كانت الرائحة وحدها كفيلة بقتل أي شعور بالحياة، مزيج خانق من عفونة اللحم المتحلل، والدم المتخثر، ورطوبة الأرض التي لم ترَ الشمس منذ سنوات. في أطراف تلك المدينة النائية، حيث تنتهي حدود العمران وتبدأ الأراضي القاحلة التي تتجنبها حتى الحيوانات الضالة، يقبع ذلك الكوخ الخشبي المتهالك كبثرة خبيثة تطفو على وجه الأرض. لم يكن مجرد بناء مهجور، بل كان جرحاً مفتوحاً ينزف شراً خالصاً، وملاذاً للأرواح التي نُبذت من رحمة السماء.
الرياح في الخارج كانت تعوي كذئاب جائعة، تضرب الألواح الخشبية المتشققة للكوخ، لتتسرب من الشقوق تيارات هواء باردة تحمل معها غبار المقابر القريبة. لكن في الداخل، كان الهواء ثقيلاً، لزجاً، وحاراً بحرارة الأنفاس اللاهثة التي تتردد في جنبات الغرفة الضيقة.
في وسط الكوخ، حيث تتدلى من السقف المائل خيوط عنكبوت سميكة تراكمت عليها أتربة السنين، كان يجلس "إدريس". لم يكن رجلاً عادياً، بل كان أقرب إلى مسخ بشري مشوه الروح قبل الجسد. ظهره منحنٍ كقوس مشدود، وعيناه غائرتان في تجاويف مظلمة لا تعكسان أي نور، بل تشعان ببريق أصفر مريض يشبه عيون القطط الميتة. جلده كان جافاً ومجعداً، يحمل لون التراب المدنس، وتفوح من ثيابه الرثة رائحة الكبريت والبول والعرق القديم.
أمام "إدريس"، كانت هناك طاولة خشبية واطئة، لم تكن سوى مذبح دُنّس بآلاف الخطايا. سطحها كان متشبعاً بطبقات سوداء متراكمة من دماء قديمة جفت وتصلبت. في تلك الليلة المظلمة، التي غاب فيها القمر وكأن السماء أغمضت عينيها كي لا ترى ما سيحدث، كان "إدريس" يستعد لفتح أبواب جحيم جديد.
على المذبح، تمددت أداة الجريمة الأولى: وعاء نحاسي صدئ، نُقشت على حوافه رموز غريبة، ليست لغة بشرية معروفة، بل طلاسم معقودة بخطوط هندسية متداخلة، تشبه في تشابكها أفاعي تتعاصر في حفرة مظلمة. بجانب الوعاء، كانت ترقد جيفة طائر بوم تم اصطياده قبل أيام، عيناه مفقوئتان، وريشه منتفخ بعفونة الموت.
امتدت يد "إدريس" المرتجفة، ذات الأظافر الطويلة والمليئة بالأوساخ السوداء، لتلتقط صرة صغيرة من القماش الأسود. فتحها ببطئ، وكأنه يفتح كنزاً ملعوناً. داخل الصرة، كانت توجد قطعة من قماش حريري أبيض، ناصع النقاء، يبدو نشازاً في هذا المكان القذر. كانت قطعة من ثوب داخلي، تحمل أثر عرق الضحية.. "فاطمة". وفوق القماش، استقرت خصلة شعر كستنائية طويلة وناعمة، رُبطت بعناية بخيط أحمر رفيع.
ابتسم "إدريس" ابتسامة صفراء كشفت عن أسنان متآكلة، وخرجت من حنجرته حشرجة شيطانية وهو يهمس باسمها: "فاطمة... ابنة النور، ستصبحين عروساً للظلام".
