكمهم .
مستمتع بما قامت به زوجته ، الفرح يغزو قلبه فقط لأن فتاته غارت عليه من الحاضرات.
لم يبد معترضا او غاضبا البتة من تصرفها ، بل العكس .. يفكر كيف سيجازيها
اقترب بخطاه ناحيتها فاستقامت ، ليركع أرضا مخرجا علبة مغلفة بالقطيفة الزرقاء النيلية ،
ليفتحها أمامها فيظهر تاج مصنوع من البلاتين ملون بالاسود ،
مرصع بالياقوت و التورمالين ، يطابق ألوان مقلتيهما ، ثم صرّح أمام الملأ:
« اليوم ، يوم مولدنا بالتقويم السوماري . و يوم زفافنا... كذلك تتويجك كملكة لغالكهاين ... لذا ، ارجو ان تعجبك هديتي البسيطة تليق نوعا ما بهذا اليوم المميز ... امم ، ما ردّك روبي ؟»
رفعت روز احدى حاجيبيها تناظره
سرعان ما غيرت ملامحها لأخرى متأثرة ،ثم ردت وهي تنحني بخفة كي يضعه على رأسها :
« لما اتعبت نفسك زوجي العزيز ؟ فكما تعلم انت هبتي من الرب ! كاف انت ، لا تساوي أي هدية أخرى !»
أدرك بسرعة أنها تساير الموقف و الحضور ليحسبوا أنهم جد متفاهمين فألبسها تاجها في صمت مستقيما بعدها جارا إياها خارجا بغية العودة إلى القصر .
لم تُتوّج ملكة على غالكهاين فحسب، بل على قلب الشيطان نفسه.
روز، المثقلة بهالة العرش الجديد ودماء المرأة التي بعثتها للجحيم بحركة من يدها، لم تنطق بكلمة. اكتفت بنظرة عابرة لوجه زوجها، الكلمة ثقيلة على لسانها…
ذاك الوجه الذي بدا مطمئنًا أكثر مما ينبغي.
دخلت إلى جناحها، خلعَت فستان الزفاف الثقيل، واندست تحت الماء الساخن، محاولةً غَسل ما لا يُغسَل.
التفكير صاحبها ...
غالكهاين ... تلك المدينة التي قرأت عنها في إحدى رواياتها و ظنتها مجرد خيال، باتت حاكمتها...
اسمها يشعل بداخلها ذكرى عجز دماغها عن استرجاعها ، وكأنها تأبى الخروج
حين خرجت، جلست أمام المرآة تمشط خصلاتها المبلّلة، ثم قامت بكسل متوتر إلى غرفة الملابس.
كانت تبحث عن رداء قطنيّ مريح، لكن شيئًا آخر استوقفها.
على الجدار الأيمن، خلف رفوف الأحذية السوداء، لمحت بطرف عينها نتوءً غريبا على أحد الجدران فاقتربت منه .
مدّت يدها… ولمست اللوحة… فصدر صوت ناعم، يشبه نَفَسًا حارًّا من أعماقها.
واحد من الرموز كان مميزًا: عين حمراء، متوهّجة، مطابقة تمامًا لعينيها حين تغضب.
اتسعت عيناها ببطء.
«هذا الباب يعرفني…»
همّت أن تسأل آنور، لكن فجأةً، فُتح الباب الخارجيّ للغرفة ودخل.
نظر إليها، ثم إلى الباب، لكن دون أن يعلّق.
ارتبكت… تراجعت خطوة، أدارت نظرها عنه، وارتدت رداءها بصمت.
«ألن تسأليني عنه؟»
سألها، بنبرة ناعمة مخادعة.
نظرت إليه مطولًا… ثم قالت بابتسامة باردة:
«لا حاجة لذلك. سأعرف لوحدي.»
ثم غادرت الغرفة… لكن فضولها لم يغادرها أبدًا.
في صباح اليوم التالي
استيقظت روز على احساس بشيء رطب على رقبتها
فتحت عيناها و استدارت بسرعة ، لتراه حاشرا وجهه بعنقها يقبلها ثم يرفع رأسه لتلتقي ابصارهما ثم ...
إختفى
لازالت على حالها لم تستوعب اذا كان هذا حلما او واقعا
عندما ايقنت أنه واقع ، وضعت الوسادة على رأسها لإسكات عقلها الثرثار لتستشعر البرودة تحته
وجدت أسفل وسادتها تسجيلا بجواره ورقة مطوية بعناية
قامت بفتحها لأن الفضول تغلب عليها فتوسعت حدقيتيها بصدمة من الذي قرأته ..
{أنا لدي العلم الكامل بالعلاقة التي تربط بينك و بين كل من ألثيرون و آنور .. عليك بفتح الباب ذاك ، لكن كلمة السر ليست التي في المكتبة ... بل يجب عليك حل اللغز .. ستجدينه في في أحد الكتب في الصف العلوي ، بجوار الرقم سبعة
التسجيل مكانه داخل الباب ، لدي مفاجأة بداخله !
نلتقي حينما تجدين اللغز .. لا تخافي ! سأساعدك في حلّه !}
لم تستغرب كثيرا من محتوى الرسالة ، فهي على علم تام بوجود اتباع زوجها يراقبونها على الدوام
الذي أثار رهبتها هو لغة الرسالة ...
روز كندية من اوتاوا ، اي تتحدث الإنجليزية ، لكن ... أنى لها فهم السومارية !
لا أثر للمسمى بزوجها في القصر لحسبما حسبته شهران..
في صباح عشوائي ... همت للمكتبة لتبحث عن حل للغز
ولجتها و ركزت بدقة في الارفف العليا لعل و عسى تجد الرقم سبعة ، و لحسن حظها رأته .
تسلقت السلم تبحث عنه لكنها تجد كتابا ذو شكل غريب ...
مصنوع من المعدن و عليه جوهرة زرقاء فاقع لونها يصدر صوتا خفيفا.
عادت أدراجها إلى الغرفة تحاول فتح الكتاب ولم تفلح ...
« ما الذي تحاولين فعله بهذا الكتاب »
صوت ظهر فجأة خلفها بث الرعب في قلبها ، تعرف صاحبه حق المعرفة
استدارت ببطء و ملامحها تائهةا، تصنعت ابتسامة ثم قالت بصوت مهتز و نبرة لطيفة عكس الحيرة التي بداخلها:
« كن... كنت أبحث ع عن كتاب لأقرءه بما أنني أشعر بالملل ، ف فوجدته و أوقد إهتمامي به !»
هز رأسه بحاجبين معقودين ثم انصرف...
حاولت فتحه مرارا و تكرارا وكل محاولاتها باءت بالفشل .. فقررت الاستعانة بصاحب القصر
سألت الخدم عنه فاخبرنها أنه في العلية. عند وصولها أبصرته يحمل يبدع وردة أوراقها حمراء لكن ساقها و شعاعها أسودان .
إنتبه لها فتقدم منها و علق الوردة على شعرها ثم باشر:
« أعجبتني هته الوردة .. تشبهك زوجتي »
تبسم في آخر كلماته و شقت وجهه عندما نبس
"زوجتي"
اقتربت منه ببطء ثم طأطأت وجهها لتنبس :
« أتذكر ذلك الكتاب الذي أخذته قبل قليل ؟»
هزّ رأسه بإيجاب تم أكملت :
« لم استطع فتحه .. كلما حاولت يومض بوميض أحمرا و يصدر صوت إنذار ... و هأنا ذا ! أريد .. أريدك أن تفتحه لي .»
لبثت صامتا لوهلة ثم قال :
« لا »
«لماذا؟»
سألته بنبرة مخنوقة، فأجاب دون أن يرمش:
«لأنكِ لستِ زوجتي... لا بعد، على الأقل. لستِ زوجتي قلبًا وقالبًا.»
بقيت تحدّق فيه، تائهةً بين الغضب والذنب، بين ما تعرفه... وما تجهله.
والكتاب، لا يزال مغلقًا، ينتظر. مثلها تمامًا.
AIREY 🥀