لم يكن "البيت الكبير" مجرد بناء من الحجر والأسمنت والرخام البارد، بل كان كائناً حياً يتنفس، يراقب، ويختزن في جدرانه السميكة كل همسة، كل نظرة حاقدة، وكل سر دُفن تحت سجاد غرفه الفاخرة. كان يقع في قلب أحد الأحياء القديمة العريقة، بواجهته المهيبة ونوافذه العالية التي تشبه عيوناً نصف مغمضة تراقب الشارع بكبرياء. من الخارج، يبدو كقلعة حصينة للعائلة، يجسد التلاحم والترابط الذي طالما تفاخر به الجد "الحاج عبد الرحمن"، لكن من الداخل، كان أشبه بمتاهة نفسية معقدة، حيث تتقاطع المصالح، وتتأجج نيران الغيرة تحت رماد الابتسامات الزائفة.
مع تباشير الصباح الأولى، وقبل أن تنفض الشمس عن نفسها غبار الليل بالكامل، يبدأ البيت الكبير دورته اليومية المعتادة. استيقاظ هذا الكيان لا يكون هادئاً أبداً، بل يبدأ بضجيج الأقدام على السلالم الرخامية، وقعقعة الأواني في المطبخ الواسع الذي يشبه خلية نحل لا تهدأ، وصوت المذياع القديم الذي يصر الجد على تشغيله كل صباح لسماع نشرة الأخبار.
هذا الزحام اليومي كان يشكل غطاءً مثالياً لكل ما يختلج في النفوس. كان البيت يضم بين جدرانه ثلاثة أجيال: الجد والجدة في الطابق الأرضي، حيث مركز السلطة والقرار والمال. وفي الطابقين العلويين، استقر أعمام "فاطمة" الثلاثة مع زوجاتهم وأبنائهم. أما فاطمة، تلك الفتاة الرقيقة التي فقدت والديها في حادث سير مأساوي وهي طفلة، فقد تكفل بها جدها، لتصبح زهرة هذا البيت، ومحط أنظار الجميع، ليس فقط لجمالها الهادئ وأدبها، بل لأنها حظيت بالمكانة الأقرب إلى قلب الجد، وهو ما كان كافياً لإشعال حرائق صامتة في صدور زوجات أعمامها.
في ذلك الصباح الخريفي المائل للبرودة، كانت رائحة القهوة العربية المطحونة تعبق في أرجاء الصالة الرئيسية. الجدة "الحاجة أمينة" تجلس على أريكتها الوثيرة المكسوة بالقطيفة الحمراء الداكنة، تسبح بسبحتها الكهرمانية وعيناها الثاقبتان كعيني صقر تراقب كل حركة وسكنة. لم يكن يخفى عليها شيئ، كانت تعرف متى تتصنع "خديجة" ـ زوجة العم الأكبر ـ الطيبة، ومتى تخفي "سميرة" ـ زوجة العم الأوسط ـ مكرها خلف ضحكاتها العالية والمفتعلة. لكن الجدة كانت تؤمن بقاعدة واحدة: طالما أن البيت متماسك أمام الغرباء، فلا بأس ببعض الحروب الباردة في الداخل.
التفتت العائلة حول مائدة الإفطار الطويلة المصنوعة من خشب البلوط المتين. كان هذا التجمع الصباحي إلزامياً، طقساً فرضه الجد ليؤكد على سلطته الأبوية. جلس الجميع، الأعمام يتحدثون عن التجارة والمستودعات والأسواق بوجوه جادة، بينما تناثرت زوجاتهم حول المائدة يتبادلن أحاديث مجوفة عن الملابس، الزيارات، ووصفات الطعام.
ثم نزلت فاطمة.
هبوطها على الدرج الخشبي الواسع كان كافياً لتغيير حالة المكان بأسره. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً، تاركة شعرها الكستنائي منسدلاً بعفوية على كتفيها، لكن ما لفت الأنظار-وكالعادة منذ شهرين-هو ذلك البريق الخاطف الذي انبعث من يدها اليمنى. خاتم الخطبة الألماسي الذي ألبسه إياها "قاسم". قاسم، الشاب الوسيم، سليل العائلة العريقة، والمهندس الناجح الذي تقدم لخطبتها ووافق عليه الجد فوراً دون تردد، بل وتكفل بتجهيز فاطمة بجهاز لم تحلم به أي من بنات أعمامها.
