ترددت الكلمة الأخيرة التي نطقتها العجوز في فضاء الكوخ المظلم كأنها جرس إنذار يُقرع في قاع الجحيم. "عمها"... كانت هذه الكلمة أشد وطأة على عقل "قاسم" من كل الرؤى الشيطانية، وأقسى من زئير "خادم المستشار" السفلي، وأبرد من الصقيع الذي كسا جدران الكوخ الحجري. تسمر قاسم في مكانه، جاثياً على ركبتيه فوق طبقة الرماد المبللة بالدماء السوداء، وعيناه متسعتان تحدقان في وجه العجوز الغائبة عن الوعي.
لم يكن الخطر قادماً من كيان مجهول في بُعد آخر، ولم يكن الحقد نابعاً من غريب عابر أو عدو بعيد. الخنجر المسموم الذي مُزقت به روح "فاطمة"، والذي حوّل حياتها وحياته إلى كابوس لا ينتهي، كان ممسوكاً بيد من لحم ودم... يد من يحمل نفس اسم العائلة، ويجلس معهم على نفس مائدة الطعام.
"قاسم... ماذا قالت؟" همس "عمار" بصوت يرتجف، وهو يقترب بخطوات حذرة متجنباً النظر إلى المندل المحطم على الأرض. "من الذي فعل هذا؟"
رفع قاسم رأسه ببطئ. كانت ملامحه قد تغيرت تماماً. اختفى اليأس، وتلاشت ملامح الضحية المكسورة، ليحل محلها قناع من الجليد البارد، قناع يخفي خلفه غضباً مركزاً، حارقاً، ومدمراً.
"طارق..." نطق قاسم الاسم بصوت خافت، لكنه كان مشحوناً بشحنة قاتلة. "عمها طارق. هو من عقد السحر".
تراجع عمار خطوة إلى الوراء وكأنه تلقى صفعة مفاجئة. "العم طارق؟ مستحيل! الرجل لم يترك المستشفى يوماً واحداً عندما ساءت حالتها! كان يبكي كالأطفال في زاوية الغرفة! هو من جلب الشيخ الأول ليرقيها... هذا جنون يا قاسم! لعل هذه العجوز تهذي أو أن الشياطين تخدعها لتوقع بينكم!"
وقف قاسم ببطئ، ونفض الرماد عن معطفه الجلدي. كل ذكرى، كل موقف، وكل تفصيل صغير كان يتداعى الآن في عقله ليُعاد تركيبه في لوحة جديدة، لوحة بشعة تنضح بالخيانة.
"الخاتم الفضي..." قال قاسم وعيناه تنظران في الفراغ، تسترجعان الماضي بدقة مهندس يبحث عن العيوب في هيكل خرساني. "هل تذكر يا عمار؟ العم طارق يرتدي دائماً خاتماً فضياً ضخماً ومنقوشاً في خنصر يده اليمنى. لم يخلعه قط. العجوز لم تره بعينيها، بل رأت بصيرتها يده وهي تدفن الصرة النجسة في المقبرة... رأت الخاتم".
دار قاسم حول نفسه في الكوخ الضيق، والكلمات تتدفق من فمه كشلال من الحقائق المرة: "والشيخ الأول الذي جلبه طارق... ذلك الدجال الذي لم يفعل شيئاً سوى إشعال البخور والتذمر من أن الحالة ميئوس منها. هو لم يأتِ ليعالجها يا عمار! لقد جلبه طارق ليتأكد من أن السحر يعمل، أو ربما ليجدد العقدة ويقوي الكيان! كان يبكي؟ نعم كان يبكي... دموع التماسيح التي تنتظر موت الفريسة لتبتلعها كاملة".
اقترب قاسم من العجوز الممدة، وتأكد من أن نبضها، رغم ضعفه، لا يزال موجوداً. أخذ بطانية صوفية مهترئة من زاوية الكوخ وغطاها بها بحذر، ثم التفت إلى عمار بحزم: "يجب أن نغادر هذا الجبل فوراً. لقد حصلنا على ما جئنا من أجله، ودفعنا الثمن من أعصابنا وأرواحنا. المعركة الحقيقية ليست هنا... إنها في الأسفل".
فتح عمار المزلاج الحديدي الثقيل، وانطلق الرجلان خارج الكوخ. كانت الرياح العاتية قد هدأت قليلاً، لكن الضباب الأسود كان لا يزال يلف "قمة الغراب". النزول كان أسهل بدنياً من الصعود، لكنه كان أثقل نفسياً. كل خطوة كان يخطوها قاسم نحو السفح، كانت تعمق من جراحه.
طوال الطريق الصخري المنحدر، كان عقل قاسم يعمل كآلة حاسبة لا تهدأ، يربط الخيوط المتناثرة. لماذا؟ ما الذي يدفع عماً لتدمير ابنة أخيه اليتيمة بهذه الطريقة البشعة؟
الجواب لم يكن بحاجة إلى استحضار أرواح لفك طلاسمه، لقد كان مكتوباً في أوراق المحاكم وفي جدران "البيت الكبير".
تذكر قاسم الجد، ذلك الرجل الصارم الذي أحب فاطمة أكثر من أي شخص آخر في العائلة، خصوصاً بعد الوفاة المأساوية لوالدها (الابن الأكبر للجد) في حادث سير قبل سنوات طويلة. كانت فاطمة هي العوض، هي الروح التي تملأ البيت الكبير ضجيجاً وحياة. وقبل أن تقع فاطمة فريسة لهذا المرض الشيطاني بأشهر قليلة، كان الجد قد أعلن في جلسة عائلية عاصفة عن نيته كتابة "البيت الكبير"-الذي يساوي ثروة طائلة بموقعه وتاريخه-بالإضافة إلى ثلث ثروته السائلة، باسم فاطمة، لضمان مستقبلها قبل زواجها من قاسم.
تذكر قاسم وجه طارق في تلك الليلة. وجه محتقن بالدماء، يحاول اصطناع ابتسامة مباركة، بينما كانت عيناه تشتعلان بحقد دفين. وتذكر زوجته... "سعاد".
توقف قاسم فجأة في منتصف الطريق الجبلي، وضرب جبهته بيده كمن أدرك خطأً مميتاً متأخراً.
"سعاد... تلك الأفعى"، همس قاسم من بين أسنانه المطبقة.
"ما بها زوجته؟" سأل عمار وهو يلهث متوقفاً خلفه.
"هل تذكر الأسبوع الذي سبق انهيار فاطمة؟" التفت قاسم نحو صديقه، وعيناه تلتمعان ببريق الانتقام. "سعاد كانت تزور فاطمة يومياً بحجة مساعدتها في تجهيزات الزفاف. كانت تصر على أن تصنع لها القهوة بنفسها. وفي إحدى المرات، دخلتُ فجأة فوجدت سعاد تمشط شعر فاطمة وتأخذ الشعر المتساقط في المنديل بحجة رميه في سلة المهملات. يا لي من أحمق! كيف لم ألاحظ ذلك؟ لقد جمعت أثرها... شعرها، وربما عرقها من ملابسها القديمة، لتسلمها لطارق كي يعقد السحر!"
أكمل قاسم النزول بخطوات أسرع وأكثر عنفاً، وكأنه يدهس على وجوه الخونة مع كل خطوة. لم يكن السحر مجرد طقس تم في مقبرة، بل كان جريمة مكتملة الأركان، شارك فيها الزوجان بدافع الجشع المطلق والحسد الأسود. لم يطيقا فكرة أن تخرج الثروة من تحت أيديهما لتذهب إلى ابنة أخيهما اليتيمة وإلى زوجها الغريب عن العائلة. فقررا أن يقتلاها، ليس برصاصة أو سم قد يكشفه الطب الشرعي، بل بسلاح لا يعترف به القانون البشري... السلاح السفلي.
وصلا إلى السيارة ذات الدفع الرباعي التي كانت متوقفة عند أطراف القرية. كانت القرية لا تزال تغرق في صمتها المريب، والأبواب موصدة خلف أصحابها الخائفين. صعدا إلى السيارة، وأدار عمار المحرك الذي هدر كوحش يستيقظ من سباته. شغّل نظام التدفئة بأقصى طاقته لطرد زمهرير الجبل من عظامهما.
انطلقت السيارة تشق طريقها الموحل عائدة نحو المدينة. كان الصمت داخل المقصورة يختلف عن الصمت الذي رافقهما في رحلة الذهاب. صمت الذهاب كان مليئاً بالخوف والمجهول، أما صمت العودة فكان مشحوناً بتوتر قنبلة موقوتة تقترب من الانفجار.
كسر عمار حاجز الصمت بعد ساعة من القيادة، وعيناه مثبتتان على الطريق الزلق: "ماذا ستفعل الآن يا قاسم؟ هل ستذهب إلى الشرطة؟ لا يوجد قانون يُجرم السحر الأسود، ولن يصدقك أحد إذا قلت إن عماً سحر ابنة أخيه بمساعدة كيان سفلي".
"الشرطة؟" أطلق قاسم ضحكة خافتة، جافة ومخيفة، لا تشبه ضحكته المعهودة أبداً. "القانون البشري أعمى يا عمار، تماماً كعيون العجوز، لكنه لا يملك بصيرتها. إذا واجهت طارق الآن، فسوف ينكر، وسيجعلني أبدو كمجنون يبحث عن شماعة ليعلق عليها مرض خطيبته النفسي. بل ربما يسرع لتجديد السحر قبل أن نتمكن من كسره".
أخرج قاسم هاتفه من جيبه. بمجرد أن اقتربوا من حدود المدينة، عادت إشارة الإرسال، وبدأت الإشعارات تتدفق. رسائل من جدة فاطمة، من الجد، ومكالمات فائتة... من طارق.
نظر قاسم إلى اسم طارق على الشاشة المضيئة، وشعر بغثيان شديد. هذا الرجل الذي كان يتصل لـ "يطمئن" على ضحيته، ليتأكد من أن الكيان لا يزال ينهش لحمها وروحها.
"الخطة تغيرت يا عمار"، قال قاسم بنبرة هادئة وباردة كشفرة جراح. "قالت العجوز إن العقدة مدفونة في مقبرة منسية في 'وادي الحجر'، تحت قبر يُدعى 'قبر الولي المجهول'. يجب أن تُستخرج هذه العقدة وتُحرق قبل اكتمال القمر القادم، وإلا فإن خادم المستشار السفلي سيسحب روح فاطمة معه إلى الأبد. القمر سيكتمل بعد ثلاثة أيام".
استدار قاسم نحو عمار، ووضع يده على كتف صديقه. "مهمتنا الأولى هي الذهاب إلى وادي الحجر الليلة. لا يمكننا الانتظار. سنجد القبر، وسنستخرج العقدة مهما كلفنا الأمر. يجب أن نحرر روح فاطمة ونطرد ذلك الكيان من جسدها أولاً".
"وبعدها؟ ماذا عن طارق وسعاد؟" سأل عمار وقبضته تشتد حول عجلة القيادة.
التمعت عينا قاسم بوهج مظلم ومخيف، وهج رجل لم يعد يخشى الخطيئة إذا كانت في سبيل العدالة. "بعد أن تشفى فاطمة وتفتح عينيها بسلام... سأجعل طارق وسعاد يتمنيان لو أن خادم المستشار السفلي قد أخذهما بدلاً منها. لن أقتلهما يا عمار، الموت راحة سريعة لا يستحقانها. سأدمرهما بنفس السلاح الذي استخدماه. سأفضحهما أمام الجد والعائلة، وسأجعلهما يعيشان في رعب مطلق، يراقبان ظلالهما في الليل، بانتظار انتقام لا يعرفان متى ولا كيف سيأتيهما. سأجعل البيت الذي قتلا من أجله، قبراً لهما وهما على قيد الحياة".
بدأت أضواء المدينة تلوح في الأفق مع حلول الظلام. الإسفلت الناعم عاد ليحتضن عجلات السيارة، والمباني الحديثة بدأت ترتفع حولهما كقلاع زجاجية باردة. لكن قاسم لم يعد يرى مدينته كما كانت. لقد أُسقط الحجاب عن بصيرته أيضاً، ليس بالمعنى السحري، بل بالمعنى الإنساني.
أصبح يرى الوجوه في الشوارع ويتساءل: كم من هؤلاء يحمل في قلبه حقداً كحقد طارق؟ كم من الابتسامات تخفي خلفها أنياباً مسمومة؟ لقد تعلم الدرس الأقسى في حياته، الشياطين الحقيقية لا تعيش فقط في الكهوف المظلمة أو في العالم السفلي الأثيري، بل ترتدي بدلات أنيقة، وتتعطر بأغلى العطور، وتجلس معك في صالون بيتك لترتشف القهوة بينما تخطط لدفنك حياً.
أوقف عمار السيارة أمام شقة قاسم. كان المطر قد بدأ يتساقط مجدداً، يغسل شوارع المدينة، لكنه أضعف من أن يغسل القذارة التي استقرت في روح قاسم.
"خذ قسطاً من الراحة يا عمار، ولا تجب على أي اتصال من العائلة"، قال قاسم وهو يفتح باب السيارة للنزول. "سأدخل لأجهز بعض المعدات... كشافات قوية، فؤوس صغيرة، وقفازات سميكة. سنحتاج إلى وقود وقداحات لحرق العقدة. سأمر عليك في منتصف الليل. الليلة، سنقتحم 'وادي الحجر'، وسننبش قبر الولي المجهول".
أومأ عمار برأسه الثقيل إيجاباً. ورغم الخوف الذي كان يعتصر قلبه من فكرة نبش القبور في منتصف الليل ومواجهة لعنات السحر الأسود، إلا أن غضبه من خيانة طارق كان أقوى من الخوف.
وقف قاسم تحت المطر للحظات، رافعاً وجهه نحو السماء الرمادية الداكنة. لم يعد هناك مجال للتراجع أو الشك. لقد خلع ثوب المهندس العقلاني الذي يؤمن بالمعادلات والزوايا، وارتدى درع المحارب الذي يخوض معركة وجودية في عالم الظلمات.
وكان يعلم أن استخراج العقدة من المقبرة لن يكون نزهة، فخادم المستشار السفلي الذي صرخ في وجه العجوز لن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى عقده يُدمر. سيكون هناك حراس، ستكون هناك طلاسم حماية، وربما فخاخ أثيرية لا يعلم عنها شيئاً. لكن صورة روح فاطمة النقية المحبوسة في قفص الأشواك كانت كافية لتمنحه قوة جيش بأكمله.
دخل قاسم إلى شقته، وفي ذهنه هدفان لا ثالث لهما: رماد العقدة الملعونة... وسقوط العم الخائن. المعركة الحقيقية، معركة الدم والنار، قد بدأت لتوها.
prince Egotist