في صباح اليوم التالي، استيقظت ميرا قبل إيفا.
لم تكن تعرف لماذا.
فتحت عينيها على ضوء رمادي يتسلل من النافذة، وبقيت مستلقية للحظات وهي تستمع إلى أصوات المدينة البعيدة.
عربة تمر في الشارع.
صوت حوافر حصان.
امرأة تنادي من مكان ما.
ثم...
رن الجرس.
مرة واحدة.
فتحت ميرا عينيها بالكامل.
كان الصوت نفسه الذي سمعته بالأمس.
جرس الكاتدرائية.
جلست في فراشها.
«إيفا.»
لم تتحرك أختها.
اقتربت ميرا منها وهزت كتفها.
«إيفا.»
فتحت إيفا عينيها.
«شو؟»
«الجرس.»
«سمعته.»
«اليوم المدرسة.»
أغلقت إيفا عينيها من جديد.
«بعرف.»
«لازم نقوم.»
«بعرف.»
«إيفا.»
فتحت عينيها ونظرت إليها.
«إنتِ متحمسة؟»
هزت ميرا رأسها.
«شوي.»
ابتسمت إيفا.
«كنت مفكرة ما بتحبي المدارس.»
«ما بعرف إذا بحبها.»
ثم سكتت قليلًا.
«بس بدي شوفها.»
نهضت إيفا.
كانت المدرسة على مسافة قصيرة من البيت.
مرّت الأختان في شارع ضيق تحيط به البيوت الحجرية، ثم انعطفن عند نافورة قديمة.
ظهرت الكنيسة أولًا.
كانت صغيرة مقارنة بالكاتدرائيات التي سمعت ميرا عنها، لكنها بدت ضخمة وسط البيوت المنخفضة.
جدرانها من الحجر الرمادي.
برج مربع يرتفع فوقها.
ونوافذ ضيقة يدخل منها ضوء شاحب.
وبجوار الكنيسة، متصلة بها من الجهة الخلفية، كان هناك مبنى آخر أصغر.
قالت ميرا:
«هي المدرسة؟»
نظرت إيفا.
«إيه، شكلها هي.»
لم يكن هناك مبنى يحمل لافتة كبيرة.
فقط باب خشبي عريض، وفوقه صليب صغير منحوت في الحجر.
دخلتا من الباب.
توقفت ميرا.
كانت رائحة المكان مختلفة عن رائحة الشوارع.
رائحة الخشب القديم.
الحجر الرطب.
الشمع.
والحبر.
وجدتا نفسيهما في ممر ضيق يؤدي إلى غرفة كبيرة.
كانت الغرفة طويلة ومستطيلة.
الجدران حجرية مكشوفة.
السقف منخفضًا نسبيًا، تدعمه عوارض خشبية داكنة.
على أحد الجدران علقت لوحة خشبية عليها صليب.
وبالقرب منه كانت هناك صورة صغيرة لقديس.
أما النوافذ، فكانت ضيقة وعالية، تسمح بدخول قدر قليل من الضوء.
لم تكن هناك سبورة.
ولا صفوف مرتبة كما في المدارس الحديثة.
كانت هناك طاولات خشبية طويلة، وعلى كل طاولة مقاعد بسيطة.
بعضها بدا قديمًا جدًا.
جلست مجموعات صغيرة من الأطفال حول الطاولات.
كان بعضهم في السادسة أو السابعة.
وبعضهم أكبر بكثير.
ميرا نظرت حولها.
«كل الأعمار مع بعض؟»
قالت إيفا:
«شكلها هيك.»
في مقدمة الغرفة، وقف رجل يرتدي ثوبًا بنيًا طويلًا.
لم يكن كاهنًا، لكنه كان يحمل كتابًا كبيرًا بيديه.
رفع رأسه عندما دخلتا.
«أنتما الجديدتان.»
نظرت إيفا إليه.
«أنا إيفا، وهاي أختي ميرا.»
ابتسم الرجل.
«ميرا... عشرة أعوام؟»
هزت ميرا رأسها.
«إيه.»
«اجلسي هناك.»
أشار إلى مقعد فارغ قرب النافذة.
ثم نظر إلى إيفا.
«وأنتِ؟»
«أنا مو طالبة.»
«لكن يمكنك البقاء حتى تنتهي أختك.»
شكرتْه إيفا.
جلست ميرا.
بدأ الدرس بعد قليل.
لم يكن المعلم يكتب على شيء.
كان يقرأ من كتابه، ثم يطلب من الأطفال تكرار الكلمات خلفه.
قرأ جملة باللاتينية.
ردد الأطفال الكلمات.
مرة.
ثم مرة أخرى.
كانت ميرا تحاول تقليدهم، لكنها لم تكن تعرف ماذا تعني الكلمات.
التفتت إلى طفلة تجلس بجانبها.