بدأت الطقوس. لم تكن مجرد تعاويذ تُتلى، بل كانت عملية دقيقة، محسوبة، ومدنسة في كل تفاصيلها. أخرج من تحت طاولته سكيناً بمقبض من عظم بشري، نصلها معوج ومسنن، لا لتقطع بسلاسة، بل لتمزق وتُحدث أكبر قدر من الألم. ثم سحب من قفص خشبي صغير بجانبه قطاً أسود اللون، هزيلاً، لكنه كان موائه مليئ بالرعب وكأنه يدرك المصير المحتوم الذي ينتظره.
ثبت "إدريس" القط بيده اليسرى القوية التي لا تتناسب مع جسده الهزيل، وباليد اليمنى، مرر النصل المسنن على رقبة الحيوان. لم يذبحه بسرعة، بل ببطئ سادي، تاركاً الدماء الساخنة تندفع في شكل نافورة صغيرة لتستقر داخل الوعاء النحاسي الصدئ. صرخات القط المكتومة اختلطت بتمتمات "إدريس" التي بدأت تعلو وتيرتها. كانت كلمات غير مفهومة، مقاطع صوتية تخرج من جوف حلقه، تبدو وكأنها لغة حشرات تزحف تحت الجلد.
عندما امتلأ ثلث الوعاء بالدم الساخن، ألقى بجثة القط جانباً لتنضم إلى أكوام القمامة والعظام المتناثرة في زوايا الكوخ. التفت الآن إلى وعاء آخر أصغر حجماً، كان مغلقاً بإحكام. فتحه لتفوح منه رائحة لا تُطاق، رائحة نجاسة خالصة؛ دماء حيض مجففة، ممزوجة بتراب مأخوذ من قبر حديث، وماء غُسلت به جثة متعفنة.
بواسطة ملعقة خشبية سوداء، بدأ يمزج دم القط الساخن مع تلك النجاسة المتخثرة. كان يحرك المزيج ببطئ، وعيناه جاحظتان، يتصبب العرق البارد من جبينه، بينما ترتفع حرارة الغرفة بشكل مفاجئ وغير طبيعي. الظلال الملقاة على جدران الكوخ بدأت تتراقص، تستطيل وتتشوه، لم تعد مجرد انعكاس لضوء الشمعة اليتيمة التي تتوسط المذبح، بل بدأت تأخذ أشكالاً لكيانات مشوهة، تقف وتراقب، تنتظر لحظة الولوج.
أخذ "إدريس" خصلة شعر "فاطمة"، الكستنائية الناعمة، وأسقطها داخل الوعاء. راقبها وهي تغرق في المزيج الأسود والأحمر، تتشرب النجاسة، وتفقد بريقها. ثم أخرج قطعة القماش الحريري الأبيض. غمس ريشة غراب سوداء في الوعاء، وبدأ يكتب على القماش.
لم يكن يكتب كلمات عادية. كان يكتب آيات مقدسة، لكنه يكتبها بالمقلوب، من اليسار إلى اليمين، ومن الأسفل إلى الأعلى. كان يدمج الحروف بأسماء شياطين سفلية، ورموز لطلاسم الفراق، والمرض، والجنون. كلما سطر حرفاً، كان يخرج من فمه رذاذ نتن وهو يتلو العزيمة السفلية.
"بحق من هبطوا في بابل... بحق العهود المنسية في ظلمات البئر... أدعوكم، أستحضركم، أربط عقدة الشتات في عقلها، وعقدة المرض في جسدها، وعقدة الكراهية في قلبها... فلتكن عينيها عمياء عن النور، وليكن جسدها مرتعاً للأمراض، ولتكن روحها سجينة في قفص من الهلاوس".
كان يتلو التعاويذ بنسق متسارع، يكاد ينقطع أنفاسه. ثم أمسك بخصلة الشعر المبللة بالنجاسة، وبدأ يعقدها مع خيوط القماش. العقدة الأولى... وتفل عليها بريقه النتن. "عقدة الدم".
العقدة الثانية... وتفل عليها مجدداً. "عقدة العظم".
العقدة الثالثة... "عقدة الروح".
