كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل بساعتين عندما أطفأ عمار مصابيح السيارة السفلية، ليتسلل الظلام الدامس ومعه صمت مطبق إلا من صوت المطر الغزير الذي كان يضرب أسطح المقبرة القديمة في تلك القرية. لم تكن المقبرة شاسعة، بل كانت شريطاً ضيقاً من الأرض المهجورة، تحيط بها أشجار السدر الميتة وأسوار حجارة متداعية كادت تطمرها الأعشاب الشوكية. المكان يفوح برائحة الطين العفن، والتراب المبلل المحتجز تحت وطأة عقود من النسيان.
نزل قاسم من السيارة بحركة حاسمة، ممسكاً بمصباح يدوي قوي وفأس صغيرة وحقيبة جلدية ثقيلة تحوي قارورة من الوقود ومزيجاً من الملح الخشن والزيوت والعقاقير التي قدمتها له العجوز قبل انهيارها. كان وجهه مشدوداً، كأنه قُدّ من صخر، لم تعد عينوه تعكسان ذلك المهندس المدني الحذر الذي يزن خطواته بالمسطرة والقلم، بل حلّ محلهما بريق حاد ومستعد للمواجهة الهوجاء. تبع عمار صديقه بخطوات مرتجفة، يحمل مجرفة حفر يدوية، ويتلفت حوله في كل اتجاه، حيث كانت ظلال شواهد القبور تبدو تحت بريق البرق الخاطف وكأنها حراس مقطوعو الرؤوس ينتظرون الدخلاء.
توقف قاسم في قلب المقبرة، وركز شعاع مصباحه على زاوية منسية يسورها نبات الشوك البري. هناك، عند أطراف القبور القديمة، انتصب شاهد تآكلت ملامحه، لم تتبقّ منه سوى شواهد متكسرة تُعرف محلياً باسم "قبر الولي المجهول". كانت درجة الحرارة قد انخفضت في هذه البقعة بالذات بشكل ملموس، حتى باتت أنفاس الرجلين تخرجان كبخار متكاثف، وصار الهواء ثقيلاً، نفاذاً برائحة كبريتية خفيفة تُذكر قاسم فوراً بغرفة فاطمة.
"هنا..." همس قاسم، ونبرته تمزق ثقل السكون. "هذا هو المكان الذي دُنّس فيه جسدها وروحها".
جثا قاسم على ركبتيه فوق الطين، وبدأ يزيح الأعشاب الشوكية بيده المغطاة بقفاز سميك دون أن يبالي بالأشواك. أخذ المجرفة من عمار وبدأ يضرب التراب المبلل بحركات سريعة ومتلاحقة. كان صوت ضربات المعدن في التراب البارد يتردد بين شواهد القبور بكآبة مريعة. كأن الأرض نفسها كانت تقاوم الحفر، وتأبى أن تلفظ ذلك السر الملعون الذي غُرس في جوفها.
مع كل بوصة يغوص فيها قاسم في التراب، كان الضغط الجوي يتزايد حولهما. بدأت شعلة المصباح اليدوي تذبذب بطريقة غير طبيعية، وسمع عمار حفيفاً يشبه همسات بشرية متداخلة تأتي من بين الأشجار الميتة. تراجع عمار خطوة إلى الخلف وضم القارورة التي يحملها إلى صدره، وهو يتلو آيات حماية بصوت متهدج: "قاسم... الكيانات تعرّفت على وجودنا. المكان ليس خالياً، هناك من يحرس هذه التربة!"
"ليحرسوها كما يشاؤن!" صرخ قاسم وهو يواصل الحفر بغضب أعمى. "لن أخرج من هنا إلا بذبح هذا العقد أو أن أُدفن بجواره!"
على عمق متر تقريباً، ارتطمت المجرفة بشيئ صلب أصدر صوتاً أجوفاً. توقف قاسم، وخبث أنفاسه، ثم جثا على يديه وركبتيه ليبعد التراب بأصابعه. برزت من بين الطين المظلم جمجمة بشرية قديمة، ناصعة البياض رغم رطوبة الأرض. لكن المشهد الذي شلّ حركة قاسم لثوانٍ لم يكن الجمجمة ذاتها، بل ما كان محشوراً داخل فكها الأسفل.
كان الفك المفتوح بحدّة محشوراً داخل "صرة جلدية" سوداء، مربوطة بإحكام بسلسلة من الخيوط السوداء المعقودة ومغروزة فيها عشرات الإبر الصدئة، وملفوفة بكتلة خصلات شعر أسود كالح... شعر فاطمة. من قلب الصرة الجلدية، كانت تترشح مادة لزجة ذات لون أخضر مريض، تصعد منها رائحة عفونة شديدة السموم، جعلت عمار يتقيأ إثر استنشاقها.
في تلك اللحظة بالذات، وعلى بُعد عشرات الكيلومترات في قلب المدينة، داخل "البيت الكبير"، كانت فاطمة ممددة على سريرها في الغرفة العلوية المغلقة. كانت الغرفة غارقة في صمت الليل، والجد يجلس في الطابق السفلي يغالب نومه المحموم، بينما طارق وزوجته سعاد يقفون في ممر الطابق الثاني يتبادلون نظرات التوتر القاتل. فجأة، وانقضاضاً على هذا الصمت، انبعث من غرفة فاطمة صوت اهتزاز عنيف، وكأن زلزالاً ضرب أركان الغرفة وحدها.
ارتفع صراخ فاطمة. لم يكن صراخاً بشرياً مألوفاً، بل كان خواراً شق حجب الليل، صوتاً يدمج بين بكاء امرأة في قاع البئر وزئير كائن حيواني ضخم يتمزق أحشاؤه. استيقظ الجد فزعاً، وركض طارق وسعاد نحو الباب المغلق. داخل الغرفة، كان جسد فاطمة المربوط بالحبال على السرير يرتفع في الهواء بالكامل، متقوساً إلى الخلف حتى كادت فقرات ظهرها تتكسر، بينما كانت عيناها المنقلبتان إلى البياض المطلق تنضحان بسائل أسود داكن يسيل على وجنتيها.
على يد طارق اليمنى، في تلك اللحظة بالذات، بدأت حلقة موضع الخاتم الفضي المنقوش تشتعل بحرارة كاوية. صرخ طارق ونزع الخاتم بعنف وسقطه على الأرض، ليجد جلد اصبعه الخنصر قد احترقت واكتست بلون أسود متفحم. تراجعت سعاد إلى الخلف ويدها على فمها، وقد أدركت أن غطاء الخفاء قد سقط، وأن العقد السحري الذي عقدوه في الظلام يتعرض لهجوم مدمر، بحثا عن الخاتم و لكن لم يكن هناك، وكأن يدا خفية قد أخفته من الوجود.
بالعودة إلى مقبرة "وادي الحجر"، لم يضيع قاسم ثانية واحدة. أمسك بالجمجمة من أعلاها، وحاول سحب الصرة الجلدية من بين فكيها، لكن الفك كان مديناً كأنه مصبوب من حديد، يرفض الإفراج عن ما في داخله.
"عمار! افتح الحقيبة وسكب الوقود فوراً!" صرخ قاسم، بينما كانت الظلال حول المقبرة تتكاتف وتتجسد في هيئة أطياف سوداء عالية، تزحف فوق القبور نحو الدائرة التي يقفون فيها. بدأت الرياح تعصف بشدة، واقتنعت أغصان السدر لتضرب وجوههم كأشواك جائعة.
أخرج قاسم السكين الحادة التي جلبها معه، والمبللة بالملح والزيت المبارك، وبدأ يقص الخيوط السوداء المعقودة حول الصرة الجلدية خطوة بخطوة. مع كل خيط يقطعه قاسم، كان هناك صوت انفجار خافت يخرج من جوف الصرة، ورائحة شياطين تحترق تشق الأثير، وكان المطر المتساقط فوقهم يتحول بمجرد ملامسته للتراب المحيط بالمقبرة إلى بخار حار.
قَطَعَ الخيط الأول... فسُمع في "البيت الكبير" صوت تكسر أثاث الغرفة العلوية، وسقوط فاطمة بقوة على أرضية الغرفة وهي تخور وتحاول نهش الحبال بأسنانها.
قَطَعَ الخيط الثاني والثالث... فبدأت الإبر الصدئة تخرج غريزياً من جلد الصرة وتتساقط في الطين، وكأن يد شيطانية تخفيها كانت تُنسحب خائبة.
وعندما وصل قاسم إلى الخيط السابع والأخير-خيط الشعر المربوط بعقدة دموية-تجمعت الطاقة السفلية في المقبرة لترسم فوق القبر طيفاً هائلاً لـ "خادم المستشار"، ذلك الظل المظلم المتعدد الأذرع الذي رأته العجوز في المندل. تشكلت حفرتان من النار الباردة في الهواء، وصدر صوت أجش يتردد في رأس قاسم مباشرة: "اترك ما ليس لك يا ابن التراب... وإلا أخذنا روحك بدلاً منها!"
ارتجفت يدا قاسم لجزء من الثانية تحت تأثير الثقل الروحي الذي كاد يجعله يفقد وعيه، لكن صورة وجه فاطمة الشاحب، ونقاء حبها، ووجه طارق الخائن، مرّت في مخيلته كالشرارة. صرخ قاسم بأعلى صوته، صرخة تحررت من كل خوف وتردد، وهوى بالسكين بقوة على الخيط الأخير فقصّه من جذوره.
انحلّ الفك العظمي للجمجمة فجأة، وسقطت الصرة الجلدية في حفرة التراب.
"الآن يا عمار! صب الوقود!"
أسكب عمار قارورة البنزين بالكامل فوق الجمجمة، والصرة الجلدية، وخصلات الشعر. تناول قاسم القداحة، واشتعلت الشرارة الأولى.
بمجرد أن لامست النار البنزين، لم تشتعل بنار حمراء عادية، بل انفلقت الشعلة إلى لهب بنفسجي وأزرق متوهج، يمتص الظلام من حوله. انبعثت من النار صرخة جماعية، صرخة مئات الأرواح الملعونة والكيانات الخادمة وهي تتفحم داخل العقدة المحترقة. بدأ الجلد يتقلص، وتتحول الورقيات والطلاسم المكتوبة بدم الحيض والنجاسة إلى رماد رمادي يتطاير في الهواء الماطر.
في نفس اللحظة المؤثرة في "البيت الكبير"، اهتزت الجدران الحجرية للمنزل العتيق حتى ظن الجد أن السقف سيهدم عليهم. أصدرت فاطمة صرخة الخلاص الأخيرة-صرخة حادة، طويلة، ومزلزلة-خرجت معها من فمها سحابة كثيفة من الدخان الأسود والسائل الداكن المقزز الذي رُش على أرضية الغرفة. وفي لحظة واحدة، انكسرت السلاسل الأثيرية، وتهاوى جسد فاطمة فوق السرير، لا يعلوه حركة ولا حراك، سوى صدرها الذي بدأ يعلو ويهبط ببطئ ونظام، ونفسها الذي عاد ناعماً، زكياً، وخالياً من أي شائبة كبريتية.
تلاشت الكدمات السوداء التي كانت تأخذ شكل أصابع ضخمة عن جسدها في ثوانٍ معدودة، وأشرق وجهها الأبيض الشاحب بنور الإسترخاء والاستراحة، وكأنها استيقظت للتو من كابوس استمر ألف عام.
سقط طارق في الممر خارج الغرفة على ركبتيه، يمسك بيده المحترقة وهو يلهث برعب، بينما انهارت سعاد بجواره تبكي بهستيريا، فقد شعرا بأن الطاقة السحرية التي كانت تمدهما بالسلطة والسيطرة قد ارتدت عليهما، وخلّفت في أرواحهما فراغاً مسموماً لا يمكن شفاؤه.
في المقبرة المهجورة، كانت النار البنفسجية تخمد تدريجياً، حتى لم يتبقَّ داخل الحفرة سوى رماد ناعم وكسر عظيمة متفحمة من الجمجمة. تهاوى الكيان السفلي وتبددت أطيافه في الهواء، وعادت الرياح لتكون مجرد نسيم ليل رطب، وتوقف المطر ليحل محله هدوء سكوني رائع.
سقط قاسم على ركبتيه فوق التراب المبلل، يلهث بشدة، والرماد يغطي وجهه ويديه. نظر إلى الحفرة، ثم رفع بصره نحو السماء التي بدأت غيومها الرمادية تتفرق لترسم شقوقاً من النور الفجري الأول.
اقترب عمار منه، ووضع يده على كتفه، وهذه المرة كانت يده ثابتة وقوية. "لقد انتهى الأمر يا قاسم... العقدة احترقت، والعهد انكسر".
التفت قاسم إلى صديقه، ورغم التعب المفرط والألم الجسدي والنفسي الذي كان يعتصره، التمعت في عينيه نظرة من الصلابة القاطعة.
"انتهت المعركة مع العالم السفلي يا عمار..." قال قاسم وهو ينهض ببطئ، ويمسح الرماد عن وجهه. "... لكن حساب الأرض قد بدأ للتو. حان الوقت ليرى العم طارق ثمن خيانته".
انطلقت السيارة عائدة نحو المدينة، تطوي الطريق الترابي والسريع، تشق ظلام الليل الذي بدأ ينهزم أمام تباشير الصباح. كان قاسم يعلم أن فاطمة تنام الآن بسلام لأول مرة منذ أشهر، لكنه كان يعلم أيضاً أن فك العقد وحرق العهود لم يكن سوى نصف الطريق، وأن النصف الآخر يتطلب إحقاق الحق، واقتلاع أفاعي الإنس من البيت الكبير قبل أن تعاود النفث في زواياه.
prince Egotist