العتبة المشؤومة

العتبة المشؤومة

26 0

وقفت "فاطمة" في منتصف الصالة السفلية للبيت الكبير، تراقب السلالم الخشبية العريضة التي تلتوي صعوداً نحو الطوابق العلوية وكأنها لسان أفعى ضخمة تنتظر ابتلاعها. كان الظلام قد بدأ يرخي سدوله على زوايا البيت، واختلطت الظلال بأضواء المصابيح الجدارية الخافتة ذات اللون البرتقالي الباهت، لتخلق جواً مشبعاً بالكآبة. كان السكون الذي يلف المكان سكوناً لزجاً، لا يبعث على الراحة، بل يضغط على طبلة الأذن وكأنه يحمل بين طياته همسات مكتومة لا تكاد تُسمع.

تنفست الصعداء محاولةً طرد تلك الغمامة السوداء التي تجمعت في صدرها منذ أن غادرت المقهى وودعت "قاسم". تذكرت كلماته الدافئة، وابتسامته التي كانت بمثابة طوق النجاة، وحاولت التشبث بصورة المنزل المشرق الذي صممه لهما. "شهران فقط"، رددتها في سرها وكأنها تعويذة سحرية بيضاء تدفع بها طاقة البيت السلبية. "شهران وأغادر هذا المكان إلى الأبد".

وضعت قدمها على الدرجة الأولى، فانطلق صرير خفيف من الخشب العتيق. كان هذا الصرير مألوفاً، فقد نشأت وكبرت وهي تسمعه، لكنه الليلة بدا مختلفاً؛ بدا وكأنه أنين مكتوم لشيئ يتألم تحت ألواح الخشب. صعدت ببطئ، وكلما ارتفعت درجة، شعرت بأن الهواء يزداد ثقلاً، وكأن الجاذبية تتضاعف في هذا الجزء من البيت.

عندما وصلت إلى الطابق الأول، حيث أجنحة أعمامها، لاحظت أن الأبواب كلها مغلقة. كان الهدوء هنا مريباً. لم تكن تسمع صوت التلفاز المعتاد من غرفة العم الأكبر، ولا صخب أبناء العم الأوسط. سارت بخطوات حذرة في الممر الطويل المفروش بسجاد إيراني سميك يمتص صوت خطواتها بالكامل. أثناء مرورها بجوار غرفة "خديجة"، توقفت للحظة. خُيل لها أنها تسمع همهمة خافتة جداً تتسرب من أسفل الباب، صوت لا يشبه الحديث البشري المعتاد، بل أقرب إلى طنين حشرات مجتمعة على جيفة، تخللته ضحكة قصيرة، جافة، ومكتومة.

سرت قشعريرة باردة في جسمها. أسرعت في خطواتها، متجاوزة الطابق الأول بأسره، متجهة نحو السلم المؤدي إلى الطابق الثاني حيث تقع غرفتها معزولة في نهاية الممر.

كان الممر المؤدي إلى غرفتها يبدو أطول من المعتاد. المصباح الكهربائي الوحيد المعلق في منتصف السقف كان يرتعش بشكل غريب، يخفت نوره ثم يعود ليشتعل بقوة، مصدرًا أزيزاً كهربائياً ضعيفاً. شعرت فاطمة بانقباض مفاجئ في معدتها. غريزة بدائية قديمة استيقظت في داخلها، غريزة البقاء التي تحذر الفريسة من الاقتراب من عرين المفترس. كل خلية في جسدها كانت تصرخ مطالبة إياها بالاستدارة والعودة، بالنزول إلى الطابق الأرضي، بالهرب إلى الشارع، إلى أي مكان آخر سوى غرفتها.

لكن العقل البشري يميل دائماً إلى تكذيب الغرائز وتبرير المخاوف. "إنه مجرد إرهاق"، همست لنفسها بصوت مسموع لتبدد الصمت. "أنا متعبة، وأحتاج إلى النوم فقط".