مع كل عقدة يعقدها، كان يزمجر بصوت لم يعد صوته البشري المعتاد، بل صار عميقاً، خشناً، وكأن هناك حنجرة أخرى تتحدث من داخل صدره. استمر حتى أتم سبع عقد محكمة، غارقة في الدماء والنجاسة وكلمات الكفر المقلوبة.
فجأة، انطفأت الشمعة الوحيدة في الكوخ.
غرق المكان في ظلام دامس، بارد، وثقيل. ساد صمت مرعب لثوانٍ معدودة، صمت أثقل من الجبال، صمت ابتلع حتى صوت الرياح في الخارج. ثم، بدأ يسمعها.
أصوات همسات تتردد في أذنه، ليس من مصدر واحد، بل من كل مكان في الغرفة. أصوات أقدام ثقيلة وحوافر تضرب الأرضية الخشبية للكوخ ببطئ. لم يكن "إدريس" خائفاً من الجن أو الشياطين العادية، فقد اعتاد على التعامل معهم واستعباد صغارهم، لكن هذا الحضور كان مختلفاً. كان حضوراً قديماً، طاغياً، يجعله يشعر بأنه حشرة صغيرة أمام جبل من الظلام.
لقد طلب في تعويذته تدخلاً علوياً في مراتب الشر. لقد استدعى طاقة لا تُستدعى إلا في أشد أنواع السحر سواداً وتدميراً. أدرك من خلال الثقل الذي جثم على صدره، أن "المستشارين" قد التفتوا إليه. لم يأتوا بأنفسهم، بالطبع لا، فهم أرفع وأكثر كبراً من أن يحضروا في كوخ دجال حقير، لكنهم أرسلوا ظلالهم، أرسلوا موافقتهم الصامتة على هذا العقد الشيطاني.
أضاء "إدريس" عود ثقاب بيد مرتجفة، وأعاد إشعال الشمعة. كانت الغرفة فارغة كما كانت، لكن الهواء كان مشبعاً بطاقة سلبية قاتلة، طاقة تجعل العين تدمع والقلب ينقبض.
نظر إلى السحر أمامه. لقد اكتمل. الصرة السوداء الآن لم تعد مجرد قماش وشعر ودم، بل أصبحت كياناً ينبض بالشر الخالص، قنبلة موقوتة تنتظر فقط أن تُدفن في المكان المناسب.
أغلق الصرة بإحكام، ولفها بخيوط من صوف أسود معقودة بطلاسم الحفظ كي لا يكتشفها أحد. ثم وضعها في صندوق خشبي صغير مبطن بالرصاص.
مسح العرق البارد عن جبينه، وابتسم مجدداً، ابتسامة شيطانية شقت وجهه القبيح. لقد أتم عمله، وقبض ثمنه مسبقاً من تلك اليد القريبة التي سلمته الأثر. لم يكن يعنيه من هي "فاطمة"، ولا حجم الجحيم الذي ستسقط فيه ابتداءً من هذه الليلة. كل ما كان يعنيه هو نجاح الطقس، والرضا المظلم الذي يسري في عروقه الآن.
في مكان بعيد جداً عن هذا الكوخ، وفي قلب المدينة، داخل "البيت الكبير" الدافئ، كانت "فاطمة" نائمة في سريرها. تبتسم في حلم هادئ عن فستان زفافها وخطيبها "قاسم". وفي تلك اللحظة بالذات، بينما كان "إدريس" يغلق صندوق الرصاص على سحره، انتفضت "فاطمة" في فراشها بعنف.
شهقت بقوة وكأن يداً خفية وعملاقة التفت حول عنقها. فتحت عينيها في الظلام، لتشعر لأول مرة بتلك البرودة التي تسللت إلى غرفتها، وتلك الرائحة الخفيفة، رائحة كبريت وعفونة خفيفة، تزحف من تحت عقب الباب.
لقد فُتحت البوابة، وبدأ الجحيم يتنفس داخل جدران البيت.
prince Egotist