"صباح الخير"، قالت فاطمة بصوتها العذب الذي يحمل براءة لم تلوثها جدران هذا البيت بعد.
رد الجد بابتسامة واسعة أضأت وجهه المجعد: "صباح النور يا ابنتي، تعالي، اجلسي بجواري".
بينما كانت فاطمة تسحب الكرسي المجاور لجدها، التقت عيناها بنظرات "خديجة" التي كانت جالسة في الجهة المقابلة. كانت عينا خديجة كبئرين من الحقد الأسود العميق، نظرة لم تدم سوى جزء من الثانية قبل أن تتحول بمهارة مخيفة إلى ابتسامة مصطنعة واسعة.
قالت خديجة بصوت هادئ يحمل في طياته دبابيس مخفية: "ما شاء الله يا فاطمة، وجهك مشرق اليوم. يبدو أن اتصالات قاسم الليلية تجعلك تنامين قريرة العين. لكن، ألا ترين أن الخاتم واسع قليلاً على إصبعك النحيل؟ أخشى أن يسقط منكِ دون أن تنتبهي".
تدخلت "سميرة" بسرعة، وهي تقلب السكر في كوب الشاي الخاص بها بحركة عصبية متكررة: "أوه يا خديجة، الألماس لا يسقط بسهولة. قاسم دفع فيه ثروة كما سمعنا. هنيئاً لكِ يا فاطمة، لقد اختصرتِ طريقاً طويلاً لم تتعب فيه يداكِ الرقيقتان. بعض الفتيات يُولدن بملعقة من ذهب، والبعض الآخر... حسناً، يكدحن طوال العمر".
احمرّت وجنتا فاطمة خجلاً وارتباكاً من التلميحات المبطنة، بينما تنحنح الجد بصرامة، وهو يضرب بعصاه الخفيفة على طرف المائدة: "فاطمة تستحق كل خير، وقاسم يعرف قيمتها. ابنة الغالي لا تخرج من بيتي إلا ملكة".
ساد صمت ثقيل بعد كلمات الجد. صمت يمكنك أن تسمع فيه دقات القلوب الحاقدة. الأعمام أطرقوا رؤوسهم متابعين تناول طعامهم خشية إغضاب أبيهم المتحكم في أرزاقهم، بينما تبادلت خديجة وسميرة نظرة سريعة، نظرة مشفرة، لا يفهمها سوى من يتقن لغة الأفاعي. كانت النظرة تقول الكثير: متى ستنتهي هذه المهزلة؟ متى ستكف هذه الفتاة اليتيمة عن سلبنا ما نعتبره حقاً خالصاً لأبنائنا؟
بعد انتهاء الإفطار، وتفرق الرجال إلى أعمالهم، بدأ الوجه الحقيقي للبيت الكبير في الظهور. في المطبخ الواسع، وبينما كانت الخادمات يقمن بغسل الأطباق، وقفت خديجة وسميرة في زاوية بعيدة، تتظاهران بترتيب العبوات الزجاجية.
"هل رأيتِ كيف ينظر إليها الحاج؟" همست خديجة من بين أسنانها المطبقة، وعروق رقبتها نافرة. "وكأنها حورية نزلت من السماء. أقسم أن ثلثي ثروة العائلة ستذهب لها كجهاز زفاف. وابنتي أنا؟ ابنتي التي من دمه ولحمه، لم يقدم لها في زفافها سوى طقم من الذهب!".
ردت سميرة بصوت منخفض، وعيناها تدوران في المكان لتتأكد من عدم وجود من يتلصص عليهما: "الأمر لا يتوقف على الثروة يا خديجة. هل رأيتِ ذلك القاسم؟ شاب في مقتبل العمر، وسيم، ثري، ينظر إليها وكأنها معجزة. لماذا هي؟ لماذا فتاة لا أب لها ولا أم لتسندها، تقفز فجأة لتأخذ أفضل ما في السوق، بينما بناتنا يقبعن في الظل؟".
قوست خديجة شفتيها بابتسامة خبيثة، واقتربت أكثر من سميرة حتى لامس كتفها كتف الأخرى: "يقولون إن النصيب يصيب، لكن أحياناً... يجب أن نتدخل لتعديل مسار هذا النصيب. الفرحة المفرطة تجلب العين يا سميرة، والعين أحياناً تُسقط الطير من السماء".
ارتجفت سميرة قليلاً، ليس خوفاً من كلام خديجة، بل من اللمعة الشيطانية التي رافقت كلماتها. كانت تدرك أن خديجة لا تتحدث عن مجرد حسد أو كلام نساء عابر. كان هناك شيء أعمق وأكثر سواداً يطبخ في رأس زوجة العم الأكبر.
بينما كانت هذه الهمسات المسمومة تنساب كزئبق سام في الطابق الأرضي، كانت فاطمة في غرفتها بالطابق الثاني. غرفة واسعة، مشمسة، تطل على الحديقة الخلفية للبيت الكبير. كانت تجلس أمام مرآتها التراثية ذات الإطار النحاسي المزخرف، تسرح شعرها وهي تستمع إلى أغنية هادئة. كانت سعيدة، سعادة غامرة تكاد تفيض من عينيها. كل شيء في حياتها كان يسير نحو الكمال، دراستها الجامعية توشك على الانتهاء، قاسم يحبها بجنون، وجدها يوفر لها حماية مطلقة.
لكن، ورغم هذا النور الذي يغلف حياتها، كانت هناك برودة خفية بدأت تتسرب إلى الغرفة.
توقفت فاطمة عن تسريح شعرها. شعرت بنسمة هواء باردة جداً، باردة بشكل غير طبيعي، تلامس مؤخرة عنقها. نظرت إلى النافذة، كانت مغلقة بإحكام. التفتت نحو باب الغرفة، كان موصداً. ابتلعت ريقها، ونظرت مجدداً إلى انعكاسها في المرآة.
للحظة، لجزء من الثانية، خُيل لها أن الظل الملقى خلفها على الحائط، لم يكن ظلها. كان أطول، أضخم، ومائلاً بطريقة لا تتوافق مع جلستها المستقيمة. رمشت بعينيها بسرعة، وفركتهما بيديها، ثم عادت لتنظر. لقد عاد كل شيء إلى طبيعته. مجرد وهم، هكذا أقنعت نفسها. "ربما هو الإرهاق من كثرة التفكير في تجهيزات الزفاف"، همست لنفسها.
وقفت لتتجه نحو سريرها، ولكن عندما وطأت قدمها الحافية على السجادة الفارسية الحمراء التي تغطي وسط الغرفة، شعرت بشيء غريب. لم تكن نعومة الصوف المعتادة، بل شعرت وكأنها داست على شئ لزج، شيء يشبه الطين المبلل، ورائحة خفيفة جداً، تشبه رائحة الصدأ أو الدم القديم، تسللت إلى أنفها.
رفعت قدمها بسرعة، ونظرت إلى السجادة. لم يكن هناك شيئ. السجادة نظيفة تماماً.
تراجعت خطوة إلى الوراء، وقد بدأ قلبها ينبض بوتيرة أسرع. كان البيت الكبير هادئاً الآن، هدوءاً مميتاً. الأصوات المعتادة من المطبخ أو الشارع تلاشت تماماً، وكأن الغرفة قد عُزلت عن العالم الخارجي بفقاعة زجاجية سميكة.
لم تكن تدري أن هذه كانت البداية فقط. لم تكن تعلم أن الغيرة التي تأججت في صدور زوجات أعمامها لم تعد مجرد مشاعر سلبية حبيسة الصدور، بل تحولت إلى طاقة مادية، إلى عهد أسود كُتب في مكان بعيد وقذر، وتم نقله خلسة ليزرع في قلب مملكتها الصغيرة.
الجدران حولها كانت تتنفس. كانت تمتص النوايا الخبيثة، وتستعد للفظها على هيئة كوابيس لا تنتهي. البيت الكبير، الذي طالما كان حضنها الآمن وملاذها اليتيم، بدأ يتحول ببطئ وصمت، إلى مقبرة لعقلها وروحها. وفي مكان ما في الطابق السفلي، كانت عينان حاقدتان تراقبان السقف، تنتظران بلهفة مرَضية، أولى صرخات الانهيار.
prince Egotist