تحت تلك الأغطية الثقيلة، حيث تنعدم الرؤية ويصبح الظلام ملموساً، رقدت "فاطمة" متكورة حول نفسها كجنين يبحث عن رحم آمن في عالم ينهار. كان الثقل الذي هبط على طرف سريرها لا يزال مستقراً هناك، يضغط على المرتبة القطنية، ويبعث في الأجواء تلك الأنفاس اللزجة والمتقطعة. لم تكن تجرؤ على تحريك أنملة، ولم تكن تجرؤ حتى على ابتلاع ريقها الجاف خوفاً من أن يصدر صوتاً يكسر هذا التوازن المرعب.
مرت الدقائق وكأنها قرون. ومع كل ثانية تمر، كان جسدها يستهلك مخزونه الأخير من الأدرينالين. الخوف المطلق، عندما يستمر لفترة طويلة، يتحول إلى سم يخدر الأعصاب. لم يعد عقلها قادراً على معالجة حجم الرعب المحيط بها، فبدأت آليات الدفاع البيولوجية في العمل. رغماً عنها، ورغماً عن رعبها من الكيان الجالس عند قدميها، بدأ وعيها يتلاشى تدريجياً. انسحب عقلها إلى قاع مظلم، ساحباً إياها في غيبوبة نوم ثقيل، نوم لم يكن راحة، بل كان بوابة أخرى أُعدت خصيصاً لاستقبالها في جحيم من نوع آخر.
كانت بداية الهلاوس. السحر الذي عُقد بالدماء والنجاسة لم يكن يستهدف جسدها فقط، بل كان كطفيلي خبيث يتغذى على كيميائها الدماغية، يشوه موجاتها العصبية، ويعيد رسم خريطتها الإدراكية.
وجدت فاطمة نفسها تقف في منتصف الحوش الداخلي للبيت الكبير. كل شيء كان يبدو طبيعياً للوهلة الأولى، لكن كان هناك خلل ما، خلل مريض لا تخطئه العين. السماء فوق الفناء المفتوح لم تكن زرقاء ولا سوداء مرصعة بالنجوم، بل كانت بلون اللحم المتكدم، أرجوانية داكنة تميل إلى السواد، وكأنها سماء مصابة باختناق. لم يكن هناك أي صوت، لا حفيف أشجار الحديقة، ولا همهمات الخدم، ولا ضجيج الشارع الخارجي. صمت مطبق، ثقيل، يشبه الصمت الذي يسبق العواصف المدمرة.
حاولت المشي نحو باب غرفتها في الطابق العلوي، لكن الأرضية الرخامية تحت قدميها كانت لينة، نابضة، وكأنها تمشي على طبقة من اللحم الحي المغطى بطبقة رقيقة من الجلد البارد. كلما خطت خطوة، كان الرخام ينضغط تحتها مصدراً صوتاً لزجاً ومقززاً.
فجأة، من الزاوية المظلمة أسفل الدرج الخشبي، سمعت صوت احتكاك. خشخشة بطيئة، كأن شيئاً يُسحب على الأرض بصعوبة. تسمرت في مكانها، وعيناها معلقتان بتلك الزاوية التي لم يكن يصل إليها أي نور.
من بين الظلال، زحف الكابوس إلى دائرة الضوء الخافت.
لم يكن بشراً، ولم يكن حيواناً يعرفه العقل الطبيعي. كان كياناً مشوهاً، هجيناً بشعاً يجمع بين هيئة كلب ضخم وماعز أسود، لكنه كان يفتقر إلى التناسق الذي خلقه الله. أطرافه كانت ملتوية بطريقة مستحيلة، مفاصله تنثني إلى الخلف كعنكبوت مكسور، وجسده مغطى بشعر خشن تفوح منه رائحة الدم الفاسد والتراب الرطب. كان يزحف على بطنه تارة، وينهض على أطرافه المشوهة تارة أخرى، وكل حركة يقوم بها يصاحبها صوت طقطقة عظام مروعة.
لكن الرعب الحقيقي الذي شلّ روح فاطمة في منامها لم يكن في هيئة الجسد، بل في الرأس. عندما رفع ذلك الكائن رأسه نحوها، كاد قلبها يتوقف. لم يكن يمتلك وجه حيوان، بل كان وجهه مسطحاً، مغطى بندوب غائرة، وعيناه... كانت عيوناً بشرية.
عيون واسعة، بنية، تفيض بالدموع، عيون مألوفة جداً لكنها لم تستطع تمييز صاحبها، تنظر إليها بنظرات تترنح بين التوسل والخبث الشيطاني الحاقد. فتح الكائن فمه المشقوق الذي يخلو من الشفاه، لتظهر صفوف من أسنان إبرية سوداء. لم يصدر نباحاً أو عواءً، بل خرجت من جوفه صرخة... صرخة امرأة تبكي بحرقة، صرخة بشرية خالصة تردد صداها في جدران البيت الكبير الميتة.
اندفع الكائن نحوها بسرعة خيالية لا تتناسب مع أطرافه المكسورة، فاتحاً فكه البشع ليلتهم وجهها.
شهقت فاطمة بقوة وانقذفت من قاع النوم إلى سطح الوعي. انتفضت في سريرها وكأن تياراً كهربائياً عالياً ضرب صدرها. كانت تجلس بزاوية قائمة، تلهث بشدة، وتشفط الهواء وكأنها غريقة طفت للتو على سطح الماء. كان العرق البارد يغطي جبهتها، وخصلات شعرها ملتصقة بوجهها ورقبتها التي كانت تنبض بعنف.
نظرت حولها بهلع. الغرفة كانت هادئة. الأغطية مبعثرة حولها. اختفى ذلك الثقل من على طرف السرير، واختفى صوت الأنفاس الأجش. لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من شقوق الستائر، ليرسم خطوطاً فضية باهتة على أرضية الغرفة.
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والربع فجراً.
"إنه مجرد كابوس... مجرد كابوس بشع"، همست لنفسها بصوت يرتجف، محاولة استحضار كل ذرة من المنطق المتبقي في عقلها. "قاسم محق، التوتر يأكل أعصابي، وزوجات أعمامي نجحن في تدمير سلامي الداخلي. أنا بخير... أنا في غرفتي الآمنة".
أزاحت الأغطية ببطئ، وأنزلت قدميها الحافيتين لتلامس السجادة. كانت بحاجة ماسة لغسل وجهها بالماء البارد، لغسل بقايا ذلك الحلم اللزج الذي لا يزال عالقاً في ذاكرتها البصرية. وقفت بصعوبة، وكانت ركبتاها ترتجفان من الضعف.
بينما كانت تمشي باتجاه الحمام الملحق بغرفتها، حدث التغير الأول في إدراكها البصري.
كانت عيناها مثبتتين على باب الحمام أمامها، لكن في زاوية رؤيتها اليمنى، في أقصى الطرف المحيطي لمجال بصرها، التقطت حركة سريعة. ظل أسود، طويل ونحيل بشكل غير طبيعي، انزلق بسرعة من خلف خزانة الملابس إلى زاوية الغرفة المظلمة.
استدارت فاطمة بسرعة البرق نحو الزاوية، وقلبها يخفق كالطبول. نظرت بتركيز شديد. لم يكن هناك شيء. فقط الخزانة الخشبية الثقيلة، والجدار الفارغ، والظلال الطبيعية للغرفة.
ابتلعت ريقها، وأرجعت رأسها للأمام متجهة للحمام مجدداً. وما إن ركزت بصرها للأمام، حتى حدثت الحركة مرة أخرى، ولكن هذه المرة في زاوية رؤيتها اليسرى. كتلة من العتمة، تبدو وكأنها شخص يجلس القرفصاء فوق سلة المهملات، اهتزت بقوة وتلاشت بمجرد أن أدارت رأسها نحوها بخوف.
"لا، لا، لا..." بدأت تهمس بهيستيريا خفيفة، وهي تفرك عينيها بقوة حتى آلمتها. "أنا أتوهم، هذه مجرد خدع بصرية بسبب الإرهاق وانتقال العين من الظلام إلى النور".
أسرعت بخطواتها، واقتحمت الحمام الصغير، وأغلقت الباب خلفها وتأكدت من إحكام قفله. أضائت المصباح الذي كان نوره الأبيض القوي يبعث على بعض الطمأنينة. فتحت صنبور المياه الباردة، وبدأت تغرف الماء بيديها وتلقي به على وجهها مرة تلو الأخرى، محاولة إيقاظ حواسها وطرد تلك الظلال المتراقصة من دماغها.
رفعت رأسها والماء يتقاطر من رموشها وذقنها، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة فوق الحوض. هذه المرة، كان انعكاسها طبيعياً، يتحرك كما تتحرك هي. أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تستعيد بعض هدوئها.
لكن الطمأنينة لم تدم سوى لثوانٍ معدودة.
بينما كانت تنظر إلى عينيها في المرآة، بدأت الإضائة البيضاء للحمام تخفت تدريجياً، وكأن شخصاً يخفض مستوى التيار الكهربائي ببطئ متعمد. عاد اللون الأصفر المريض ليغزو رؤيتها. وفي المرآة، لمحت شيئاً يتحرك خلفها. ستارة حوض الاستحمام البلاستيكية البيضاء كانت تنتفخ ببطئ، وكأن شخصاً يقف خلفها ويدفعها بظهره.
تسمرت فاطمة في مكانها، وعيناها مثبتتان على المرآة، تراقب الستارة. لم تجرؤ على الالتفاف. استمرت الستارة في الانتفاخ حتى برز منها شكل واضح لوجه يضغط على البلاستيك من الداخل. شكل أنف، تجاويف عينين، وفم يفتح ببطئ كأنه يصرخ صرخة صامتة.
صُدمت، تراجعت خطوة للوراء حتى التصق ظهرها بباب الحمام الموصد. التفتت بسرعة نحو حوض الاستحمام الحقيقي.
كانت الستارة ساكنة تماماً، لا تتحرك، ولا يوجد خلفها أي شيئ.
شعرت فاطمة بأن عقلها يتمزق. الجدار الفاصل بين الواقع والهلوسة قد انهار بالكامل. لم تعد قادرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو نتاج لسحر شيطاني يعبث بنواقلها العصبية. لم يعد الحمام آمناً. فتحت الباب واندفعت عائدة إلى غرفتها كالمجنونة، وارتمت على سريرها مجدداً، ساحبة الأغطية حتى ذقنها.
"يا رب... يا رب ساعدني"، كانت تبكي بصوت مسموع هذه المرة، دموع ساخنة تحرق وجنتيها. "قاسم... جدي... أي شخص، أخرجوني من هنا".
استلقت على ظهرها، محاولة تنظيم أنفاسها المتهدجة. كانت الغرفة تدور بها بصمت. بقيت عيناها مفتوحتين، تحدقان في سقف الغرفة الأبيض، محاولة العثور على نقطة تركيز ثابتة لتمنع هذا الدوار المرعب.
ولكن السقف لم يكن ثابتاً.
في البداية، اعتقدت أن الدموع العالقة في رموشها هي التي تشوه الرؤية. رمشت عدة مرات لمسحها، لكن المشهد لم يتغير. الطلاء الأبيض للسقف بدأ يفقد قسوته وصلابته. بدا وكأنه يتحول إلى مادة مرنة، تشبه المطاط أو الجلد البشري المشدود. بدأ السقف يتموج ببطئ، صعوداً وهبوطاً، متزامناً تماماً مع إيقاع أنفاسها، وكأن الغرفة نفسها تتنفس معها.
اتسعت عينا فاطمة برعب خالص، وعجزت حتى عن الصراخ.
بدأت تظهر في وسط السقف المتموج نتوئات صغيرة، تضغط إلى الأسفل، كأن شيئاً يحاول اختراق هذا الغشاء من الطابق الأعلى. النتوئات بدأت تأخذ شكلاً محدداً... كانت أشكال وجوه.
وجه تلو الآخر بدأ يبرز من السقف، يتدلى نحتياً من الطلاء الأبيض المرن. لم تكن وجوهاً طبيعية؛ كانت وجوهاً بلا ملامح. لا عيون، لا أنف، لا فم. مجرد كتل لحمية بيضاء وملساء تحمل انحنائات الجمجمة البشرية، وتجويفات غائرة حيث يجب أن تكون الأعضاء. كانت تلك الوجوه المشوهة تضغط بقوة على مادة السقف، تتدلى لأسفل وكأنها تحاول الوصول إليها، تسترق النظر إليها بعمى مرعب ومقزز.
واحد، اثنان، خمسة، عشرة... العشرات من هذه الوجوه الصامتة والعمياء برزت من السقف، تغطي المساحة التي تعلو سريرها بالكامل. كانت تتحرك بحركة لولبية بطيئة، تلتفت يميناً ويساراً كأنها تتشمم رائحة خوفها، وتراقبها دون عيون.
الشلل التام أصاب جسد فاطمة مجدداً. أرادت أن ترفع يديها لتغطي عينيها، لتمنع هذا المشهد الكابوسي من حفر نفسه في قشرة دماغها، لكن ذراعيها كانتا كأعمدة من رصاص. أرادت أن تصرخ، أن توقظ البيت بأسره، لكن حبالها الصوتية كانت مشلولة بالكامل.
اكتفت بالبقاء مستلقية على ظهرها، أسيرة تحت سقف يعج بكيانات الجحيم الصامتة. دموعها تنساب ببطئ على جانبي وجهها لتغرق وسادتها، بينما كانت تلك الوجوه الملساء تستمر في الضغط والتدلي، مقتربة شيئاً فشيئاً، تحمل معها وعداً واحداً لا لبس فيه: هذه الغرفة لم تعد لكِ، وهذا العقل لم يعد ملككِ، نحن هنا، وفي زوايا الرؤية وفي قلب الظلام... نحن من سيحصد جنونكِ قطرة بقطرة.
prince Egotist