الرعب الأكبر.

الرعب الأكبر.

23 0

ظل "قاسم" جاثياً على ركبتيه فوق طبقة الرماد الكثيفة التي تفترش أرضية الكوخ، ويداه تغوصان في ذلك التراب الرمادي البارد كأنه يتشبث بآخر بقايا العالم المادي. كان صدى كلمات العجوز العمياء يتردد في جنبات الكوخ الضيق كحكم إعدام نُطق للتو، حكماً لا يقبل الاستئناف. "ارحلا قبل أن يحل الظلام"... كانت هذه هي النهاية التي رسمتها له، النهاية التي تعني عودته إلى "البيت الكبير" ليجلس بجوار جسد "فاطمة" ويراقب الروح تنسحب منه ببطئ، تاركة إياها قشرة فارغة أو مسخاً مشوهاً في قبضة كيان لا يعرف الرحمة.

تقدم "عمار" من الخلف، ووضع يده المرتجفة على كتف صديقه. كان عمار مرعوباً، يختنق من رائحة البخور الكبريتية الكريهة ومن ثقل الوجود المظلم في هذا المكان. همس بصوت متهدج: "قاسم... هيا بنا. لقد سمعتَ ما قالته. لا يمكننا إجبارها، وهذا المكان يسحب أرواحنا. لنعد، سنبحث عن طريق آخر... أي طريق آخر".

لكن قاسم لم يتحرك. لم يرمش. كانت عيناه المحمرتان والغائرتان تحدقان في الفراغ الذي تجلس فيه العجوز، والتي كانت قد سحبت شالها الأسود الممزق لتغطي رأسها وتعود إلى عزلتها الصامتة. في تلك اللحظة، تبدد اليأس في قلب قاسم ليحل محله شيء آخر؛ غضب نقي، بارد، ومستميت. غضب رجل سُلب منه كل شيء، ولم يعد يهاب شيئاً.

نفض قاسم يد عمار عن كتفه بعنف، ورفع صوته الذي خرج أجشاً، ممزقاً، لكنه يحمل نبرة تحدٍ لم يعهدها في نفسه قط: "لن أبرح هذا المكان! تقولين إنك ترين ما خلف الحجاب؟ تقولين إنك تقرئين السواد الذي يحيط بي؟ إذن انظري جيداً أيتها العجوز! استمعي إلى ما رأيته أنا بعيني هاتين اللتين لا تزالان تبصران هذا العالم الملعون!".

توقفت العجوز عن الحركة. لم تلتفت إليه، لكنها أصغت.

استرسل قاسم، والكلمات تتدفق من فمه كشلال من الجمر المحترق: "أنتِ تظنين أنه مجرد سحر أسود عادي؟ مجرد جني عاشق أو كيان متمرد يمكن إرضاؤه أو طرده؟ سأخبركِ بما يحدث لها. فاطمة لم تعد تتحدث بصوتها، بل بصوتين في آن واحد... صوت يخرج من قاع بئر، أجش، بهيمي، لا ينتمي للبشر. جسدها الذي كان أرق من النسمة، أصبح يكسر الأبواب الخشبية المتينة، ويقفز ليتسلق الجدران كحشرة عملاقة وتتعلق في السقف!".

بدأ الدخان الأزرق المتصاعد من الموقد يتلوى بشكل غريب، وكأن الكلمات التي ينطق بها قاسم تحمل ذبذبات تغير من كثافة الهواء.

"لقد رأيتها تطفو في الهواء يا امرأة!" صرخ قاسم ودموعه تخالط الرماد العالق بوجهه. "رأيتها ترتفع عن السرير، وجسدها يتقوس للخلف حتى تكاد عظامها تنكسر، وعيناها تنقلبان إلى بياض مرعب يشبه بياض عينيكِ هاتين! رائحة غرفتها لم تعد رائحة بشر... إنها رائحة لحم متعفن وكبريت يغلي، رائحة تجعلنا نتقيأ دماً. وعندما جاء الشيوخ ليقرؤوا القرآن، لم يصرخ الكيان ولم يحترق... بل ضحك! ضحك بسخرية ونطق بخطاياهم السرية واحدة تلو الأخرى، كأنه كان معهم في غرف نومهم المظلمة! هل تسمعينني؟ هذا الكيان لا يخاف كلام الله لأنه لا يعتبر نفسه من هذه الأرض!".

كان قاسم يلهث، وصدره يعلو ويهبط بعنف. "وعلى جسدها... على خصرها وكتفيها، تظهر كدمات سوداء وبنفسجية كل صباح. كدمات تأخذ شكل أصابع... أصابع ضخمة جداً، أطول من أصابع البشر بمرتين، وكأن هناك وحشاً ضخماً يعتصرها كل ليلة بينما نحن نقف عاجزين خلف الباب المغلق!".

عند ذكر "الكدمات التي تأخذ شكل أصابع ضخمة"، حدث شيء أرعب عمار وجمد الدم في عروقه.

العجوز، التي كانت تبدو كتمثال من الحجر والرماد، انتفضت فجأة. انزاح الشال عن رأسها بعنف، واتسعت عيناها البيضاوان العمياوان بشكل غير طبيعي، وكأنها رأت شيئاً مرعباً يتجسد أمامها في الفراغ.

بدأ جسدها النحيل يرتجف بشدة، ليس ارتعاش الشيخوخة، بل ارتعاش الرعب الخالص. مدت يدها المرتعشة بسرعة نحو الموقد، وقبضت على حفنة كبيرة من الرماد، ثم رمتها فوق الجمرات المشتعلة، فخمدت النار جزئياً وتصاعدت سحابة كثيفة من الدخان الخانق.

"اصمت!" صرخت العجوز بصوت زلزل الكوخ الصغير، صوت كان أعلى وأكثر قوة مما يتحمله جسدها الواهن. "اصمت ولا تنطق بحرف آخر يا أحمق! أنت لا تدرك ما الذي تتحدث عنه! لا تصف تلك الأعراض هنا... لا تصفها في مسكني!".

تراجع قاسم للخلف غريزياً أمام هذه الثورة المفاجئة.

كانت العجوز تتنفس بصعوبة، وصدرها يخشخش كمن يحتضر. زحفت على ركبتيها مبتعدة عن الموقد، وتراجعت حتى التصق ظهرها بالجدار الصخري البارد، محاولة الاختباء في أقصى زوايا العتمة.

"أنت لم تجلب رائحة الموت المبكر فقط،" همست العجوز وصوتها يرتجف برعب بدائي عميق. "أنت جلبت رائحة الهاوية... رائحة الطين الأسود الذي لم تمسه شمس قط. الكدمات على شكل أصابع ضخمة... الرائحة الكبريتية... البكاء المكتوم... والقدرة على قراءة الخطايا...".

أمسكت العجوز برأسها بين يديها النحيلتين، وكأنها تحاول منع عقلها من الانفجار، وبدأت تتمتم بكلمات غير مفهومة، تعاويذ قديمة جداً بلغة ميتة، محاولة تحصين نفسها والكوخ.

"ما الأمر؟" سأل قاسم بصوت منخفض، وقد بدأ يدرك أن ما يسكن فاطمة أرعب حتى هذه المرأة التي تعيش بين الشياطين. "من الذي فعل بها هذا؟ هل هو مارد؟ عفريت من الجن الطيار؟ قولي لي من هو وسأبحث عن طريقة لقتله!".

رفعت العجوز رأسها، ووجهت عينيها البيضاوين نحوه، وكانت ملامحها تحمل مزيجاً من الاحتقار للخيال البشري المحدود، والرعب المطلق من الحقيقة.

"مارد؟ عفريت؟" ضحكت العجوز ضحكة هيستيرية قصيرة ومكتومة. "أيها الجاهل... المردة والعفاريت هم مجرد جنود، بيادق في رقعة شطرنج قذرة، يتلبسون الأجساد الضعيفة لأسباب تافهة كالعشق أو الانتقام البسيط. أنا لا أخشى المردة، ولا أرتجف من العفاريت. بصيرتي قادرة على حرق أقوى عفريت يقف أمامي بمجرد النظر في جوهره. لكن ما يسكن خطيبتك... ليس جندياً".

ابتلعت العجوز ريقها الجاف، وانخفض صوتها إلى همس يشبه فحيح الأفاعي المتوترة، وكأنها تخشى أن يسمعها الجبل نفسه. "لقد قلت لك إن السحر الذي عُقد لها ليس عادياً. من صنع هذه العقدة، الساحر الذي دنس دمه وروحها، لم يطلب خادماً من صغار الشياطين. لقد ارتكب كفراً عظيماً، نجاسة لا يتخيلها عقلك البشري، وقدم قرابين دموية ثقيلة جداً لكي يفتح بوابة إلى أعمق طبقات العالم السفلي".

صمتت للحظة، لتدع الكلمات تتسرب إلى عقل قاسم، ثم أضافت والكلمة تخرج من فمها كقطعة ثلج مسمومة: "لقد استدعى انتباه... 'المستشارين'".

"المستشارين؟" ردد قاسم وعمار الكلمة في نفس الوقت، والشعور بالبرودة يزحف إلى أطرافهما.

"نعم،" همست العجوز. "أنتم لا تعرفون شيئاً عن هيكلية الظلام. 'المستشارون' ليسوا مجرد جن... إنهم كيانات قديمة، سفلى، ومتحكمة. إنهم العقول المدبرة للجحيم، الشياطين التي لا تُستدعى إلا في أعتى وأبشع أنواع السحر الأسود. إنهم أقدم من حضاراتكم، وأشد مكراً من أن يتلبسوا بشراً بأنفسهم في العادة. هم قادة الجيوش السفلية، ولا يتدخلون إلا إذا كانت العقدة السحرية تضمن لهم روحاً نقية، روحاً يتم تدميرها ببطئ شديد لتكون طعاماً طازجاً لهم في العالم الآخر".

أشارت العجوز نحو قاسم بإصبع مرتجف. "الأصابع الضخمة التي تترك كدماتها على جسدها ليلاً... هذه ليست هلوسات. هذا هو المستشار الموكل بها، يخرج من بوابته في ساعات الظلام، يتجسد في الغرفة ليعتصر فريسته، يطمئن على أن العقدة لا تزال تعمل، وأن روحها تذوب وتتفتت في وعاء من العذاب. هو لا يسكنها طوال الوقت، بل يستخدم الكيانات الصغرى لتعذيبها في النهار، ويأتي هو ليلاً ليتلذذ بالحكم".

شعر قاسم وكأن مطرقة ثقيلة هوت على رأسه. كل ما كان يظنه سيئاً، أصبح الآن كارثياً. كان يقاتل في ساحة معركة لا يفهم فيها حتى هوية العدو.

"إذن... كيف نخرجه؟ كيف نكسر العقدة؟" سأل قاسم بيأس يتوسل أي بارقة أمل.

"نحن لا نفعل!" صرخت العجوز بقوة، وضربت الأرض بكفيها حتى تطاير الرماد في كل اتجاه. "ألم تفهم بعد؟ لكي أكسر هذا السحر، يجب أن أفتح المندل الخاص بي، يجب أن أرسل بصيرتي لتبحث عن مكان العقدة المدفونة، ومن صنعها. وإذا فعلت ذلك، فستتقاطع بصيرتي مع نظر هذا 'المستشار'. سيشعر بي. سيدرك أنني أتدخل في عقده الدموي".

ازداد تنفس العجوز تسارعاً، وبدا رعبها جلياً لا يقبل الشك. "أنا امرأة عمياء، أعيش على فتات البصيرة. أستطيع التغلب على الجن، لكن إذا نظر إليّ أحد المستشارين... إذا التقت عيني ببصيرته خلف الحجاب... فسوف يسحق روحي. لن يقتلني جسدياً فقط، بل سيمحو وجودي، سيحرق عقلي ويسحبني إلى قاع الجحيم حية! أنا أختبئ في هذا الجبل منذ عقود لأتجنب لفت انتباههم، وتأتي أنت الآن لتطلب مني أن أطرق بابهم وأتحداهم؟".

أغلقت العجوز عينيها البيضاوين، وأدارت وجهها نحو الجدار، كأنها تحاول الانسلاخ عن هذا الواقع. "لا أمل لها يا بني. هذا السحر محكم، صُنع بعناية وحقد لا مثيل له. لقد باع من سحرها آخرته بالكامل ليضمن هلاكها. عُد إلى بيتك. اجعلها تستمع للقرآن عسى أن يخفف ذلك من ألمها قليلاً، لكن النهاية محتومة. إذا تدخلتُ، ستموت هي، وأموت أنا، وربما تموت أنت أيضاً".

ساد صمت مميت في الكوخ. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس عمار السريعة، وصوت حفيف الرياح خارجاً الذي بدا الآن وكأنه عواء كيانات سفلية تحتفل بانتصارها.

وقف قاسم ببطئ شديد. كان جسده مثقلاً، متهالكاً، لكن عقله كان يعمل بسرعة الضوء. كان المهندس بداخله يحاول إيجاد مخرج، ثغرة في هذا الجدار الصخري من اليأس. إذا كانت هي خائفة من المستشارين، وإذا كان السحر لا يمكن فكه إلا بمواجهتهم، فمعنى ذلك أن هناك طريقة... فنية، تقنية، أو ربما انتحارية.

"ماذا لو لم تواجهيه أنتِ؟" سأل قاسم بصوت منخفض، هادئ بشكل مريب، هدوء ما قبل العاصفة.

التفتت العجوز نحوه ببطئ، وعقدت حاجبيها المجعدين. "ماذا تقصد؟".

اقترب قاسم خطوة نحوها، وعيناه تشتعلان بنار لا يمكن إخمادها، نار رجل قرر أن يحرق نفسه ليضيئ الطريق لمن يحب.

"قلتِ إن المشكلة هي أن بصيرتك ستتقاطع مع نظره إذا بحثتِ خلف الحجاب. أنتِ تخافين على روحك... وهذا حقك، فأنتِ لا تعرفين فاطمة ولا تدينين لها بشيئ". توقف قاسم، ونظر إلى الرماد، ثم إلى العجوز، ونطق بالكلمات التي ستغير مصيره ومصير كل من حوله إلى الأبد: "ماذا لو كنتُ أنا من يبحث؟ ماذا لو أعطيتني أنتِ بصيرتك... ودعيني أنا أنظر خلف الحجاب؟ دعيه يرى روحي أنا، دعيه يمزقني أنا إن استطاع... لكن أرشديني فقط إلى كيفية كسر العقدة".

شهق عمار برعب، وصرخ: "قاسم! هل جُننت؟ ماذا تقول؟".

لكن العجوز لم تصرخ. بل تجمدت تماماً. اتسعت عيناها البيضاوان مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس من الرعب من المستشارين، بل من الذهول المطلق أمام هذا البشري الذي يقف أمامها. كانت تنظر إليه كأنها ترى مخلوقاً مستحيلاً، بشرياً يطلب طواعية أن يُلقى في أتون النار السفلية، متجرداً من كل غريزة بقاء، مسلحاً فقط بحب مجنون وأعمى، حب قد يكون هو الشيء الوحيد الأقوى من سحر العقدة ذاته.

بقيت العجوز صامتة، تتأمل الهالة المحيطة بقاسم في عالمها غير المرئي، بينما كانت جمرات الموقد تطلق شرارة أخيرة ومضيئة قبل أن تغوص في الرماد الكثيف.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شَعوَذة

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة