كانت اللحظات التي تقضيها "فاطمة" خارج أسوار "البيت الكبير" بمثابة جرعات أكسجين نقية تسحبها من قاع محيط خانق. بمجرد أن تخطت البوابة الحديدية السوداء الثقيلة، وسمعت صوت إغلاق المزلاج خلفها، شعرت وكأن حقيبة من الحجارة قد سقطت عن كتفيها. هواء الخريف في الشارع كان يحمل برودة منعشة، لا تشبه تلك البرودة الجليدية المريضة التي تسللت إلى غرفتها في الصباح.
مشت بخطوات متسارعة، أقرب إلى الهروب، نحو المقهى الصغير الهادئ الذي يقع على ناصية الشارع التجاري، بعيداً عن عيون المتطفلين من أقاربها ومعارف العائلة. كان المقهى يُدعى "زهرة اللوز"، مكاناً دافئاً تغلفه رائحة القهوة المحمصة، ومخبوزات القرفة، وموسيقى هادئة تذوب في الخلفية لتعزل رواده عن صخب المدينة.
هناك، في الزاوية المعتادة بجوار النافذة الزجاجية الكبيرة، كان يجلس "قاسم".
بمجرد أن وقعت عيناها عليه، تلاشت كل الهلاوس، وتبخرت كلمات "خديجة" و"سميرة" المسمومة التي عكرت صفو إفطارها. كان قاسم يمثل النقيض التام لكل ما يحيط بها في ذلك البيت. كان مهندساً معمارياً في أواخر العشرينيات من عمره، يمتلك ملامح رجولية هادئة، وعينين بنيتين عميقتين تشعان بثقة وحنان لا متناهيين. لم يكن حبه لها مجرد عاطفة عابرة، بل كان قراراً واعياً بانتشال هذه الزهرة الرقيقة من وسط الأشواك التي تلتف حولها.
عندما اقتربت من الطاولة، نهض قاسم بابتسامته المعهودة، تلك الابتسامة التي كانت بمثابة مرساة الأمان لسفينتها المضطربة. سحب لها الكرسي، وبمجرد أن جلست، التقط يدها اليمنى بلطف بين يديه الدافئتين القويتين.
"تبدين كمن كانت تركض هرباً من جيش كامل"، قال قاسم بصوته العميق المريح، وهو يمسح بإبهامه على ظهر كفها.
ابتسمت فاطمة ابتسامة متعبة، وأجابت وهي تنظر إلى عينيه: "جيش كامل أهون من جلسة إفطار واحدة مع زوجات أعمامي يا قاسم. أحياناً أشعر أن الهواء في ذلك البيت يُسحب من رئتي عمداً لكي أختنق".
تنهد قاسم، وترك يدها ليرتشف قليلاً من قهوته، ثم نظر إليها بجدية مشوبة بالتعاطف: "أعرف يا فاطمة. أعرف تماماً كيف ينظرون إليكِ، وكيف يثقلون كاهلك بتلميحاتهم. لقد حذرتكِ من قبل، الثراء والجمال وحب الحاج عبد الرحمن لكِ، كلها نعم، لكنها في عيونهم ذنوب لا تغتفر. ولكن، انظري إليّ...".
أشار بيده نحو وجهه ليلفت انتباهها بالكامل، وتابع بلهجة حاسمة: "كل هذا سينتهي قريباً. شهران فقط، ستون يوماً يا فاطمة، وتنتقلين إلى عالمنا الخاص. عالم لا توجد فيه خديجة ولا سميرة، ولا جدران تحمل ذكريات قديمة وأسراراً مكتومة".
لمعت عينا فاطمة، ونظرت إلى يدها، حيث يستقر خاتم الخطبة الألماسي. كان الخاتم يبرق تحت إضاءة المقهى الدافئة، يخطف الأبصار بنقائه. لم يكن مجرد قطعة مجوهرات باهظة الثمن، بل كان بالنسبة لها درعاً، وثيقة عهد، ووعداً بحياة جديدة.
مررت أصابع يدها اليسرى على الخاتم، وقالت بصوت خافت: "كانوا يتحدثون عن الخاتم اليوم على مائدة الإفطار. تمنوا لو أنه يسقط من يدي، أو هكذا فهمت من نبرة خديجة. لماذا يكرهونني بهذا القدر يا قاسم؟ أنا لم أؤذِ أحداً يوماً. لقد عشت في ذلك البيت وكأنني ظل، أحاول دائماً أن أكون غير مرئية لتجنب المشاكل".
انحنى قاسم فوق الطاولة، واقترب منها قائلاً: "لأنكِ لستِ ظلاً، ولن تكوني. أنتِ النور الذي يفضح عتمة قلوبهم. فشل أبنائهم، جشعهم، ومحاولاتهم المستمرة للسيطرة على ميراث العائلة، كل هذا يجعلكِ هدفاً سهلاً لأنكِ الحلقة الأنقى والأقرب لجدك. ولكن دعكِ منهم الآن... لدي شيء سيغير مزاجكِ تماماً".
مد قاسم يده إلى حقيبته الجلدية الموضوعة على الكرسي المجاور، وأخرج منها ملفاً أنيقاً. فتحه أمامها على الطاولة، لتظهر مجموعة من الرسوم الهندسية وصوراً ثلاثية الأبعاد.
"لقد انتهيت من التصميم النهائي لمنزلنا"، قالها وعيناه تلمعان بحماس طفل يعرض رسمته الأولى.
اقتربت فاطمة بفضول، وبدأت تتأمل الأوراق. كانت التصاميم تعكس روح قاسم تماماً: مساحات واسعة ومفتوحة، نوافذ زجاجية عملاقة تمتد من الأرض إلى السقف لتسمح لأشعة الشمس باحتضان كل زاوية، وألوان فاتحة ومريحة للعين.
"لقد صممته ليكون النقيض تماماً للبيت الكبير"، شرح قاسم وهو يشير بقلمه إلى إحدى الصور. "لا توجد ممرات ضيقة هنا، لا توجد غرف مغلقة ومظلمة. أريد أن يكون بيتنا مليئاً بالضوء. لن نضع ستائر ثقيلة، ولن نفرش سجاداً قديماً يحتفظ بالغبار والكآبة. سيكون مكاناً يتنفس، مكاناً نربّي فيه أطفالنا بسلام، دون همسات خلف الأبواب المغلقة".
ابتسمت فاطمة واتسع بؤبؤ عينيها وهي تتخيل نفسها تمشي في تلك الأروقة المضيئة. كان هذا هو الحلم الذي عاشت من أجله؛ أن يكون لها بيت حقيقي، بيت لا تشعر فيه بأنها ضيفة ثقيلة أو عبئ، بيت تختاره بنفسها ويكون مملكتها الخاصة.
قالت بصوت مفعم بالأمل: "إنه رائع يا قاسم... يبدو وكأنه قطعة من الجنة. لا أصدق أنني سأستيقظ يوماً لأرى الشمس تملأ غرفتي دون أن تكسرها قضبان النوافذ الحديدية القديمة في بيت جدي".
أمسك قاسم بيدها مجدداً، وطبع قبلة خفيفة على ظهر كفها: "ستستيقظين كل يوم وأنتِ حرة يا فاطمة. أعدكِ بذلك. هذا الخاتم الذي ترتدينه ليس مجرد زينة، إنه التزامي أمام الله وأمامكِ بأن أحميكِ من كل سوء، وأن أبني لكِ العالم الذي تستحقينه".
غمرتها موجة من السعادة الدافئة التي أسالت دمعة فرح صغيرة من زاوية عينها اليمنى. مسحتها بسرعة وهي تضحك. في تلك اللحظة، شعرت بأن كل شيئ سيكون على ما يرام. قاسم كان قوياً، عقلانياً، ولا يؤمن بالخرافات أو الألاعيب النسائية الصغيرة. كان الجدار الصلب الذي ستستند إليه متى ما مالت بها الحياة.
ولكن، وفي ذروة هذا الشعور بالسكينة، حدث شيء غريب.
بينما كانت تضحك على نكتة ألقاها قاسم حول اضطراره لتعلم الطبخ إذا فشلت هي في ذلك، انقطع الصوت فجأة. لم يصمت قاسم، شفتيه كانتا تتحركان، وتعبيرات وجهه مستمرة في الضحك، لكن فاطمة لم تكن تسمع شيئاً. تلاشت موسيقى المقهى الهادئة، واختفى طنين أحاديث الزبائن، وصوت ارتطام الفناجين بالصحون.
ساد صمت مطلق ومفزع في أذنيها، تلاه طنين رفيع، حاد، ومؤلم، كأنه إبرة تُغرز في طبلة أذنها.
رمشت بعينيها بقوة. انقبضت معدتها بشدة، وشعرت بغثيان مفاجئ. تحولت إضائة المقهى الدافئة في عينيها إلى لون أصفر مريض وداكن. نظرت إلى فنجان الشاي الخاص بها، وللحظة واحدة مجنونة، خُيل لها أن سطح الشاي الأحمر يتحرك، يتموج، وكأن ديداناً صغيرة تسبح تحته.
رفعت بصرها بسرعة، وبحثت عن الهواء. كان المقهى المكيف يشعرها فجأة وكأنه فرن خانق، ومع ذلك، كانت برودة جليدية تنبعث من أسفل قدميها وتتسلق ساقيها. نظرت إلى النافذة الزجاجية بجوارها، وبدلاً من أن ترى انعكاس وجهها، رأت ظلاً أسود يقف خلف كرسيها مباشرة. ظل بلا ملامح، مجرد كتلة من العتمة تتخذ شكلاً مشوهاً يقترب من رأسها.
انتفضت فاطمة في مقعدها، وشهقت بقوة، فأسقطت يدها عن طريق الخطأ ملعقة صغيرة ارتطمت بالصحن وأحدثت صوتاً عالياً.
عاد الزمن إلى طبيعته في جزءٍ من الثانية. الموسيقى، أصوات الناس، صوت قاسم... كل شيئ عاد دفعة واحدة وكأن شخصاً ضغط على زر التشغيل بعد إيقاف مؤقت.
"فاطمة؟ هل أنتِ بخير؟"، سأل قاسم بخوف حقيقي، وقد اختفت الابتسامة تماماً عن وجهه. "لقد شحب وجهكِ فجأة وكأنكِ رأيتِ شبحاً!".
كانت فاطمة تتنفس بصعوبة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة. التفتت خلفها برعب، فلم تجد سوى نادل يمرر صينية طلبات لطاولة مجاورة. لا ظلال، لا عتمة، ولا شيئ غير طبيعي. نظرت إلى فنجان الشاي، كان ساكناً وطبيعياً.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، وحاولت استجماع شتات نفسها. لم ترد أن تفسد هذه اللحظة، لم ترد أن تظهر بمظهر الفتاة الضعيفة المريضة أو المضطربة نفسياً، خاصة بعد أن كان قاسم يتحدث عن مستقبلهما المشرق.
"أنا... أنا بخير"، قالت بصوت متهدج حاولت جاهدة أن تجعله طبيعياً. "مجرد دوار بسيط. لم أنم جيداً ليلة أمس، ولم أتناول إفطاري بشكل كامل صباح اليوم. لا تقلق يا قاسم، أنا حقاً بخير".
نظر إليها قاسم بشك مبطن بالقلق، ومد يده ليتلمس جبينها: "حرارتكِ طبيعية، لكن أطرافكِ باردة جداً. هل أنتِ متأكدة؟ ربما يجب أن نذهب إلى الطبيب لإجراء بعض الفحوصات الروتينية، الإرهاق من تجهيزات الزفاف قد يسبب هبوطاً في الدورة الدموية".
أمسكت بيده وأنزلتها عن جبينها، محاولة رسم ابتسامة مطمئنة: "لا داعي للطبيب يا حبيبي. أحتاج فقط لبعض الراحة، ربما نوم عميق سيعيد الأمور إلى نصابها. أعدك أن أهتم بصحتي أكثر".
لم يقتنع قاسم تماماً، لكنه احترم رغبتها. أمضيا نصف ساعة أخرى، حاول فيها قاسم تلطيف الجو والعودة للحديث عن تفاصيل الأثاث والسفر لقضاء شهر العسل، وكانت فاطمة تجاريه بالحديث والابتسامات، لكن عقلها كان في مكان آخر تماماً. كانت تحاول إقناع نفسها أن ما حدث كان مجرد هبوط في الضغط، نوبة دوار بسيطة، أو إرهاق شديد تلاعب بحواسها. لكن ذلك الطنين، وتلك البرودة... كانت حقيقية أكثر من أي شيئ آخر.
عندما حان وقت العودة، أصر قاسم على مرافقتها سيراً على الأقدام حتى باب البيت الكبير. كانت الشمس قد بدأت في المغيب، وصبغت السماء بلون برتقالي داكن يميل إلى الحمرة، وكأن غيوماً من دم خفيف تغطي الأفق.
كلما اقتربا من الحي القديم، كانت فاطمة تشعر بأن خطواتها تصبح أثقل. كان "البيت الكبير" يلوح في نهاية الشارع، يقف كوحش حجري ضخم يتأهب لابتلاعها. نوافذه كانت مظلمة، باستثناء ضوء خافت ينبعث من غرفة الجدة في الطابق الأرضي.
وقفا أمام البوابة الحديدية السوداء. أمسك قاسم بيديها ونظر في عينيها طويلاً: "اتصلي بي بمجرد أن تصعدي إلى غرفتكِ. وتذكري، مهما كان ما يزعجكِ في هذا البيت، فهو مؤقت. نحن نبني عالمنا الخاص، ولن أسمح لأي شيء بأن يهدمه".
أومأت فاطمة برأسها، وشعرت برغبة عارمة في الارتماء في حضنه والبكاء دون سبب واضح، لكنها اكتفت بالابتسام. "إلى اللقاء يا قاسم".
شاهدته وهو يبتعد بخطواته الواثقة، حتى اختفى عند ناصية الشارع. التفتت نحو البوابة، أخرجت مفتاحها، وأدخلته في القفل. استدار المفتاح بصرير معدني مزعج.
بمجرد أن دفعت الباب ودخلت إلى الحوش الداخلي، قابلتها تلك الرائحة مرة أخرى. لم تكن مجرد رائحة غبار أو خشب قديم، كانت رائحة رطوبة وعفونة خفيفة، تشبه رائحة تراب المقابر بعد هطول المطر.
أغلقت الباب خلفها، وبذلك انقطع آخر خيط من نور قاسم. وقفت في الصالة المظلمة، تستمع إلى صمت البيت الذي بدا مختلفاً هذه المرة. لم يكن صمتاً هادئاً، بل كان صمتاً مترقباً.
رفعت رأسها نحو السلالم المؤدية إلى غرفتها. في الأعلى، في نقطة تلتقي فيها الظلال، خُيل لها أن هناك عينين تلمعان في العتمة، تراقبانها بصمت.
فترة الهدوء قد انتهت فعلياً، والعاصفة التي كُتبت بكلمات مقلوبة ونجاسة ودماء في ذلك الكوخ البعيد، بدأت الآن تطرق أبواب عقلها وجسدها. ما لم تكن تعلمه فاطمة، وما لم يكن قاسم ليتخيله أبداً، هو أن عالمهم الخاص المليئ بالنور، كان على وشك أن يُبتلع في دوامة من الظلام لم يشهد البيت الكبير مثيلاً لها من قبل.
prince Egotist