كان الصمت الذي أعقب الكلمات الانتحارية التي نطق بها "قاسم" صمتاً ذا كثافة مادية، صمتاً ثقيلاً ولزجاً كطين المقابر، يكاد يخنق الأنفاس ويجمد الدماء في العروق. في ذلك الكوخ المنسي على قمة الجبل، حيث لا يعترف الزمن بقوانين البشر، وحيث تتراكم طبقات الرماد كشاهد صامت على قرون من العزلة والخوف، بدت تضحية قاسم وكأنها حجر ضخم أُلقي في بحيرة راكدة من الظلام.
ظل قاسم جاثياً على ركبتيه، وعيناه المحمرتان والغائرتان، اللتان فقدتا كل رغبة في الحياة، مثبتتين بشراسة على العجوز العمياء. لم يكن يمزح، ولم يكن يهذي تحت وطأة الصدمة، بل كان يعرض روحه، عقله، وكيانه بالكامل كقربان ليفدي به "فاطمة". كان يطلب منها أن تمنحه بصيرتها الملعونة، أن تفتح له باب الهاوية ليلقي بنفسه فيها، فقط لكي لا تموت حبيبته في ذلك العذاب الشيطاني. خلفه، كان "عمار" يرتجف كورقة خريف جافة، يغطي فمه بيده، غير قادر على استيعاب حجم الجنون الذي انزلقا إليه.
أما العجوز، تلك القوقعة البشرية المجعدة التي اختبأت من شياطين الأرض لعقود، فقد تسمرت في مكانها. عيناها البيضاوان العمياوان كانتا تتسعان بشكل غير مألوف، وشفتاها الخاليتان من الدم ترتجفان ببطئ. لم تكن هذه المرأة غريبة عن اليأس البشري، فقد طرقت بابها عبر السنين أعداد لا تحصى من الأرواح المعذبة، الجشعين، الحاقدين، والخائفين على حيواتهم. رأت ملوكاً يتوسلون لضمان عروشهم، ورأت أثرياء يدفعون ثرواتهم لشفاء أجسادهم الفانية. لكن، في كل تلك العقود، لم ترَ قط بشرياً يقف أمام باب الجحيم، متجرداً من كل غريزة بقاء، ليطلب الدخول طواعية من أجل شخص آخر.
"أنت... لا تعرف ما تطلبه..." همست العجوز أخيراً، وصوتها الأجش يخرج متقطعاً كأنها تختنق. "العقل البشري يا قاسم... مصمم ليعيش في حدود العالم المادي. إنه محمي بجهله. إذا رُفع الحجاب عن عينيك، ولو لجزء من الثانية، ورأيت 'المستشارين' بهيئتهم الحقيقية، فلن تموت بشرف. سوف يتمزق إدراكك، سيتفتت عقلك كزجاج يُضرب بمطرقة فولاذية. ستتحول في لحظة واحدة إلى مسخ يسيل لعابه، يصرخ في الزوايا المظلمة إلى الأبد. لا توجد شجاعة في هذا، بل هلاك محتوم ومجاني".
"لا يهمني!" صرخ قاسم، وضرب الأرض بقبضتيه حتى تطاير الرماد الكثيف ليغطي وجهه وثيابه. "ألا تفهمين؟ عقلي ممزق بالفعل! إدراكي تحطم في الليلة التي رأيت فيها فاطمة تطفو في الهواء وتتحدث بصوت شيطان. أنا ميت منذ أن شممت رائحة الكبريت في غرفتها. إذا كان الثمن هو عقلي، فليأخذوه، لكنني لن أعود لأقف عاجزاً بينما ينهش هذا الكيان روحها. افعليها! افتحي المندل وأعطني البصيرة!".
تراجعت العجوز قليلاً، وأسندت ظهرها النحيل إلى الجدار الصخري البارد. أغمضت عينيها البيضاوين، وبدأت تتنفس بعمق. في تلك اللحظة، لم تكن تنظر إلى قاسم بعينيها الجسديتين، بل فتحت عين بصيرتها الثالثة، تلك العين الروحية التي ترى ما وراء اللحم والدم.