همست:
«شو عم يقول؟»
أجابت الطفلة:
«ما بعرف.»
ضحكت ميرا.
«طيب ليش عم ترددي؟»
رفعت الطفلة كتفيها.
«لأننا منعمل هيك كل يوم.»
توقفت ميرا.
«كل يوم؟»
«إيه.»
ثم عادت إلى الترديد.
راقبتها ميرا.
كان في كلامها شيء غريب.
ليس لأنها لم تعرف معنى الجملة.
بل لأنها قالت:
كل يوم.
وكأنها كانت تفعل الأمر نفسه منذ وقت طويل جدًا.
بعد القراءة، بدأ المعلم يشرح الحساب.
أخرج قطعة من الخشب، ورسم عليها علامات صغيرة.
«إذا كان لديكِ ثلاثة أرغفة، وأعطيتِ واحدًا...»
رفع أحد الأطفال يده.
«اثنان.»
«صحيح.»
ثم أكمل.
كان الدرس بسيطًا.
هادئًا.
عاديًا.
لكن ميرا لاحظت شيئًا آخر.
على الجدار خلف المعلم كانت هناك مجموعة من الألواح الخشبية الصغيرة.
كل لوح يحمل أسماء.
اقتربت منها بعد انتهاء الدرس.
كانت الأسماء مرتبة في قوائم.
سألت إيفا:
«شو هدول؟»
قالت:
«يمكن أسماء الطلاب.»
اقتربت ميرا أكثر.
كانت الكتابة قديمة.
بعض الأسماء بالكاد يمكن قراءتها.
قالت:
«ليش الخط مختلف؟»
لم تجب إيفا.
مرّ المعلم خلفهما.
قال:
«سجلات المدرسة.»
التفتت ميرا.
«قديمة؟»
«بعضها.»
«قديش قديمة؟»
نظر الرجل إلى الألواح.
«قديمة بما يكفي.»
ابتسم.
ثم أخذ أحدها وأعاده إلى مكانه.
لاحظت ميرا أن اللوح الذي أخذه يحمل تاريخًا.
1794.
حدقت فيه.
ثم نظرت إلى المعلم.
«المدرسة كانت موجودة من وقتها؟»
قال:
«من قبل ذلك.»
ومضى.
نظرت ميرا إلى إيفا.
قالت إيفا:
«غريب.»
عند الظهر، خرج الأطفال إلى الساحة الصغيرة خلف المدرسة.
لم تكن ساحة واسعة.
كانت مجرد مساحة ترابية محاطة بجدار حجري.
في طرفها شجرة كبيرة.
جلست ميرا تحتها.
اقترب منها صبي.
«أنتِ الجديدة.»
«إيه.»
«من وين جيتي؟»
«من قرية بعيدة.»
جلس بجانبها.
«اسمك؟»
«ميرا.»
«أنا توماس.»
ابتسمت.
«قديش عمرك؟»
«عشرة.»
«أنا كمان.»
نظر إلى المدرسة.
«بتحبيها؟»
«لسا ما بعرف.»
صمت.
ثم سألته:
«إنت من زمان هون؟»
نظر إليها.
«شو يعني؟»
«بالمدرسة.»
«إيه.»
«قديش؟»
فكر قليلًا.
«من وقت كنت صغير.»
«قديش يعني؟»
لم يجب.
قالت ميرا:
«خمس سنين؟»
هز رأسه.
«يمكن.»
«عشر؟»
نظر إليها.
ثم ابتسم.
«يمكن.»
ضحكت.
«يعني ما بتعرف؟»
«ما بعدّ.»
ثم وقف.
«لازم أرجع.»
«ليش؟»
«عندي درس.»
ركض نحو الباب.
بقيت ميرا تنظر إليه.
كان هناك شيء غريب في طريقته.
كأنه لم يكن مستعجلًا.
وكأنه يعرف تمامًا أين سيذهب وماذا سيفعل.
كأنه فعل ذلك...
مرات كثيرة.
بعد الاستراحة، دخلت ميرا إلى غرفة أخرى.
هذه المرة كان هناك معلم مختلف.
رجل طويل، نحيل، بشعر أبيض.
كان يبدو أكبر من المعلم الأول.
لكنه لم يكن عجوزًا.
ربما في الخمسين.
قال:
«اجلسوا.»
جلس الأطفال.
فتح كتابًا.
ثم بدأ يقرأ.
كان صوته هادئًا.
لكن عندما وصل إلى فقرة معينة، توقف.
رفع عينيه عن الكتاب.
نظر إلى أحد الأطفال.
«أنت.»
رفع الطفل رأسه.
«نعم؟»
«أين كنت بالأمس؟»
قال الطفل:
«هنا.»
«أمس؟»
«إيه.»
هز المعلم رأسه.
«صحيح.»
ثم تابع القراءة.
ميرا نظرت إلى إيفا.
كان السؤال غريبًا.
لكن لا أحد بدا مستغربًا.
في وقت لاحق، خرجت ميرا إلى الممر وحدها.
كانت تبحث عن الماء.
وجدت بابًا نصف مفتوح.
وراءه غرفة صغيرة.
دخلت.
كانت مليئة بالكتب والصناديق.
وفي الزاوية خزانة طويلة.
فوقها سجل كبير.
مدت يدها نحوه.
قبل أن تلمسه، سمعت صوتًا.
«ميرا.»
تجمدت.
استدارت.
لم يكن هناك أحد.
«مين؟»
صمت.
ثم سمعت صوتًا آخر.
من مكان قريب جدًا.
«لا تفتحيه.»
تراجعت خطوة.
ظهر المعلم ذو الشعر الأبيض عند الباب.
نظر إليها.
لم يكن غاضبًا.
لكن وجهه لم يعد مبتسمًا.
قال:
«هذه ليست غرفة للطلاب.»
«كنت عم دور عالماي.»
«الماء في الجهة الأخرى.»
أشارت إلى السجل.
«شو هاد؟»
«سجل.»
«سجل شو؟»
«الطلاب.»
نظرت إليه.
«قديم؟»
«نعم.»
«قديش؟»
اقترب الرجل من الخزانة.
أخذ السجل ووضعه في مكان آخر.
«لا تحتاجين إلى معرفة ذلك.»
ثم فتح الباب.
«اذهبي إلى أختك.»
خرجت ميرا.
لكنها قبل أن تبتعد، سمعت صوته خلفها.
«وميرا.»
التفتت.
«نعم؟»
«إذا رأيتِ شيئًا غريبًا هنا...»
توقف.
«لا تلمسيه.»
لم تقل شيئًا.
عندما انتهى اليوم، كانت إيفا تنتظر عند الباب.
«يلا.»
خرجتا من المدرسة.
كانت الشمس قد بدأت تميل.
قالت إيفا:
«كيف كانت؟»
فكرت ميرا.
«حلوة.»
«بس؟»
«وغريبة.»
ضحكت إيفا.
«شو الغريب؟»
بدأت ميرا تعد على أصابعها.
«في أطفال ما بيعرفوا من إمتى هنن بالمدرسة.»
«عادي.»
«وفي سجلات قديمة كتير.»
«قديش؟»
«مئة سنة يمكن.»
«يمكن.»
«وفي معلم ما بحب حدا يفتح غرفة الكتب.»
«يمكن لأنها غرفة ممنوعة.»
«وفي أطفال بيحكوا كأنهم هون من زمان.»
توقفت إيفا.
«شو يعني؟»
«ما بعرف.»
مشيتا قليلًا.
ثم قالت ميرا:
«بس في شي تاني.»
«شو؟»
«المدرسة فيها أطفال كل يوم بيجوا.»
«إيه.»
«وبيرجعوا كل يوم.»
«أكيد.»
هزت ميرا رأسها.
«لا.»
نظرت إيفا إليها.
«شو قصدك؟»
«قصدي...»
توقفت ميرا.
كانت تبحث عن الكلمات.
«حسيت إنهم ما عم يجوا على المدرسة.»
«كيف يعني؟»
نظرت إلى مبنى المدرسة خلفها.
«حسيت إنهم... ما عم يروحوا منها.»
ساد الصمت.
رفعت إيفا عينيها نحو النوافذ.
في الطابق العلوي، كان أحد الأطفال واقفًا خلف الزجاج.
طفل صغير.
يرتدي ثوبًا بنيًا.
كان ينظر إليهما.
لوّحت ميرا له.
لم يلوّح.
فقط بقي واقفًا.
ثم اختفى.
قالت إيفا:
«يمكن لازم نرجع.»
بدأتا بالمشي.
وعندما ابتعدتا قليلًا، رن جرس المدرسة.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم ثالثة.
توقفت ميرا.
«بس المدرسة خلصت.»
نظرت إيفا إلى المبنى.
«يمكن الجرس تبع الكنيسة.»
«لا.»
«كيف عرفتي؟»
قالت ميرا:
«جرس الكنيسة صوته أعمق.»
سكتت إيفا.
استمعتا.
رن الجرس مرة أخرى.
هذه المرة بدا الصوت قريبًا جدًا.
كأنه جاء من داخل المدرسة.
ثم توقّف.
وبقيت فالدوين هادئة.
كأن شيئًا لم يحدث.
لكن في الطابق الثالث، خلف إحدى النوافذ، كان المعلم ذو الشعر الأبيض واقفًا وحده.
ينظر إلى الشارع.
ثم رفع يده وأغلق الستارة.
وعاد إلى الصف.
إلى الأطفال.
إلى الكتاب.
إلى الدرس الذي سيبدأ غدًا.
كما بدأ بالأمس.
وكما سيبدأ بعده.
remanwrites