لم يكن البرد الذي اجتاح الكوخ الحجري في تلك اللحظة برداً طبيعياً يمكن رده إلى طقس الجبل القاسي أو الرياح العاتية التي تضرب "قمة الغراب"؛ بل كان زمهريراً ينبع من العدم، برودة تسلب حرارة الروح قبل الجسد. تجمّدت الأنفاس في الهواء لتشكل سحباً بيضاء كثيفة تخرج من أفواه "قاسم" و"عمار"، بينما تحول لهب الموقد الحجري إلى لون أزرق باهت، لا يبعث أي دفء، بل يلقي بظلال مشوهة وطويلة على الجدران الصخرية، ظلالاً بدت وكأنها تتلوى وتراقص بعضها البعض في رقصة جنائزية مرعبة.
جلس قاسم متربعاً داخل الدائرة التي رسمتها العجوز بالمسحوق الأسود، وعيناه مسمرتان على الوعاء النحاسي العتيق المملوء بذلك السائل الداكن اللزج. كان قلبه يدق بعنف، يقرع كطبول حرب في صدره، لكنه أجبر نفسه على الثبات. خلفه، كان عمار يكور جسده على نفسه، يضم ركبتيه إلى صدره وعيناه مغلقتان بقوة، يرتجف كورقة خريف جافة، يحاول أن يعزل نفسه عن هذا الجنون الذي انزلقا إليه.
أما العجوز، فقد اتخذت وضعية جلوس صلبة كالتمثال أمام الوعاء مباشرة. رفعت يديها النحيلتين ذواتي الأصابع الطويلة المعوجة فوق السائل دون أن تلمسه، وبدأت تتمتم بكلمات متسارعة. لم تكن لغة بشرية، ولم تكن حتى طلاسم مألوفة، بل كانت أصواتاً تخرج من تجويف صدرها، حشرجات عميقة، وصفير حاد، ومقاطع صوتية تبدو وكأنها تُنطق بالمقلوب. مع كل مقطع يخرج من فمها، كان السائل في الوعاء يبدأ بالدوران، ببطئ في البداية، ثم بسرعة جنونية مخلفاً دوامة سوداء في مركزه، دوامة تبدو وكأنها حفرة بلا قاع تمتد إلى ما لا نهاية.
"إياكم والحركة... إياكم والكلام..." همست العجوز فجأة بصوت تردد صداه داخل جمجمة قاسم مباشرة وليس عبر أذنيه. "أنا أهبط الآن... الباب ينفتح".
انقلبت عينا العجوز البيضاوان بالكامل إلى الخلف، حتى لم يعد يظهر منهما سوى بياض مشبع بعروق حمراء دقيقة متفجرة. تصلب جسدها، وتوقف صدرها عن الارتفاع والانخفاض، وكأن الحياة قد غادرتها تماماً. في تلك اللحظة بالذات، انقطع كل صوت في العالم المادي. لم يعد قاسم يسمع أنفاسه، ولا دقات قلبه، ولا ارتجاف عمار، ولا حتى طقطقة النار الزرقاء. الصمت كان مطلقاً ومميتاً، صمتاً ابتلع كل شيئ.
لكن، في بُعد آخر، كانت هناك عاصفة من الضجيج المرعب.
انفصل وعي العجوز عن جسدها المادي، وغاص كحجر ثقيل في مركز الدوامة السوداء داخل المندل. شعرت بكيانها الأثيري يسقط بسرعة هائلة عبر نفق من العتمة اللزجة. كانت الجدران المحيطة بهذا في النفق الروحي تنبض بوجوه مشوهة تصرخ بصمت، وأذرع دخانية تحاول التشبث بها لتمزيق بصيرتها، لكنها كانت تتلو تعاويذ التحصين القديمة، تضرب تلك الأذرع بسياط من النور الباهت الذي يحيط بروحها.
فجأة، توقف السقوط. وجدت نفسها تقف في أرض لا تشبه أي شيئ قد تدركه الحواس البشرية.
كانت السماء—إن جاز تسميتها سماء—عبارة عن سقف منخفض من الغيوم البنفسجية والسوداء المتقيحة، تمطر رماداً حاراً وقطرات من دماء سوداء لزجة. الأرض تحت قدميها الأثيريتين لم تكن يابسة، بل كانت نسيجاً من اللحم الحي المتعفن، ينبض ببطئ، وتتخلله أنهار من صديد أصفر وأسود تنبعث منه رائحة تحرق الروح. كان هذا هو القاع، الطبقة السفلى من العالم الموازي، حيث تتجمع أرواح السحرة الملعونين والشياطين العتيقة.