اقتربت من باب غرفتها المصنوع من خشب السنديان الداكن. توقفت أمامه، ومدت يدها نحو مقبض الباب النحاسي. قبل أن تلمسه، لاحظت شيئاً غريباً على الأرض.

عند العتبة الفاصلة بين أرضية الممر الرخامية وأرضية غرفتها المغطاة بالسجاد، كان هناك أثر غريب. لم يكن ظاهراً للعين العابرة، بل كان عبارة عن بلل خفيف جداً، بالكاد يُرى، يميل لونه إلى الاصفرار الباهت، كأنه ماء جف نصفه وبقيت منه لزوجة خفيفة. وعلى جانبي إطار الباب السفلي، تناثرت ذرات دقيقة من مسحوق أسود مائل للرمادي، يشبه الرماد أو تراباً ناعماً جداً.

عقدت فاطمة حاجبيها باستغراب. تساءلت في نفسها إن كانت إحدى الخادمات قد سكبت شيئاً أثناء التنظيف، أو ربما هو مجرد غبار تجمّع من النوافذ المفتوحة. لم تُعر الأمر اهتماماً كبيراً، فقد كان ذهنها مشتتاً وجسدها يطالب بالراحة.

أمسكت بمقبض الباب، أدارته، ودفعت الباب الخشبي الثقيل لينفتح ببطئ.

رفعت قدمها اليمنى، وخطت خطوتها الأولى إلى الداخل، متجاوزة العتبة، وواضعة قدمها فوق ذلك الأثر المبلل والرماد المتناثر.

في تلك اللحظة بالذات، توقف الزمن.

لم تكن مجرد خطوة داخل غرفة؛ كانت عبوراً من بُعد إلى آخر. بمجرد أن لامس باطن حذائها أرضية العتبة، انطلقت شرارة غير مرئية، تيار من البرودة المرعبة اخترق جسدها من أسفل قدمها، وصعد كبرق صامت وسريع عبر ساقها، ليضرب أسفل عمودها الفقري بعنف.

شهقت فاطمة بقوة واتسعت عيناها حتى كادتا تبرزان من محجريهما. تجمدت في مكانها، إحدى قدميها داخل الغرفة والأخرى خارجها. لم تكن برودة طبيعية، لم تكن تشبه هواء الشتاء أو صقيع الثلج، بل كانت "برودة الموت". برودة لا تخترق الجلد واللحم فقط، بل تنخر في العظام وتلامس الروح مباشرة. شعرت وكأن دمها قد تحول فجأة إلى جليد يسري في عروقها، ممزقاً أوردتها من الداخل.

حاولت التراجع، حاولت سحب قدمها للخلف، لكن جسدها خذلها. شلل مؤقت ومفزع شلّ حركتها تماماً.

ثم جاء الشعور الثاني.

انقباض هائل في الصدر، وكأن حزاماً من الفولاذ قد لُف حول قفصها الصدري وبدأ يضيق بقوة قاهرة. الهواء المحيط بها أصبح ثقيلاً، كثيفاً كالماء الطيني، حاولت أن تسحبه إلى رئتيها لكنها لم تستطع. فتحت فمها لتصرخ، لكن حنجرتها كانت جافة ومغلقة، ولم يخرج منها سوى حشرجة اختناق يائسة. شعرت بوزن هائل يجثم على كتفيها، وزن كيان غير مرئي يضغط عليها ليجبرها على الركوع.

ومع الاختناق والبرودة، انفجر في وجهها الهجوم الحسي الأعنف: الرائحة.

ضربت أنفها موجة من رائحة نتنة، بشعة، ومقززة إلى حد لا يمكن للعقل البشري استيعابه بسهولة. كانت مزيجاً كارثياً من عفونة اللحم البشري المتحلل، والبيض الفاسد، ورائحة الكبريت المحترق، ودماء قديمة متخثرة. رائحة لا يمكن أن تنتمي إلى عالم الأحياء. كانت قوية ومركزة لدرجة أنها تسببت في حرقان داخل تجويف أنفها وعينيها التي بدأت تدمع بغزارة.