تأملت هالة قاسم في العالم الأثيري. عادة، عندما تنظر إلى البشر المذعورين، ترى هالاتهم مشوهة، تنبض بألوان الأنانية، الخوف الأسود، أو الطمع الرمادي. لكن هالة قاسم كانت مختلفة تماماً. كانت تحترق بوهج أبيض ناصع ومؤلم في شدته، وهج نابع من تضحية نقية لا تشوبها شائبة، وحب أعمى يتحدى قوانين العتمة. كان هذا النور يزعجها، يذكرها بشيئ فقدته منذ زمن بعيد، شيء كانت تظن أنه انقرض من هذا العالم الملوث.
ودون أن تنطق بكلمة، قررت العجوز أن تخطو خطوة لم تجرؤ عليها منذ سنوات طوال. قررت أن ترسل وعيها، أن تمد خيوط بصيرتها عبر المسافات الشاسعة، متجاوزة الجبال والوديان، لتلقي نظرة خاطفة على الضحية، على "فاطمة"، لترى ما إذا كانت هذه الفتاة تستحق حقاً أن يُحرق هذا النور الساطع من أجلها.
انقطع تنفس العجوز فجأة، وتصلب جسدها تماماً وكأنها فارقت الحياة.
في بُعد آخر، حيث لا يوجد زمان ولا مكان، طار وعي العجوز كطائر أسود غير مرئي يمزق سحب الضباب. اخترقت بصيرتها حدود "قرية المنسيين"، وعبرت الطرق الوعرة في ثوانٍ معدودة، هابطة نحو قلب المدينة الحديثة، متجهة مباشرة نحو البؤرة المتعفنة التي تفوح منها رائحة السحر الأسود... "البيت الكبير".
عندما اقتربت بصيرتها من المنزل، شعرت بالاشمئزاز. البيت كان محاطاً بشبكة عنكبوتية لزجة وداكنة، نسيج من الطاقات السفلية التي تكاد تخنق كل من يمر بجانبها. غاصت العجوز بوعيها عبر الجدران السميكة، متجاهلة الطوابق السفلية حيث ينام الجد والعائلة، واتجهت مباشرة نحو الغرفة العلوية المغلقة.
ما رأته هناك، خلف الحجاب، جعل روحها الميتة تنتفض.
لم ترَ فاطمة كجسد ممدد على السرير الحديدي ومقيد بالحبال. في العالم الأثيري، كانت الصورة أبشع وأكثر إيلاماً بمليون مرة. رأت روح فاطمة، والتي كانت تبدو كطائر من نور صافٍ ورقيق، محبوسة داخل قفص من الأشواك السوداء المتعفنة، أشواك تنغرس في جوهرها وتمتص ضوئها قطرة قطرة.
وفوق هذا القفص، كان يقبع "الكيان".
لم يكن مجرد جني عابر أو خادم سحر صغير. كان ظلاً هائلاً، لزجاً، ومتعدد الأذرع، يمتد كبقعة حبر سرطانية تبتلع مساحة الغرفة بأكملها. عيناه كانتا حفرتين من النار الباردة، ووجهه عبارة عن تجويف يعج بالوجوه الممسوخة التي تصرخ بلا صوت. كان هذا هو "خادم المستشار"، أمير العذاب السفلي الذي أُرسل خصيصاً لتحطيم هذه الروح. كان يمرر مخالبه الدخانية فوق قفص الأشواك، وكلما فعل ذلك، كانت روح فاطمة ترتجف وتصدر أنيناً يمزق نياط القلب.
لكن ما صدم العجوز حقاً، وما زلزل كيانها المتحجر، لم يكن بشاعة خادم المستشار، بل كان رد فعل فاطمة.
رغم العذاب الروحي الذي لا يمكن وصفه بكلمات بشرية، ورغم أن الكيان كان يمزق إدراكها ويدفعها نحو الجنون، إلا أن روح فاطمة لم تكن تنضح بالحقد أو الغضب. وسط ذلك الجحيم المطبق، كانت العجوز تستطيع سماع صدى همسات فاطمة الداخلية، صلواتها الخافتة التي لم تتوقف. لم تكن تدعو بالهلاك على من سحرها، بل كانت تدعو الله أن يغفر لها ضعفها، وأن يحمي جدها وقاسم من هذا الشر. كانت روحها، رغم تلوثها بأوساخ السحر، نقية كقطرة ندى في قلب مستنقع.
شعرت العجوز بصدمة عنيفة. هذا النقاء المزدوج... نقاء تضحية قاسم، ونقاء روح فاطمة، كان يتصادم بقوة مع كل ما آمنت به العجوز طوال حياتها عن فساد البشر وأنانيتهم. لقد انعزلت في الجبل لأنها احتقرت ضعف الإنسان وسهولة انقياده للشر، لكنها الآن تقف أمام قوة لا تقل عناداً عن شر الشياطين، قوة الحب المطلق.
وفجأة، بينما كانت العجوز تتأمل روح فاطمة، التفت الظل الهائل... التفت "خادم المستشار" نحوها.
التقطت حواسه السفلية وجود دخيل. اتجهت عيناه الناريتان مباشرة نحو وعي العجوز. في تلك اللحظة، شعرت ببرودة الموت الحقيقي تجتاحها. أرسل لها الكيان تهديداً صامتاً، زئيراً روحياً كاد أن يمزق بصيرتها: "هذه ملكنا... عودي إلى جحرك أيتها العمياء، أو نأتي لنسلخ روحك حية".
بدلاً من أن تهرب كعادتها، وبدلاً من أن تنكفئ على نفسها في رعب، حدث شيئ غريب للعجوز. ذلك التهديد السافر، مقروناً بالشفقة العارمة التي اجتاحتها تجاه تلك الفتاة البريئة وقاسم المنكسر، أشعل في قلبها شرارة من غضب قديم، غضب كرامة سُحقت طويلاً تحت أقدام الخوف.
انتفضت العجوز في الكوخ. عادت إلى جسدها المادي بشهقة قوية وعنيفة كمن كان يغرق وطفأ فجأة على سطح الماء.
فتح قاسم وعمار أعينهما برعب وهما يريان العجوز تنهار للأمام، تسند يديها النحيلتين على الرماد وهي تلهث بشدة، والعرق البارد يغطي جبهتها المجعدة. لكن الأمر الأكثر إثارة للرعب والذهول، هو أن قطرتين من الدم القاني كانتا تنزلقان من عينيها البيضاوين، ترسمان خطين أحمرين على خريطة التجاعيد الشاحبة.
"يا إلهي! هل أنتِ بخير؟" صرخ عمار متراجعاً للخلف.
لكن قاسم لم يتراجع، بل اقترب أكثر، وعيناه تترقبان أي إشارة، أي حكم سيصدر من شفتيها المرتجفتين.
مسحت العجوز الدم عن وجهها بكم ثوبها البالي. استقامت في جلستها، وبطريقة لم يتوقعها أحد، تحولت ملامحها من الخوف المطلق إلى صرامة حادة ومخيفة. لم تعد تبدو كعجوز ضعيفة تختبئ من قدرها، بل بدت كساحرة حرب قديمة تستعد لمعركتها الأخيرة.
"لن أعطيك بصيرتي يا قاسم،" قالت العجوز، وصوتها الآن يحمل رنيناً معدنياً حازماً لا يقبل النقاش.
شعر قاسم بأن قلبه يتوقف، واستعد للصراخ مجدداً، لكنها رفعت يدها لتسكته قبل أن ينطق.
"لن أعطيك بصيرتي... لأنك لن تحتملها لثانية واحدة،" تابعت العجوز وعيناها البيضاوان تحدقان في الفراغ أمامه. "إذا نظرت أنت، فسوف يسحقك خادم المستشار قبل أن ترمش. لكن..." توقفت للحظة، وأخذت نفساً عميقاً بدا وكأنه يسحب كل الهواء المتبقي في الكوخ. "لكنني رأيت ما يكفي لأدرك أن العزلة لم تعد خياراً. لقد رأيت روحها يا بني... روح نقية تُذبح على مذبح الحقد. ورأيت قلبك الذي يرفض الاستسلام. إذا تركت هذا الشر ينتصر اليوم، فلا معنى لكل هذه السنوات التي قضيتها في حراسة هذا الجبل".
اتسعت عينا قاسم، وبدأ قلبه يقرع في صدره كطبول الحرب. "هل... هل يعني هذا أنكِ ستساعديننا؟".
نظرت العجوز نحوه مباشرة. "لا أعدك بالنجاة، ولا أعدك بشفائها. أنا أعدك بشيئ واحد فقط: سأفتح باب المواجهة. سأتحدى هذا الخادم، وسأبحث عن العقدة وأصلها. سأضع روحي على المحك مقابل روحها".
"أنا مدين لكِ بحياتي... بكل شيء!" قال قاسم ودموع الفرح والامتنان تنهمر من عينيه، وانحنى ليقبل الأرض أمامها.
"وفر دموعك وكلماتك، فنحن لم نبدأ بعد، وما هو قادم سيجعلك تتمنى لو أنك متّ قبل أن تطأ قدمك هذا الكوخ،" قاطعته العجوز بقسوة. التفتت نحو عمار الذي كان متجمداً في الزاوية، وأشارت إليه بصرامة: "أنت! أغلق الباب فوراً، وأنزل المزلاج الحديدي. مهما حدث، ومهما سمعت، لا تفتح الباب ولا تحاول الهرب. إن خرج أحدكم من هذا الكوخ قبل أن تنتهي الجلسة، فإن ما يسكن الفتاة سيتبعه، وسيمزقه إرباً على هذه الجبال".
ركض عمار فوراً نحو الباب وأغلقه بقوة، وسحب المزلاج الحديدي الثقيل ويداه ترتعدان.
وقفت العجوز ببطئ، وبدأت تتحرك في الكوخ برشاقة لا تتناسب مع عمرها. توجهت نحو رف حجري في الزاوية، وأنزلت منه وعاءً نحاسياً كبيراً وثقيلاً، محفوراً عليه طلاسم ورموز لغات قديمة لا تنتمي للعربية ولا لأي لغة حية. وضعته في منتصف المسافة بينها وبين قاسم، بجوار الموقد الحجري.
وثم أخرجت جراباً جلدياً صغيراً، وأفرغت منه مسحوقاً أسود خشناً، وبدأت ترسم به دائرة كبيرة حول الموقد والوعاء، وحول قاسم وعمار وحولها.
"هذه الدائرة هي حدود عالمنا،" حذرت العجوز وصوتها يتردد بصدى غريب. "هذا هو 'المندل'. بمجرد أن أبدأ، سينشق الستار بين البعدين. الكوخ سيصبح ساحة مفتوحة على العالم السفلي. سترون أطيافاً، وتسمعون أصواتاً... قد تسمعون أصوات أمهاتكم، قد ترون أسوأ مخاوفكم تتجسد أمامكم. إياكم أن تتحدثوا! إياكم أن تمدوا أيديكم خارج هذه الدائرة الملعونة! إذا انكسر الخط، فسندخل جميعاً في بطن الجحيم ولن نخرج أبداً".
صبّت العجوز سائلاً لزجاً وداكن اللون داخل الوعاء النحاسي، ثم ألقت ببعض الأعشاب الجافة والبودرة الغريبة فوق الجمرات المشتعلة في الموقد. في اللحظة التي لامست فيها البودرة النار، تغير لون اللهب من الأحمر البرتقالي إلى أزرق متوهج، وانبعثت رائحة باردة جداً، رائحة تشبه رائحة الأقبية المهجورة والتراب الرطب.
جلست العجوز متربعة أمام الوعاء، وطلبت من قاسم أن يجلس أمامها مباشرة.
"انظر إلى الوعاء يا قاسم، ولا ترفع عينيك عنه مهما حدث،" أمرته بصوت هامس بدأ يتحول إلى نبرة طقوسية غامضة.
بدأت العجوز تتمتم بكلمات سريعة، متداخلة، لغة بدائية قاسية تعتمد على الحشرجات وتقطيع المقاطع الصوتية. مع كل كلمة كانت تنطقها، كانت درجة الحرارة في الكوخ تنخفض بشكل دراماتيكي. بدأ الصقيع يتشكل على الجدران الصخرية، وأنفاس قاسم وعمار تحولت إلى سحب بيضاء كثيفة.
فجأة، توقف صوت الرياح خارج الكوخ تماماً. انعدم الصوت المادي بالكامل. وفي المقابل، بدأ السائل الداكن داخل الوعاء النحاسي يتموج ويغلي دون حرارة، وتصاعدت منه أبخرة سوداء بدأت تتشكل فوق الوعاء، ترسم ملامح وعوالم مرعبة ترفرف في الفراغ.
لقد كُسرت قوقعة العزلة، وانتصرت شفقة البصيرة على جبن السنين. لكن الثمن كان باهظاً، فالعجوز لم تعد فقط تنظر خلف الحجاب، بل أسقطت الحجاب بالكامل، وفتحت أبواب الكوخ على مصراعيها لاستقبال أسياد الظلام، لتبدأ معركة إرادات بين نور التضحية البشري، وبين أقدم وأحط أنواع الشر الذي عرفته الخليقة.
prince Egotist