عرفت العجوز أن وقتها محدود. مجرد وجودها هنا هو بمثابة إشعال شعلة نارية في غابة شديدة الظلام، ستجذب كل الكيانات الجائعة إذا لم تتحرك بسرعة وبخفاء.
بدأت تسير بخطوات حذرة، تستخدم بصيرتها للبحث عن "الخيط". كل سحر يُعقد في العالم المادي يترك خيطاً أثيرياً يربط الضحية بالكيان الموكل بها وبمكان العقدة. أغمضت عين بصيرتها الداخلية للحظة، وركزت تفكيرها على صورة "فاطمة"، على ذلك النقاء المشوه بالألم الذي رأته سابقاً.
برز الخيط. كان خيطاً سميكاً، يتوهج بلون أخضر مريض، يشبه لون العصارة الصفراوية، يمتد من مكان ما في الأعلى، ويغوص عميقاً في تضاريس هذا الجحيم.
تبعت العجوز الخيط. كلما تقدمت، زادت بشاعة المناظر من حولها. رأت كيانات ضخمة بأجساد نصف حيوانية ونصف بشرية، تجر سلاسل من حديد صدئ وتجلد أرواحاً باهتة لا ملامح لها. رأت شجيرات شائكة تنبت من جماجم محطمة، وتتدلى منها ثمار تشبه العيون البشرية المفتوحة برعب. كانت تتجنب لفت انتباه الحراس الصغار، تتخفى في ظلال الصخور العظمية الضخمة التي تتناثر في المكان.
في العالم المادي، داخل الكوخ، بدأت الأمور تخرج عن السيطرة.
بدأ السائل الداكن في المندل يفور، وتصاعدت منه أبخرة رمادية كثيفة بدأت تتشكل في الهواء. اتسعت عينا قاسم وهو يرى الدخان يتخذ أشكالاً بشرية مشوهة. سمع همسات، ليست في رأسه هذه المرة، بل في الغرفة. أصوات مألوفة...
"قاسم... أنقذني..."
كان الصوت يشبه صوت فاطمة تماماً، رقيقاً، باكياً، ومستنجداً. ارتجف قاسم، ومال لا إرادياً بجسده نحو الأمام، واقتربت يده من حدود دائرة الرماد المحصنة.
"لا تتحرك!" صرخ عمار فجأة وهو يمسك بكتف قاسم بقوة ويسحبه للخلف. "إنها خدعة! تذكر ما قالته العجوز، لا تخرج من الدائرة ولا تلمس شيئاً!"
تراجع قاسم وهو يلهث، ناظراً إلى الدخان الذي تحول الآن إلى وجه شيطاني يضحك بسخرية قبل أن يتبدد ليعود ويتشكل من جديد. الجدران الحجرية للكوخ بدأت تنزف سائلاً أسود، ودرجة الحرارة انخفضت أكثر حتى بدأ الصقيع يغطي ملابسهما. كانت الكيانات تحاول اختراق الكوخ، تحاول تشتيت انتباه العجوز بضرب حصنها المادي.
في العالم السفلي، وصلت العجوز إلى نهاية الخيط المريض.
كان الخيط ينتهي عند بناء ضخم، أقرب إلى معبد مشيد من العظام السوداء والجماجم، يتوسط بحيرة من الطين المغلي. في قلب هذا المعبد، كانت توجد "العقدة" الأثيرية. لم تكن مجرد طلاسم مكتوبة، بل كانت عبارة عن قلب نابض، أسود وممتلئ بالمسامير الصدئة، يقطر منه ذلك السائل الأخضر المريض الذي يشكل الخيط المتصل بروح فاطمة.
لكن المشكلة لم تكن في العقدة نفسها... بل في الحارس الذي يقف فوقها.
"خادم المستشار".
كان الكيان ضخماً لدرجة تجعل العقل البشري يرفض استيعاب أبعاده. كان يتخذ هيئة ظلام مكثف، لا شكل نهائياً له، يتمدد وينكمش، تنبثق منه أذرع لا حصر لها تنتهي بمخالب تقطر سماً. في مكان الرأس، كانت هناك حفرة عميقة تدور فيها نيران حمراء قانية، كأنه نجم يحتضر في قاع مجرة ملعونة. كان صوته—عندما يتنفس—يشبه صوت انهيار جبل جليدي، وصمته يثقب طبلة الأذن.
توقفت العجوز خلف أحد الأعمدة العظمية، ترتجف بصيرتها من هول الحضور. كانت تعلم أنها إذا واجهته مباشرة، فسيمحوها من الوجود. كان عليها أن تصل إلى القلب الأسود النابض لتقرأ رموزه وتعرف أين خُبئ في العالم المادي، ومن الذي صنعه.
بدأت العجوز تتلو تعويذة التخفي المطلق، وهي أشد التعاويذ خطورة على الممارس، لأنها تسحب من طاقة روحه الخاصة. بدأ جسدها الأثيري يتلاشى، يتحول إلى مجرد ذبذبة شفافة لا تُرى ولا تُحس.
زحفت ببطئ شديد نحو المذبح. كل خطوة كانت تتطلب جهداً ذهنياً هائلاً لكي لا تنهار. اقتربت من خادم المستشار، ومرت من تحت أحد أذرعه الدخانية التي كانت تعبث بالقلب الأسود وتغرس فيه مسامير جديدة مسببة الألم لفاطمة في عالمها.
وصلت العجوز إلى العقدة. ركزت بصيرتها على القلب النابض، وقرأت الرموز المنقوشة بالدم الفاسد عليه.
انفتحت أمام بصيرتها رؤية متداخلة من العالم المادي: رأت مقبرة قديمة جداً، مهجورة، تقع على أطراف قرية زراعية لا يعرفها قاسم. رأت قبراً معيناً، شاهِده مكسور، نبتت حوله أشواك سوداء. رأت يداً بشرية، يد رجل، ترتدي خاتماً من الفضة منقوشاً عليه طلاسم، تقوم بدفن صُرة جلدية ملطخة بدم حيض ومرتبطة بشعر فاطمة، داخل فم جمجمة الميت في ذلك القبر.
ثم، رأت وجه الفاعل.
لم يكن ساحراً غريباً أو مشعوذاً يختبئ في الكهوف... كان شخصاً قريباً... قريباً جداً. وجهاً مألوفاً صدم العجوز لدرجة أنها شهقت لا إرادياً في عالمها الأثيري، متناسية تخفيها.
كان هذا الخطأ كافياً.
توقفت أذرع خادم المستشار عن الحركة. الحفرة النارية التي تمثل وجهه التفتت ببطئ شديد نحو المكان الفارغ الذي تقف فيه العجوز. التقطت حواسه الشيطانية ذبذبة الرعب البشري التي صدرت منها.
زأر زئيراً مزق سماء ذلك العالم السفلي، زئيراً لم يكن صوتاً بل موجة انفجارية من الكراهية الخالصة ضربت روح العجوز كإعصار مدمر.
"بشرية قذرة! كيف تجرؤين على دخول حرمي؟!"
تبدد تخفي العجوز فوراً، وظهر جسدها الأثيري وهو يحترق تحت وطأة نظرته النارية. انطلقت مئات الأذرع الدخانية نحوها كسهام قاتلة، تحاول التشبث بروحها لجرها إلى بحيرة الطين المغلي وابتلاعها للأبد.
أطلقت العجوز صرخة رعب أثيرية، وبدأت تتراجع بسرعة جنونية، مستخدمة كل ما تبقى لها من طاقة روحيّة لفتح بوابة العودة. كانت الأذرع تلاحقها، تمزق أطراف هالتها، تلسعها بنار باردة تذيب الجوهر.
في الكوخ المادي، وصلت المعركة إلى ذروتها الكارثية.
تغير لون السائل في المندل من الأسود إلى الأحمر القاني كدم يفور. بدأ الوعاء النحاسي يهتز بعنف ويصدر صريراً حاداً يصم الآذان. النار الزرقاء في الموقد انفجرت فجأة وتحولت إلى ألسنة لهب سوداء تلامس سقف الكوخ المنخفض.
بدأ جسد العجوز المادي ينتفض بعنف، كأن تياراً كهربائياً عالي التوتر يمر عبرها. انفتحت عيناها البيضاوان عن آخرهما، وبدأ الدم يتدفق منهما كشلالين داكنين، يغطي تجاعيد وجهها ويتقاطر على ثوبها.
"قاسم!" صرخ عمار وهو يضع يديه على أذنيه محاولاً حجب الأصوات الشيطانية التي باتت تملأ الكوخ، أصوات ضحكات، وصراخ، وزئير وحوش.
كان قاسم يراقب الوعاء برعب. رأى وجهاً دخانياً ضخماً يحاول الخروج من السائل الداكن، وجهاً بحفرتين ناريتين بدلاً من العيون. كان الكيان يحاول العبور من خلال المندل خلف العجوز لتمزيقها في عالمها المادي.
"اكسره! اكسر الوعاء يا قاسم!" سمع قاسم صوتاً يتردد في أعماق عقله، صوت العجوز الذي كان يضعف ويتلاشى، تستنجد به في آخر محاولة لقطع الاتصال بين العالمين.
لم يتردد قاسم. متجاهلاً كل التحذيرات السابقة بعدم التحرك، وبدافع غريزي بحت لإنقاذ المرأة التي خاطرت بروحها من أجله، قفز قاسم إلى الأمام داخل دائرة الرماد، وركل الوعاء النحاسي الثقيل بكل قوته بحذائه الغليظ.
طار الوعاء في الهواء وارتطم بالجدار الصخري المقابل، لينسكب السائل الأحمر الفائر على الأرضية وتتطاير أبخرته المسمومة.
في لحظة ارتطام الوعاء وانسكاب السائل، انكسر المندل وانقطع الاتصال.
تبدد الدخان الأسود في الكوخ فوراً. انطفأت النيران الخضراء، وعاد لهب الموقد إلى لونه الطبيعي الباهت ثم انطفأ تماماً تاركاً فقط توهج الجمرات الحمراء. توقفت الأصوات الشيطانية، وعاد الصمت الثقيل ليطبق على المكان.
هوى جسد العجوز إلى الخلف بقوة، واصطدم رأسها بالأرضية المغطاة بالرماد، وبقيت ممددة بلا حراك، والدم يغطي وجهها بالكامل.
نهض قاسم بسرعة وتجاهل الدائرة المحطمة، وركض نحوها، تبعه عمار الذي كان يبكي من شدة التوتر العصبي الذي تعرض له. جثا قاسم بجوار العجوز، ومسح الدم عن وجهها بيديه المرتجفتين. كان تنفسها ضعيفاً جداً، ومتقطعاً، وجسدها بارداً كقطعة جليد.
"يا حاجة... أرجوكِ، تماسكي!" همس قاسم وهو يرفع رأسها قليلاً.
بعد ثوانٍ بدت كالدهر، سعلت العجوز بقوة، وبصقت دماً أسود على الأرض. فتحت عينيها البيضاوين، اللتين فقدتا بريقهما المخيف وبدتا الآن كعيني شخص يحتضر. تنفست بصعوبة بالغة، ورفعت يدها المرتجفة لتمسك بياقة معطف قاسم وتجذبه نحوها بقوة مدهشة لا تتناسب مع حالتها.
"لقد... رأيتها..." همست العجوز بصوت يختلج، وصدرها يخشخش مع كل حرف. "رأيت... العقدة".
اقترب قاسم أكثر ليلتقط كل حرف، وقلبه يكاد يطير من الأمل الممزوج بالرعب.
"المقبرة المنسية... في قرية 'وادي الحجر'... تحت قبر 'الولي المجهول'..." كانت الكلمات تخرج منها كقطرات الماء من بئر ناضبة. "الجمجمة... الصرة في فمها... يجب أن تحترق... قبل أن يكتمل القمر القادم... وإلا سحبها خادم المستشار معه".
"قرية وادي الحجر؟" ردد قاسم الاسم ليحفره في ذاكرته. "سأذهب فوراً. سأحرقها. لكن... من فعل هذا؟ هل رأيتِ من عقد السحر؟"
ابتلعت العجوز ريقها الممزوج بالدم، ونظرت إليه بتلك الأعين العمياء التي تحمل الآن شفقة وحزناً يفوقان حزن الموت. ارتجفت شفتاها وهي تنطق بالكلمات الأخيرة قبل أن تفقد وعيها تماماً.
"أقرب الناس... أشد الطعنات... ابحث عن الخاتم الفضي المنقوش... في يد... عمها".
سقطت يد العجوز عن معطف قاسم، وغابت عن الوعي. بينما جلس قاسم في وسط الرماد، وقد تجمد الدم في عروقه. عمها؟ الرجل الذي كان يبكي معهم في البيت الكبير؟ الرجل الذي جلب لهم أول شيخ ليعالجها؟.
في تلك اللحظة، وسط الكوخ المظلم ورائحة الدم والكبريت، أدرك قاسم أن المعركة الحقيقية لم تكن مع شياطين العالم السفلي فقط... بل مع شياطين الإنس الذين يشاركونهم رغيف الخبز.
prince Egotist