انحنت فاطمة إلى الأمام، وأمسكت بإطار الباب متمسكة به كي لا تسقط، بينما بدأت معدتها تتقلص بعنف دافعة إياها للتقيؤ. سعلت بقوة، محاولة طرد تلك الرائحة من جوفها، لكن الرائحة لم تكن في الهواء المحيط بها فقط، بل بدت وكأنها تنبعث من مسام جلدها، ومن أنفاسها نفسها.

"يا إلهي... ما هذا؟" استطاعت أن تهمس بصعوبة بالغة بين سعالها وتمزق أنفاسها.

فجأة، سمعت صوت خطوات خفيفة تقترب من الممر خلفها. استدارت بصعوبة بالغة وعيناها مليئتان بالدموع المحتبسة، لترى "مريم"، إحدى الخادمات الشابات في البيت المكلّفات بتنظيف الطوابق العلوية، تحمل سلة من المناشف النظيفة.

عندما رأت مريم حالة فاطمة، أسرعت نحوها بخطوات قلقة. "آنسة فاطمة! هل أنتِ بخير؟ وجهكِ شاحب كالموتى! هل أطلب لكِ الحاج عبد الرحمن؟"

تشبثت فاطمة بذراع الخادمة، وأظافرها تنغرس في لحم مريم دون قصد من شدة الرعب والألم. "الرائحة... مريم... هل تشمين هذه الرائحة؟ افتحي النوافذ بسرعة، أكاد أختنق!".

عقدت مريم حاجبيها باستغراب، ورفعت أنفها تتشمم الهواء بوضوح. نظرت إلى فاطمة نظرة مليئة بالحيرة والقلق الحقيقي. "أي رائحة يا آنسة فاطمة؟ لا أشم شيئاً سوى رائحة معطر الأرضيات برائحة اللافندر الذي استخدمته قبل ساعة. هل هناك تسريب غاز ربما؟ لا، لا أشم شيئاً سيئاً أبداً".

توقفت فاطمة عن التنفس للحظة. اتسعت عيناها أكثر وهي تنظر إلى وجه الخادمة الخالي من أي تعبير عن الاشمئزاز. مريم كانت تقف على بعد خطوات قليلة منها، تتنفس بشكل طبيعي، ولا تشعر بأي اختناق، ولا تشم تلك الرائحة التي تكاد تمزق أحشاء فاطمة.

أدركت فاطمة في تلك اللحظة المرعبة حقيقة مفجعة: هذا الجحيم خُلق لها وحدها.

تراجعت ببطئ إلى داخل الغرفة، تاركة ذراع مريم. هزت رأسها بنفي وضعف: "لا... لا شيء يا مريم. ربما... ربما أتوهم. أنا متعبة جداً وأحتاج للراحة. لا تخبري أحداً أرجوكِ، لا أريد إزعاج جدي".

ترددت مريم قليلاً، لكنها أومأت برأسها وأجابت: "كما تأمرين يا آنسة. سأترك لكِ إبريقاً من الماء البارد هنا، إذا احتجتِ لأي شيء رني الجرس".

وضعت الخادمة الإبريق على الطاولة الصغيرة المجاورة للباب، وانصرفت مغلقة الباب خلفها بهدوء.

بمجرد أن أُغلق الباب، سقطت فاطمة على ركبتيها فوق السجادة. البرودة لم تفارقها، بل بدأت تزحف ببطئ من أطرافها نحو قلبها. الرائحة النتنة استقرت في أعماق أنفها، وأصبحت جزءاً من أنفاسها.

رفعت رأسها لتتأمل غرفتها. المكان الذي كان بالأمس ملاذها الآمن، ومملكتها الهادئة المليئة بأحلام المستقبل، أصبح الآن مقبرة مرعبة وموحشة. الجدران التي طليت بلون أبيض ناصع، بدت لها في هذا الضوء الخافت وكأنها تقترب من بعضها البعض، تضيق لتخنقها. زوايا الغرفة غرقت في ظلال كثيفة بشكل غير طبيعي، ظلال لا تتوافق مع مصادر الإضائة القليلة.

حاولت الوقوف، مستندة إلى حافة السرير. كان جسدها يرتجف بشدة، وأسنانها تصطك ببعضها البعض رغم أن الفصل خريف والبيت دافئ. خطت خطوات مترنحة نحو المرآة الطويلة المثبتة على باب خزانة الملابس.

نظرت إلى انعكاسها.

كان وجهها شاحباً بلون الرماد، عيناها غائرتان ومحاطتان بهالات سوداء مفاجئة، وشفتيها زرقاوان جافتان. لكن الرعب الحقيقي لم يكن في شحوبها، بل في الانعكاس نفسه. رمشت فاطمة بعينيها، لكن... انعكاسها في المرآة لم يرمش.

تسمرت في مكانها. تجمد الدم في عروقها بالكامل. حدقت في المرآة برعب مطلق. الفتاة التي تقف في الجانب الآخر من الزجاج كانت تشبهها، نعم، لكن عينيها كانتا أغمق، خالية من الحياة، وزاوية فمها كانت ترتفع ببطئ في ابتسامة ساخرة، خبيثة، ومليئة بالشر الخالص.

تراجعت فاطمة للخلف بقوة، فتعثرت بحافة السجادة وسقطت على الأرض. أغمضت عينيها بشدة ووضعت يديها على رأسها، ترفض تصديق ما رأته. "هذا مستحيل... هذا جنون... أنا أفقد عقلي، أنا أهذي من الحمى!" ظلت تهمس لنفسها بهيستيريا، محاولة إقناع عقلها الباطن بأن كل هذا مجرد انهيار عصبي مفاجئ.

عندما فتحت عينيها ونظرت إلى المرآة مجدداً، كان كل شيء طبيعياً. انعكاسها سقط على الأرض مثلها، يبدو مرعوباً ومثيراً للشفقة.

زحفت نحو سريرها، وتسللت تحت الأغطية الثقيلة بملابسها. ضمت ركبتيها إلى صدرها كالجنين، محاولة البحث عن أي ذرة دفئ لجسدها الذي ينتفض من البرد المريب. غطت رأسها بالكامل، وأغمضت عينيها، تبكي بصمت مطبق، ودموعها الساخنة تبلل الوسادة.

لكنها، وتحت تلك الأغطية، وفي أشد لحظات ضعفها ورعبها، سمعت الصوت.

لم يكن الصوت قادماً من الممر، ولا من خارج النافذة، ولا من خيالاتها. كان الصوت قادماً من داخل الغرفة. من الزاوية المظلمة بجوار الخزانة.

كان صوت تنفس.

تنفس ثقيل، لزج، أجش... كرجل ضخم مصاب بربو حاد. شهيق يتبعه زفير بطيئ ومقزز، يحمل معه نفس رائحة الكبريت والعفونة التي ضربت وجهها عند العتبة. كان الصوت يقترب ببطئ شديد، خطوة بخطوة غير مسموعة، حتى استقر تماماً بجوار حافة السرير.

حبست فاطمة أنفاسها بالكامل. توقف قلبها عن النبض للحظات. شعرت بثقل غريب يهبط ببطئ على طرف السرير، ساحباً الأغطية قليلاً نحو الأسفل. هناك شيئ، كيان ما، شخص ما... يجلس الآن على سريرها، في غرفتها المغلقة، يراقبها وهي ترتجف تحته.

العقدة التي رُبطت بدماء القط الميت ونجاسة القبور في ذلك الكوخ البعيد، قد استقرت الآن رسمياً في جسدها ومحيطها. العتبة المشؤومة لم تكن مجرد مدخل لغرفة، بل كانت البوابة التي دُعي من خلالها الشيطان ليكون رفيقاً دائماً، وحارساً لخراب روحها. ومن تلك الليلة، لم تعد فاطمة وحيدة في البيت الكبير قط.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شَعوَذة

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة