الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

24 0

تأملته قليلا بأعين خائفة و متفاجئة في آن واحد ثم نطقت :

«أ .. أبي؟»

فورما سمع صوتها تقدم إليها ببطئ إلى أن وصل إليها

جلس القرفصاء بجوارها، ثوان ليكسر الصمت بقوله :

«نفس رائحة الدماء نتشاركها ثلاثتنا، أنا، أنتِ و صاحبة التابوت »

عقدت حاجبيها فلم تفهم ما يرمي إليه ليكمل مفسرا و بعض الدموع تزين عينيه الياقوتتين كخاصتها ، تجعلهما أكثر لمعانا:

«هذه المرأة بالداخل... هي زوجتي ... أي أمك، بسبب سوء فهمهم لما جرى، عوقبنا كلنا ... أنتِ تعلمين كيف ، دون أن أشرح أكثر»

شهقت و قلصت عينيها بشك تزامنا مع شدّها لقبضة يدها تحاول كتم خوفها منه... ومن القادم ، فبداية حديثه لا تبشر بالخير .. أيضا..... لما أتى أساسا؟!

إستقام مؤشرا برأسه كي تتبعه  حيث قادتم خطواته الوقورة و خطواتها المترددة  إلى الصالة ، جلسا على الأرائك لإكمال حديثهما السابق

ليباشر آلثيرون :

«لنبدأ من نقطة البداية ... أولا ، شين كانت شيطانة ، أخطأت في عملها كحارسة للبوابة الفاصلة بين العالمَين ... و لعقابها على ما اقترفته .. أُجريت عليها طقوس سحر أحمر كي تصبح إنسانا ، سنوات تلو السنوات نُسيت قصتها من قِبل الكل إلا أنا... تزوجتها لإعادتها إلى ما كانت عليه»

همهمت بتفهم ثم أردفت بهدوء زائف:

«دعني أحزر، ثم أنجبتموني بعدها استيقن الشعب الأمر و ظنوا أنك خائن ، فعوقبنا ثلاثتنا ، لكن... لما لم تشرح لهم ؟ ألم تكن الحاكم، ذو السلطة و الوقار عليهم؟»

تنهد ليجيب عليها:

« كأنّي لم أفعل مثلا... إنقلبوا ضدي بين ليلة و ضحاها إلا -»

قاطع كلامه لوكارن حاشرا نفسه في حوارهما ليكمل عنه:

« إلا أنا، و لأحرره ... إستعملت سحري و كل ما أتيت من علم عليك ، بفضل طبيعتك الهجينة ...نجحت خطتي »

ناظرته آيري بجانبية ثم قالت باستهتار:

«خطتك في اللعب بالزمن، جعلت الوقت يتقلص لينتهي عقابي فأبعث من بعدئذ إنسية

وبهذا تشتت الجن و الشياطين هنا بقضيتي لتحرر أبي... صحيح؟»

تبسّم على قدرتها على الاستنتاج السريع و الدقيق ليقترب ببطئ نحوهما و يتخذ إحدى الأرائك مضجعا له واضعا ذراعيه على مسنديها

لا تزال آيري في صراع داخلها، هل تصدقهما أم تتبع حدسها ؟

أكمل الضيف ما استبق من حديثه بصوت يحمل بداخله غصة عالقة منذ الأزل:

«حاولت إقناعهم بأنكِ بريئة... بأنكِ لازلت طفلة صغيرة ، لا تفقه شيئا لتذنب .... لكن لا حياة لمن تنادي ... حسبما قرأتِه في تلك الصفحات ، أرجو منك أن تقدمي لي ما فهمته و أسئلتك ، سأشرح لك ما حدث بالتفصيل »

مالت بجسدها إلى الأمام قليلا واضعة كفيها تحت ذقنها تفكر و ترتب عقلها المشوش ، بعدئذ تستغل الفرصة المعروضة أمامها على طبق من ذهب

هي في حيرة من أمرها رغم ذلك صوت بداخلها الذي يحثها على تصديقهما ، فماذا سيكسبان من احتيالهم او كذبهم عليها ؟ لا شيء!

« لنبدأ أولا بما فهمته، عرفت أنك كنت حاكم هذا العالم بأسره و الكل يخضع لأوامرك ، كبرياؤك يحضر أمامك، حسب بعض الأساطير التي قرأتها عن هذا العالم و خصيصا غالكهاين ... كنت ديتاكتوريا، لا جمهوريا ، فلن

أظلم او احكم على شعبك »

إلتقطت أنفاسها ثوان ثم واصلت:

«معهم حق! أيضا، لم تذكر لا الروايات ولا الوثائق التي وجدتها أن شين، او التي تزعم أنها أمي هي في الأصل شيطانة .... لننتقل إلى ما علمته عن هذا الكائن الذي يحشر أنفه في كل مكان "لوكارن" ..... علمت أنه كان وزيرك او خليفتك ، شيء من هذا القبيل و لكي يظهر و يؤكد ولاءه لك، قرر التضحية بنفسه و بي و اللعب بالزمن »

توقفت فجأة ثم مشت ناح المطبخ ترتشف قليلا من الماء

استوقفها لوكارن بكلامه الذي جعلها على وشك الاختناق:

« مخطئة ، أكره حشر أنفي في ما لا يخصني... لكن رقبتك و شعرك يخصانني، وكم اهوى حشر أنفي بهما حلوتي»

تفلت الماء بصدمة و استدارت له تراه بالفعل ينظر إليها و يرفع حاجبيه كأنه ينتقم منها أو يستمتع بإزعاجها

عادت لنفس وضعها و لنفس الموضوع محاولة تجاهله قدر المستطاع :

«لا علينا من هذا الأحمق..»

كشّر ملامحه بإنزعاج منها ، لما تجاهلته !

تنهدت لتكمل :

«نسيت شيء، ذُكر أنك خنت القوانين و تزوجت إنسية، التي هي بطبيعة الحال شين تلك ، فطُردت من منصبك ليتم عقابك ! و ذُكر كذلك أنك شهدت على مقتلها ! لكن لحظة.... إذا كانت شيطانة... فكيف ماتت ؟ أليس الشياطين خالدين؟»

ضمّ ذراعيه إلى صدره ليجاوب على أسئلتها بهدوء ... يشبه هدوء ما قبل العاصفة :

« صحيح ، لقد قلتها كانت أي أنها ليست شيطانة الآن، بل إنسية فكما أخبرتك سابقا... تحولت لإنسان ، و هذا ما جعلها قابلة للموت ، بعد تجريدها من سبب الخلد »

أزاح بنظره جانبا يلملم شتات نفسه  محاولا اخفاء رجفة يديه و كتفيه عنهما ليستأنف السابق :

«عشت من العمر مالا يستطيع عقلك تخيله ، وفي طيلة حياتي، الطريقة الوحيدة لإرجاع الشيطان المتحول إلى أصله ... أن يصبح ملكا أو وليا على فرد هنا.... وقد تزوجتها على أمل حدوث ذلك ... أنتِ على دراية ببقية القصة... واصلي»

إنعكست صورة الزهور الموضوعة بعناية على الطاولة الرخامية الفاصلة بينهما على عينيها، ترغب بكبت دموعها بكامل ما أوتيت من قوة

لكن لوكارن إنتبه لها فاقرب ليجلس بجوارها ضاما إياها مطبطبا على رأسها المحشور في صدره، كأنه يخبرها "لا بأس بالبكاء أحيانا"

ذرفت قليلا من الدمع ثم مثلت البرود لكن نبرة صوتها خانتها في حديثها :

«لم تهتم أبدا لي! لقد ذقت لأشد أنواع العذاب لتعيش ! ليس هنا فقط، عندما رُبطت و حُرقت و وُشمت على ذراعي الصغيرة طلاسم ، كل هذا لا أذكر ألمه لا الجسدي ولا أثره النفسي »

شقهت و  مسحت عيناها الدامعتين  لتتم:

« أ تدري بما عانيته هناك؟ تعرضت للتحرش من أخرق ظننته أخي و سندي ! تعرضت للترهيب من ابواي، هددني دانييل بالقتل، صمدت لسنين .... سنين اكتم خوفي ، دموعي، ألمي عن العالم ! و أنت لم تتعب نفسك بزيارة لي..... حتى في أحلامي !»

حولت بصرها للسقف تتأمل اللوحة ، لتدرك أنها ترسم حياتها في مشهد مزرٍ

«تمنيت أن أعيش كصديقاتي ... لكن لم أحض بالفرصة الآن .... من المحتمل أن احضى بها في الحياة بعد الموت»

استقامت من مضجعها مسرعة ناحية غرفتها مغلقة الباب خلفها ، رافضة أي وجود لكائن آخر إلا هي

تاركة الإثنين في حيرة من أمرهما ، ليجلس ألثيرون مجددا ، لكن هذه المرة مطأطئا رأسه ممسكا إياه بيديه ليصرخ :

«لقد حاولت ....حاولت بكل قوتي، بكل سلطتي حمايتك ! لم أنجح ... خطئي و أنا على علم به .... لكن لما لا أجد عندها غفرانا لي ؟!»

قرر لوكارن تركهما كل واحد مختالٍ بنفسه ، فالوحدة في ضعف المشاعر هي الحل الأنسب من وجهة نظره

ذهب قاصدا مكتبه ، يفتح أدراجه واحدا تلو الآخر يبحث عن شيء ما، كل درج يفتح أقوى من الآخر

لم يجده!

علا صوته ينادي الخدم :

«أيها الخدم ! أين خنجري؟»

نظر الكل إلى بعضهم البعض و الحيرة على وجوههم لينطق واحد منهم :

«عن أيّ خنجر تتكلم سيدي؟»

وضع المقصود يده على جبينه ليشرع بالوصف:

«خنجري ذاك البنفسجي ، الذي يحتوي على سم لقتل الشياطين ، أين هو؟»

قالت  الصغرى منهم :

«خنجر بنفسجي ؟ رأيت الآنسة روز تحمل واحدا مشابها لوصف جلالتك قبل دخولها لغرفتها !»

توسعت عيناه لينادي على والدها :

« آلث!! آيري أخذته ! أخذت الإينونيا!»

صعد ألثيرون بسرعة البرق خلفه لوكارن يدقان الباب على آيري لإنقاذها

لا رد....

لم تترك لهم خيار سوى كسره

يبحثان في جميع الزوايا ، لا أثر لها

ركضا للشرفة ، وجداها أخيرا لكن...

يداها داميتان و الخنجر ملقى على الأرض وهي مغمى عليها .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ASH-رماد

المؤلف AIREY 🥀
2025/08/10 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة