المستشار.

المستشار.

26 0

انسدلت ستائر الليل فوق القمة بثقل لم تعهده الجبال من قبل. لم يكن ليلاً عادياً تضيئه النجوم أو يكسره ضوء قمر خجول، بل كان ظلاماً كثيفاً، يبتلع المسافات ويمحو ملامح الوجود. في قلب هذه العتمة المطلقة، كان الكوخ الحجري يقبع كوحش جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة، معزولاً عن العالم البشري، ومقطوعاً عن أي رحمة قد تتنزل من السماء. الرياح التي كانت تعوي في الخارج لم تكن تحمل برودة الشتاء المعتادة، بل كانت محملة برائحة التراب الرطب، وعفونة القبور المفتوحة، وصوت أنين مكتوم يبدو وكأنه ينبعث من جوف الصخور ذاتها.

داخل هذا الكوخ، كانت العجوز تتحرك بخطوات مثقلة بوزن السنين وعبئ الخطيئة. جسدها النحيل، الذي كان يوماً ما ينبض بطاقة سفلية ترهب العتاة، أصبح الآن مجرد هيكل عظمي يكسوه جلد مجعد ومرتعش. كانت تدرك تماماً أن قانون العالم السفلي لا يرحم، وأن الخيانة-حتى وإن كانت بدافع الصحوة المتأخرة أو شفقة عابرة على فتاة بريئة-لها ثمن واحد فقط. المستشارون لا يغفرون، والكيانات التي سخرتها طوال حياتها قد رفعت عنها غطاء الحماية، وتركتها عارية في مواجهة عاصفة الانتقام.

أغلقت العجوز النافذة الخشبية الوحيدة في الكوخ، ودفعت بالمزلاج الحديدي الصدئ بكل ما أوتيت من قوة متبقية. ثم اتجهت نحو الباب الرئيسي، ذلك الباب المصنوع من خشب السنديان العتيق والذي طالما كان يفصل بين عالمها المظلم وعالم البشر.

أنزلت العارضة الخشبية الثقيلة لتغلقه بإحكام، ثم وقفت تلهث وسط سكون الكوخ الذي لا يقطعه سوى طقطقة حطب يائس يحترق في الموقد الحجري. كانت النيران تلقي بظلال راقصة ومشوهة على الجدران، ظلالاً بدت وكأنها تستطيل وتقترب منها لتسخر من محاولاتها البائسة للنجاة.

لم تكن العارضة الخشبية ولا المزاليج الحديدية كافية لصد ما هو قادم. كانت العجوز تعرف أن الخطر الذي يزحف نحوها لا يعترف بالموانع المادية. لذا، لم يكن أمامها سوى اللجوء إلى السلاح الأخير، السلاح الذي طالما احتفظت به للحظات اليأس المطلق: دماء العهد القديم.

اتجهت نحو رف خشبي متهالك في زاوية الكوخ، والتقطت شفرة نحاسية صدئة ومقبضها ملفوف بجلد ماعز أسود. جلست على ركبتيها أمام الباب الرئيسي، ورفعت كم ثوبها المهترئ لتكشف عن ذراعها المليئة بالندوب القديمة. بيد مرتجفة لكنها حازمة، مررت الشفرة النحاسية على باطن كفها الأيسر. لم تشعر بالألم، فقد تبلدت حواسها من فرط الرعب البارد الذي سكن أحشائها. تدفق الدم، داكناً، كثيفاً، تفوح منه رائحة الحديد والشيخوخة.

غمست أصابعها المعتمة في دمائها الحارة، وبدأت ترسم على خشب الباب طلاسم حماية قديمة، رموزاً سريانية معقدة، ودوائر متداخلة تقطعها خطوط متعرجة تشبه البرق. كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة، تعاويذ منسية ابتلعها الزمن، تحاول استدعاء أي طاقة أرضية متبقية لتشكل درعاً حول كوخها. مع كل رمز ترسمه، كانت تشعر بجزء من طاقة حياتها يتسرب إلى الخشب، وكأن الباب يمتص روحها ليتحول إلى جدار عازل. انتقلت من الباب إلى إطارات النوافذ، ثم إلى عتبات الكوخ، تنزف وترسم، تلهث وتتعوذ، حتى تلطخت جدران الكوخ بالكامل بالنقوش الدموية التي بدأت تتوهج بوميض أحمر خافت تحت ضوء النار.

جلست العجوز على الأرض الترابية في منتصف الكوخ، تراقب الموقد وتنتظر. كانت الدماء قد جفت على يديها، وتشكلت قشرة قاسية ومؤلمة، لكنها لم تهتم. كانت عيناها معلقتين بألسنة اللهب التي كانت تمثل آخر معاقل الحياة والدفئ في هذا القبر الحجري.

فجأة، وبلا أي مقدمات، سقط صمت مرعب على المكان. توقف عواء الرياح في الخارج، وتلاشت أصوات الحشرات الليلية، وحتى طقطقة الحطب تلاشت كأنها لم تكن. أصبح الصمت ثقيلاً لدرجة أنه كاد يفجر طبلتي أذنيها. وفي خضم هذا السكون المميت، بدأ الهواء داخل الكوخ يتغير. انخفضت درجة الحرارة بشكل حاد ومفاجئ، وكأن الكوخ قد نُقل بأكمله إلى قلب جبل من الجليد. تشكلت سحابة من البخار الأبيض مع كل زفير يخرج من صدرها المتهدج.

نظرت إلى الموقد. كانت النيران تكافح، تتلوى وتتضائل أمام ضغط غير مرئي. تحول لون اللهب من البرتقالي الدافئ إلى أزرق شاحب، ثم إلى بنفسجي مريض، قبل أن ينطفئ تماماً في جزء من الثانية. لم يتبق سوى جمر أحمر خافت، سرعان ما اكتسى بطبقة من الرماد الأسود ومات هو الآخر. غرق الكوخ في ظلام دامس، أعمى، لا يخترقه سوى الوهج الأحمر الشاحب جداً للطلاسم الدموية المنقوشة على الجدران.

أدركت العجوز حينها أن الحماية قد سقطت. الدم لا ينفع عندما يكون الخصم هو الموت ذاته.

في ذلك الظلام، بدأ الرعب الحقيقي يتجسد. من خارج الكوخ، ومن بين صمت الجبل المطبق، ارتفع صوت همسات. لم تكن همسات بشرية عادية، بل كانت أصواتاً متداخلة، حادة، خشنة، ومريضة. كانت تشبه حفيف آلاف الأفاعي التي تتلوى فوق أوراق الشجر الجافة، ممزوجة بأنين أطفال وصرخات مكتومة. كانت الهمسات تتحدث بلغات لا يفهمها العقل البشري، لكن الروح تدرك معناها جيداً: كان وعيداً بالهلاك، ووعداً بعذاب أبدي.

ثم جاءت الخطوات.

صوت وقع أقدام ثقيلة، بطيئة، وموزونة بدأت تقترب من الكوخ. لم تكن خطوات شخص واحد، بل كانت تبدو وكأنها خطوات كيان يزن أطناناً، يهز الأرض مع كل ضربة قدم. كان الاهتزاز يسري عبر التربة ليصل إلى جسد العجوز المرتجف، متجاوزاً الجدران الحجرية والطلاسم الدموية التي بدأت تفقد وهجها وتتحول إلى مجرد بقع سوداء قبيحة.

الهمسات أصبحت أعلى، تلتف حول الكوخ، تتسرب من تحت شقوق الباب، وتتغلغل في مسام جلدها. كانت تسمع أسماءهم، أسماء الشياطين والجن الذين خدموها يوماً، مدموجة بأسماء أسيادهم من المستشارين وأمراء العالم السفلي. كانوا ينادونها. لا مفر. لا مخبأ. لقد أصبحت مكشوفة بالكامل، ودرع الدم الذي رسمته لم يكن سوى وهمٍ يائس تبدد أمام الحضور الطاغي لسادة الظلام.

وقفت العجوز ببطئ. لم تعد ترتجف. عندما يبلغ الخوف أقصى درجاته، يتحول إلى نوع غريب من السكينة الميتة. أدركت أن الاختباء خلف باب خشبي مهترئ لن يؤجل المحتوم سوى ثوانٍ معدودة، وأن الموت بكرامة-إن كان للساحرات كرامة-أفضل من أن تُسحب من شعرها كجرذ مذعور.

مشت بخطوات ثابتة نحو الباب. مررت أصابعها الجافة فوق المزلاج الحديدي الذي وضعته قبل قليل. كان المعدن بارداً كالثلج، لدرجة أنه كاد يلتصق بجلدها. رفعت العارضة الخشبية الثقيلة، وألقتها على الأرض بصوت مكتوم. ثم أمسكت بمقبض الباب، وأدارته.

فتح الباب بصرير طويل وحزين، وكأنه ينوح على نهاية هذه الرحلة المظلمة. انفتح الباب على مصراعيه، لتواجه العجوز فراغ الليل الدامس.

في الخارج، كانت العاصفة قد استيقظت مجدداً، لكنها لم تكن عاصفة طبيعية. كانت الرياح تدور في دوامات عنيفة، تحمل معها أوراق الشجر السوداء وغبار الجبل، بينما تجمعت غيوم ركامية ضخمة في السماء، محتجبة أي أثر للنجوم، ومحتضنة شحنات كهربائية تنذر بغضب كوني.

نظرت العجوز إلى الأمام، محدقة في الظلام المحيط بالساحة الترابية أمام كوخها. في البداية، لم ترَ سوى العتمة، لكن مع اشتداد الرياح، لاحظت خيالاً يقف على بُعد أمتار بعيدة.

لم يكن وحشاً بقرون، ولا كياناً مشوهاً كما توقعت. كان يقف هناك بهدوء يتناقض مع فوضى العاصفة المحيطة به.

وفجأة، شق السماء وميض برق أبيض، ساطع، وقاسٍ، أضاء قمة الجبل بأكملها لثانية واحدة، ثانية كانت كافية لتجميد الدم في عروق العجوز للأبد.

تحت ضوء البرق الخاطف، رأت الشاب بوضوح. كان يرتدي حلة سوداء أنيقة، لا تليق بوعورة الجبل ولا بعواصفه. كان وجهه شاحباً كالموت، ملامحه متناسقة بشكل مرعب، خالية من أي تعبير بشري، وعيناه... عيناه كانتا حفرتين من السواد المطلق، تبتلعان الضوء ولا تعكسانه. كان يقف واضعاً يديه خلف ظهره، ينظر إليها بهدوء متغطرس، كملك يتفقد حشرة قرر سحقها. لقد كان "المستشار"، أمير العالم السفلي الذي تحدته.

لكن الرعب لم يكن في الشاب وحده.

بعد الومضة الثانية للبرق، قبل أن يضرب الرعد المزلزل، اتسعت حدقتا العجوز حتى كادتا تتمزقان. خلف الشاب الأنيق، وعلى امتداد سفح الجبل الصخري الذي كان يُفترض أن يكون فارغاً، وقف جيش.

جيش هائل، ممتد إلى ما لا نهاية، يغطي الصخور والأشجار المتفحمة. كيانات بآلاف الأشكال والأحجام. شياطين بأجساد ممزقة وعيون متوهجة كالجمر، جن بأجنحة خفافيش عملاقة وأطراف مشوهة، ظلال تزحف على الأرض بأذرع لا حصر لها، ووحوش بوجوه بشرية تصرخ في صمت. كانوا جميعاً يقفون في سكون تام، مصطفين خلف الشاب، ينتظرون إشارة واحدة فقط. كان ضوء البرق يعكس بريق أنيابهم، ومخالبهم، وحقدهم الأزلي.

انطفأ البرق، وعاد الظلام ليبتلع المشهد الأسطوري، وتبعه فوراً صوت رعد مدوٍ اهتزت له أساسات الجبل، وكأنه بوق النهاية.

وفي العتمة التي تلت الرعد، وسط هدير العاصفة، سمعت العجوز صوت الشاب يتردد داخل رأسها، ناعماً، مهذباً، وممتلئاً بوعد الموت:

"لقد انتهى دوركِ... والآن، يبدأ حصادنا".

"يحيى" همسة بشفتين ترتعشان، ابتسمت العجوز بمرارة في الظلام، وأرخت ذراعيها إلى جانبيها. لم تغلق الباب. لم تتراجع. وقفت في مكانها تستقبل العاصفة، بينما سمعت خطوات الشاب تتقدم نحو الكوخ، لتطوي صفحتها، وتطمس أثرها من على وجه الأرض، كأنها لم تكن يوماً سوى كابوس عابر ابتلعه الليل.

......... النهاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شَعوَذة

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة